أقلام وأراء
السّبت 29 أبريل 2023 10:19 صباحًا - بتوقيت القدس
مسلسل تفتيت الأمة والسقوط
عندما قامت قيامة العالم العربي فيما سُمّي ربيعًا منذ العام 2011 تفاءل الكثيرُ من أبناء الأمة العربية والإسلامية بإمكانية تحقيق النقلة للأنظمة من حالة الاستبداد أو المظلمة أو التخلف الديمقراطي الى واحة الديمقراطية.
لقد كان التفاؤل كبيرًا لاسيما وأن الناس دومًا على حق، والجماهير بمجملها لا يمكن أن تخطيء. ولم تكد الأيام القليلة تمر حتى ذاب الثلج وبان المرج.
ركبت التنظيمات الأيديولوجية على ظهر الثورات أو الاحتجاجات الشعبية فمالت بالمركب الى مطالب حزبية ضيقة رأت بمطالبها أنها تمثل الشعب أو الأمة فانحرفت بالربيع الذي تحول الى خريف ثم الى شتاء قاسٍ.
من تونس الى مصر وإن استطاعتا الخروج بأقل الخسائر نتيجة الوعي الجماهيري اللاحق على سرقة الثورات، فإن ما حصل في ليبيا وسوريا وغيرهما على سبيل المثال كان الكارثة الكبرى التي حلّت بالعالم العربي فلم تنجُ هذه البلاد من التشرذم والتشتت والفتن حتى اليوم.
استطاعت تنظيمات التطرف الاسلاموي وبدعم وتأهيل واضح من العقلية الاستعمارية الأميركية أن تعيث فسادًا في أقطار الأمة كلها تقريبًا فتحقق لهذه العقلية حلمها الكبير باستمرار تجزيء وتفتيت الأمة أكثر مما هي عليه.
بدأ مسلسل التفتيت الاستعماري الظاهر منذ القدم، ولنرجعه هنا منذ معاهدة لندن العام 1840 ورد محمد علي باشا حاكم مصر عن التوسع. ثم فيما كان من البحث الإنجليزي الاستعماري المحموم على قلب كيان الأمة وتعويق أي وحدة. وقد تحقق للمستعمِر ذلك فيما كان من وعود كاذبة للعرب، وكانت الحقيقة بائنة بالتقسيم عبر اتفاقيات سايكس بيكو 1916 وسان ريمو عام 1920 وما خالطهما من اعلان بلفور واحتلال فلسطين لاحقًا.
في ظل العالمين الشرقي والغربي ورغم احتدام الصراعات تحالفت بعض زعامات العرب مع الأميركيين ضد الغزو الروسي لأفغانستان مذ العام 1979 فظهر "المجاهدون" والاسلامويون يسيرون ويقاتلون جنبًا الى جنب مع الأميركيين، وداعميهم العرب وكأنهم جبهة واحدة ضد الكفر!
خرج الروس من أفغانستان عام 1989م ولم تخرج أميركا بل استوطنت. لقد احتاجت أميركا عدوًا تحاربه بعد الانهيار الشيوعي فكانت التنظيمات الاسلاموية المتطرفة أو ما سموه "الإرهاب الإسلامي"، متناسين إرهابهم العابر للقارات، والذي لم ينته بمقتل بن لادن عام 2011 أو الظواهري عام 2022 وما بينهما كانت أميركا قد عاثت بالعالم العربي أو ما يسمونه الشرق الأوسط فسادًا عبر الربيع العربي المتحول الى هشيم، ولا نقفز عن محاولات تدمير القضية الفلسطينية النقيض للإمبريالية الإسرائيلية-الاميركية، والتي كان آخرها مشروع استقلال الدولة الفلسطينية ب "صفعة القرن" التي أفشلها الفلسطينيون وأحرار الأمة.
حصل الاختراق والتفتيت الاستعماري للمنطقة والأمة بمراحل خمسة من العام 1840 الى العام 1920 حتى النكبة للأمة عام 1947-1948م، وما تلاها من معارك قومية جامعة انتهت ب"كامب ديفد" عام 1979 ، ثم التحالف مع الأميركي الذي حقق الانقلاب العربي المطلوب بترك القضية الفلسطينية شيئا فشيئا في ذيل قائمة الأولويات العربية حتى تأكد ذلك إثر تدمير العراق الأول ثم الثاني، وما تلاها من مؤتمر مدريد عام 1991م ثم أوسلو. فكان الاستفراد بالفلسطيني مقدمة لمزيد من التشريح في جسد الأمة.
