أقلام وأراء

الأحد 26 مايو 2024 10:15 صباحًا - بتوقيت القدس

هل تستطيع الولايات المتحدة أن تنقُض قرار محكمة العدل الدولية؟!

تلخيص

أصدرت محكمة العدل الدولية ومقرها في لاهاي، يوم 24/ 05/ 2024 قراراً تمهيدياً ثانياً بأغلبية ثلاثة عشر قاضياً ضد اثنين، في الطلب المقدم في دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل الخاصة بالإبادة، التي أقامتها قبل خمسة أشهر، وتحديدا يوم 29/ 12/ 2023 وصدر بها قرار تمهيدي أول في 26/ 01/ 2024.

تضمن قرار محكمة العدل الدولية التمهيدي الجديد عدة أمور، أهمها وقف فوري للهجوم الإسرائيلي على رفح، والزيادة الفورية بإدخال المساعدات، وفتح معبر رفح، والسماح للجان التحقيق بالدخول للقطاع ورفح، والتأكيد على الإجراءات المطلوبة بموجب القرار التمهيدي الأول، ومنح الكيان شهراً لتقديم تقرير عن الإجراءات التي اتخذتها تنفيذاً للقرار التمهيدي. لكن المحكمة ابتعدت للأسف الشديد عن روح قرارها التمهيدي الأول الخاص بقطاع غزة ككل، وخصت قرارها التمهيدي الثاني بمدينة رفح، وكأنها سلمت أو استسلمت لما يفعله الإسرائيليون بمدن القطاع المختلفة ومخيماته، أو على الأقل قدرت أن الموضوع الذي يحمل طابع الإستعجال هو الهجوم على رفح، ومن هنا نبع تخصيص القرار بمدينة رفح ولم تعممه على جميع أنحاء القطاع، رغم أنه كان من الأفضل أن يشمل قرارها قطاع غزة أيضاً.

فور صدور القرار، تداعى كثير من المراقبين والمحللين والمعلقين والسياسيين، وبشكل تلقائي وكردة فعل طبيعية وساذجة وبلهاء، على أن الولايات المتحدة الأمريكية، ستستعمل حق النقض (الفيتو) ضد قرار محكمة العدل الدولية آنف الذكر، وكأنها ببساطة تملك مثل هذا الحق، حينما يعرض على مجلس الأمن ليكتسي صيغته التنفيذية. وقد جاء تعليق هؤلاء اعتمادا على مواقف أمريكا وممارساتها المنحازة للكيان طيلة الأشهر الثمانية السابقة، بل طيلة أكثر من سبعة عقود ونصف في جميع المواضيع، وفي جميع المحافل الدولية.

ردد هؤلاء المعلقون، وكرروا بشكل جزئي وانتقائي نصوصاً أوردها ميثاق الأمم المتحدة تفيد بأن الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن (الصين، روسيا، فرنسا، بريطانيا، أمريكا) يستطيعون نقض أي قرار يصدر عن مجلس الأمن، ونسوا أوتناسوا أن الحديث يدور عن قرار قضائي لأعلى محكمة دولية وهي محكمة العدل الدولية، وليس عن مشروع قرار سياسي لهيئة دولية أو منظمة دولية أو لمجلس الأمن.

هناك خلط كبير بين قرار قضائي صادر من محكمة عدل دولية، وفق قواعد القانون الدولي المكتوب و/أو العرفي، وبين قرار سياسي، صادر من منظمة دولية كالأمم المتحدة بأجهزتها كالجمعية العامة و/ أو مجلس الأمن أو أية منظمة دولية أخرى حكومية أو غير حكومية. ذلك أن القرار القضائي حينما يصدر وفق قواعد قانونية، وليس نوازع سياسية، يغدو نهائياً، ولا يجوز الطعن به، وهو جاهز للتنفيذ دونما زيادة أو نقصان، أو حذف أو إضافة، أو تعديل أو تبديل. بينما قبل أن يصدر مجلس الأمن قراراته السياسية، فإنها تكون خاضعة للنقاش من أعضائه من كل الجوانب السياسية والاجتماعية والإقتصادية والذاتية، وفي النهاية قد ينقض القرار إذا صوتت ضده إحدى الدول دائمة العضوية.


