أقلام وأراء

الخميس 22 فبراير 2024 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس

هل حقاً الكيان "يورّط" أمريكا في المنطقة؟

هذا السؤال أعلاه يتم الإجابة عنه بنعم قطعية، ليتحول لموقف يكاد يتكرر في كل تحليل لسياسي أو معلق أو باحث أو صحفي، يحدد طبيعة العلاقة بين الكيان والإدارة الأمريكية. وتفصيله ان الكيان يدفع باتجاه التصعيد على مستوى المنطقة، للوصول لحرب إقليمية، فيما أمريكا لا تريد ذلك، فلديها مشاغل دولية كثيرة، والأهم لديها حسابات أخرى في الإقليم، وبالتالي فالكيان يدفع باتجاه "توريطها"، إنطلاقاً من حقيقة، مقررة هي الأخرى، أن هناك خلافات بين الموقفين الأمريكي والصهيوني فيما يتعلق بحرب الإبادة في القطاع.


أما أن هناك خلافات بين الموقفين الأمريكي والصهيوني، فذلك حقيقي ويتضح من العديد العديد من التصريحات والمواقف المعلنة هنا وهناك وبطرق مختلفة، كما يتضح من خلال ما تتناوله الصحافة الأمريكية القريبة من مواقع صنع القرار الأمريكي، والناطقة لدرجة كبيرة بلسان صانع هذا القرار.


الولايات المتحدة تدفع باتجاه استغلال حرب الإبادة لفرض "تسوية ما" تنهي القضية الوطنية ومعها المقاومة عبر تصفيتها، وتهيئة الأجواء لتسليم غزة للسلطة الفلسطينية بعد أن "تصلح" هذه نفسها لتنال رضى السيد، وتكون مهيئة للحكم، وهذا سيكون جزءاً من مشروع أشمل يشمل دمج الكيان في المنطقة دمجاً نهائيا عبر التطبيع العلني والرسمي، ومدخله السعودية، والقضاء على المقاومة في اليمن ولبنان والعراق، سياسياً أو حتى عسكرياً، بما يفرش أرضية مناسبة لتأكيد الهيمنة السياسية والاقتصادية، الأمريكية والصهيونية، تسهيلاً، في إحدى نتائجها لنجاح مشروع خط الهند الاقتصادي البري، الذي من المتوقع أمريكياً أن يضرب خط الحرير الصيني البري.


على المقلب الآخر فإن فريق نتياهو الفاشي يولي الأهمية الأساسية لأجندته الأيديولوجية، وعلى رأسها تهجير الشعب الفلسطيني عبر عمليات الإبادة والتطهير، وهذا يتطلب تصفية نهائية للمقاومة، ليتم بالتالي تهويد كامل لفلسطين، يمنع أي شكل من اشكال الكيانية الفلسطينية حتى لو بشكل سلطة أوسلو الحالية، طبعاً بالتوازي مع استمرار الإبادة لاستعادة هيبة ومكانة "الجيش الذي لا يُقهر"، والذي يُقهر مننذ 7 أكتوبر يومياً.


هذا باعتقادي هو المدخل الذي يدفع البعض باتجاه إطلاق الجملة التقريرية أن نتياهو يسعى "لتوريط" أمريكا. 


والآلية، السعي للتصعيد ولجر الإقليم برمته للحرب "لتوريط" امريكا، فيما أمريكا لا تريد ذلك. فهي في موقع المفعول ونتنياهو في موقع الفاعل.


اولاً لنفحص مدى جدية ما يشاع أنه خلاف وسجلناه أعلاه. أمريكا تدعم الإبادة وتشارك فيها، بالتسليح والخبراء والمعلومات والمواقف السياسية وتوفير الغطاء لها في المحافل الدولية. أمريكا مع استمرار الحرب المجرمة على القطاع، وأعلنت ذلك مراراً وتكرره يومياً عبر موقفين "حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها" و"لا لوقف إطلاق النار"، وهذا يعني ببساطة استمرار الإبادة وتأييدها والمشاركة فيها أمريكياً.


أمريكا تتطلع للقضاء على المقاومة وحركة حماس، وأعلنت ذلك دون لبس، وإن لم تكن تتفق تماماً مع "عنتريات" مجلس الحرب الإسرائيلي، ومع أوهامه بالقضاء النهائي على المقاومة وحماس، ولكنها لا تقل عدائية للمقاومة ولا اندفاعاً للقضاء عليها.


