لم تعد قضية التعليم العالي في فلسطين قضية توسع كمي فحسب، ولا يمكن اختزالها في سؤال بسيط حول عدد الجامعات والكليات والبرامج الأكاديمية. القضية أعمق من ذلك بكثير؛ إنها قضية تخطيط وطني، وعدالة في توزيع الموارد، ومواءمة بين التعليم والتنمية، وقدرة حقيقية على تحويل الجامعة من مؤسسة تمنح الشهادات إلى مؤسسة تنتج المعرفة، وتبني الإنسان، وتخدم المجتمع.
في بقعة جغرافية صغيرة ومثقلة بالتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كفلسطين، لا يمكن النظر إلى كثرة عدد الجامعات والكليات والتخصصات بوصفها مؤشراً تلقائياً على التقدم. فالتعليم العالي لا يُقاس بعدد المباني، ولا بكثرة المسميات الأكاديمية، ولا بتعدد البرامج المتشابهة، ولا بالمزاحمة على تصنيفات محلية أو عربية أو حتى عالمية، وإنما بقدرته على إعداد خريجين يمتلكون معرفة حقيقية، ومهارات نافعة، وقدرة على خدمة المجتمع، والمساهمة في التنمية الوطنية.
ليست المشكلة في وجود جامعات كثيرة بحد ذاته، فالتعليم العالي حق وطني ورافعة أساسية للنهوض المجتمعي. غير أن المشكلة تبدأ حين يتم التوسع في الجامعات والكليات والبرامج خارج إطار تخطيط وطني متكامل. والتخطيط المقصود هنا لا ينبغي أن يكون قراراً إدارياً تصدره جهة واحدة، ولا استجابة لرغبة مؤسسة بعينها، ولا انعكاساً لضغط محلي أو مصلحة ضيقة، بل يجب أن يكون ثمرة جهد وطني تشاركي تتكامل فيه أدوار وزارة التعليم العالي، ووزارة التخطيط، ووزارة الاقتصاد، والقطاع الخاص، والنقابات المهنية، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني، والبلديات، والخبراء المستقلين.
إن كثرة الجامعات والكليات والأقسام والبرامج في مساحة جغرافية محدودة ليست احتمالاً نظرياً، بل واقع ملموس يمكن ملاحظته بوضوح في المشهد الفلسطيني. هناك تكرار واضح في عدد من البرامج، وتشابه في المسميات، وتداخل في الأهداف، وضعف أحياناً في التمايز بين مؤسسة وأخرى. وفي ظل سوق عمل محدود، وظروف اقتصادية صعبة، وكثافة سكانية لا تسمح باستيعاب هذا القدر من التوسع غير المدروس، يصبح هذا الواقع عاملاً ضاغطاً على جودة التعليم، وعلى مكانة الخريجين، وعلى القيمة الاجتماعية والمهنية للشهادة الجامعية.
فالجامعة لا تعمل في فراغ. هي جزء من مجتمع له طاقة استيعابية محدودة، وسوق عمل له قدرة محدودة، وموارد وطنية ينبغي أن تُدار بحكمة. وعندما يتجاوز التوسع الأكاديمي قدرة المجتمع على الاستيعاب، فإن النتيجة لا تكون بالضرورة مزيداً من التنمية، بل قد تكون مزيداً من الشهادات، ومزيداً من البطالة المقنعة، ومزيداً من الإحباط لدى الخريجين وأسرهم.
ومن أخطر نتائج هذا التوسع غير المنضبط أنه يدفع ببعض مؤسسات التعليم العالي إلى منافسات غير صحية على الطلبة، لا على الجودة. وهذا أيضاً لم يعد مجرد احتمال، بل أصبح واقعاً يلمسه المتابعون في بعض البرامج التي شهدت، عبر السنوات، تراجعاً تدريجياً في معايير القبول، حتى أصبح الهم الأساسي هو استقطاب الطالب، بغض النظر أحياناً عن مدى أهليته الحقيقية للالتحاق بهذا البرنامج أو ذاك.
وعندما يصبح الطالب مورداً مالياً ضرورياً لبقاء المؤسسة، تتغير وظيفة الجامعة بصورة خطيرة. فبدلاً من أن تكون مؤسسة معرفية وتنموية، قد تتحول إلى مؤسسة منشغلة بملء المقاعد الدراسية. وبدلاً من أن يكون القبول الجامعي بوابة لاختيار الطالب المناسب للتخصص المناسب، يصبح أحياناً أداة لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الطلبة. هنا تتراجع قيمة التخصص، ويضعف مستوى الخريجين، وتتأثر ثقة المجتمع بالشهادة الجامعية.
المنافسة بين الجامعات مطلوبة إذا كانت منافسة على جودة التعليم، وقوة البحث العلمي، وكفاءة أعضاء هيئة التدريس، وتطور المختبرات، ونسبة توظيف الخريجين، وحجم الشراكات مع المجتمع والقطاع الخاص. أما إذا تحولت المنافسة إلى تخفيض شروط القبول، أو تضخيم الوعود التسويقية، أو فتح برامج متشابهة بلا حاجة حقيقية، فإنها تصبح منافسة ضارة بمستقبل التعليم العالي كله.
ومن هنا، لا ينبغي أن يكون الحل في إنشاء مزيد من الجامعات والكليات والبرامج، بل في إعادة توجيه التفكير نحو العمق والجودة والتخصص. فبدلاً من توزيع الإمكانات الفلسطينية المحدودة على عدد كبير من البرامج المتشابهة، يمكن بناء مراكز تميز بحثية وتطبيقية تخدم الجامعات والمجتمع في آن واحد. فالحاجة قد لا تكون دائماً إلى جامعة جديدة، بل إلى مختبر وطني متخصص، أو مركز بحث تطبيقي، أو حاضنة تكنولوجية، أو مركز تدريب مهني متقدم، أو وحدة دراسات قطاعية مرتبطة بمشكلات المجتمع الفعلية.
كما أن فلسطين ليست كتلة جغرافية واحدة متشابهة في خصائصها الاقتصادية والاجتماعية. لكل منطقة طبيعتها، ومواردها، وفرصها، وتحدياتها. لذلك، فإن خريطة التعليم العالي يجب أن تُبنى وفق رؤية جيو-اقتصادية، تراعي خصائص كل منطقة وقدراتها. ففي محافظة مثل الخليل، حيث الحضور الصناعي والحرفي والمهني، يمكن تعزيز التعليم التطبيقي، والتكنولوجي والصناعي والمهني. وفي جنين وطولكرم، حيث الإمكانات الزراعية والثروة الحيوانية والتصنيع الغذائي، يمكن تطوير تخصصات مرتبطة بالزراعة الحديثة، والأمن الغذائي، والتصنيع الزراعي، والتقنيات الحيوية الزراعية. وفي رام الله والبيرة، بحكم حضور المؤسسات والإدارة والخدمات، يمكن تعزيز تخصصات الإدارة العامة، والسياسات التنموية، والاقتصاد، والحوكمة، وريادة الأعمال. وفي نابلس، مع حضور التخصصات الصحية والاقتصادية والخدماتية، يمكن تعزيز الطب، والعلوم الصحية، والصناعات الدوائية، والعلوم الإدارية، والبحث الطبي التطبيقي.
هذه الأمثلة ليست توزيعاً نهائياً ولا وصفة جاهزة، بل إشارة إلى منطق مطلوب: أن تُوزع مجالات التميز الأكاديمي وفق خصائص المناطق وإمكاناتها وحاجاتها، لا وفق رغبة كل مؤسسة في أن تقدم كل شيء. فليس مطلوباً من كل جامعة أن تكون نسخة من الأخرى، ولا من كل محافظة أن تحتوي التخصصات نفسها، بل المطلوب أن تكون هناك شبكة وطنية متكاملة، تتمايز فيها المؤسسات وتتعاون، بدلاً من أن تتكرر وتتنافس بلا رؤية جامعة.
ولذلك، فإن إصلاح التعليم العالي الفلسطيني يحتاج إلى حزمة إجراءات واضحة، من أهمها:
• إعداد خريطة وطنية شاملة للتعليم العالي تحدد التخصصات المطلوبة، والمشبعة، والمكررة، والمستقبلية.
• إنشاء إطار وطني مستقل لتخطيط التعليم العالي، تشارك فيه الوزارات ذات العلاقة، والجامعات، والقطاع الخاص، والنقابات، ومؤسسات المجتمع المدني، والخبراء المستقلون.
