غابت جامعة الدول العربية منذ بدأت حرب الإبادة في غزة عن المشهد، وأقول مثلما يقول قائل، ما الذي يمكن أن تفعله في حضورها، فغيابها وحضورها سيان، وهذا ما عرفناه عنها طيلة عقود مضت، خاصة في القضايا المصيرية الهامة، حيث تتخذ لنفسها شكلًا ديكوريًا وفي أفضل حالاتها تحاول تقريب مسافة المواقف إذا ما كانت مواقف الدول متباعدة، وعادة ما كانت تفشل في تجسير الهوة، وتكتفي بتوصيات تبقى حبرًا على ورق، وفي العقود الأخيرة حافظت الجامعة العربية على دورها في أدنى الحدود، حتى بهتت في حضورها، لدرجة لم يعد المواطن العربي من المحيط إلى الخليج يراهن على أي موقف يصدر عنها، ولا يتوقع منها أكثر من الشجب والاستنكار، ولكن حتى الشجب وبيانات الاستنكار والمؤتمرات غابت وسط المحنة والإبادة التي تتعرض لها غزة، فغابت عن صدارة بيانات الشجب والإدانة أيضًا، واختفت عن المشهد بصورة لافتة غير مفهومة وغير مبررة. ولم أكن أقصد هذه القسوة على الجامعة العربية التي هي بيت كل العرب، أو هكذا يفترض أن تكون، إلا أن غيابها في حرب الإبادة كان لافتًا لدرجة غير معقولة ولا مقبولة، وقد أظهرت حالة الضعف والترهل الكبير الذي هي عليه، فما تمثله يستدعي أن تكون صاحبة موقف، وصاحبة قرار، وأن تشكل حاضنة أساسية، وتوفر شبكة أمان على كافة المستويات، وما كان لأحد أن يتوقع التزامها الصمت المطبق طوال الوقت، وزحفها نحو الهروب من مسؤولياتها ومن مهامها الرئيسية بهذا الشكل.
الصمت اللافت لجامعة الدول العربية يعبر عن حالة الضعف العربي الهائلة التي شهدناها طيلة الأشهر الماضية، حيث وقفت الجامعة عاجزة عن إدخال الطعام والغذاء والدواء، كما عجزت عن وقف هذه الإبادة الجماعية المستمرة، وما كانت الأمة العربية من قبل بهذا الوهن والضعف التي عبرت عنها بمواقفها الصامتة والخجولة أحيانًا، خلال المقتلة التي يتعرض لها شعبنا الفلسطيني في غزة منذ أكتوبر الماضي. غزة التي تتواصل عليها حرب الإبادة كانت تتطلع لمواقف عربية أكثر دعمًا وأكثر حزمًا في وقف المقتلة، لكن الكثير من المواقف غابت وخرست أصوات واستكانت ضمائر، وطوت غزة أيامها في مواجهة الاحتلال بعنصريته ودمويته وحقده الذي لا ينتهي ولم يتوقف.
أن نلوم أنفسنا قبل لوم الغريب، وأن نعتب على جامعة الدول العربية قبل أن نلوم ونعتب على الهيئات الدولية والإقليمية، وهل يكفي هذا اللوم والعتب أمام الدم الذي سال، وحجم المجازر والمذابح التي ارتكبت وترتكب، وأمام واقع المعاناة والقهر والعذاب اليومي في غزة، وما حاجتنا لجامعة عربية لم تكسر الحصار، ولم توقف المعاناة الجوع والعطش، ولم تنقذ من ماتوا جوعًا، وهل يكون غيابها المطبق أفضل من حضورها الباهت.





شارك برأيك
الجامعة العربية.. خرساء صماء