أقلام وأراء

الأحد 24 سبتمبر 2023 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس

"لو لم يقتل رابين"

ملفت للانتباه، ترديد جزء لا بأس به من النخبة السياسية والثقافية الفلسطينية، عند حديثها عن أوسلو وموضوع السلام مع إسرائيل، لمقولة "لو لم يقتل رابين" لكان الوضع مختلفا، ولتحقق السلام، ونال الفلسطينيون مبتغاهم "دون زيادة أو نقصان".


كان من الممكن أن تمر هذه "المقولة" بهدوء، لو اقتصر قولها على فترة الحزن "الكبير" ،الذي ارادوه "حسينيا" ،بعد مقتل رابين، لكنه استمر حتى الآن، بعد انقضاء ثمانية وعشرين عاما على ذلك الحدث، بل وازداد "زخما"، مما يعني انه تجاوز "التعبير عن المشاعر" بمقتل الرجل، الى الاستخدام السياسي لها.


بالتأكيد، ليس من الضرورة، أن كل من ردد هذه المقولة من الفلسطينيين يدرك أبعادها ومآلاتها. فمن الممكن ان يكون البعض قد قالها "بتلقائية" نتيجة الخشية مما قد يترتب على عملية "السلام" التي حظيت بزخم كبير في حينه، لكن كثرة من الذين استمروا في فعل ذلك، تجاوزوا قول ما اعتقدوا أنها كلمة "حق" بذلك الرجل (رابين)، وتخطوا التعبير عن حالة خيبة الأمل، التي أصابتهم "بانتكاسة" في عملية السلام نتيجة مقتله، الى توظيفه للدفاع عن وجهة نظرهم.


من هو رابين.. ؟.
ولد رابين في القدس عام 1922 لأب اوكراني وأم بيلاروسية، واشترك في "حرب" 1948 مع الهاجناة الصهيونية التي ارتكبت تحت قيادته المباشرة العديد من المجازر بحق الفلسطينيين، ومن أهمها تلك التي حدثت في مدينة اللد، حيث قتل المئات وتم تهجير بقية السكان. كان رابين واحدا من أهم مخططي ومنفذي عملية ترحيل الفلسطينيين أيام النكبة.


في العام 1967، كان الجنرال اسحق رابين رئيس أركان الجيش الاسرائيلي، الذي شن هجوما على ثلاث دول عربية، واحتل اجزاء كبيرة من اراضيها. في تلك الحرب أمر بهدم قرى "اللطرون" الثلاث (عمواس، يالو، وبيت نوبا) عن بكرة أبيها، وهجر سكانها، وأقامت اسرائيل على انقاضها حديقة "كندا"، بتمويل من "الجالية" اليهودية هناك.


بعد ذلك أصبح رابين سفيرا لإسرائيل في الولايات المتحدة، ثم وزيرا للدفاع، ورئيسا للوزراء مرتين. اثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى، كان رابين صاحب "سياسة" تكسير العظام، التي مارسها الجيش الاسرائيلي على الشباب الفلسطيني الرافض للاحتلال.


اعترافا من المؤسسة الصهيونية والعالم "الحر" "بمآثر" رابين هذه، تم منحه العديد من الجوائز، ثلاث دكتوراة فخرية من جامعات اسرائيلية، ودكتوراة فخرية أخرى من جامعة ميامي، وجائزة رونالد ريغان للحرية، وتتوج ذلك في النهاية بحصوله على جائزة نوبل للسلام "مثالثة" مع بيرس وعرفات (اثنان- واحد) اعترافا "بفضله" في تحقيق اتفاق أوسلو.
رابين و اوسلو


ليس صعبا على من شاهد حفل التوقيع على اتفاقيات اوسلو في ساحة البيت الأبيض، أن يستنتج من لغة الجسد عند رابين، موقفه من عملية السلام ومن الفلسطينيين ومن عرفات، فلقد بدا عليه التردد و "القرف" اثناء مصافحة الأخير. بقي رابين ثابتا في مكانه، بطيئا "مثقلا" بكل صراعات الماضي، بينما بادر عرفات بالتقدم نحوه مادا يده، وبدا سعيدا ومرتاحا و"متجاوزا" لكل أعباء الماضي الثقيل. بدت اللحظة استمرارا اسرائيليا وانعطافا فلسطينيا حادا.