تقودني هذه الملاحظة الجوهرية إلى أن أي دولة من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، لن تستطيع نقض هذا القرار القضائي القانوني الصادر عن محكمة العدل الدولية، ولن يخضع لأي تصويت لقبوله أو رفضه أو تعديله، إذا ما عرض على مجلس الأمن لإكسائه الصبغة التنفيذية، ويجب أن يقبل كما هو. ومن نافل القول أن أعضاء مجلس الأمن الآخرين لا يملكون هذه المكنة القانونية. ذلك أن دور مجلس الأمن في هذه الحالة، هو دور شكلي تنفيذي طلباً لوضع قرار المحكمة موضع التنفيذ فقط. وتحديداً وتوضيحاً أكثر، فإن الولايات المتحدة الأمريكية أو بريطانيا أو فرنسا أو الصين أو روسيا لن تستطيع قانوناً نقض قرار محكمة العدل الدولية التمهيدي الثاني بقرار سياسي، فالأمر خارج عن صلاحية مجلس الأمن وأعضائه الدائمين وغير الدائمين.

قد يستغرب كثير من المراقبين هذا الرأي الذي نبديه، استناداً لما درسوه وتعلموه في كليات الحقوق، عن المقولة الشائعة والقاعدة المقبولة وغير المناقشة المتمثلة في أن الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن، يتمتعون بصلاحية النقض لأي قرار في مجلس الأمن ( المادة 27 من ميثاق الأمم المتحدة).

ليس هناك ثمة تناقض بين الرأي الذي نبديه وبين حق النقض لأعضاء مجلس الأمن الدائمين، إذ إننا نتحدث عن أمرين مختلفين تماماً وغير متشابهين التبسا على الكثيرين، وإن جمعتهما غاية وهدف واحد. وللتوضيح نقول إن جميع الدول الأطراف في أي قضية تنظرها محكمة العدل الدولية، عليها التزام ذاتي بتنفيذ قرار محكمة العدل الدولية (هنا الكيان)، الصادر بحقهم، دونما تدخل من مجلس الأمن أو الجمعية العامة، أو أمنستي أو بيتسيليم أو هيومان رايتس ووتش، ولا لأيّ مساعدة منها. لكن، إذا امتنعت إحدى الدول الأطراف في قضية تنظرها محكمة العدل الدولية (هنا إسرائيل)، عن تنفيذ حكم المحكمة، فللطرف الآخر، وهنا هي جنوب أفريقيا، أن تلجأ لمجلس الأمن لإصدار قرار بالتدابير التي يجب اتخاذها لتنفيذ حكم المحكمة (المادة 94 من ميثاق الأمم المتحدة).


فدور مجلس الأمن هنا دور شكلي تنفيذي لقرار محكمة العدل الدولية، وليس لمجلس الأمن أو أحد أعضائه صلاحية أو اختصاص نقض القرار المطلوب تنفيذه أو تعديله أو تحويره أو تغييره، فهذا الأمر خارج عن صلاحياته واختصاصه، إذ هو صادر عن هيئة قضائية دولية رفيعة ولا يمكن مراجعته وكل المطلوب تنفيذه.

تخيلوا معي أن أي محكمة عليا في أي دولة من دول العالم (الولايات المتحدة الأمريكية) اتخذت قراراً قضائياً قانونياً في نزاع ما، فهل يستطيع رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء السياسي أو ممن يماثلهما، أو رئيس البرلمان أو وزير أو قائد الجيش أو رئيس الأركان، ومهما كانت صلاحياته، شل هذا القرار وعدم تنفيذه أو تعديله. هذا الأمر لا يحدث في أي بقعة في العالم ولا في دول جمهوريات الموز. فهل يُعقل أن يحدث في الأمم المتحدة، حيث يفترض أن سيادة القانون وحقوق الإنسان تقود عمل المنظمة الدولية وأجهزتها؟ وهل يمكن أن يكون مسرحاً لهذه المسرحية الهزلية.


