أقلام وأراء

الأحد 03 ديسمبر 2023 9:19 صباحًا - بتوقيت القدس

الحرب على غزة والمهمة المستحيلة

تذكرني الحرب الدائرة في غزة وأهدافها المعلنة بسلسلة أفلام "المهمة المستحيلة" وأبطالها توم كروز وجاي جاي أبرامز، وتسمح لي بأن أطلق لخيالي العنان لأتصور إمكانية أن تكون هذه الحرب ملهمة لإنتاج الفيلم الثامن من هذه السلسلة بعد أن يفرغا من الفيلم السابع الذي بدأ العمل عليه منذ 2021 ولم ينته بعد. ومع أن هذه السلسلة تضمنت فما مضى فيلما تحت اسم المهمة أنجزت Mission: Accomplished إلا أننني أصر على أن اسم Impossible Mission هو الأكثر انطباقا ً على ما يجري في غزة هذه الأيام.


فالمطلوب في هذه الحرب ليس فقط رأس يحيى السنوار ومحمد ضيف وإنما أيضا ً رأس حماس. ولئن استطاعوا الوصول الى رأس السنوار أو ضيف أو كلاهما كما فعلوا من قبل مع عبد العزيز الرنتيسي وصلاح شحادة وأحمد ياسين وأحمد الجعبري وكثيرون غيرهم فإن ذلك لن يؤدي الى قطع رأس حماس كما كان الحال بعد من سبقهم لأن حماس هي حركة سياسية وأيديولوجيا وفكرة والقضاء على الفكرة لا يمكن أن يتم لأنها كالبذرة تنبت حتى من بين شقوق في الصخر.


لقد بالغ القادة الإسرائيليون في تحديد الهدف من هذه الحرب وتسلقوا شجرة عالية جدا ً حين قالوا بأن الهدف منها هو القضاء على حركة حماس واجتثاثها من جذورها، واتخذوا ذلك ذريعة للإسراف في القتل، تحت طائلة الادعاء بأن كل غزة هي حماس غلا أن ذلك الإسراف في القتل لم يحقق لهم الهدف وأغلب الظن بأنه لن يحقق ذلك.


وواقع الأمر هو أن عامة الشعب في قطاع غزة هي التي تدفع الثمن رغم فشل الخطة الإسرائيلية بعد استمرارها شهرين بالقصف العشوائي وقتل عشرات الآلاف من المدنيين سواء تحت ركام منازلهم أو على طرقات الهروب بحثا ً عن أماكن لجوء تنقذ أرواحهم من الموت الذي يتخطفهم من كل اتجاه، لإرغامهم على الهجرة عبر الحدود مع مصر وتفريغ القطاع من السكان لن تنجح، وفشل الاعتقاد بأن ممارسة الضغط على المدنيين وبكل هذه القسوة قد يثيرهم ضد حماس.


النداء الغزي: الحمد لله.. الحمد لله !
فسكان القطاع المحاصرين في بيوتهم وأماكن سكناهم منذ عقدين من الزمن وفي أقسى الظروف المعيشية اعتادوا التعايش مع القهر والحرمان واتجهوا في أغلبيتهم الساحقة نحو التوجه للدين، وليس بالضرورة الى حماس، والتسليم بأمر الله وحكمه وهذا ما يفسر كيف يخرج الواحد منهم من تحت الأنقاض ينزف دما ً ويعرف أن بعض أفراد عائلته أو كلهم قد استشهدوا ولا يسمع المرء منه إلا عبارة "الحمد لله...الحمد لله".


ولا بد من أجل فهم ما يحدث في غزة فهم طبيعة هؤلاء الناس الطيبين الذين يعانون من ضيق العيش لدرجة أن طوعوه وتعلموا الصبر الى أن أصبح الصبر بحاجة الى صبر كي يصبر على صبرهم.


وليس سرا ً أن هناك توافق بين نتنياهو وبايدن وعدد من رؤساء الأنظمة العربية والقادة الأوروبيين على القضاء على حماس دون أن يدركوا بأن القضاء على حماس حركة وفكرة هو مهمة مستحيلة وأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يبدأ مع حماس ولن ينتهي بالقضاء على حماس.


