أقلام وأراء

الثّلاثاء 26 ديسمبر 2023 10:49 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة: قليلٌ من السياسة وقدرٌ أكبر للانسان

تهدف حرب الابادة، التي تدور رحاها على كل مناحي حياة الناس في قطاع غزة، إلى اجتثاث ثقافة المقاومة من عقيدة الغزيين، أكثر مما هي تصفية القدرات العسكرية للمقاومة ذاتها. فغزة، التي تمنى رابين يوماً أن يبتلعها البحر للتخلص من شوكها الذي يملأ حلوق منظومة الاحتلال، لم تنتظر مرور أيام على احتلالها بعد هزيمة عام 1967، لتشهر سلاحها الذي جمعه شبان غزة من مخلفات الجيش المصري وجيش التحرير الفلسطيني بعيد انسحابهما إثر هزيمة حزيران، كما امتلأت مخيمات غزة بالفدائيين في مطاردة جيش الاحتلال ومنعه من احكام سيطرته على تلك المخيمات لسنوات امتدت حتى أواسط السبعينيات من القرن الماضي، ورغم الضربة القاسية التي وجهها شارون لتشكيلات المقاومة، وما ألحقته اتفاقية كامب ديفيد من ضرر استراتيجي بخروج مصر من الاجماع العربي كسند ظلَّ هو الأهم للقضية الفلسطينية، إلا أن الشعب الفلسطيني، وبُعيد اخراج المنظمة من بيروت عام 1982، أعاد بناء متطلبات الكفاح الوطني داخل فلسطين المحتلة، حتى انفجرت الانتفاضة الكبرى في ديسمبر 1987، والتي مرت ذكرى اشتعالها من مخيم الثورة في جباليا قبل أيام .


غزة التي وصفها محمود درويش يوماً بأنها "ليست أغنى المدن
 وليست أرقى المدن
وليست أكبر المدن 
ولكنها تعادل تاريخ أمة".


ها هي اليوم تواصل قدرها في اعادة الحياة لقضية شعبنا التي كادت أن تُطوى بين مخططات الأعداء، ودهاليز الانقسام، وقلة حيلة القيادة الفلسطينية على حدٍ سواء. فهل سيسمح الغزيون اليوم أن يُغيَّب دورهم كرافعة للوطنية الفلسطينية، وأن تتبدد تضحياتهم الكبرى مرة أخرى، بما تخطط له حكومة الحرب والضم الاسرائيلية من تهجير وتصفية، واستمرار محاولات عزلها عن دورها في مركز مؤسسات الوطنية الجامعة بعد أن عادت إلى قلب الوطنية الفلسطينية ومشروعنا الوطني التحرري ، على طريقتها منذ انفجار السابع من أكتوبر الماضي، تماماً كما وصفها درويش في ذات القصيدة قبل عشرين عاماً وكأنه كان يتنبأ بما يجري اليوم:


"ومن جمال غزة أن لا شيء يشغلها 
لا شيء يدير قبضتها عن وجه العدو 
قد ينتصر الأعداء على غزة 
قد يكسرون عظامها ‏‏
قد يزرعون الدبابات في أحشاء أطفالها ونسائها 
وقد يرمونها في البحر أو الرمل أو الدم ولكنها، 
لن تكرر الأكاذيب ولن تقول للغزاة: نعم ‏‏
وستستمر في الانفجار‏‏
لا هو موت ولا هو انتحار 
ولكنه أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة 
وستستمر في الانفجار‏‏” .


بعد أن أهالت غزة التراب على مؤامرة إغراقها في بؤس حياة الحصار ، وانهيار نظرية نتانياهو بتحييدها، يسعى هو وعصابة حربه الانتقامية لمحاولة اغراقها في دمها ودمار بيوتها وعزلها عن الحياة بين البحر والرمل والدم.


انتصرت غزة لقيم الانسانية التي تتعرض لتصفية كونية، فنهضت شعوب الكون منتصرة لنفسها قبل غزة بانتصارها لتلك القيم التي تريد فاشية نتانياهو دفنها مع أشلاء الأطفال والنساء وذكريات البيوت بين أزقة بؤس النكبة في مخيمات غزة وأحيائها، ولتعيد هذه الشعوب مرة أخرى ما تعرض له شعب فلسطين من كارثة انسانية جراء النكبة على رأس جدول أعمال العالم، ولتزيح الغبار عن جذور الصراع وحقيقته بين ظلم الاحتلال والعدوان الغاشم، وبين الحق في الحرية والعدالة الناهضة من بين أشلاء الضحايا وركام ذكريات بيوتهم المدمرة . فاسرائيل العنصرية تدرك أن الموت الذي تزرعه في القطاع لن يُنبت سوى حقيقة انهاء أبشع وأطول احتلال في العصر الحديث ، ومعها استعادة الحرية والكرامة وانتزاع الحق في تقرير المصير الذي بات يتحول لاجماعٍ كوني على الصعيدين الرسمي والشعبي.