• وقف فتح البرامج الجديدة إلا بناءً على دراسة حاجة حقيقية، وقدرة مؤسسية واضحة، وفرص تشغيل أو خدمة مجتمعية قابلة للقياس.
• مراجعة البرامج القائمة وتصنيفها إلى برامج ضرورية، وبرامج تحتاج تطويراً، وبرامج مكررة، وبرامج ينبغي دمجها أو تجميدها.
• بناء مراكز تميز بحثية وتطبيقية مشتركة تخدم الجامعات والقطاعات الإنتاجية والمجتمع.
• ربط التخصصات بالخريطة الجغرافية والاقتصادية لكل منطقة، بحيث تنسجم البرامج مع طبيعة المحافظات واحتياجاتها.
• رفع معايير القبول في البرامج التي تتطلب قدرات خاصة، ومنع تحويل القبول الجامعي إلى أداة لجذب الأعداد فقط.
• قياس نجاح كل برنامج من خلال جودة الخريجين، ونسبة توظيفهم، وأثرهم المجتمعي، لا من خلال عدد الملتحقين فقط.
إن فلسطين لا تحتاج إلى سباق جديد في عدد الجامعات، ولا إلى تكاثر إضافي في أسماء البرامج، بل تحتاج إلى شجاعة وطنية في مراجعة خريطة التعليم العالي. تحتاج إلى أن نسأل بوضوح: ما الذي نحتاجه فعلاً؟ أين ينبغي أن نستثمر؟ ما التخصصات التي تخدم مستقبل المجتمع؟ وما البرامج التي لم تعد تضيف قيمة حقيقية؟
إن إصلاح التعليم العالي لا يعني إغلاق الأبواب أمام التعلم، بل يعني فتحها بطريقة أذكى وأكثر عدلاً وفاعلية. ويعني أن تتحول الجامعات من مؤسسات متنافسة على الطلبة إلى مؤسسات متكاملة في خدمة التنمية. ويعني أن تصبح كل جامعة، وكل كلية، وكل برنامج، جزءاً من مشروع وطني واضح، لا مجرد عنوان إضافي في قائمة طويلة من التخصصات.
والأهم من ذلك أن ندرك أن الشهادة الجامعية لا تستمد قيمتها من كثرة المؤسسات التي تمنحها، بل من جودة المعرفة التي تحملها، ومن كفاءة الخريج الذي يمثلها، ومن قدرة هذا الخريج على خدمة مجتمعه. ولذلك فإن مستقبل التعليم العالي الفلسطيني لا يكمن في مزيد من التوسع غير المحسوب، بل في تخطيط وطني عميق، وتوزيع عادل للأدوار، وبناء مراكز تميز، وربط حقيقي بين الجامعة والمجتمع والتنمية.
* مستشار تربوي، مدير مركز موئل للخدمات التربوية والتطويرية.
أقلام وأراء
الإثنين 25 مايو 2026 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس
فلسطين لا تحتاج جامعاتٍ أكثر.. بل تعليماً عالياً أعمق
أقلام وأراء
الإثنين 25 مايو 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس
النغمة السرية للجرس
يدوي الصوت عالياً، يقطع هواء الساحة المدرسية المعبأ بضجيج مئات الحناجر الصغيرة. إنه الجرس. الرنين المعدني الحاد الذي يفترض أن يوقف الزمن للحظة، ليعلن نهاية فصل وبداية آخر. أقف أحياناً أراقب المشهد من نافذة الطابق الثاني. يرن الجرس، ثم ماذا ؟لا شيء. لا شيء يتغير حقاً. بعض الطلاب يواصلون ركل الكرة وكأن الصوت لم يخترق آذانهم، وكأنهم يعيشون في فقاعة عازلة للصوت. مجموعة من الفتيات يكملن حديثهن الحماسي عند زاوية السور، تتشابك أيديهن في حوار لا يقبل التأجيل. وحتى بعض المعلمين، تراهم يمشون الهوينا في الممرات، يحملون أكواب القهوة الساخنة، يتبادلون أطراف الحديث، غير عابئين بالدقائق التي تتسرب من بين أصابع الحصة. أتساءل في تلك اللحظة، وأنا أراقب هذا المشهد المتكرر هل فقد الجرس معناه؟ هل تحول من أمر حاسم إلى مجرد اقتراح صوتي اعتدنا عليه لدرجة يمكن تجاهله؟
الجرس بالنسبه لي لم يكن يوماً أداة لقياس الزمن. هو ليس ساعة حائط كبيرة معلقة في الممر. إنه عتبة خط وهمي يفصل بين عالمين متناقضين عالم الراحة واللعب والانطلاق بلا قيود، وعالم التعلم والانتباه والتركيز المنضبط. هو لحظة انتقال حرجة من الفوضى المحببة إلى النظام المطلوب. وحين تقف لتتأمل كيف تتعامل مدرسة ما مع هذه اللحظة، فإنك تقرأ، دون أن تدري، ثقافة تلك المدرسة بأكملها. الطريقة التي ينتقل بها البشر من حالة إلى أخرى تخبرك الكثير عن مدى احترامهم للمكان الذي يجمعهم، وعن القواعد غير المكتوبة التي تحكم سلوكهم.
أتذكر أيام طفولتنا، وكيف كان الجرس يحمل هيبة غريبة، تكاد تكون مقدسة. رنته الأولى كانت كفيلة بتجميدنا في أماكننا، كأننا تماثيل في لعبة أطفال. كنا نركض نحو الطوابير وكأن الأرض تشتعل تحت أقدامنا، نسابق أنفاسنا لنقف في صفوف مستقيمة. كان الجرس رمزاً للانضباط الصارم، لسطوة الوقت، لاحترام النظام العام الذي لا يقبل المساومة. ربما كان في الأمر شيء من الخوف، نعم، لكنه كان يؤسس لوعي مبكر بأن للوقت حرمة، وأن الانتقال من اللعب إلى الجد يتطلب استجابة فورية وحاسمة. اليوم، تغيرت الصورة كثيراً. لم يعد الخوف محركاً، وهذا أمر جيد تربوياً بلا شك، لكن البديل لم يكن دائماً الانضباط الذاتي الواعي. البديل في كثير من الأحيان كان التراخي، واللامبالاة، والتسويف.
و هنا قفز السؤال إلى رأسي ، ما علاقة الجرس بانضباط الطلاب؟ الانضباط الخارجي، ذلك الذي يُفرض بالعصا أو بالصراخ أو بالتهديد، ينهار بمجرد غياب الرقيب، إنه انضباط هش، يزول بزوال المؤثر. أما الانضباط الذاتي، فهو أن تسمع الجرس فتدرك من داخلك، بوعي كامل، أن وقت اللعب انتهى، وأن هناك مسؤولية تنتظرك في الصف. لحظة رنين الجرس هي الكاشف الحقيقي لمستوى التربية في المدرسة ، لمقياس تشكل الوعي الحقيقي، هل يتحرك الطالب لأنه يخاف من عقاب المدير الواقف في الممر بعينين متفحصتين؟ أم يتحرك لأنه يحترم العقد غير المكتوب بينه وبين مؤسسته التعليمية؟ هل يتحرك لأنه يدرك أن وقته ووقت زملائه ومعلمه له قيمة؟
ولكن، دعونا لا نلقي باللائمة على الطلاب وحدهم. ماذا عن المعلم؟ بالنسبة للمعلم، الجرس هو سيف ذو حدين، يحمل مشاعر متناقضة. أحياناً يكون طوق نجاة، يعلن نهاية حصة ثقيلة مع صف مشاغب استنزف طاقته، فيتنهد بارتياح عميق وكأنه نجا من غرق. وأحياناً أخرى، يكون الجرس قاطعاً لتيار فكرة جميلة كان ينسجها مع طلابه، فيشعر بغصة لأن الوقت خذله. لكن، كيف يتعامل المعلم مع جرس بداية الحصة؟ حين يتأخر المعلم عن دخول الصف بعد الجرس، فإنه يرسل رسالة صامتة، لكنها مدوية، لطلابه( الوقت ليس مهماً جداً )الطلاب أذكياء، بل أذكياء جداً، يلتقطون هذه الرسائل غير المنطوقة ببراعة فائقة، ويترجمونها إلى سلوكيات يومية. المعلم الذي يحترم الجرس، يعلم طلابه احترامه دون أن ينطق بكلمة واحدة.