ولقد أدرك الرئيس الأمريكي جو بايدن وبعد قرابة شهرين من الدمار والابادة الجماعية ضد المدنيين الأبرياء العُزل من السلاح وأمام ضغط الرأي العام الدولي والفئات الشابة في الحزب الديمقراطي الأمريكي استحالة هذه المهمة ووجد نفسه في حيرة من أمره. فهو يتفق مع نتنياهو وحلفائه أو مواليه في المنطقة على ضرورة "القضاء على حماس ومحوها عن الخارطة" ، ولكنه لم يعد قادرا ً على الاستمرار في السكوت على استمرار المجازر الجماعية ومشاهدها المرعبة التي دخلت أبواب كل المنازل في شتى بقاع المعمورة، والتي بدأت تنعكس على وضعه السياسي داخل بلاده وأمام شعوب العالم وهذه هي الرسالة التي حاول وزير خارجيته ترويجها في زيارته الأخيرة والتي مفادها هو أن أمريكا مع استمرار حرب إسرائيل ضد حماس ولكن بشكل موضعي انتقائي دون إيقاع خسائر في أرواح المدنيين، ويتجاهل هو ورئيسه أن عدم إيقاع خسائر بين المدنيين هو الاستحالة بحد ذاتها بحكم الاكتظاظ السكاني في القطاع وضيق مساحته وعدم وجود أي بقعة آمنة على أرضه لأن القصف الإسرائيلي الأعمى لا يفرق بين البشر والشجر والحجر.


2/12... يوم دموي دافعه اليأس والحقد
لقد استأنفت إسرائيل حربها الانتقامية ضد سكان قطاع غزة وقبل أن تحلق طائرة بلينكن من إسرائيل كانت السماء تمطر قذائف ونيران فوق رؤوس الغزيين. وكان الأمس، السبت 2-12-2023 يوما مميزا ً في تاريخ القطاع حيث صبت إسرائيل جحيم حقدها ويأسها فوق رؤوس الغزيين فدمرت أكثر من خمسين مجمّعا ً سكنيا ً وقتلت وجرحت المئات وما زال الناس يحفرون بأيديهم تحت الركام بحثا ً عن الأحياء لافتقارهم للآليات الخاصة بذلك، وما زال المئات يفترشون الأرض أو الألواح الخشبية دون اسعاف بعد أن تم اخراج مستشفيات غزة عن العمل.


ويبقى السؤال الى متى!!
إسرائيل تصر على تصفية حماس، وحماس عصية على التصفية، والكل العربي تخلى عن قطاع غزة تساوقا مع الرغبة الأمريكية بتصفية حماس.


الإسرائيليون يقولون بأن من المستحيل تصور مستقبلا ً لغزة مع استمرار وجود حماس، وحماس تقول بأن لا مستقبل بدون حماس، والسلطة على لسان الناطق الرسمي باسمها وعضو اللجنة المركزية لفتح تقول بأن لا شأن لها ولا علاقة بما يجري بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة رغم أن واقع ما يجري هناك ليس بين إسرائيل وحماس وإنما هو بين إسرائيل والشعب الفلسطيني، الذي تمثله المنظمة الأب الشرعي للسلطة، والتخلي عن العمل ضد ما يجري في قطاع غزة هو تخل عن جزء من الشعب في أحلك ظروف حياته.


الخيارات الممكنة لفتح أفق سياسي
ستستمر هذه الحرب أياما ً طويلة قادمة طالما ظلت إسرائيل تركب رأسها وتصر على الهدف المستحيل الذي أعلنته لنفسها وهو القضاء على حماس. ولا شك بأن أمامنا خيارين:
الأول هو استمرار المجازر والمذابح والدمار للقضاء على شريحة واسعة من سكان القطاع واجبار من يتبقى منهم على الرحيل بحثا ً عن الحياة بعد أن دمرت إسرائيل كل مقومات الحياة في القطاع من ماء وكهرباء ودواء وغذاء ومدارس ومستشفيات وبيوت تؤوي الناس، من أجل تحقيق هدف القضاء على حماس. والله أعلم متى يمكن أن يتحقق ذلك إن كان من الممكن أصلا ً.
والثاني هو مبادرة تفتح أفقا ً سياسيا ً يلزم حماس بأن تصبح جزءا ً من النسيج السياسي الفلسطيني ويقوم على أساس الالتزام بقرارات الشرعية الدولية.


ولا شك بأن الخطة التي قدمتها القيادة الفلسطينية للجانب الأمريكي يمكن أن تُشكل أساسا ً لمثل تلك المبادرة ومادة أساسية لمؤتمر دولي للسلام. فهذه الخطة تتضمن خطوات عملية لإعادة الثقة بين الشعب وقيادته، ولجم الاعتداءات الإسرائيلية ومحاولاتها اضعاف السلطة على طريق السعي لتصفيتها لتكون البند الثاني بعد الفراغ من بند تصفية القطاع وابتلاعه، وتفتح أفقا ً سياسيا لإنهاء الصراع.


