تحليل

الأحد 24 مايو 2026 6:10 مساءً - بتوقيت القدس

إسرائيل تدفع لبنان نحو التفكك: معركة السيادة في مواجهة الاحتلال والهيمنة الأميركية

رسالة واشنطن


واشنطن –سعيد عريقات – 24/5/2026

تحليل إخباري

مرة جديدة يجد لبنان نفسه رهينة للتفاهمات الإقليمية والدولية التي تُصاغ بعيداً عن إرادة شعبه، بعدما أعلن الرئيس ترمب أن اتفاقاً يلوح في الأفق مع إيران قد يفتح الباب أمام تهدئة تشمل جبهات عدة في الشرق الأوسط، بينها لبنان. غير أن التجربة اللبنانية الطويلة مع التدخلات الخارجية تجعل كثيرين ينظرون إلى هذه الوعود بعين الريبة، خصوصاً أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تتعاملا تاريخياً مع لبنان باعتباره دولة مستقلة ذات سيادة، بل كساحة ضغط وميدان تصفية حسابات يخدم مصالحهما الاستراتيجية في المنطقة.

الحرب الأخيرة كشفت بوضوح حجم هذا التوظيف الخارجي للبنان. فبعد إطلاق حزب الله النار باتجاه إسرائيل تضامناً مع طهران، تحولت البلاد إلى ساحة مواجهة مفتوحة دفعت أثمانها القرى الجنوبية والمدنيون اللبنانيون، بينما استمرت القوى الدولية في إدارة الصراع وفق حساباتها الخاصة. القصف الإسرائيلي الواسع لم يستهدف فقط البنية العسكرية للحزب، بل طال البنية التحتية المدنية ومصادر رزق السكان، في محاولة واضحة لإغراق لبنان أكثر في الفوضى والانهيار، بما يمنع قيام دولة قوية قادرة على فرض استقلال قرارها الوطني.

ورغم الحديث عن وقف إطلاق النار الذي رعته واشنطن في نيسان الماضي، فإن إسرائيل واصلت هجماتها داخل الأراضي اللبنانية بصورة شبه يومية، مستندة إلى غطاء أميركي سياسي وعسكري كامل. هذا الواقع أكد أن واشنطن لا تتعامل مع لبنان بوصفه شريكاً مستقلاً، بل كملف أمني مرتبط حصراً بأمن إسرائيل. لذلك لم تبذل الإدارة الأميركية أي ضغط حقيقي لإلزام إسرائيل باحترام الهدنة، بل تركت الباب مفتوحاً أمام استمرار الضربات والاستنزاف العسكري.

وبحسب ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين إيرانيين، فإن الاتفاق المحتمل بين واشنطن وطهران قد يشمل وقفاً للقتال على مختلف الجبهات، ومنها لبنان. لكن هذه التسريبات لا تبدد المخاوف، لأن التجارب السابقة أثبتت أن أي تفاهم أميركي إيراني غالباً ما يُستخدم لإدارة الأزمات لا لحلها، فيما يبقى لبنان الحلقة الأضعف التي تُترك لمصيرها وسط التجاذبات الدولية.

ولم تقم السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان يوماً على البحث عن سلام حقيقي، بل على إبقاء البلد ضعيفاً ومنقسماً وعاجزاً عن بناء دولة مستقلة قوية. فمنذ الاجتياحات المتكررة وحتى الاحتلال المستمر لأجزاء من الجنوب، تعاملت إسرائيل مع لبنان باعتباره ساحة ينبغي تفكيكها سياسياً وطائفياً حتى لا تتحول إلى مصدر قوة عربية على حدودها الشمالية. والولايات المتحدة، بدلاً من لعب دور الوسيط النزيه، وفرت الغطاء الكامل لهذه الاستراتيجية عبر الدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي المفتوح. لذلك فإن الحديث الأميركي عن الاستقرار يبدو متناقضاً مع السياسات الفعلية التي ساهمت طوال سنوات في تعميق الانقسام اللبناني وإضعاف مؤسسات الدولة المركزية بشكل متواصل ومقصود.

