سبعون عاماً ويزيد من الشتات والتشرد جثمت على صدر الشعب الفلسطيني، فمسؤولية الأمم المتحدة عن قضية اللاجئين لا يمكن إغفالها حسب القانون الدولي الذي للأسف يكيل بمكيالين، فحكاية اللجوء تتكرر في المشهد الفلسطيني يومياً، ثمة خطط الترانسفير تتحقق في ظل العدوان الإسرائيلي على مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية هذا الحال الذي نشاهده اليوم بعد حصار جنين وخروج سكان المخيم ليلاً في العراء بحثاً عن مأوى ومكان آمن يحميهم من بطش الاحتلال وجنوده، شيوخ ومرضى وأطفال خرجوا من المخيم في ساعات الليل أمام العالم، وعدسات الكاميرات فهو يوحي بمخطط ممنهج لطمس هوية اللاجئ الفلسطيني.
أمريكيا الخانعة
الخارجية الأمريكية صرحت ندعم حق إسرائيل في الدفاع عن شعبها ضد والجماعات "الإرهابية"، هذا يعني بأن الولايات المتحدة على علم بهذا الحصار الظالم على مخيم لا تتجاوز مساحته نصف كيلو متر مربع، وتعداد سكانه ما يقارب 12000 نسمة، لكن على ما يبدو لا تعلم الولايات المتحدة الأمريكية سكان هذا المخيم المكلوم أخرجوا من ديارهم قبل حوالي سبعة عقود ونيف، من خلال ترهيبهم وقتلهم، لقد اخرج سكان مخيم جنين ورحلوا قسراً من عدة قرى فلسطينية كانت تابعة لمدينة يافا والرملة واللد، وما زالت جارة كندا على رأي الكاتب ناجي العلي تتناسى حجم الدمار الذي تعرض له سكان المخيم عام 2002 لقد تم تدمير المخيم بالكامل على رؤوس قاطنيه، واستشهد العشرات من سكانه في عدوان طال الشجر والحجر والأنسان.
ذاكرة الأجيال
حكاية المخيم ودوامة اللجوء لا يستطيع كائن من كان أن يمحو ذاكرة الأجيال، فرغم تعرض المخيمات لهجمة شرسة من قبل الاحتلال ومحاولته تقويض بنيته الفكرية لكنه فشل، فالصغار لن ينسوا رغم موت الكبار، فهذا تاريخ مليء بذكريات الآباء والأجداد، كان لهم فيها جولة وصولة، في مدنهم وقراهم تشكّلت هويتهم وما زالت شامخة ليومنا هذا، هذا الحال الذي تعانيه المخيمات من قسوة العيش وظروف الدهر، مساحات ضيقة يعيش عليها أعداد هائلة من اللاجئين، يعبر عن مدى الظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، لقد بلغ السيل الزبى، وما زالت إسرائيل تتحدى العالم في فكرها النيتشوي والنازي، تشبعت بفلسفة نيتشه ودارون، فلسفة البقاء للأقوى، فالقوي حسب هؤلاء الملاحدة هو من يسيطر، ولكنهم غفلوا لا يعني الاستمرارية في الظلم والتسيّد إلى ما لا نهاية.
تناقض في الرأي
اليمين في إسرائيل يسبر اليوم على قدم وساق في انهاء السلطة الفلسطينية ويقطع الطريق أمام إقامة دولة فلسطينية، وهذا ما جسده رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو عندما قال وهو لا يحسب حسابا لأحد، لا من العرب والغرب، وقد أعلن صراحة ولأول مرة رفض قيام دولة فلسطينية والعمل على قمع الطموحات الفلسطينية بالحصول على دولة فلسطينية مستقلة، عندما يكرر نتنياهو في خطاباته اجتثاث فكرة إقامة الدولة الفلسطينية، وقطع الطريق على تطلعات الفلسطينيين لإقامة دولة مستقلة لهم هذا يدلل على إن إسرائيل ماضية في شن حروب على الشعب الفلسطيني في المدى الحالي والمنظور، لقد وضعت حكومة الاحتلال منذ سنة خطة لحصار جنين والقضاء على بنية الإرهاب على حد وصفهم، ونفذت ذلك أمس الاول، فلديها خطط أخرى للإعادة الكرة مرات ومرات في أماكن مختلفة من الضفة الغربية، وأما غزة فلها أجندة مختلفة، فالاحتلال يبرد مناطق ويسخن أخرى، حتى يسهل عليه الانقضاض على الفريسة بكل سهولة. لقد زعمت دولة الاحتلال وخاطبت العالم بأن تصنيع صواريخ في مخيم جنين هي التي قادتها لمحاصرة المخيم، فهي تريد اجتثاث الإرهاب على حد قولها، فكانت هذه البراهين هي تصريح قوي لكي تعيث في مخيم جنين الفساد تقتل وتدمر، وتريد أن تعيد المخيم لمشهد عام 2002، ربما تنجح في ذلك، في المقابل فهي تغفل على إن هذا اللاجئ لديه حقوق، على إسرائيل أن تعيدها له وهي أرضه المسلوبة فحكاية المخيم سوف تتكرر ولا يسقط المخيم، كما لا يسقط الحق بالتقادم.
فلا شك تمرد اليمين في إسرائيل سيقود حكومة الائتلاف اليميني الصهيوني للسقوط المدوي، فرغم التقاء المعارضة مع حكومة المستوطنين في حصار مخيم جنين وهذا ما صدح به زعيم المعارضة الإسرائيلية، يائير لابيد، إنّ "العملية الحالية في جنين هي عملية ضد البنية التحتية الإرهابية". ويضيف نحن ضد انهيار السلطة هذا التناقض في التصريحات هو من باب التسويق الإعلامي، وقد صدق فيه الشاعر عندما قال وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن ألا تلاقيا. اليوم يتحد المكوّن الإسرائيلي في مواجهة الشعب الفلسطيني أولاً وثانياً في تبديد حلم الدولة، فهم يتطلعون لكانتونات يعيش فيها الفلسطينيون فقط. إلا إن الفجوة الفكرية بينهما قائمة يصعب جسرها.





شارك برأيك
مخيم جنين... لجوء آخر