أقلام وأراء

الثّلاثاء 14 مايو 2024 6:11 مساءً - بتوقيت القدس

جبل غزة الذي لا ينحني….

تلخيص

عندما شاهد الناس وائل الدحدوح على شاشة التلفاز،  بعد ساعات قليلة من استشهاد زوجته وولديه وابنته وحفيده، وعدد من أفراد عائلته، في عمليتي قصف منفصلتين، أطلقوا عليه لقب "الجبل. فما ألم به لا تحمله إلا الجبال العالية..تحمل الألم الكبير مثل جبل كبير، وواصل الطريق الصعب والطويل بلا تردد  . 


وما عزز اللقب لدى وائل هو انه كان الوجه الإعلامي الأبرز في هذه الحرب، فقد رافقها منذ لحظتها الاولى، وقدم للجمهور تفاصيل ابرز وأهم فصول هذه المأساة المفتوحة التي حصدت، وما زالت تحصد، ارواح عشرات آلاف الإبرياء. 


غطى وائل الحرب بطريقة فيها الكثير من الجرأة وعاش فيها الكثير من الرعب. 


بدأت زيارتي للدوحة بلقاء وائل الدحدوح، واختتمتها بلقائه. وربما كان الدافع الاول وراء الزيارة هو اللقاء به..


عندما روى لنا، في الليلة الأخيرة، تفاصيل الاحداث والحكايات التي عاشها والأخطار التي تعرض لها، تذكرت احداث رواية روسية تحمل اسم "الرعب والجرأة". روت تلك الرواية فصولا مما تعرض له الشعب الروسي اثناء الغزو الالماني في الحرب العالمية الثانية التي حصدت ارواح اكثر من 20 مليون روسي. 


عاش وائل الموت وعايشه في كل يوم من هذه الحرب. 


روى لنا كيف تعرض هو وزميله المصور سامر أبو دقة، وثلاثة من رجال الدفاع المدني لاستهداف مباشر من قبل طائرة مسيرة. قال بأنهم تعرضوا للصاروخ الاول، الذي قتل رجال الدفاع المدني واصابه هو وسامر بجروح بالغة. أفاق من الغيبوبه على "ماسورة من الدماء" تتدفق من ذراعه. حاول الاحتماء من صاروخ ثان متوقع، حسب خبرته الطويلة في تغطية الحروب، فكر اولا في الدخول إلى مخزن مجاور، لكنه خشي ان يموت من النزيف داخل هذا المكان المهجور ولا يعلم عنه أحد، فواصل المسير وهو يحاول وقف نزيف دمه الذي لا يتوقف، وبينما هو كذلك أطلقت الطائرة المسيرة صاروخا ثانيا قضى على سامر الذي لم يكن يقوى على النهوض والمسير. 


يقول وائل: "وصلت إلى سيارة الإسعاف في آخر الطريق، وقام طاقمها بوقف النزيف من ذراعي.  طلبت منهم ان يسرعوا لانتشال سامر لكن الصارخ كان اسرع منهم.


يبدو وائل على قناعة راسخة أن ما تعرضوا له هو كمين وعملية اغتيال.


يقول: "ذهبنا إلى المكان برفقة رجال الدفاع المدني بعد ان حصلوا على تنسيق خاص من سلطات الاحتلال للوصول إلى المكان، ومعروف ان الجنود الذين يديرون الطائرات المسيرة يشاهدون الهدف بوضوح كامل، عبر كاميرات بالغة الدقة، واذا كانوا اخطأوا في الاول، فلا يمكنهم ان يخطئوا في الثاني الذي جاء بعد وقت طويل نسبيا.


يتذكر وائل ما خطر في باله في تلك اللحظة وهو "النهاية". "قلت لنفسي. انتهت الرحلة يا أبو حمزة". 


من المواقف الخطيرة الأخرى التي رواها لنا في الليلة الأخيرة حادثة مستشفى المعمداني. 


يقول: "كنت استعد لتقديم رسالة اخبارية، عندما شاهدت صاروخين قادمين من السماء يضربان المستشفى. 


طلبت منه القناة ان لا يذهب إلى هناك في تلك اللحظة، خشية على حياته، لكنه خالف التعليمات وصمم على الذهاب لنقل الصورة. 


سألته عن رواية تقول ان ما تعرض له مستشفى المعمداني هو صاروخ محلي انحرف عن الاتجاه. رد: "اقول لك بأمانة ان هناك صواريخ محلية تنحرف احيانا وتسقط في القطاع. لكن هذه الصواريخ جاءت من الطائرات، وانا شاهدتها بأم عيني".