المايسترو الخفي لهذا الإيقاع هو دور الاداره ،الإدارة هي صناعة ثقافة. المدير الذي يقف في الساحة، لا ليصرخ أو يهدد، بل ليوجه بابتسامة حازمة وحضور هادئ، يصنع فارقاً هائلاً. الإدارة التي تبني ثقافة احترام الوقت، تجعل من الجرس أداة تنظيم حقيقية، وليس ضجيج آخر يضاف إلى ضجيج المدرسة. الأمر لا يتعلق بفرض السيطرة العسكرية أو تحويل المدرسة إلى ثكنة، بل بخلق إيقاع متناغم للمدرسة. الإيقاع هو ما يجعل الموسيقى موسيقى، وبدونه تتحول إلى مجرد أصوات مزعجة. المدرسة بلا إيقاع هي مجرد مبنى يكتظ بالبشر، تائهين بين الفوضى والملل.
حين يفقد الجرس معناه، وحين تسمع المدرسة الرنين ولا تتحرك، علينا أن نتوقف ونسأل بجدية ما الذي انهار حقاً؟ هل هو مجرد كسل او لا مبالاة؟ لا أعتقد. الذي ينهار في تلك اللحظة هو الهيبة ،هيبة المؤسسة، هيبة الوقت، وهيبة الثقافة المشتركة التي تجمعنا. حين يصبح التأخر خمس دقائق أمراً عادياً ومقبولاً، وحين يصبح تجاهل النداء الأول ممارسة يومية لا تستدعي التوقف، فإننا نربي جيلاً يعتقد أن القواعد وُضعت لتُكسر، أو في أحسن الأحوال، لتُؤجل إلى حين ميسرة.
وحين النظر بعمق اكبر أرى أن المدرسة التي لا يسمع فيها أحد الجرس، لم تفقد النظام فحسب، بل فقدت الإحساس بـ الانتقال . بالمناسبه الحياة كلها هي عبارة عن انتقالات. من الطفولة إلى الشباب، من العزوبية إلى الزواج، من العمل إلى التقاعد. القدرة على إدارة هذه الانتقالات بوعي ومرونة هي مهارة حياتية كبرى. حين نعلم الطفل كيف ينتقل بسلاسة واحترام من ساحة اللعب إلى مقعد الدرس، فإننا ندربه، دون أن يشعر، على إدارة انتقالات حياته الكبرى مستقبلاً. نحن نعلمه كيف يغلق باباً ليفتح آخر، وكيف ينهي مرحلة ليبدأ جديدة بتركيز كامل.
الجرس ليس صوتاً معدنياً يقرع في الفراغ. إنه لغة. لغة نظام، لغة احترام، ولغة وعي. المدرسة التي تعرف كيف تدير لحظة الانتقال تلك، هي مدرسة تعرف كيف تدير التعلم نفسه. لأن التربية، في نهاية المطاف، لا تحدث دائماً في الخطب الرنانة أو المناهج المعقدة المكتوبة في الكتب. التربية تبدأ أحياناً، وتتجلى غالباً، في تفاصيل صغيرة جداً… كطريقة استجابتنا لصوت جرس يدوي في ساحة مدرسة.
………………..
الجرس بالنسبه لي لم يكن يوماً أداة لقياس الزمن. هو ليس ساعة حائط كبيرة معلقة في الممر. إنه عتبة خط وهمي يفصل بين عالمين متناقضين عالم الراحة واللعب والانطلاق بلا قيود، وعالم التعلم والانتباه والتركيز المنضبط.
أقلام وأراء
الإثنين 25 مايو 2026 9:20 صباحًا - بتوقيت القدس
حين اعتقل المستوطن نعجة: سقوط العدالة على تلال المغير
في مشهد يتكرر يوميا في الضفة الغربية يقتحم المستوطنون القرى الفلسطينية، يعتدون على الفلاحين، يعربدون ويحرقون ويقتلون، ويخطفون مواشيهم كما حدث مع تلك النعجة من قرية المغير قضاء رام الله التي اعتقلت خلال عقد المؤتمر الثامن لحركة "فتح"، وبوجود آلاف الشخصيات الوطنية، لم يسمع أحد ثغاء واستغاثة النعجة، الجميع مشغول بالانتخابات والتنافس وتسويق الذات، كنت اتوقع أن يتخذ المؤتمر قرارا عاجلا لتحرير النعجة والتضامن مع الفلاحين الفقراء، وان يدرك الجميع أن السياسة تبدأ من هناك: إنقاذ الأرض والتصدي لعصابات المستوطنين التي تسرق الجغرافيا من تحتنا وتترك لنا فراغا قاسيا لا يتسع للكلام.
نعجة في قبضة المستوطنين، اراضي أعلنت مناطق عسكرية لجيش الاحتلال، لكن الأهالي يصرون على التحدي وزراعة الشعير والقمح والبيكا، صراع يومي على أرض من تراب واعشاب ودماء، هناك يتنفسون ويحفرون بفؤوسهم حكاية لا تموت.
في قرية المغير والكثير من القرى الفلسطينية لم تُخطف نعجة فقط، بل اختُطف معنى الأمان نفسه، أصبحنا ندور في مجال جغرافي مغلق تماما، وإرهاب المستوطنين أصبح ممارسة روتينية، ويتخذ شكلا منظما ومدعوما من قبل الحكومة الاسرائيلية بالموارد المالية والتسليحية، وبدعم ما يسمى المزارع الرعوية والكرافانية والبؤر الاستيطانية.
النعجة التي اقتادها المستوطنون المسلحون ليست حادثة هامشية في دفتر الأخبار، وليست تفصيلاً رعوياً صغيراً في جغرافيا الصراع، بل صورة مكثفة عن استعمار يريد أن يسرق حتى صوت الجرس المعلق في رقبة الحيوان، وحتى ظل الراعي على التلة، وحتى الطمأنينة القديمة التي كانت تسكن الحقول.
لم تكن النعجة تمشي إلى الحقل فقط، كانت تحمل على ظهرها بساطة الحياة الاولى: قليل من الحليب، قليل من الصوف، لعائلة تعيش على حافة الخوف، وترى في الأرض عنوان الحقيقة، الفضاء الذي يحتفل فيه الإنسان بزفاف العشب والاغاني إلى أعالي السماء.
النعجة الفلسطينية وهي تسحب من البرية، بدت كأنها الوطن نفسه، وطن ابيض القلب يركض خلف الرعاة، وحين يصبح الاحتلال قادرا على سرقة التفاصيل الصغيرة، يصبح قادرا على سرقة الوعي والإدراك بمعنى الحرية والتحرر، والاحساس بأن هناك من يأخذنا إلى جهات مجهولة.
يا سادة السياسة، ايها الممتلئون بالخطب والشعارات، ماذا يعني الوطن إذا كان عاجزا عن حماية نعجة ترعى في سفحة؟ الوطن ليس نشيدا ولا مؤتمرات، ولا صورا على الاعلام، الوطن قدرة الإنسان أن ينام دون أن يخاف على قطيعه، أن يعود الطفل من المرعى دون أن يرى بندقية تسرق منه براءة الحقول، من لا يحرر نعجة من يد مستوطن كيف سيحرر وطنا مصلوبا على الحواجز؟ ومن يعجز عن استعادة كائن صغير يرتجف في العراء، كيف سيعيد شعبا كاملا تائها بين السجون والمنافي؟
يا سادة التنظيمات والبيانات الطويلة، الحرية لا تبدأ من الميكروفونات، بل حين يعود الراعي إلى بيته دون أن أن يعد خسائره كل مساء، أشجار تقطع، أرض تجرف، شهداء وجرحى، طيور تهرب، وذاكرة تطمس تحت جنازير الدبابات، غيوم سوداء مدججة بالكراهية وقنابل الغاز والرصاص، فمن يعيد تلك النعجة إلى راعيها العجوز الذي يعرف اسماء الخراف كما يعرف أسماء أبنائه الشهداء؟
أن النعجة الفلسطينية اليوم تشبه الخروف الضائع في الانجيل، لكن الفارق المؤلم أن العالم يرى الضياع ولا يتحرك، هنا تتجلى المأساة الأخلاقية: ماذا يعني أن تترك الخراف للذئاب بينما يتحدث العالم عن العدالة والسلام، وكيف اعتنق الغرب الايمان بالمسيح الراعي الصالح، بينما يترك الرعاة الحقيقيون في جبال فلسطين بلا حماية؟
الراعي الفلسطيني يحمل عصاه كما لو انها امتداد لذاكرة كنعانية قديمة، لهذا فإن الاعتداء على القطيع يشبه الاعتداء على سردية البقاء نفسها، اعتداء على رمزية الحياة الريفية المقدسة، ومحاولة تحويل الفلسطيني من صاحب ارض إلى إنسان مقطوع الجذور.