نجت أقطار الأمة من المزيد من التفتيت مؤقتًا، وكفلت استمرار أنظمتها في ظل تحالفات مشبوهة مع الأميركي، ودعم لتيارات أو جماعات أو زعامات واهمة بحماية الاميركان حتى سقط المعسكر الشرقي. وتحكمت أميركا بالعالم حصريًا-حتى ظهرت الصين وروسيا مؤخرًا.
بطشت أميركا بالعالم أجمع شرقًا وغربًا بحروب غير متكافئة، فلا راد لقوتها الغاشمة، وفي العالم العربي وجدت الضالة الكبرى بدخول مسرح المزيد من التفتيت والتقسيم تحت مظلات مخرومة ومكذوبة من حقوق الانسان أو التنظيمات الإرهابية أو الأسلحة الفتاكة من خلال قصف العراق، ثم احتلال العراق عام 2003م. حيث بالاحتلال تنتهي المطالبات ويظهر أن لا تنظيمات إرهابية بمقدار الإرهاب الأميركي ذاته، ولا أسلحة فتاكة أعظم من الأسلحة الغربية والإسرائيلية والأميركية. وأما عن شعار "حقوق الانسان" فحدث ولا حرج، ولك فيما حصل في أبوغريب وغوانتنامو أمثلة فاقعة، وفي فلسطين الأمثلة من الحليف الإسرائيلي لا تعد ولا تحصى.
نحن اليوم ندخل المرحلة السادسة في تفتيت المفتّت وتجزيء المجزّأ ما نسب سابقًا قولًا ل"برنارد لويس" الحاقد على العرب والمسلمين -وتنفيذًا من الاداة الاستعمارية الغربية وعلى رأسها الاميركية وحليفتها بالمنطقة - حين قال لويس" إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون لا يمكن تحضيرهم .... ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافتهم الدينية ...إنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية"!
لقد سار على خطى "بريجنسكي" مستشار الامن القومي الاميركي الذي قال عام 1980 أنه يجب تصحيح حدود سايكس- بيكو. ثم رغبة الرؤساء الاميركان في استمرار الهيمنة على المنطقة التي تسبح في بحيرة من النفط والثروات.
المرحلة السادسة تواصل فيها التفتيت المطلوب لتحقيق المزيد من الهيمنة الغربية واتخذ شكلًا جديدًا.
كان الصراع واضح المعالم بين الغرب والأمة أولًا منذ القرن 18 و19 فصاعدًا، ثم تحول الى استقطابات غربية في مقابل استقطابات شرقية مقابلة، ثم الى تحريض الأنظمة ضد الشعوب، فصراع الأنظمة ضد بعضها البعض، ثم صراع النظام والجماهير، وصولًا لصراع الأنظمة ضد المنظمات المتطرفة.
الشكل جديد من الصراع الغربي الموبوء بعنصريته البغيضة، ووهم تفوقه التقاني والأخلاقي! وبالقتال الشرس لتثبيت هيمنته واستبداده على حضارات وأمم الدنيا، اتخذ اليوم في بلادنا بُعده القبلي أو العشائري أو الحزبي-الفصائلي داخل كل بلد. وما يصاحب ذلك من تفتيت الجوامع العربية، أو الأمن القومي العربي، أو القيم الحضارية التي تجمع منطقتنا من أكثر من ألف و500 عام على الأقل، وإعلاء شأن الثانويات القطرية، ثم الجهوية، ثم الحزبية أوالقبلية - العشائرية حتى مقابل الدولة الوطنية ذاتها. مانراهُ بجلاء اليوم في التفتيت والتدمير الحاصل بالسودان اليوم في حرب الاخوين والحليفين أو الصديقين اللدودين البرهان وحميدتي حلفاء الإسرائيلي والاميركي بالمنطقة.
لا يعني مسلسل التفتيت للأرض والشعوب والقيم الحضارية والمفاهيم الجامعة أن الامة عبارة عن جسم مستسلم خاضع للمخططات وينتظر السكين أن تصل رقبته وهو راكد كامن، ولا يعني أن الأمة رغم الضعف الواضح بزعمائها وكثير من قيمها المتغيرة ستكون أسيرة تشخيصات استعمارية او عنصرية حاقدة.