أمريكا ليست من حيث الجوهر ضد تهجير الشعب الفلسطيني، واعلنت ذلك بطريقة مواربة حين أعلنت عدم تأييدها "للتهجير القسري"، وبمعنى آخر لا مشكلة عندها مع "الهجرة الطوعية"، وهي تعلم تماماً أن لا طوعية في الظروف الحالية لحرب الإبادة.


لذلك ينبغي وضع الخلاف الأمريكي الصهيوني في خانته الصحيحة كخلاف تكتيكي عابر، لا يمس جوهر العلاقة بين الامبريالية الكبرى والامبريالية الصغرى، علماً أن أمريكا تبدو في مواقفها أحياناً كثيرة، وكأنها تسعى لانقاذ الكيان من ورطته، بفرملة القرارات السياسية والعسكرية لحفنة الفاشيين الموتورين الذين يحكموه، والذين، كشأن الفاشيين في التاريخ، لا يتمتعون بملكة الحصافة السياسية "العقلانية" في قراراتهم، حتى العدوانية، ويتصرفون كزعران وعصابة أكثر منهم مستوى سياسي وعسكري لاتخاذ القرار. هذا يزعج الأمريكيين لانه خلق ويخلق يومياً موجة واسعة من الاحتجاجات، هي بمثابة انتفاضة شعبية دولية ضد السياسة الأمريكية الداعمة للإبادة، خاصة داخل المجتمع الأمريكي، وبشكل أخص وسط الشباب الأمريكي، في ظل سنة انتخابية يبدو أن نتنياهو وغالانت "طيروها" من أيدي بايدن.


لكل ذلك، قلنا ينبغي وضع الخلاف في خانته الصحيحة، وعدم الانجرار وراء ما يشاع أحياناً في الصحافة الغربية أو بعض الفضائيات العربية المتصهينة، وكأن الخلاف وصل درجة من الخطورة تهدد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.


ومصطلح التوريط ذاته يحتاج، كمظهر لهذه "الدرجة من الخطورة" لوقفة.


أولاً يجب التقرير بلا لبس أن العلاقة بين امريكا وإسرائيل ستظل، كما كانت دائماً، علاقة السيد بالعبد، مهما علت مكانة هذا العبد.


في تاريخ العبودية هناك نمطان من العبيد، عبد المنزل وعبد الحقل، والأول يحتل "مكانة" خاصة تجعله "ينفش ريشه" على الثاني، فهو يعيش في المنزل، يلبس جيداً ليظهر بمظهر محترم أمام سيده، يتحدث للسيد، وإن بكلمات حذرة ومنتقاة لا تتجاوز حدودها المرسومة بدقة، يأكل من مطبخ السيد، ولا باس من بقايا طعامه وثيابه، فهذا "شرف" وأي شرف، فيما عبد الحقل مرذول ومرمي بعيداً يحيا في البؤس في مأكله ونومه ومشربه وملبسه، لا يرى السيد ولا "يتشرف" بمحادثته.


إسرائيل عبد منزل لا حقل شأن، العديد من الحكام العرب. وعليه، مبدئياً أمريكا ليست في موقع الذي يسمح "لعبد المنزل" بأن يتعامل معها وفق منطق "التوريط"، فهي تعلم، وإسرائيل تعلم، أن أمريكا هي الضامن الوحيد لوجودها، وتأكد هذا بعد 7 أوكتوبر، وهذا ما اشار له بطريقة أو بأخرى محللوهم وجنرالاتهم، وهذا ما ظهر في الزيارات السريعة لممثلي الغرب الامبريالي للكيان يوم 8 أكتوبر لدعمه لاسترداد توازنه. هذا لعمري ليس موقع مَنْ يتعرض لـ"التوريط".


مشكلة هذا المصطلح العويصة انه يفترض منطقياً، ويقيني ان العديد من الذين يستخدمونه لا يعنون ذلك، أن أمريكا ضعيفة ومهزوزة ولا تملك قرارها، بحيث أن حفنة موتورين يمكن أن يورطوها، هي "البريئة" في حرب إقليمية.


لنحدد بوضوح، امريكا وخلال يوم واحد فقط، إذا أرادت أن تخلص من "توريطها"، يمكنها إنهاء الحرب على القطاع إذا أوقفت الجسر الجوي والبحري اللوجيستي للكيان. أمريكا، ايضا للخلاص من "توريطها" يمكنها انتزاع قرار من مجلس الأمن بوقف النار، والطلب بتطبيق البند السابق لإلزام إسرائيل بتطبيقه بالقوة العسكرية.