حين تُعتقل نعجة، يصبح السؤال الوجودي أكثر قسوة من السياسة نفسها:
من لا يحرر نعجة، هل يستطيع أن يحرر وطناً؟
ومن يعجز عن حماية قطيعٍ أعزل، كيف سيتحدث عن تحرير الأسرى، وعن السيادة، وعن الكرامة الوطنية؟
المستوطن الذي يسرق نعجة تحت حماية الجيش الإسرائيلي لا يفعل ذلك بدافع الحاجة، بل بدافع القوة الابادية والوحشية، إنه يقول للفلسطيني: حتى رزقك البسيط ليس لك، حتى الحيوان الذي يعرف طريق الحقل أكثر مما يعرف طريق السياسة، يمكن أن يصبح أسيراً، وهنا تتحول النعجة الى استعارة كبرى عن فلسطين نفسها: كائن وديع، محاصر، يُساق بالقوة، فيما العالم يشاهد بصمت بارد.
في المنهجية الاستعمارية تبدأ الهيمنة حين يصبح المعتدي قادراً على تحويل الجريمة إلى مشهد اعتيادي:
أن تُسرق أرض، ثم شجرة، ثم خيمة، ثم نعجة، ثم إنسان، ويصبح كل ذلك خبراً عابراً لا يوقظ الضمير الدولي، فهذه ليست مجرد اعتداءات متفرقة، بل نظام كامل لإنتاج الخوف والإذلال اليومي.
أي عدالة دولية هذه التي ترى مستوطنين مدججين بالسلاح يهاجمون الرعاة والمزارعين والقرى، ثم تكتفي ببيانات القلق؟
أي قانون دولي يسمح بأن يصبح الراعي الفلسطيني مطارَداً في أرضه، بينما يتحول المستوطن إلى قاضٍ وجلاد وحارس حدود في الوقت نفسه؟
وهل بقي معنى للشرعية الدولية إذا كانت عاجزة عن إعادة نعجة مسروقة، قبل أن تتحدث عن إعادة وطن مسروق؟
النعجة هنا ليست حيواناً فقط، بل اختبار أخلاقي:
اختبار للسياسيين الذين ترتفع خطاباتهم مثل الأبراج، لكنها تتعثر أمام دمعة راعٍ خسر قطيعه،
اختبار للفصائل التي تتقن لغة الشعارات، لكنها لا تسمع صوت القرى البعيدة وهي تستغيث،
واختبار للعالم الذي يكتب كثيراً عن حقوق الإنسان، لكنه يصمت حين يكون الإنسان فلسطينياً.
في التاريخ الاستعماري، كان الاستيلاء على المواشي دائماً جزءاً من إخضاع الشعوب.
سرقة القطيع ليست فعلاً اقتصادياً فقط، بل إعلان سيطرة على الحياة اليومية، فالذي يملك الأرض والقطيع والماء، يملك قدرة تشكيل مستقبل الناس وخوفهم وجوعهم، لكن المأساة الأعمق أن الفلسطيني بات مطالباً بالدفاع عن بديهيات الوجود: أن يثبت حقه في شجرة، وفي بئر، وفي بيت، وفي نعجة.
وكأن الاحتلال لا يريد سرقة الأرض فقط، بل يريد أيضاً تحطيم المعنى الداخلي للانتماء، حتى يشعر الإنسان أن كل ما يملكه قابل للمصادرة، وفي ظل ذلك، يصبح السؤال موجهاً إلى الجميع:
إلى السياسيين، ماذا فعلتم كي لا تتحول القرى إلى فرائس يومية؟
إلى المؤسسات الدولية، هل تحتاج النعجة إلى قرار من مجلس الأمن كي تعود؟
إلى أصحاب الشعارات الكبرى، هل الحرية مفهوم نظري أم حماية فعلية للناس البسطاء؟
وإلى العالم كله: إذا كان عاجزاً عن إنقاذ نعجة من يد مستوطن، فكيف سيدّعي يوماً أنه قادر على حماية شعب كامل؟
في المغير لم تُعتقل نعجة فقط، بل اعتُقلت فكرة العدالة نفسها، وحين يصبح تحرير النعجة حلماً مؤجلاً، يفهم الفلسطيني أن معركته ليست على الحدود وحدها، بل على معنى الإنسان، ومعنى الوطن، ومعنى أن يبقى حياً فوق أرضه دون أن يُسرق حتى صوته الأخير.
فلسطين
الإثنين 25 مايو 2026 9:18 صباحًا - بتوقيت القدس
د. سمير حليلة في مقابلة مع "القدس"... الأزمة المالية تتطلب إعادة صياغة شاملة للسياسات الاقتصادية
* بروز قنوات غير رسمية في ظل تشديد إسرائيل الرقابة على الحركة النقدية ما أدى إلى تدفق نقدي كبير بطرق موازية
* من الواقعية عدم التعويل على عودة المقاصة على المدى المباشر والمطلوب "تصفير المقاصة" وتخفيف الأعباء عن المواطنين
* في ظل غياب أموال المقاصة وتعثر الرواتب لا يكفي مطالبة الناس بالصبر بل تبني سياسات تخفف الأعباء اليومية مباشرة
* المطلوب إجراءات سياسية واقتصادية مدروسة وتطوير أدوات ضريبية أكثر عدالة
* نحتاج إلى تبني سياسة تموينية أكثر صرامة ويمكن إنشاء مؤسسات استهلاكية حكومية
* نحن أمام مجابهة طويلة تتطلب بناء مناعة اقتصادية واجتماعية شاملة منسجمة مع الواقع
* لا يمكن لغزة انتظار إعادة الإعمار الشامل كي تبدأ الحياة فالمطلوب تشغيل الاقتصاد من الأسفل
* من المهم خلق حالة إنتاج واسعة تحوّل الزراعة والصناعة إلى أداتَين حقيقيتين للصمود
رام الله- مقابلة خاصة "القدس"-
تتعمق الأزمة المالية، وفي مقدمتها فائض الشيكل، في ظل تحولات اقتصادية معقدة وما تعانيه السلطة الفلسطينية من أزمة مالية حادة، فإن ذلك يفرض، بحسب رجل الأعمال والمحلل الاقتصادي د.سمير حليلة، ضرورة إعادة صياغة شاملة للسياسات الاقتصادية بما ينسجم مع الواقع الاجتماعي الجديد.
ويؤكد حليلة في مقابلة خاصة مع "القدس" أن الأزمة المالية باتت مرتبطة بخيارات استراتيجية تمس بنية الاقتصاد الفلسطيني نفسه، وسط غياب رؤية موحدة للسلطة الوطنية الفلسطينية تحدد كيفية التعامل مع الأزمة، وحدودها، خاصةً أزمة فائض الشيكل وآليات ضبطها بما ينسجم مع المصلحة الوطنية ويخفف من الضغوط المتراكمة على النظام المالي والبنوك.
ويشدد حليلة على أن تفادي الانزلاق نحو أزمة مالية أعمق يتطلب الانتقال من إدارة الأزمة إلى إنتاج سياسات اقتصادية فعّالة، قادرة على تعزيز الإيرادات المحلية وتقليل الاعتماد على الخارج، إلى جانب تبني تدخلات مدروسة في أسعار السلع الأساسية والضرائب. وفي ما يلي نص المقابلة..
مصادر فائض الشيكل
* بدايةً، ما أسباب أزمة فائض الشيكل في السوق الفلسطينية؟
فائض الشيكل يثير تساؤلات حقيقية، خصوصاً مع تراجع عدد العمال الفلسطينيين داخل إسرائيل، وهم كانوا تاريخياً من أبرز مصادر إدخال الشيكل إلى السوق الفلسطينية، إلى جانب الإنفاق الكبير لفلسطينيي الداخل خلال زياراتهم للضفة الغربية.