في واقع الامر، لم يتحدث رابين ولو مرة واحدة عن حقوق الفلسطينيين، ولا عن "دولة" فلسطينية، إنما تحدث عن "استعداده" لتقديم "تضحيات" كبيرة من أجل السلام، لم يوضح ايا منها في يوم من الأيام، وعندما "ذهب بعيدا" في توضيح موقفه قال بأنه "سيعطي" الفلسطينيين "أكثر من اوتونوميا وأقل من دولة"، وترك للمفكرين وللسياسيين و"للمنجمين" أن يتصوروا ماذا يعني ذلك.


أما اتفاق اوسلو الذي وافق عليه رابين، فلم يتحدث بتاتا عن حقوق وطنية فلسطينية، ولا عن دولة فلسطينية، أو "حل الدولتين"، إنما نص على أن هدف المفاوضات إقامة سلطة حكومية ذاتية انتقالية فلسطينية، تؤدي الى تسوية دائمة، تقوم على قراري مجلس الأمن 242 و 338 التي لم تتحدث عن دولة فلسطينية، وجرى الاختلاف حول ما ذكرته عن انسحاب القوات الاسرائيلية منذ اللحظة الأولى.


كان رابين واضحا سواء في تصريحاته حول اوسلو، أو من تصرفاته، أو من ما نصت عليه الاتفاقيات، أنه لن يوافق على حصول الفلسطينيين على أي من حقوقهم الوطنية، لذلك تم تأجيل موضوع الاستيطان والقدس واللاجئين الى المفاوضات "النهائية"، وتدريجيا تم تحويل "الحقوق" الى "امتيازات" في الواقع العملي.

رد الفعل الفلسطيني
بعد كل ذلك، كيف تولد شعور لدى الفلسطينيين، أو كثير منهم، أن رابين كان جادا في الوصول الى حل مرض لهم ؟، ولم يتركوا فسحة للعقل كي يفترض عكس ذلك، أي أن رابين قد عمل للوصول بالفلسطينيين الى حيث تريد لهم اسرائيل أن يكونوا...، وكيف يمكن تفسير هذا الموقف "الحزين" و "المحبط" من قتل رابين؟.


السبب الأساس في ذلك برأينا، أن الفلسطينيين ذهبوا بعيدا في الثقة باوسلو، وتولد لديهم اطمئنان -وهم- عجيب، انساهم ليس فقط ما حملته النصوص من ثغرات ومن علامات استفهام ومن "وضوح" مضاد احيانا، بل وبشكل ما، الاحتلال نفسه والحركة الصهيونية وتاريخها، وربما الامبريالية أيضا.


فهمت القيادة ونسبة كبيرة من النخبة السياسية الفلسطينية، بل أرادت أن تفهم، أن اعتراف حكومة رابين بها يعني اعترافا بالحقوق، أو في اسوأ الأحوال، بحقوق وطنية فلسطينية، سيجري العمل على تطويرها. وهي وإن فعلت ذلك في حياة رابين، تمسكت به اكثر في مماته.


مثل اتفاق اوسلو عند الفلسطينيين "سلام الشجعان"، ( لا أظن، ولا أعلم إن كان الاسرائيليون قد استخدموا هذا التعبير )، وحيث أنه كذلك، فمقتل أحد طرفي معادلة الشجعان.. رابين، يقتضي من الطرف المقابل ان يحزن عليه، وأن يعتبر نفسه مستهدفا أيضا، وهذا ما كرسه "اغتيال" عرفات، وهو ما "قادنا" الى الاعتقاد بأن من قتل رابين هو نفسه من قتل عرفات، ومن يشكك في مصداقية رابين نحو السلام، إنما يشكك فينا كذلك. يشكك في ذكائنا وحكمتنا وتوجهاتنا ووطنيتنا ومصداقيتنا؟!.


