بدأت القوى السياسية في الجزائر سباقاً مع الزمن للاستعداد للحملة الانتخابية الخاصة بالتشريعيات المقررة في الثاني من يوليو المقبل. وتتزامن هذه الاستعدادات مع حالة من الترقب داخل أروقة الأحزاب بانتظار النتائج النهائية لعملية غربلة القوائم التي تجريها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.
وعبرت حركة مجتمع السلم، التي تعد كبرى تشكيلات المعارضة في البلاد، عن هواجسها تجاه معايير رفض المترشحين. وأشارت الحركة إلى أن مرحلة دراسة الملفات الحالية تشهد توسعاً فيما وصفته بـ 'التطبيق التعسفي' للمقتضيات القانونية الناظمة للعملية الانتخابية.
وتركز الجدل السياسي بشكل أساسي حول المادة 200 من قانون الانتخابات، والتي تمنح السلطات صلاحية استبعاد أي مترشح يثبت ارتباطه بأوساط المال والأعمال المشبوهة. وتخشى الأحزاب أن تتحول هذه المادة إلى 'مقصلة' سياسية تُستخدم لإقصاء الكوادر دون الاستناد إلى أحكام قضائية مبرمة.
وفي اجتماع لمكتبها التنفيذي برئاسة عبد العالي حساني شريف، أكدت حركة مجتمع السلم أن اختيار مرشحيها تم بناءً على معايير الكفاءة والنزاهة. وشددت الحركة على ضرورة حماية المسار الديمقراطي من أي تضييق قد يمس بالحقوق الدستورية للمواطنين في الترشح والانتخاب.
وحذرت الحركة من أن غياب الضمانات القانونية والإعلامية الحقيقية قد يؤدي إلى تعميق فجوة الثقة بين الشارع والمؤسسات الرسمية. كما دعت إلى مراجعة المقاربات الإدارية الحالية لضمان تكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين بعيداً عن أي توظيف سياسي للقانون.
من جانبه، كشف حزب العمال عن إيداع 29 قائمة انتخابية في عدة ولايات بعد عملية تدقيق داخلية صارمة لمرشحيه. وقالت الأمينة العامة للحزب، لويزة حنون إن تشكيلاتها خضعت لغربلة دقيقة لضمان خلوها من أي أسماء متورطة في قضايا فساد أو مساس بالمال العام.
وانتقدت حنون التعقيدات الإدارية التي واجهت الحزب خلال مرحلة جمع التوقيعات، واصفة إياها بالعملية الشاقة والمعقدة. وأوضحت أن قصر الآجال القانونية المحددة بـ 15 يوماً شكل عائقاً كبيراً أمام العديد من الراغبين في خوض الغمار الانتخابي.
الحديث عن انتخابات ذات مصداقية يبقى فاقداً للمعنى في غياب ضمانات سياسية وقانونية وإدارية حقيقية تكفل تكافؤ الفرص.
ورغم هذه الانتقادات، أكدت زعيمة حزب العمال أن المشاركة في الانتخابات تظل خياراً استراتيجياً لتحصين البلاد ضد المخاطر الخارجية. واعتبرت أن التجديد المؤسساتي وبناء هيئات منتخبة ذات شرعية شعبية هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي.
وفي سياق متصل، شدد يوسف أوشيش، الأمين الوطني الأول لجبهة القوى الاشتراكية، على أهمية إعادة بناء الثقة عبر الشفافية والكفاءة. وأكد خلال لقاء جماهيري في ولاية إيليزي أن قوة الجزائر تكمن في الاعتراف بكل مكوناتها الثقافية والحضارية دون إقصاء.
ودعا أوشيش إلى ضرورة الالتفات لمطالب التنمية في مناطق الجنوب وضمان التوزيع العادل للثروات الوطنية. وأشار إلى أن الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد منتج ومتنوع يعد ضرورة قصوى لحماية الأمن القومي والسيادة الوطنية في ظل التحديات الراهنة.
وعلى الجانب الحكومي، دافع وزير العدل في وقت سابق عن الإبقاء على صياغة المادة 200 كما هي دون تعديل. واعتبرت السلطات أن الارتباط بمصادر مالية مشبوهة يعد سبباً كافياً لرفض الترشح، وذلك في إطار جهود الدولة لمحاربة 'المال الفاسد' ومنع تغوله في المؤسسات التشريعية.
وتعيش الساحة السياسية حالياً حالة من الاستنفار بانتظار الفصل النهائي في الطعون المقدمة أمام الجهات القضائية الإدارية. وتسعى الأحزاب التي طالت قوائمها قرارات الرفض إلى البحث عن بدائل سريعة لتعويض الأسماء المستبعدة قبل انطلاق الحملة الرسمية.
ويرى مراقبون أن هذه الانتخابات تمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة السلطة المستقلة على إدارة العملية الانتخابية بنزاهة. كما تعكس حدة التصريحات الحزبية رغبة القوى السياسية في ضمان تمثيل وازن داخل البرلمان المقبل بعيداً عن ضغوط الإدارة.
وتستمر مندوبيات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في معالجة آلاف الملفات عبر كافة ولايات الوطن. ومن المتوقع أن تشهد الأيام القادمة إعلان القوائم النهائية، مما سيحدد ملامح الخريطة السياسية التي ستتنافس في اقتراع الثاني من يوليو.