وفق دراسة أُعدت عام 2019، كان فلسطينيو الداخل ينفقون ما بين 9 إلى 10 مليارات شيكل سنوياً في الضفة الغربية، فيما كان العمال الفلسطينيون يُدخلون نحو 15 مليار شيكل نقداً، أي ما مجموعه قرابة 25 مليار شيكل سنوياً، وهو رقم كان يعادل تقريباً حجم الواردات الفلسطينية من إسرائيل التي تُسدّد بالشيكل.
آنذاك، قُدّر فائض الشيكل بنحو 18 مليار شيكل سنوياً، واعتمدت آلية لنقل نحو مليار ونصف المليار شيكل شهرياً إلى البنك المركزي الإسرائيلي.
أسباب تفاقم أزمة الشيكل
* لكن لماذا تفاقمت الأزمة اليوم رغم تراجع بعض القنوات التقليدية؟
بعد جائحة كورونا شهد الاقتصادان الفلسطيني والإسرائيلي انتعاشاً ملحوظاً، خصوصاً بين عامي 2021 و2023، لترتفع الدورة النقدية المرتبطة بالشيكل من نحو 35 مليار شيكل إلى تقديرات تتراوح حالياً بين 40 و45 ملياراً سنوياً، وهي زيادة غير مبررة بالمعايير التقليدية.
لذلك برزت قنوات جديدة وغير رسمية لتدفق الشيكل، في ظل تشديد إسرائيل الرقابة على الحركة النقدية داخلها، مقابل ضعف القدرة على الضبط في الأراضي الفلسطينية، ما أدى إلى تدفق نقدي كبير بطرقٍ موازية.
فروقات سعرية ضخمة
* ما أبرز هذه المسارات غير الرسمية التي تتحدث عنها؟
هناك فروقات سعرية ضخمة بين السوقين الفلسطينية والإسرائيلية، أبرزها السجائر، إذ يصل فرق السعر أحياناً إلى 50%، ما خلق عمليات تهريب وبيع واسعة النطاق تدر كميات كبيرة من الشيكل نقداً.
كذلك الحال في ملف اللحوم، إذ تُستغل الكوتا الفلسطينية المعفاة من الرسوم، البالغة خمسة آلاف طن سنوياً، لإعادة البيع داخل إسرائيل بأسعار مضاعفة، بدلاً من توجيهها لتخفيض الأسعار محلياً.
كما أسهمت تداعيات الحرب، سواء على غزة أو التوتر مع إيران، في زيادة الطلب الإسرائيلي غير الرسمي على الدولار والذهب عبر الصرافين الفلسطينيين، ما أدى إلى ارتفاع أسعار صرف الدولار خارج القنوات الرسمية.
ويضاف إلى ذلك عمليات شراء العقارات والتسوق في مدن الضفة، ما يؤكد وجود حركة اقتصادية غير رسمية واسعة باتت المحرك الأساسي لتراكم فائض الشيكل في البنوك الفلسطينية.
إن ما يجري أوجد سوقاً سوداء تتوسع باستمرار، وتتطلب من الجهات المعنية سياسات خاصة لحصارها ومعالجتها.
المطلوب فلسطينياً للتعامل مع الأزمة
* ما السياسات المطلوبة فلسطينياً للتعامل مع أزمة فائض الشيكل؟
السؤال الأساسي لا يقع على عاتق سلطة النقد وحدها، بل على الجهات الاقتصادية الرسمية، وعلى رأسها وزارة الاقتصاد، لتحديد السياسة الاقتصادية الفلسطينية: هل نحن معنيون باستمرار كل أشكال تدفق الشيكل، أم أن هناك أنشطة يجب ضبطها أو الحد منها؟
بعض المسارات قد تُنشئ سوقاً استهلاكية وتُنعش الاقتصاد المحلي، خصوصاً مع أهمية فلسطينيي الداخل كحاضنة اقتصادية رئيسة للضفة الغربية، نظراً إلى ارتفاع مستوى دخلهم وقوتهم الشرائية مقارنة بالمواطن الفلسطيني، ما ينعكس على تنشيط أسواق مدن مثل نابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية، خاصة بعد تراجع العمالة داخل إسرائيل وانكماش الدورة الاقتصادية واختفاء سوق غزة الذي كان يشكل نحو 35 إلى 40% من مبيعات الضفة.
آليات عملية لضبط فائض الشيكل
* ما الآليات العملية التي يمكن من خلالها ضبط فائض الشيكل؟
البداية تكون بفهم المسارات التي يتسرب عبرها الشيكل، ثم اتخاذ قرار اقتصادي واضح بشأن ما إذا كانت هذه التدفقات تخدم المصلحة الفلسطينية أم لا.
وإذا تقرر الإبقاء عليها، يجب التفكير في وسائل للتعامل مع الفائض بدل الاكتفاء بالشكوى.
الحل الأكثر واقعية يتمثل، كما حدث عام 2019، في الاستعانة بجهة دولية محايدة ومتفق عليها بين سلطة النقد والبنك المركزي الإسرائيلي لفحص مصادر فائض الشيكل وتحديد حجمه الفعلي، مع رفع سقف الكميات السنوية التي تستقبلها إسرائيل بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية الحالية.
البدائل حال الرفض الإسرائيلي
* وما البدائل إذا رفضت إسرائيل التعاون؟
عندها تصبح السلطة مضطرة لاتخاذ سياسات داخلية تقلل الاعتماد على الشيكل، مثل اعتماد أسعار صرف تفضيلية للرواتب والضرائب بالدينار أو الدولار، بالتنسيق مع الأردن، بهدف تعزيز حضور العملات الأخرى تدريجياً داخل السوق الفلسطينية.
تداعيات أزمة فائض الشيكل
* ما أبرز التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لفائض الشيكل على المجتمع؟
التأثير المباشر والأكبر يقع على القطاع المصرفي، إذ تتحمل البنوك العبء الأساسي نتيجة تراكم ودائع كبيرة بالشيكل لا يقابلها طلب كافٍ داخل السوق الفلسطينية.
صحيح أن جزءاً من التسهيلات البنكية يتمثل في الحسابات الجارية المدينة، لكنه يبقى محدوداً مقارنة بحجم السيولة المتراكمة.
كما تواجه البنوك تحديات إضافية مرتبطة بتمويل الواردات من إسرائيل، التي تُدفع بمعظمها بالشيكل، في وقت تعتمد فيه البنوك على تحويلات وتعاملات مع مؤسسات مالية دولية تستخدم الشيكل ضمن منظومة ضمانات وسياسات مصرفية معقدة.
المواطن ليس المتضرر الأول حالياً، فالمشكلة الأساسية تطال البنوك التي امتلأت خزائنها بفائض نقدي محدود الجدوى والعائد.
لكن استمرار الأزمة دون حلول قد يوسع تداعياتها مستقبلاً، خاصة مع تصاعد السياسات الإسرائيلية واحتمال استهداف العلاقة المصرفية الفلسطينية مع البنوك الإسرائيلية، ما قد يعقّد المشهد المالي بالكامل.
حلول أكثر واقعية
* ما الحلول المطروحة لتجاوز الأزمة؟
هناك إجراءات مثل تقليل الاعتماد على النقد وتعزيز الدفع الإلكتروني، لكنها غير كافية لتفريغ الفائض القائم.
الحل الأكثر واقعية يتمثل في تدخل دولي عبر جهة محايدة، يفضّل أن تكون أميركية مقبولة لدى الطرفين، لتقييم حجم الشيكل ومصادره، ثم رفع سقف الكميات التي تستعيدها إسرائيل سنوياً بما يتناسب مع الزيادة الفعلية في التداول النقدي، إلى جانب تحرك فلسطيني ودولي أكثر فاعلية للضغط باتجاه حل مستدام.
حلول عملية في ظل أزمة المقاصة والرواتب
* في ظل أزمة المقاصة وتعثر الرواتب، هل ما تزال هناك حلول عملية يمكن أن تعزز صمود المواطنين، أم أن المطلوب فقط مزيد من الصبر؟
برأيي، هناك حلول عملية كثيرة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الحكومة على تحمّل مسؤولية تنفيذها.
ما يجري ليس أزمة مالية أو اقتصادية بحتة، بل هجمة سياسية واضحة، يقودها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بهدف إضعاف السلطة الفلسطينية وربما إسقاطها، وبالتالي فإن المواجهة تتطلب قراراً سياسياً جامعاً يتجاوز قدرة الحكومة التكنوقراطية وحدها.