ولا يعني مسلسل التفتيت الغربي لمنطقتنا، أن العالم ثابت ويدور حول الغرب باعتباره المحور والباقي يدور في فلكه أو هو من الأطراف، فهاهي الأمم الشرقية تعلن قيامتها في الصين وروسيا، وغيرها فهل نحن على آثارهم سائرون! ولدينا من المقومات الكثير.
أن في الأمة منجم ذهب في أبنائها الذين يمتلكون أداة الفكر والعلم والثقافة والتقانة والرسوخ الحضاري المتميز وهم مَن آن لهم اليوم أن يمسكوا بزمام الأمور بوعي وديمقراطية وإرادة فعل، ورسالية ونضالية طويلة مثابرة، فيحقق صناع المستقبل القادم فكرهم الحضاري الجامع ما يجعل الأمة اليوم أو غدا خير أمة أخرجت للناس على مسار الحرية والديمقراطية والتقدم.
دلالات
المزيد في أقلام وأراء
إقرار إسرائيلي بتجويع مواطني القطاع
حديث القدس
اتفاق المعارضة على إلغاء "الأونروا" ماذا يعني؟
سماح خليفة
حرب الإبادة الجماعية وواقع الدولة المأزومة
سري القدوة
لا وقف قريباً لإطلاق النار على جبهتي لبنان وقطاع غزة
راسم عبيدات
حماس بعد السنوار.. هل حان وقت التحولات الكبيرة ؟
علاء كنعان
ماذا -حقا- يريد نتنياهو..؟
د. أسعد عبد الرحمن
التحول الخليجي والعلاقات مع الأردن
جواد العناني
متى يرضخ نتنياهو؟
حديث القدس
سياسات الاحتلال وقراراته تجاه الأونروا .. جنون وحماقة
بهاء رحال
السباق الرئاسي المحتدم الى البيت الأبيض 2024
كريستين حنا نصر
الحرب على الأونروا وشطب حقوق اللاجئين
سري القدوة
المجازر والتهجير غطاء (لأوكازيون) المفاوضات
وسام رفيدي
مبادرة مروان المعشر
حمادة فراعنة
سجل الإبادة الجماعية
ترجمة بواسطة القدس دوت كوم
هيجان إسرائيلي ومجازر إبادة متواصلة
حديث القدس
المُثَقَّفُ والمُقَاوَمَة
المتوكل طه
عواقب خيارات نوفمبر
جيمس زغبي
النكبة الثانية والتوطين المقبل
سامى مشعشع
They will massacre you
ابراهيم ملحم
شطب الأونروا لشطب قضية اللاجئين
حمادة فراعنة
الأكثر تعليقاً
الأردن تدعوا إلى اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية
نتنياهو: نريد أن تدفع إيران الثمن وأن نمنعها من التحول لقوة نووية
الشيخ: قرارات الكنيسيت لن تغير من حقيقة أن القدس عاصمة أبدية للفلسطينيين
مازن غنيم يؤدي اليمين القانونية أمام الرئيس سفيرا لدولة فلسطين لدى السعودية
حزب الله يعلن انتخاب نعيم قاسم أمينا عاما خلفا لنصر الله
الشرطة: مقتل مواطن بإطلاق نار جنوب الخليل
غزة والانتخابات الأمريكية
الأكثر قراءة
وزارة العمل وجمعية قدسنا توقعان اتفاقيتي تعاون لتعزيز فرص العمل في القدس
مصطفى: الاقتصاد الوطني انكمش بمقدار 35٪ بفعل استمرار عدوان الاحتلال
الأردن تدعوا إلى اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية
عملية دعس وإطلاق نار في القدس المحتلة
السعودية تستضيف أول اجتماع رفيع المستوى لـ"تحالف حل الدولتين" الأربعاء المقبل
إسرائيل تتحدى الكون.. اغتيال حاملة الأختام
صمدت في جباليا.. استشهاد الفنانة التشكيلية الفلسطينية محاسن الخطيب
أسعار العملات
الجمعة 01 نوفمبر 2024 7:22 صباحًا
دولار / شيكل
بيع 3.74
شراء 3.72
دينار / شيكل
بيع 5.24
شراء 5.22
يورو / شيكل
بيع 4.06
شراء 4.04
هل تستطيع إدارة بايدن الضغط على نتنياهو لوقف حرب غزة؟
%20
%80
(مجموع المصوتين 523)
شارك برأيك
مسلسل تفتيت الأمة والسقوط