فهذه الخطة تتضمن فيما تتضمن: تحقيق وقف ثابت ومستمر لإطلاق النار، وتقديم المساعدات الإنسانية والطبية وتوفير الغذاء والماء والكهرباء والوقود لسكان القطاع، وتوفير أماكن آمنة للناس الى حين عودتهم الى بيوتهم، ومنع تهجير الفلسطينيين الى خارج القطاع، ووقف اعتداءات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين بالضفة الغربية، ووقف كافة الإجراءات الأحادية وخاصة ما يتعلق بالأنشطة الاستيطانية، وإعادة الأموال الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل، والذهاب الى عملية سياسية مستندة الى قرارات الشرعية الدولية تفضي الى انهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطين.


مجمل الخطة هو قائمة مشتريات لا يختلف عليها فلسطينيين اثنين، ولكن هذه القائمة تفتقر أولا ً الى أن تكون منطلقة من خلال اجماع وطني فلسطيني من كل الفصائل والقوى، والى وضعها في اطار دولي وآليات تنفيذ وضوابط ملزمة للتنفيذ.


 وهذا لا يمكن أن يتحقق من خلال الهمس ببنود هذه القائمة في أذن هذا المبعوث الأمريكي أو ذاك لأن إدارة بايدن وضعت نفسها وبشكل علني استفزازي في جيب إسرائيل. ولا بد من أن تنطلق بنود هذه الخطة من خلال مؤتمر دولي للسلام كما دعا عدد من رؤساء بعض الدول الصديقة، وبمشاركة فلسطينية لا تقصي أحدا ً من ألوان الطيف الفلسطيني يضعها في صيغتها النهائية وبشكل قرار حسب البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة فيما يتعلق بإلزامية تنفيذ قرارات مجلس الأمن فيما يتعلق بتهديد السلام الدولي.


وأخيرا ً وليس آخرا ً، هناك أصوات حتى من داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية تدعو الى صفقة شاملة لتبادل جميع الرهائن والأسرى الإسرائيليين لدى حماس بجميع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين الذين في السجون الإسرائيلية، ولكي تكون مثل هذه الخطوة نهاية لحالة العداء ومنطلقا ً لتأسيس حياة مستقبلية للجانبين قائمة على أسس التعايش وحسن الجوار، فإن خطوة تبادل الكل مقابل الكل يجب أن تكون جزءا ً ومكونا ً أساسيا ً من مكونات المبادرة السياسية آنفة الذكر مرتكزة على مؤتمر دولي وضمانات دولية وشرعية دولية ونقطة انطلاق نحو مستقبل جديد..

دلالات

شارك برأيك

الحرب على غزة والمهمة المستحيلة

المزيد في أقلام وأراء

بين التلويح بإجتياح رفح وتعثر الصفقة ومصير غزة المجهول ؟!

داود داود

عن الإبادة الجماعية في غزة

سامي البريم

بمناسبة اليوم الدولي للغة الأم ، العربية لغة الثقافة والتواصل الانساني

كريستين حنا نصر

تعطل عمل الأونروا....ماذا خلف الستار؟؟

أماني الشريف

على العالم ان يتحرك بشكل عاجل جدا لمنع تطاول اسرائيل على مجد الأمة ( الاسرى)

حديث القدس

يا جمهور الصمت الصادق

يونس العموري

نسمع جعجعًة ولا نرى طحنًا

أسماء ناصر أبو عياش

العالم لن يبقى كما هو إذا رأيناه بعيون التربويين

فواز عقل

مركز الحسين للسرطان

حمادة فراعنة

رسالة إلى الإسرائيليين

حمادة جبر

الفصائل.. تتلمس الدفء في صقيع موسكو

نبيل عمرو

فلسطين أمام السؤال الصعب: حصاد جهود أم رهان على وعود؟

إبراهيم الشاعر

(آن أوان نهاية الاحتلال)

حديث القدس

معادلة هل يكون رصيدك قد نفذ يا اسرائيل

حمدي فراج

نتنياهو وأحلام اليقظة السياسة!

ناجي صادق شراب

ليسَ كلُّ منْ يركضُ في المَيدانِ عَدَّاء!

القس سامر عازر

التوصيف البرازيلي الدقيق

حمادة فراعنة

عدالة دولية طويلة بطيئة بدون مخالب!

المحامي إبراهيم شعبان

مشهد الإبادة وعيون أطفال غزة .. والانتظار على الأريكة!

جمال زقوت

هل يمثل لقاء موسكو للفصائل بارقة أمل‎؟

هاني المصري

أسعار العملات

الأربعاء 21 فبراير 2024 11:02 صباحًا

دولار / شيكل

بيع 3.7

شراء 3.68

دينار / شيكل

بيع 5.27

شراء 5.25

يورو / شيكل

بيع 4.02

شراء 3.94

هل يمكن أن تحقق العملية البرية الإسرائيلية في قطاع غزة أهدافها؟

%16

%81

%3

(مجموع المصوتين 31)

القدس حالة الطقس