المطلوب، بحسب تقديري، موقف سياسي موحد تشارك فيه الرئاسة ومنظمة التحرير والقوى الوطنية، لأن إدارة الأزمة تحتاج إلى إرادة ومواجهة محسوبة.
خطوات تحت سقف المواجهة غير المباشرة
* ما طبيعة الخطوات التي يمكن اتخاذها دون الوصول إلى مواجهة مباشرة؟
الحديث لا يدور عن تصعيد كبير أو خرق للاتفاقات، وإنما عن إجراءات سياسية واقتصادية مدروسة ضمن الإطار القائم، بما في ذلك اتفاق باريس، لإثبات أن الفلسطينيين يملكون أدوات تأثير، وأن الطرف الإسرائيلي ليس وحده من يتحكم بالساحة الاقتصادية.
المشكلة، في تقديري، لا ترتبط فقط بقوة إسرائيل أو سياساتها، بل أيضاً بحالة الضعف والعجز الفلسطيني التي سمحت بانكشاف الوضع إلى هذا الحد.
عدم التعويل على ملف المقاصة
* وكيف تنظرون إلى ملف أموال المقاصة في المرحلة المقبلة؟
من الواقعية عدم التعويل كثيراً على عودة المقاصة في المدى المباشر؛ فالحكومة الإسرائيلية الحالية، وفق المؤشرات، ستواصل النهج ذاته خلال الأشهر المقبلة، ولذلك يجب التعامل مع الأزمة على أساس غياب هذه الإيرادات، وأي انفراج محتمل ينبغي اعتباره استثناءً لا قاعدة، ولذا فإن "تصفير المقاصة" هو المطلوب.
تخفيف الأعباء بتصفير المقاصة
* تطرحون مفهوم "تصفير المقاصة لإسرائيل"، ماذا تقصدون بذلك؟
المقصود بتصفير المقاصة لإسرائيل هو إعادة صياغة السياسة الاقتصادية الفلسطينية بما يتناسب مع حالة الطوارئ الاجتماعية والاقتصادية التي نعيشها.
عندما يعيش نحو 70% من السكان تحت مستوى الدخل اللازم لتغطية الحد الأدنى لمعيشة الأسرة، تصبح الأولوية للأجندة الاجتماعية لا لأي اعتبار آخر.
في ظل غياب أموال المقاصة وتعثر الرواتب، لا يكفي مطالبة الناس بالصبر، بل يجب تبني سياسات تخفف الأعباء اليومية مباشرة، والسعي المباشر بما يتيحه اتفاق باريس، لتصفير أموال المقاصة المحتجزة عبر تخفيض الضرائب.
البداية تكون من الضرائب المفروضة على السلع الأساسية، فعلى سبيل المثال، يمكن خفض الضريبة على أسطوانات الغاز بشكل كبير خلال الأشهر المقبلة، بحيث ينخفض سعرها من نحو 85 شيكلاً إلى قرابة 40 أو 45 شيكلاً، لأن الجزء الأكبر من سعرها الحالي عبارة عن ضرائب كانت تذهب لتعزيز المقاصة، وهي أصلاً لم تعد تصل للخزينة الفلسطينية.
الأمر ذاته ينطبق على الديزل، خصوصاً أن المواصلات تستنزف نحو 18% من إنفاق الأسرة الفلسطينية بسبب غياب النقل العام واعتماد المواطنين على المركبات العاملة بالديزل.
هنا يمكن تقليص الضريبة إلى الحد الأدنى، ما يخفّض السعر بصورة ملموسة ويمنح العائلات قدرة أكبر على الصمود.
مدى التأثير على الحكومة الفلسطينية
* لكن ألن يؤدي ذلك إلى خسارة مالية للحكومة؟
إن ما يجري هو إجراء طارئ، وهذه ليست خسارة فعلية للخزينة الفلسطينية بقدر ما هي اقتطاعات كانت تذهب أصلاً إلى إسرائيل ضمن أموال المقاصة المحتجزة، وحال عودة الأمور إلى طبيعتها يمكن إعادة النظر مجدداً في هذه السياسات.
لذلك، فإن تخفيض الضرائب على السلع الأساسية اليوم يعدّ مكسباً اجتماعياً واقتصادياً للمواطن الفلسطيني، لا استنزافاً مالياً للحكومة.
إجراءات لتقليل الاعتماد على إسرائيل
* هل هناك إجراءات أخرى لتقليل الاعتماد على إسرائيل مالياً؟
نعم، من بينها وقف استيراد السيارات الجديدة مؤقتاً والسماح باستيراد مركبات بعمر سنة، بحيث تُدفع الجمارك داخل فلسطين بدلاً من الموانئ الإسرائيلية، ما يوفر مئات ملايين الشواكل سنوياً.
كذلك يجب إعادة هيكلة الرسوم الجمركية على السيارات الفارهة والسلع الكمالية ورفع العبء الضريبي على القادرين مالياً، إلى جانب مراجعة ضريبة الشركات وضريبة القيمة المضافة بما يتناسب مع ارتفاع الفقر والبطالة.
لكن نجاح هذه السياسات يتطلب قراراً سياسياً موحداً يبدأ من القيادة الفلسطينية ويترجم بخطاب اقتصادي واحد في مواجهة الضغوط الإسرائيلية.
الصمود المالي في ظل الأزمة الراهنة
* هل يمكن اعتبار الصمود المالي جزءاً أساسياً من الصمود الوطني في ظل الأزمة الراهنة؟
بالتأكيد، فالصمود المالي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الصمود الوطني، فلا يمكن بناء مناعة اقتصادية اجتماعية شاملة وبشكل واقعي في مواجهة إسرائيل، التي تستخدم أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والأمني والاستيطاني بشكل متواصل، فيما يبقى الجانب الفلسطيني في موقع الانتظار.
الرهان على تغيّر الحكومات الإسرائيلية أو الانتخابات المقبلة وحده غير كافٍ، لأن السياسات التي فُرضت خلال السنوات الأخيرة، خاصة من قبل وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، خلقت واقعاً جديداً داخل الضفة الغربية، سواء على مستوى الإدارة المدنية الإسرائيلية أو المؤسسات الأمنية الإسرائيلية المرتبطة بالمستوطنات.
لذلك، المطلوب ليس خرق الاتفاقات القائمة، وإنما استخدام الأدوات المتاحة ضمنها، خصوصاً ما يتيحه اتفاق باريس من هوامش يمكن استثمارها فلسطينياً.
رؤية اقتصادية متكاملة
* وما الدور المطلوب دولياً لمواجهة هذه الضغوط؟
نحن بحاجة إلى رؤية اقتصادية متكاملة تُبنى بالشراكة بين القطاع الخاص والمجتمع المدني، وتُنقل إلى الولايات المتحدة ومراكز القرار فيها، سواء على مستوى الكونغرس أو الإدارة الأمريكية.
وإذا تعذر استقبال ممثلين رسميين من السلطة، يمكن لوفود اقتصادية ومدنية شرح التداعيات الخطيرة للسياسات الإسرائيلية والمطالبة بتدخل أميركي وأوروبي أكثر فاعلية، كما يجب التحضير قانونياً ووثائقياً لأي مسار محتمل أمام المحاكم الدولية مستقبلاً.
صمود موازنة الطوارئ
* كيف يمكن لموازنة الطوارئ الصمود وسط العجز المالي المتفاقم؟
المطلوب تعزيز الإيرادات المحلية بطرق مختلفة، ليس عبر زيادة العبء على المواطن، بل من خلال إعادة هيكلة النظام الضريبي.
يمكن تخفيف الاعتماد على ضرائب الاستهلاك والجمارك المرتبطة بإسرائيل، وفي المقابل تطوير أدوات ضريبية محلية أكثر عدالة. المشكلة أن الاقتصاد الفلسطيني يعتمد أساساً على ضريبة القيمة المضافة والجمارك، فيما تبقى ضريبة الدخل محدودة جداً مقارنة بدول العالم، نتيجة تبني نموذج ضريبي منخفض لا يواكب حجم الأزمة الحالية، والأصل تفعيل ضريبة الدخل.
إعادة صياغة السياسة الاقتصادية الفلسطينية
* كيف يمكن إعادة صياغة السياسة الاقتصادية لتتلاءم مع الأزمة الحالية وتعزز صمود المواطنين؟
نحن مضطرون لإعادة النظر في السياسة الاقتصادية الفلسطينية بما يتناسب مع الظروف الراهنة، وهناك قدرة فنية لدى وزارة المالية والحكومة للبحث عن بدائل إذا توفّر قرار سياسي واضح.