على الأغلب سيكون لاستخدام تعبير "سلام الشجعان"، في حال لم يكن الأمر كذلك، تأثيرات غاية في السلبية على الطرف الأضعف في المعادلة؛ فهو تجميل وتشريع للتنازل، وقطع للطريق على أية امكانية لإعادة النهوض، نظرا لأنه يحرم الطرف الأضعف من حقه بالشعور بالغبن، و "يجبره" على الشعور بالسعادة وهو في ذروة إحساسه بالظلم.


اذا، ولكي نبني على الشيء مقتضاه، وحيث لا بأس في استخدام منطق ارسطو هذه المرة، فإن اسرائيل "المعتدلة"، هي مثلنا، ضحية اسرائيل "المتطرفة"، ولكي نفوت الفرصة على اسرائيل "المتطرفة"، يجب أن نتمسك بالعلاقة مع إسرائيل "المعتدلة" التي يمثلها نهج رابين، ونفوت الفرصة على المتطرفين، ونمضي باوسلو التي هي "ثمرة" جهود وتعاون "المعتدلين" من الطرفين.


ولكي تتضح الأمور اكثر، وإمعانا في هذا "النطق"، بات الصراع في المنطقة ينحصر بين "المعتدلين" الاسرائيليين والفلسطينيين والعرب من جهة، وبين "المتطرفين" الاسرائيليين والفلسطينيين والعرب من الجهة الأخرى. من هنا أيضا، بات التطبيع مع إسرائيل فلسطينيا وعربيا أمرا "ملحا" وفي غاية الأهمية، من أجل توحيد صفوف "المعتدلين" في مواجهة "التطرف".


هنا كان الدور الأمريكي اكثر وضوحا، فجنازة رابين التي كانت ترتيبا أمريكيا اكثر منه اسرائيليا،وهذا بشهادة الشيخ حمد آل ثاني رئيس الوزراء القطري في حينه، والذي صرح بأن الولايات المتحدة أصرت "علينا" بضرورة حضور جنازة رابين "على أعلى مستوى". أرادت الولايات المتحدة للجنازة أن تكون، ليس فقط مكانا لذرف دموع الزعماء على رابين، والحزن الشديد لفقده،و"امتحانا" سياسيا و "أخلاقيا" لهؤلاء الزعماء،ولكن أيضا بمثابة الإعلان عن التطبيع الصريح والعلني والعاطفي بين العرب وإسرائيل.


ان استمرار الحزن الفلسطيني على رابين، والذي لا يوجد مثله في اسرائيل نفسها، والرغبة في ايصاله الى حزن اسطوري ينبغي إحياء ذكراه باستمرار، يبعث رسائل فلسطينية باتجاهات مختلفة، فهو رسالة لأمريكا أننا لا نكره اسرائيل، وهي كذلك رسالة للاسرائيليين أنفسهم.


أراد "مصمموا" أوسلو أن تكون، ليس فقط تحولا في علاقة الفلسطينيين والعرب السياسية باسرائيل، بل ايضا نقطة تحول في مشاعرهم تجاهها. ربما في هذا السياق، يأتي الغضب الاسرائيلي وأحيانا "النخبوي" الفلسطيني عالي النبرة، تجاه تصريحات أبو مازن التي لا يستشف منها موقفا لا ينسجم مع المشاعر "الجديدة" التي يفترض أن تكون أوسلو قد شكلتها تجاه الاسرائيليين.