روى لنا فصولا من رواية الرعب والجرأة في حرب غزة، التي يسميها أصحابها "السيوف الحديدية"، وهي فعلا كذلك. فقد حدثنا عن قنابل تتحول إلى سيوف حديدية تنتشر في كل الاتجاهات وتقطع جذوع الشجر وأرجل البشر وتشق الحجر. 


عرفت وائل الدحدوح عن قرب اثناء عملي في غزة. جمعنا صديق مشترك هو عادل الزعنون، وصار اللقاء به جزء أساسي من كل رحلة عمل إلى غزة لسنوات طويلة. وما يسر اللقاء به أن مكتبه في غزة كان بجوار مكتب وكالة أسوشيتدبرس التي عملت فيها 25 عاما. وتوثقت العلاقة اكثر من خلال الزملاء والأصدقاء المشتركين في رام الله والقدس: وليد العمري وشيرين ابو عاقلة ونجوان سمري وجيفارا البديري ووسام حماد…


كنا نبدأ النهار بوجبة فطور غزاوية خاصة، عرفت فيها، للمرة الاولى، العدس المدمس، والدقة واخواتها…

كانت معرفة وائل استثنائية على المستويين الشخصي والمهني.


مهنيا، كان وائل، بالنسبة لي أنا القادم من الضفة الغربية، مصدر معرفه لكل تفاصيل المشهد  السياسي في غزة. فقد كان محط ثقة واحترام كل اطياف العمل السياسي في القطاع. كانت كل الابواب، بلا استثناء، مفتوحة أمامه، وهذا أقصى ما يحلم به كل صحفي. 


على المستوى الاجتماعي، كان  من أنبل من التقيتهم في حياتي، ولا يقل عنه نبلا ومهنية زملاءه في غزة، تآمر المسحال وهشام زقوت وعادل الزعنون….


دخلت بيت وائل، وعرفت عائلته. بيت جميل وعائلة راقية ذات قيم عالية. 


لم اتمكن، في هذه الزيارة، من سؤاله عن أحواله، فأنا اعرف جبال الحزن التي ينوء تحت ثقلها، لكني اعرف ايضا انه جبل كبير قادر على حملها والمضي بها إلى نهاياتها…


اقول له مودعا؛ إلى لقاء قادم يا جبل غزة الذي لا ينحني.

يرد: نلتقي في غزة، ولو بعد حين…

دلالات

شارك برأيك

جبل غزة الذي لا ينحني….

المزيد في أقلام وأراء

السؤال الملح : هل تلتزم إسرائيل ؟

حديث القدس

العدالة المغلولة

إبراهيم ملحم

في حضرة المشهد الفلسطيني

محمد زهدي شاهين

التغريبة التي لم تنقطع

عطية الجبارين

إسرائيل بين الادعاء والدفاع.. ‏"من إبادة النازية" إلى "إبادة غزة"

سماح خليفة

إسرائيل من فشل الى فشل الى ردة الغضب

حمدي فراج

فوكوياما وحراك الجامعات: غزّة خارج المعادلة

صبحي حديدي

النضال الفلسطيني: تحديات مستمرة وآمال متجددة في وجه الاحتلال

فادي أبوبكر

هل يفلت قادة الكيان من العقاب؟

حسن عبادي/ حيفا

ما بين حماس والمستعمرة

حمادة فراعنة

العرب واليابان: نهج جديد

جواد العناني

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل مستقبل التعليم الجامعي؟ استعد للثورة التعليمية!

بقلم: صدقي أبو ضهير

اسرائيل تتحدى قرارات محكمة العدل الدولية

حديث القدس

قضم وضم وتهويد وإبادة جماعية

بهاء رحال

ضياع في إسرائيل

سوسن الابطح

(ما العمل؟)-- التعامل مع الفئات المهمشة في ظل الحروب

غسان عبد الله

كيف ردت إسرائيل على الاعتراف بالدولة الفلسطينية؟

فتحي أحمد

من -حقاً- هم الحيوانات البشرية؟

أسعد عبد الرحمن

ليست إبادة، لكن ماذا؟

سمير عطا الله

هذه الهستيريا الإسرائيلية

عمر كوش

أسعار العملات

السّبت 25 مايو 2024 12:56 مساءً

دولار / شيكل

بيع 3.66

شراء 3.0

دينار / شيكل

بيع 5.18

شراء 5.15

يورو / شيكل

بيع 3.97

شراء 3.95

بعد سبعة أشهر، هل اقتربت إسرائيل من القضاء على حماس؟

%10

%90

(مجموع المصوتين 149)

القدس حالة الطقس