المطلوب ورشات عمل متخصصة تعيد ضبط النظام الاقتصادي دون خرق الاتفاقات القائمة، وبما يعزز الموازنة الفلسطينية ويحدّ من استفادة الجانب الإسرائيلي مالياً.
حتى إذا استمرت أزمة الرواتب وبقي الموظفون يتقاضون نصف رواتبهم، فإن تخفيض تكاليف أساسية كالمواصلات والطاقة يمكن أن يخفف العبء المعيشي عليهم بصورة ملموسة.
سياسات عملية لتخفيف الأعباء المعيشية
* ما السياسات العملية التي يمكن اعتمادها لتخفيف الأعباء المعيشية؟
المطلوب تبني سياسة تموينية أكثر صرامة تجاه السلع الأساسية، على غرار تجارب دول مثل الأردن ومصر.
القضية ليست فقط في توفر السلع، بل في أسعارها وآليات ضبطها، فمن غير المقبول أن تكون أسعار الخبز أو اللحوم في فلسطين أعلى بكثير من دول مجاورة رغم تشابه مصادر الاستيراد وغياب الجمارك على بعض المنتجات. يمكن فرض سياسات سعرية متوازنة، بحيث تُلزم الأسواق والمخابز بتوفير أصناف أساسية بأسعار منخفضة للفئات الفقيرة، مقابل هوامش ربح مختلفة في السلع الأخرى.
* من الجهة التي يجب أن تقود هذه العملية؟
في ظل غياب وزارة تموين، يجب أن تقود وزارة الاقتصاد الوطني، بالتعاون مع الوزارات المعنية، سياسة رقابة وتسعير للمواد الأساسية، بهدف حماية الفئات الأشد تضرراً، بحيث تشمل المتضررين من الأزمة الاقتصادية الواسعة.
* ما تقييمكم لفعالية قوائم الأسعار الاسترشادية في ضبط الأسواق؟
للأسف، حتى هذه القوائم أصبحت غير فعّالة، إذ غالباً ما تكون الأسعار الفعلية في الأسواق أقل من الأسعار الاسترشادية نفسها، ما يجعلها بلا تأثير حقيقي. المطلوب ليس مرونة في التطبيق، بل حزم واضح، بحيث يُحدد سقف سعري للسلع الأساسية، وإذا تجاوزت الأسعار هذا الحد يتم التدخل مباشرة، بما في ذلك خيار تدخل الدولة في التوزيع إذا لزم الأمر، لأن القضية أصبحت مرتبطة بالأمن القومي والمعيشي.
الدور المباشر للدولة في السوق
* هل تقترحون دوراً مباشراً للدولة في السوق؟
نعم، يمكن إنشاء مؤسسات استهلاكية أو حتى مخابز حكومية، أو نظام دعم مباشر عبر كوبونات للمواد الأساسية، بحيث يحصل المواطن على الخبز أو الرز أو غيرها من السلع الأساسية بأسعار مدعومة واضحة، إذ إن الفكرة أن يشعر المواطن بوجود حماية حقيقية، لا إجراءات شكلية.
تعامل السلطة مع الأزمة
* كيف تقيّمون النهج الحالي للسلطة في التعامل مع الأزمة؟
هناك تردد واضح، وكأن الحلول مؤقتة، لكن الأزمة ممتدة، ولا يمكن الانتظار أكثر، خصوصاً أن السياسات الإسرائيلية الجديدة مستمرة ولا تبدو قابلة للتغيير قريباً. حتى في السياق الدولي، لا توجد ضمانات لتعديل القوانين المفروضة علينا.
مناعة اقتصادية واجتماعية
* ما الإطار العام للحل؟
نحن أمام مجابهة طويلة الأمد، تتطلب بناء مناعة اقتصادية واجتماعية، عبر خفض تكاليف أساسية كالمحروقات، وتحويل الموارد المتاحة لتعزيز 40% من الاقتصاد القائم محلياً بدلاً من الاعتماد على 60% الخارجي الذي يتراجع، والهدف هو حماية المجتمع من الفقر وبناء برنامج اجتماعي واقتصادي متكامل للصمود.
المطلوب لإنعاش اقتصاد غزة
* كيف تقيّمون أداء الاقتصاد في غزة؟ وما المطلوب لإنعاشه؟
طوال سنوات الحرب في غزة كنا نعيش حالة انتظار دائم: تدخل أمريكي، تحرك أممي، أو مبادرات دولية، وكأننا تخلينا عن مسؤوليتنا في بناء حلول داخلية.
هذا الانتظار أضعفنا بدل أن يحمينا، بينما كان يفترض أن نعمل على بناء عناصر "مناعة اقتصادية" محلية تدريجياً، بعيداً عن التعطيل الإسرائيلي المستمر وتأجيل كل الحلول السياسية.
* ما هي أبرز عناصر هذه المناعة الاقتصادية التي تقترحونها؟
إن عناصر هذه المناعة الاقتصادية المقترحة في قطاع غزة، تكون بدايتها في تلبية الاحتياجات الأساسية، إذ كان يجب منذ وقت مبكر الشروع بإصلاح المخابز المدمرة وتوزيع الطحين عليها لضمان توفير خبز مجاني أو منخفض التكلفة للناس، وقد تم بالفعل إعادة تأهيل نحو 45 مخبزاً بجهود دولية، لكن هذا الجهد يجب أن يتحول إلى سياسة شاملة تشمل الصناعات الغذائية ومزارع الأبقار والأغنام، وحتى إعادة تشغيل الآبار الزراعية لاستعادة الإنتاج الزراعي تدريجياً.
التعامل مع ملف الركام
* وماذا عن إدارة آثار الحرب المادية مثل الركام؟
ملف الركام مثال واضح على غياب المبادرة، حيث تم إطلاق مشروع وطني لإعادة تدوير الركام وتحويله إلى مواد بناء أو طوب لرصف الطرق، في حروب سابقة، وخاصة أنه لا يحتاج إلى تقنيات معقدة بقدر ما يحتاج إلى عمالة بسيطة وإدارة ميدانية، ويشكل رافعة اقتصادية وتشغيلاً لآلاف الشباب، لكنه في هذه الحرب لم يتحول إلى مشروع واسع وتم الاكتفاء بالسياسة الانتظارية للدول المانحة بهذا الخصوص، رغم نجاح تجارب محدودة في هذه المرحلة.
حلول أُخرى ممكنة
* هل هناك أمثلة أخرى على الحلول الممكنة؟
نعم، هناك تجارب حالية مثل مشاريع تأهيل المنازل المتضررة، حيث تم ترميم مئات الوحدات السكنية بتكلفة بسيطة نسبياً مكنت مئات العائلات من مغادرة الخيام بتمويل وإشراف مجلس الإسكان الفلسطيني.
أما في ملف النفايات الصلبة، التي تراكمت بمئات آلاف الأطنان في غزة، وبالرغم من أنه يمكن تحويل 55–60% من النفايات الصلبة إلى سماد عضوي لتحسين التربة وتشغيل مئات الشباب، دون حاجة لتكنولوجيا معقدة، فإنه لم يتم البدء بهذا المشروع بشكل فوري من قبل الجهات الرسمية أو الهيئات المحلية، وتحول لمشروع ينتظر التمويل الدولي وملف إعادة الإعمار.
* ما الرسالة الأساسية من هذه المقاربة؟
الرسالة أن غزة لا يمكن أن تنتظر إعادة الإعمار الشامل كي تبدأ الحياة، فالمطلوب هو إعادة الحياة عبر تشغيل الاقتصاد من الأسفل: الزراعة، والصناعة الصغيرة، وإدارة النفايات، وترميم البنية المدمرة.
هناك موارد وتمويلات متاحة من مؤسسات ومنظمات، لكن الأهم هو تفعيل إرادة محلية تجعل الناس ينتجون ويعيشون ويعيدون بناء حياتهم رغم الظروف القاسية، نحن لا نتحدث عن إعادة إعمار، نحن نتحدث عن إعادة الحياة فقط، وهذا ليس مستحيلاً.