ويبدو أن اسرائيل باتت تدرك أن الهزيمة التاريخية لعنصريتها الصهيونية تكمن في هذه النتائج التي تتسع يومياً في أصقاع الكون رغم تناقضات أقطابه، وانحياز بعضهم لعدوان الابادة ، واستموات هذا البعض لمنع تلك الهزيمة .


هذا الكلام ليس المقصود به أسطرة الغزيين، ولا التنبؤ بزوال اسرائيل. فالغزِّيون بشر وقد تفوق مشاعرهم الانسانية تصور الكثيرين وقدرتهم على فك ألغازها، فعندما يوضعون في اختبار الحياة والموت، سيختارون الحياة بكرامة حتى لو أجبروا على الموت بشرف، ولن يطأطئوا الرؤوس. قد يرغب البعض منهم بمغادرة جحيم الموت الذي تزرعه اسرائيل في أحشاء غزة، ولكنهم لن يغادروا فكرة المقاومة لاستعادة كرامتهم الجريحة منذ نكبة 1948.


غزة لن تسامح من يغدر ضحاياها وعذابات أهلها، ورغم حاجتها للاغاثة الانسانية، ولكن ليس بديل للكرامة الوطنية، وفي مطلق الاحوال لن تتخلى عن قدر دورها التاريخي الذي يلاحقها بالموت ومحاولات التغييب، بأن تظل رافعة الوطنية الفلسطينية الخالصة بعيداً عن الحسابات الفئوية التي ما زالت ورغم مهر الدم تعشعش في أجندات الانهزاميين. ويقيناً أن غزة ستُسقط محاولات إغراقها في الجهوية مهما كانت المعاناة التي يتم دفعها يومياً. لكن غزة تستحق أن تستعيد الحياة الكريمة لابنائها، ولمكانتها الراسخة في قلب الوطنية الجامعة وليس على هوامشها أو فتات إغاثتها. فهل يدرك الفرقاء هذه الحقيقة التي لا تقبل ولن تقبل مساومة الغزيين ؟!

دلالات

شارك برأيك

غزة: قليلٌ من السياسة وقدرٌ أكبر للانسان

المزيد في أقلام وأراء

يوميات في مرمى الطغيان

حديث القدس

جرائم غير مسبوقة

حمادة فراعنة

ما الذي يوجد وراء المذبحة!؟

أحمد رفيق عوض

ثقافة الصمود.. كيف يتحايل أهل غزة على العيش؟

عمار علي حسن

المطلوب إعطاء أولوية للقطاع الزراعي في الوقت الحالي

عقل أبو قرع

الصمود والقمع لا يجتمعان

يحيى قاعود

الأزمات الداخلية قد تطيح حكومة نتنياهو

راسم عبيدات

المحاولة الانقلابية الغادرة في 15 تموز / يوليو 2016

بقلم الدكتور فخر الدين الطون

الجديد الذي أدخلته حرب أكتوبر 23 على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

أحمد عيسى

(مع الحياة)--- أربعة وعشرون ألف يوم في الدنيا

فراس عبيد

الاغتيالات لا تغير مجرى الحرب

حديث القدس

الإسرائيليون فشلوا ولم يُهزموا بعد الفلسطينيون صمدوا ولم ينتصروا بعد

حمادة فراعنة

وكثيرٌ من السؤالِ اشتياقٌ

تركي الدخيل

الاسترخاء ... شفاء

أفنان نظير دروزه

الحجر محله قنطار

فواز عقل

ترجّل الأديب الخلوق

إبراهيم فوزي عودة

تأملات--المحبة.. تلك الجوهرة الضائعة

جابر سعادة / عابود

تسكين الألم

أشخين ديمرجيان

التحديات أمام تصعيد العدوان.. وضرورة الحفاظ على شعبنا ووحدة شقي الوطن

مروان اميل طوباسي

الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية وآفاق العدالة للشعب الفلسطيني

فادي أبو بكر

أسعار العملات

الإثنين 15 يوليو 2024 11:36 صباحًا

دولار / شيكل

بيع 3.67

شراء 3.65

دينار / شيكل

بيع 5.23

شراء 5.2

يورو / شيكل

بيع 4.04

شراء 3.95

قرار تجنيد الحريديم.. هل يطيح بحكومة نتنياهو؟

%16

%84

(مجموع المصوتين 63)