واضح ان السياسة والموقف الأمريكي لا ينطلق من موقف الذي يخشى "التوريط"، بل من موقف مَنْ لديه حسابات تكتيكية لا تتفق وحسابات زعران الحكومة الإسرائيلية، وبالتالي تسعى بهدوء لمعالجة هذا الخلاف، دون المس بالثوابت: استمرار الإبادة، القضاء على المقاومة، تصفية القضية الوطنية، دمج الكيان في المنطقة، غير ذلك لا قيمة للخلاف ولا "توريط".


وأخيراً، هل سلوك أمريكا في المنطقة ككل ينطلق من حقيقة "توريط" نتياهو لها، أم من حقيقة أن تلك سياستها الامبريالية العدوانية تجاه شعوب المنطقة ومقاومتها للهيمنة الأمريكية؟


اليمنيون، أؤلئك العرب الأقحاح، أعلنوا أنهم لا يغلقون الممرات المائية ولا يعطلون التجارة الدولية، وأكدوا أن إرفعوا الحصار عن غزة نتوقف عن اعتراض السفن المتوجهة للكيان.


معادلة بسيطة توضح حقيقة ارتباط الموقف بالحصار على غزة، ومع ذلك تدفع أمريكا بالوضع للانفجار أكثر فأكثر في البحر الأحمر، رافضة الربط بين ما يجري هنا وبين الحصار المفروض على غزة. أما وجودهم كمحتلين في سوريا وقواعدهم العسكرية في العديد من دول المنطقة فهي جاهزة في لحظة، تقررها هي لا عبر "توريط" نتنياهو لها، لحرب لا تبقي ولا تذر على محور المقاومة، وكل هذا الوجود العسكري موجود في المنطقة قبل 7 أكتوبر أصلاً، وقبل السعي "لتوريطها".


أمريكا لا "تتورط" في حرب في المنطقة بفعل سلوك نتنياهو، امريكا هي صاحبة قرار الحرب في المنطقة، أمريكا تقرر سياسيتها العدوانية الامبريالية، وهي وإن اختلفت في هذه الجزئية او تلك مع "عبد المنزل" الإسرائيلي، فلن يصل الخلاف بينهما لدرجة جوهرية تمس العلاقة. تظل أمريكا السيد وتظل إسرائيل "عبد المنزل"، و"عبد المنزل" ينفذ سياسات السيد من حيث الجوهر، لأنه أداة، ولا يملك "توريط" سيده.

دلالات

شارك برأيك

هل حقاً الكيان "يورّط" أمريكا في المنطقة؟

المزيد في أقلام وأراء

العرب الأميركيون..والحاجة إلى الصمود

جيمس زغبي

هل يريد نتنياهو والسنوار التوصل إلى اتفاق؟

غيرشون باسكن

إسرائيل: اوقفوا إطلاق النار، واعيدوا الرهائن، وغادروا غزة، وإعيدوا التفكير في كل شيء

توم فريدمان

غزة تباد ..والعيد حداد

حديث القدس

آثار الحروب على حياة الأطفال: صرخةٌ تحتاج إلى الاصغاء

نعيمة نعمان عبد ‏الله

قراءة سياسية في رمضان هذا العام

وليد الهودلي

إسرائيل وسقوط القناع

جمعة بوكليب

إلى أين يا وليد؟.. في انتظار الباص إلى رام الله

عيسى قراقع

لا هو عيد ولا هو سعيد

بهاء رحال

خان يونس : بقايا الحيطان والجدران شاهدة على بشاعة العدوان

حديث القدس

إستراتيجية استمرار الحرب الإسرائيلية

فايد أبو شمالة

العنصرية الغربية عارية: اقتلوا الفلسطينيين ولكن ليس المواطنين “البيض”!

فراس أبو هلال

طبّاخ السمّ يذوقه في مطبخ الإبادة العالمي!

حسام شاكر

عالم انحطاط بشري

منير شفيق

عندما يعجز المستعمِر عن صهر وعي المثقف الثوري

وسام رفيدي

تحولات الرأي العام والفشل في اصلاح الحال

جمال زقوت

في تراتيل حكاية الامير الصغير ..

يونس العموري

الاعتراف بالدولة ومجلس الامن

دلال صائب عريقات

وليد …الشهيد

حديث القدس

أَما الفقراء.. فلا بواكِي لهم

مؤيد عفانة

أسعار العملات

الأربعاء 10 أبريل 2024 9:48 صباحًا

دولار / شيكل

بيع 3.71

شراء 3.7

دينار / شيكل

بيع 5.23

شراء 5.2

يورو / شيكل

بيع 4.02

شراء 3.99

رغم قرار مجلس الأمن.. هل تجتاح إسرائيل رفح؟

%70

%24

%6

(مجموع المصوتين 88)

القدس حالة الطقس