فلسطين

الإثنين 15 يونيو 2026 3:43 صباحًا - بتوقيت القدس

غارات إسرائيلية تستهدف قلب الضاحية الجنوبية: محاولة لفرض معادلات جديدة وإفشال التفاهمات الدولية

شهدت الضاحية الجنوبية لبيروت تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً جديداً استهدف منطقة حارة حريك المكتظة بالسكان، حيث نفذت مقاتلات حربية غارات بـ4 صواريخ دقيقة في وضح النهار. وتأتي هذه الضربات في سياق ميداني متوتر، حيث خلفت الغارة بحسب مصادر رسمية لبنانية ثلاثة شهداء وستة جرحى، وسط حالة من الذهول سادت بين السكان الذين كانوا يعتقدون أن المنطقة محيدة بفضل المساعي الدولية.

ويرى خبراء في الشأن الإسرائيلي أن هذا القصف يحمل ثلاثة أبعاد استراتيجية متقاطعة، أولها السعي لإفشال مسودة التفاهم الأمريكي الإيراني التي بدأت ملامحها تتبلور مؤخراً. وتهدف حكومة بنيامين نتنياهو من خلال هذا التصعيد إلى وضع عراقيل أمام أي مبادرة قد تفرض وقفاً لإطلاق النار لا يلبي سقف المطالب الإسرائيلية المتشددة، خاصة في ظل حاجة الإدارة الأمريكية لتهدئة الجبهات.

أما البعد الثاني فيتعلق بمحاولة تل أبيب كسر المعادلات التي حاولت طهران فرضها خلال الأسبوع الماضي، حين ردت بصواريخ على غارات سابقة استهدفت الضاحية. وتسعى إسرائيل حالياً إلى استعادة زمام المبادرة وفرض 'عقيدة الضاحية' من جديد، عبر استباق أي رد فعل إيراني محتمل وتأكيد قدرتها على الوصول إلى أي نقطة في العاصمة اللبنانية وبيروت الكبرى.

وفيما يخص الجبهة الداخلية الإسرائيلية، تبرز الغارات كأداة لامتصاص الغضب المتصاعد ضد نتنياهو، الذي يواجه اتهامات بالفشل في تحقيق شروط أمنية كافية ضمن مسودات الاتفاق المسربة. ويحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي، المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية، تصدير الأزمة للخارج والظهور بمظهر القوي أمام خصومه السياسيين الذين يتهمونه بإضعاف إسرائيل وتهميش دورها في المفاوضات الدولية.

ميدانياً، تزامنت الغارات مع صدور إنذارات إسرائيلية عاجلة لسكان 29 قرية وبلدة في قضاءي النبطية وصيدا بضرورة الإخلاء الفوري والتوجه شمالاً. ورافق هذه الإنذارات قصف مدفعي وجوي عنيف طال مناطق كفر تبنيت ومجدل زون، في محاولة للضغط على الحاضنة الشعبية وتوسيع نطاق العمليات البرية التي تواجه صعوبات كبيرة في السيطرة على القرى الحدودية.

من جانبه، أوضح العميد حسن جوني، الخبير العسكري أن استهداف قلب الضاحية وليس أطرافها يمثل تحدياً مباشراً للبنان وإيران على حد سواء. وأشار جوني إلى أن الهدف المزعوم للغارة، سواء كان ضابط ارتباط أو غرفة عمليات، لا يقع ضمن صدارة الهرم القيادي، مما يعزز فرضية أن الرسالة سياسية بحتة تهدف لفرض واقع ميداني جديد قبل التوقيع على أي اتفاقيات وشيكة.

وعلى الصعيد الإيراني، توالت التحذيرات من طهران التي اعتبرت لبنان خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، محملة الولايات المتحدة وإسرائيل المسؤولية الكاملة عن خرق تفاهمات وقف التصعيد. وصدرت تصريحات عن مسؤولين عسكريين إيرانيين تؤكد أن 'الأصابع على الزناد' وأن القوات المسلحة مستعدة لضرب أهداف في قلب إسرائيل رداً على أي تجاوز للقواعد المعمول بها.

وفي الداخل الإسرائيلي، يمارس وزراء متطرفون مثل سموتريتش وبن غفير ضغوطاً هائلة لتوسيع دائرة التدمير في لبنان، حيث طالبوا بتطبيق سياسة الأرض المحروقة رداً على ما وصفوه بـ'تسلل المسيرات'. وتدعي مصادر في تل أبيب وجود ضوء أخضر أمريكي ضمني لاستهداف الضاحية في حال تعرض شمال إسرائيل لهجمات، وهو ما تستغله الحكومة لتبرير عملياتها الأخيرة.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن حزب الله لم يتبنَ رسمياً إطلاق أي مسيرات باتجاه الشمال الإسرائيلي مؤخراً، مما يضع الادعاءات الإسرائيلية في خانة 'الذرائع' لتنفيذ ضربات استباقية. ويؤكد مراقبون أن الحزب يلتزم عادة بالإعلان عن عملياته العسكرية، مما يجعل الرواية الإسرائيلية حول أسباب القصف غير مؤكدة وتفتقر للأدلة الميدانية الملموسة.

وبلغت حصيلة العدوان الإسرائيلي المستمر منذ مارس الماضي أرقاماً قياسية، حيث استشهد أكثر من 3756 شخصاً وأصيب ما يزيد عن 11 ألفاً آخرين. وتعكس هذه الأرقام حجم الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية والمناطق السكنية في لبنان، وسط عجز دولي عن فرض وقف دائم وشامل لإطلاق النار يحمي المدنيين من آلة الحرب.

ختاماً، يبقى الترقب سيد الموقف بانتظار ما ستؤول إليه التحركات الدبلوماسية في واشنطن وعواصم المنطقة، في ظل إصرار إسرائيل على استخدام القوة العسكرية كأداة تفاوضية. وتظل الضاحية الجنوبية لبيروت ساحة لتوجيه الرسائل النارية المتبادلة، حيث يسعى كل طرف لتحسين شروطه على طاولة المفاوضات التي يبدو أنها لا تزال متعثرة بفعل التصعيد الميداني المستمر.

دلالات

شارك برأيك

غارات إسرائيلية تستهدف قلب الضاحية الجنوبية: محاولة لفرض معادلات جديدة وإفشال التفاهمات الدولية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.