استشهد مساء امس القائد الاسير والاديب وليد دقَّة، في مستشفى أساف هروفيه بعد ان تعمدت اسرائيل قتله بسياسة الاهمال الطبي رغم خطورة حالته بعد تشخيص اصابته بمرض السرطان ورفضت كافة المناشدات التي قدمتها مؤسسات حقوقية بإطلاق سراحه ، وهو سادس أقدم أسير فلسطيني، وأطلق عليه في فترة ما وصف "عميد الأسرى"، وسمي "جنرال الصمود"، وكان أنهى حكمه الأول في آذار 2023، وتمت معاقبته بعامين إضافيين.
رحل دقة ابن باقة الغربية بعد مسيرة نضالية دامت ٣٨ عاما كتبها بحروف وطنية ترسخها ذاكرة عصية على النسيان ، بعد ان قدم نفسه كاتبا وأديبا ومفكرا وأصدر مؤلفات عديدة ابرزها ( صهر الوعي) ( والزمن الموازي) ورواية (حكاية سر الزيت) ولم يكتب لطفلته ميلاد التي كتب اسمها قبل ميلادها ان تعانق والدها الذي اصبح أبا في سن السابعة والخمسين بعد تهريب نطفة إلى خارج السجن ..
رجل الكهف كما أحب وليد ان يطلق على نفسه نظرا لانه أمضى اكثر من نصف عمره في السجون ، ولد في باقة الغربية عام ١٩٦١ ونشأ في اسرة فلسطينية في وادي الحوادث وعاش طفولته على نحو متواضع واعتقل في سن الـ25 عاما، وتزوج من الإعلامية سناء سلامة، بعد أن انتزع زفافا لمدة 3 ساعات داخل أروقة سجون الاحتلال عام 1999، وكان الوحيد في تاريخ الحركة الأسيرة.
وناضل مع زوجته لمدة 12 عاما لنيل قرار يسمح لهما بالإنجاب، قبل أن يتمكن من "تحرير نطفة" اخترقت جدران السجن وظلماته عام 2019. لتخرج طفلته إلى الوجود في الثالث من شباط 2020 باسم "ميلاد وليد دقة"، لكنها لم تعرفه إلا أسيرا في مكان مغلق ومظلم وكانت كما كتب اجمل تهربب لذاكرته .
وتألق وليد في محطته الدراسية من داخل السجون ففي عام 2010 حصل على درجة البكالوريوس في دراسات الديمقراطية المتعددة التخصصات، من "الجامعة المفتوحة الإسرائيلية". وفي عام 2016، حصل على درجة الماجستير في الدراسات الإقليمية "مسار الدراسات الإسرائيلية " من جامعة القدس ولم يتمكن من إكمال تحضيره لدرجة الدكتوراه في الفلسفة من "جامعة تل أبيب" بعد اصابته بمرض السرطان وهو مفوه ومثقف بارع في فنون اللغة العربية كما انه يتقن اللغة العبرية عن ظهر قلب ..
عاش وليد قسوة الاحتلال، والتحق بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1983، وانتسب إلى خلية عسكرية لتعتقله سلطات الاحتلال في العام ١٩٨٦ وتتهمه مع الشهيد إبراهيم الراعي ورشدي أبو مخ وإبراهيم بيادسة، بقتل الجندي موشي تمام.
وفي معتقله، صار عضوا في حزب التجمع الوطني الديمقراطي عقب تأسيسه عام 1995، وهو حزب فلسطيني في الداخل الفلسطيني .
قال عن مسيرته الأدبية في السجون انها نفقه الذي حفره تحت الأسوار حتى يبقى على صلة مع الحياة، حياة الناس وهموم شعبنا وأمتنا العربية، وهذا لا يعني أن الكتابة انفصال عن واقعه داخل الأسر".
أشهر كتاباته "يوميات المقاومة في جنين"، وهو كتاب قدم فيه توثيقا للتجربة الفلسطينية، وسيرة مختصرة عن تاريخه النضالي، وعن تأملاته في تجربة فلسطين المحتلة عام 1948 ويتحدث كتاب صهر الوعي أو إعادة تعريف التعذيب"، عن المهمة النضالية التي مر بها بعد أسره، وتجربته في الحركة الأسيرة من داخل سجن "الجلبوع".
واختار حكاية (سر الزيت) لسر الوجود في الحياة وحكاية (سر السيف ) للحديث عن النكبة (وسر الطيف) كحكاية لعودة الشهداء إلى رام الله ..
اقترن اسمه بـ"الزمن الموازي"، وهي رسالة كتبها في اليوم الأول من عامه الـ20 في الأسر، عن فلسفة زمن الأسرى وزمن من هم خارج الأسر.
بعد اعتقال وليد في العام ١٩٨٦ ومحاكمته بالسجن المؤبد تم تخفيف الحكم إلى ٣٧ عاما ومع انتظار موعد الإفراج عنه في ٢٣ اذار من العام الماضي عاقبته محكمة عسكرية بالسجن لمدة عامين أمضى منها عاما بعد ان اصيب بمرض السرطان في العام ٢٠٢٢ وبعد معاناة طويلة ومناشدات حقوقية كبيرة استشهد امس قبل معانقة زوجته وطفلته في جريمة اسرائيلية جديدة تقوم على سياسة القتل الممنهج لأسرانا.
يرحل الشهيد وليد بعد ان كتب قصته الأخيرة من مشفى برزيلاي بحبر الغيبوبة والعلاج الكيماوي محاولا تدريب النوافذ والشبابيك لاصطياد الطيور التي تغني لطفلته ميلاد وتحرك أوراق الشجر ويطوف ارجاء الوطن ويعود شهيدا في كفن





شارك برأيك
وليد …الشهيد