الحزن على رابين، وربما بشكل أدق "الترحم" عليه، والاستحضار الدائم "لمآثره"، هو رسالة طمأنة من النخبة القيادية الفلسطينية للاسرائيليين، أننا ما زلنا مخلصين للعلاقة "الاوسلوية" معهم. وهو رسالة لعموم الفلسطينيين أن لا ذنب للقيادة في فشل أوسلو، فالمشكلة ليست فينا ولا حتى في الاسرائيليين المعتدلين. إنها باختصار مسألة "حظ" سيء تجسد في قتل رابين.


أخيرا
لا ننكر دور الفرد في التاريخ، ولا ننفي امكانية تحول الفرد من حالة الى أخرى، لكن ذلك له شروطه الموضوعية، وله مؤشراته التي لم أجد منها، رغم المحاولة، ما ينطبق على حالة رابين. فهو حتى اللحظة الأخيرة من حياته لم يبد أي "تفهم" لحقوق وطنية فلسطينية، ولم يصدر عنه لا قولا ولا فعلا ما يشي بأنه يتغير باتجاه السلام القائم على ولو الحد الأدنى من العدل.


ان توقيع اوسلو من قبل رابين لا يعني اكثر من ادراكه - وادراك معارضيه ايضا - ، أنها خطوة تنسجم تماما مع مصالح اسرائيل والصهيونية، وإلا بماذا نفسر أن من عارض اوسلو وهو في المعارضة ( نتنياهو)، قد استمر بها وهو في الحكم.
للمرة الألف، نحن أمام مشروع صهيوني تمثله دولة اسرائيل، له اهدافه، وله شروط تقدمه وتراجعه، التي ترتكز اساسا على ميزان القوى مع الطرف الآخر، الذي يجب أن لا ننسى أنه نحن.

دلالات

شارك برأيك

"لو لم يقتل رابين"

المزيد في أقلام وأراء

فلسطين حتمية تاريخية

حديث القدس

لماذا يتحسس الإسرائيليون اليهود "جوازات سفرهم البديلة"؟!

أسعد عبد الرحمن

الإنتاجية وفن إدارة الوقت

جواد العناني

مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي المزعوم!!‏

المحامي أحمد العبيدي

قرار الكنيست لم يأت بجديد

مروان إميل طوباسي

القمر العاشر في سماء غزة

فايز أبو شمالة

العطاء الفلسطيني وسط الإبادة

فادي أبو بكر

أطلبوا المصالحة ولو في الصين!!

بهاء رحال

قرار الكنيست رفض الدولة الفلسطينية.. رُبّ ضارةٍ نافعة

أحمد صيام

إحباط الصفقة وتحييد الدولة في الطريق إلى واشنطن

سليمان أبو ارشيد

مستويات الانتماء والعمل لفلسطين!

مراد كادير

الوحدة الوطنية تصنعها الإرادة لا موسكو ولا بكين

راسم عبيدات

عندما يبحث أطفال غزة عن الطعام بين النفايات والركام !!

حديث القدس

ما بين بايدن وترامب: الانتخابات الأميركية وتأثيرها على الشرق الأوسط....وهل يكون ترامب بمثابة غورباتشوف أميركي؟

الخير عمر أحمد سليمان

الانتخابات التشريعية الفرنسية: هل تُشكّل بارقة أمل للقضية الفلسطينية؟

يسار أبو خشوم

هل فشلت إسرائيل في حربها الجارية؟

صقر أبو فخر

في ذكرى عاشوراء.. نتعلم كيف نصنع من الألم أملاً ومن المحنة نصراً

مسعود ريان

بصمات السلاح الأمريكي في المواصي

فتحي أحمد

جوهر القضية

محمود خليفة

الأولوية لمواجهة الاحتلال

حمادة فراعنة

أسعار العملات

الأربعاء 17 يوليو 2024 10:35 صباحًا

دولار / شيكل

بيع 3.62

شراء 3.6

دينار / شيكل

بيع 5.11

شراء 5.09

يورو / شيكل

بيع 3.95

شراء 3.9

قرار تجنيد الحريديم.. هل يطيح بحكومة نتنياهو؟

%20

%80

(مجموع المصوتين 76)