وفي هذا السياق، تبدو تصريحات الحكومة الإسرائيلية الأخيرة شديدة الدلالة، إذ شددت على أنها لن تتخلى عن "حرية العمل" داخل لبنان حتى في حال التوصل إلى اتفاق إقليمي أوسع. وهذا يعني عملياً أن إسرائيل تريد فرض معادلة دائمة تسمح لها بالتدخل العسكري متى تشاء، من دون أي احترام فعلي للسيادة اللبنانية أو للقانون الدولي.

ورغم الخسائر التي تعرض لها حزب الله، فإن الحزب ما زال يمثل قوة أساسية في المعادلة اللبنانية والإقليمية، سواء اتفق اللبنانيون أو اختلفوا معه سياسياً. لكن الخطر الحقيقي يكمن في استمرار الانقسام الداخلي حول كيفية مواجهة المشروع الإسرائيلي، إذ تستفيد تل أبيب دائماً من الانقسامات اللبنانية لتبرير تدخلاتها وتوسيع نفوذها الأمني والعسكري.

الواقع اللبناني الحالي يفرض على جميع القوى السياسية، بما فيها حزب الله وخصومه، إدراك أن استمرار الانقسام الداخلي يخدم إسرائيل أولاً وأخيراً. فالدولة المنقسمة والطوائف المتناحرة تمنح تل أبيب فرصة دائمة للتدخل وفرض وقائع جديدة على الأرض، خصوصاً في الجنوب والمناطق الحدودية. لذلك فإن أي مشروع وطني جدي يجب أن ينطلق من الحوار بين اللبنانيين أنفسهم، لا من الرهان على العواصم الخارجية. كما أن مواجهة الأطماع الإسرائيلية لا تعني بالضرورة تبني رؤية سياسية موحدة بالكامل، بل الاتفاق على حد أدنى وطني يحمي السيادة اللبنانية ويمنع تحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة للحروب الإقليمية والصراعات الدولية المستمرة والخطيرة مستقبلاً.

وتزداد المخاوف اللبنانية مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لشريط حدودي داخل الأراضي اللبنانية، حيث تحتفظ القوات الإسرائيلية بمواقع تمتد عدة أميال داخل الجنوب. هذا الوجود العسكري لا يبدو مؤقتاً في نظر كثير من اللبنانيين، بل جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى فرض وقائع ميدانية جديدة وربط أي انسحاب مستقبلي بشروط سياسية وأمنية تخدم المصالح الإسرائيلية أولاً.

يقف لبنان اليوم أمام لحظة مصيرية تتجاوز مجرد وقف إطلاق نار مؤقت أو تفاهم إقليمي عابر. فالمعركة الحقيقية تتعلق بالحفاظ على وحدة البلاد ومنع تحويلها إلى مناطق نفوذ متصارعة تخدم المشاريع الخارجية. وإذا كانت إسرائيل تسعى إلى فرض واقع حدودي وأمني جديد بالقوة، فإن الرد اللبناني الأكثر فعالية يجب أن يكون في بناء موقف وطني موحد يرفض الاحتلال والتقسيم معاً. كما أن مسؤولية حزب الله، بوصفه قوة رئيسية، لا تقتصر على المواجهة العسكرية فقط، بل تشمل أيضاً الانخراط في مشروع وطني جامع يطمئن بقية اللبنانيين ويعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها باعتبارها المرجعية النهائية للجميع دون استثناء فعلياً.

وفي ظل الانهيار الاقتصادي والهجرة الجماعية وتراجع ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى إعادة تعريف الأولويات الوطنية بعيداً عن الاصطفافات الحادة. فلبنان لن يتمكن من مواجهة الضغوط الإسرائيلية والأميركية إذا بقي غارقاً في الانقسامات الداخلية والحسابات الطائفية الضيقة. كما أن أي استقرار حقيقي لن يتحقق عبر التفاهمات الدولية وحدها، بل عبر توافق اللبنانيين على مشروع دولة عادلة وقوية وقادرة على حماية حدودها وقرارها السياسي المستقل. ومن دون ذلك، سيظل لبنان معرضاً لدورات متكررة من الحروب والهدنات الهشة، فيما تستمر القوى الخارجية في استخدام أزماته لتحقيق مصالحها الاستراتيجية على حساب الشعب اللبناني ومستقبل المنطقة بأسرها.



دلالات

شارك برأيك

إسرائيل تدفع لبنان نحو التفكك: معركة السيادة في مواجهة الاحتلال والهيمنة الأميركية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.