وللحقيقة، غير مستغرب أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بنقض قرار مجلس الأمن المتوقع، لتنفيذ قرار محكمة العدل الدولية التمهيدي الخاص بشأن رفح وقطاع غزة، فدولة شنت اعتداءات على العراق وأفغانستان ونيكاراغوا وفيتنام، وأجازت لنفسها قصف هيروشيما وناغازاكي، ولديها نواب أمثال المحامي ليندسي جراهام، لن تتردد في استعمال حق النقض، ولو تعارض ذلك مع كل مقومات القواعد القانونية الدولية المكتوبة والعرفية.


في ضوء ردود الفعل الإسرائيلية المخزية والسلبية والغطرسة والعنجهية، على قرار محكمة العدل الدولية التمهيدي الأخير وعدم التزامها بتنفيذه الفوري، لا يبقى أمام جنوب أفريقيا المدعية، سوى رفع قرار المحكمة لمجلس الأمن لإضفاء صبغة تنفيذيه عليه فقط، بما في ذلك استعمال كل جزاءات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. أما إذا لجأت أمريكا لنقض القرار وتجاهلت الميثاق، فتكون قد حكمت على نفسها بالخزي والعار، وأشعلت أزمة عالمية سياسية وأممية تستدعي تعديلات جوهرية للميثاق وذيوله، واهتزت صورتها بل اختلت، وعلى نفسها جنت براقش!


دور مجلس الأمن هنا دور شكلي تنفيذي لقرار محكمة العدل الدولية، وليس لمجلس الأمن أو أحد أعضائه صلاحية أو اختصاص نقض القرار المطلوب تنفيذه أو تعديله أو تحويره أو تغييره، فهذا الأمر خارجٌ عن صلاحياته واختصاصه، إذ هو صادر عن هيئة قضائية دولية رفيعة، ولا يمكن مراجعته، وكل المطلوب تنفيذه.

دلالات

شارك برأيك

هل تستطيع الولايات المتحدة أن تنقُض قرار محكمة العدل الدولية؟!

عمان - الأردن 🇯🇴

احمد عتوم قبل 25 أيام

مين الي. بده نفذحكم دول عربيه ولا الاسلاميه ولا إيران حليف ليهود ولا أوروبا ولا روسيا الي مش قادره تخلص من اوكرانيا ما الهم الا الله يعمل معجزه

المزيد في أقلام وأراء

خطة بايدن وبعض الحقائق الصعبة بشأن غزة

بقلم: سلام فياض

العيد قادم يا غزة !!

حديث القدس

معادلة: دهاليز ومتاهات.. لن تستطيعوا محو الطفولة من غزة

حمدي فراج

قراءة في تفاعل الشارع العربي مع الحرب على غزة

أحمد العطاونة

الجبهة الشمالية.. الرد والرد على الرد

راسم عبيدات

.. عيدٌ.. بأيّ حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟

بهاء رحال

شرق الكتابة ونقد الصهيونية

محمود بركة

دبلوماسية الحرب الأميركية

يحيى قاعود

نتنياهو بعد غانتس وفُرص البقاء!

محمد هلسة - القدس المحتلة

الولايات المتحدة "الوسيط المنحاز" ضد حماس

داود سليمان

تتعمق مأساة حزيران في ذكراها الـ75

سري القدوة

متى يكون العيد..؟

سمير عزت غيث

إسرائيل .. هل من وقفة مع النفس؟

محمد إبراهيم الدويري

. احتلال وإعمار.. مساران لا يلتقيان

أحمد صيام

الأسلحة الذكية والطائرات بدون طيار: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل ميادين القتال ومستقبل البشرية؟"

صدقي أبو ضهير

حرب الردع تقرع طبولها !!

حديث القدس

ما الجديد في زيارة بلينكن الأخيرة لإسرائيل؟

فتحي أحمد

الفلسطينيون ومبادرات إصلاح حالهم

نبيل عمرو

المطلوب في مواجهة مخاطر ما يجري

مروان أميل طوباسي

هل تبقى أسعار الفائدة الأميركية على حالها؟

جواد العناني

أسعار العملات

الأربعاء 19 يونيو 2024 7:40 مساءً

دولار / شيكل

بيع 3.71

شراء 3.7

دينار / شيكل

بيع 5.23

شراء 5.2

يورو / شيكل

بيع 3.99

شراء 3.97

بعد سبعة أشهر، هل اقتربت إسرائيل من القضاء على حماس؟

%16

%84

(مجموع المصوتين 437)