الزارعة صمام المناعة الاقتصادية
* كيف يمكن للقطاع الزراعي المساهمة بتعزيز الصمود الاقتصادي؟
الزراعة قطاع أساسي في تعزيز صمود المجتمع، وصمام الأمان للمناعة الاقتصادية، لكنها تحولت في كثير من الحالات إلى مصدر ضغط على المستهلك بسبب التصدير للأسواق الإسرائيلية وارتفاع الأسعار داخلياً. الزراعة عالمياً تُعد "ملاذاً للفقراء" لأنها توفر دخلاً إضافياً، لا أساسياً، كما هو الحال لدى بعض الموظفين الذين استطاعوا تحقيق بين ألف إلى ألفي شيكل شهرياً من عملهم الإضافي في الزراعة إلى جانب رواتبهم.
المطلوب هو توسيع الإنتاج المحلي بشكل كبير بدلاً من التركيز على التصدير إلى إسرائيل، مع وضع سياسة واضحة من وزارة الزراعة لتنظيم الاستيراد والتصدير بما يخدم السوق المحلي أولاً.
لا يمكن منع البيع بأسعار أعلى، لكن يمكن زيادة العرض المحلي بحيث يصبح الاكتفاء الداخلي هو الأساس.
هناك إمكانات كبيرة غير مستغلة، مثل الزراعة المائية وغيرها من الوسائل التي تتيح إنتاجاً مرتفعاً في مساحات صغيرة وبكلفة مياه منخفضة جداً، حتى في المنازل.
* كيف يمكن تفعيل قطاع الزراعة عملياً؟
إن ذلك يتم عبر تشجيع الناس على الزراعة المنزلية والتعاونية، وتوفير دعم فني وتمويلي بسيط.
يمكن لكل مجموعة موظفين أو عائلات استثمار أراضٍ صغيرة لتحقيق دخل إضافي، كذلك هناك نماذج تعاونيات ناجحة يمكن البناء عليها. الهدف هو خلق حالة إنتاج واسعة تجعل المجتمع أقل اعتماداً على السوق، وتحوّل الزراعة إلى أداة صمود حقيقية بدل أن تبقى نشاطاً محدوداً أو موسمياً.
عربي ودولي
الإثنين 25 مايو 2026 9:03 صباحًا - بتوقيت القدس
تصعيد أمني في مصر: حجب حسابات 10 معارضين وهدم قصر رئيس حزب المحافظين
أصدرت النيابة العامة المصرية قراراً رسمياً يقضي بحجب الحسابات الإلكترونية لعشرة من أبرز المعارضين والمؤثرين المصريين المقيمين في الخارج، وذلك عبر منصات فيسبوك، إكس، إنستغرام، تيك توك، وتليغرام. وشملت القائمة أسماء إعلاميين وفنانين ونشطاء، من بينهم عبدالله الشريف وعمرو واكد ومحمد ناصر وأسامة جاويش، في خطوة اعتبرتها أوساط حقوقية تضييقاً إضافياً على حرية الرأي والتعبير الرقمي.
وبررت السلطات القضائية هذا الإجراء بثبوت استخدام هذه الحسابات في نشر محتوى اعتبرته مسيئاً لمؤسسات الدولة المصرية، بالإضافة إلى اتهامات ببث خطابات تحريضية وإثارة الفتنة بين فئات المجتمع ونشر معلومات مغلوطة. وقد أثار إدراج اسم الصحفي الإسرائيلي إيدي كوهين ضمن القائمة تساؤلات واسعة حول الرسائل التي يرغب النظام في إيصالها عبر ربط المعارضين الوطنيين بشخصيات صهيونية.
وفي سياق متصل بالتضييق على معارضي الداخل، أقدمت السلطات على هدم قصر رئيس حزب المحافظين، أكمل قرطام، الواقع في منطقة منيل شيحة المطلة على النيل بالقاهرة. وجاءت عملية الهدم لصالح الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، رغم المحاولات القانونية والمناشدات التي قدمها قرطام للحفاظ على المبنى الذي يمثل قيمة معمارية وشخصية له.
وكان قرطام قد ظهر في مقطع فيديو قبيل الهدم، معلناً استعداده التام للتنازل عن الأرض والمبنى لصالح الدولة دون أي مقابل مادي أو تعويض، شريطة وقف آلات الهدم والحفاظ على الفيلا. إلا أن السلطات مضت في تنفيذ القرار، مما اعتبره سياسيون معارضون رسالة إذلال سياسي تهدف إلى معاقبة قرطام على مواقفه السابقة الرافضة لتعديل الدستور وتنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافير.
من جانبه، وصف الحقوقي والإعلامي هيثم أبوخليل، أحد المدرجين في قائمة الحجب، القرار بأنه محاولة لإسكات الأصوات التي تكشف الحقائق حول الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد. وأشار أبوخليل إلى أن تورط القضاء في قضايا سياسية بهذا الشكل يضعف هيبة الدولة ويظهرها في موقف الخائف من الكلمة السلمية والمعارضة الموضوعية.
وانتقدت منظمات حقوقية ما وصفته بـ 'العقاب بالوكالة'، حيث تعمد السلطات إلى استهداف عائلات النشطاء المقيمين في الخارج للضغط عليهم. وشهدت الفترة الأخيرة اعتقال والد الناشط سيف الإسلام عيد، وأفراد من أسرة الناشطة منى الشاذلي، في نمط متصاعد من المداهمات الأمنية التي تهدف إلى إجبار المعارضين على الصمت والتراجع عن أنشطتهم.
وتواجه الشخصيات المدرجة في قوائم الحجب ملاحقات قضائية مستمرة، تشمل وضع أسمائهم على قوائم ترقب الوصول وتجميد أموالهم، فضلاً عن حرمانهم من الخدمات القنصلية وتجديد جوازات السفر. وتعد هذه الإجراءات جزءاً من استراتيجية أوسع تتبعها الأجهزة الأمنية لملاحقة المعارضين في المنافي وتجريدهم من حقوقهم المواطنية الأساسية.
إصدار قرارات بأسباب كاذبة أمر عبثي، ومن المحزن تورط النيابة العامة والقضاء في ملاحقة الأصوات السلمية.
وأشارت مصادر إعلامية إلى أن قرار الحجب المصري جاء في أعقاب خطوة مماثلة اتخذتها دولة الإمارات العربية المتحدة بحق بعض هؤلاء المؤثرين في مارس الماضي. هذا التنسيق الرقمي يعكس رغبة إقليمية في محاصرة المحتوى الناقد للسياسات الحكومية، خاصة مع وصول عدد متابعي بعض هؤلاء المؤثرين إلى ملايين المشتركين على منصة يوتيوب وغيرها.
وفي ردود فعل ساخرة، اعتبر الفنان عمرو واكد أن الأنظمة التي لا تستطيع مواجهة الحجة بالحجة تلجأ إلى سلاح الحجب والمنع، مؤكداً أن الكلمة ستظل تصل إلى الجمهور رغم كل العوائق التقنية. ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات غالباً ما تأتي بنتائج عكسية، حيث تزيد من فضول الشارع لمتابعة المحتوى المحظور والبحث عن بدائل تقنية للوصول إليه.
مركز 'الشهاب لحقوق الإنسان' أدان هذه القرارات، مؤكداً أن الدستور المصري والمواثيق الدولية تكفل الحق في التعبير والنشر، وأن التوسع في استخدام مصطلحات 'نشر أخبار كاذبة' بات ذريعة لتصفية الحسابات السياسية. وطالب المركز بضرورة الكشف عن وقائع محددة تثبت تورط هؤلاء الأشخاص في جرائم جنائية حقيقية بعيداً عن التهم المعلبة.
وتعاني مئات الأسر المصرية من تشتت أفرادها بين الداخل والخارج بسبب الملاحقات الأمنية، حيث يمنع الكثيرون من العودة إلى وطنهم خشية الاعتقال الفوري. كما أن سياسة إسقاط الجنسية، التي طالت الناشطة غادة نجيب سابقاً، تظل سيفاً مصلتاً على رقاب المعارضين الذين يرفضون التوقف عن انتقاد سياسات السلطة الحالية.
وعلى صعيد معارضة الداخل، يمثل حزب المحافظين أحد الأصوات القليلة التي لا تزال تحاول العمل ضمن الإطار القانوني، إلا أن استهداف رئيسه أكمل قرطام يشير إلى ضيق صدر السلطة بأي نوع من النقد. ويرى سياسيون أن هدم ممتلكات قرطام هو تجاوز لكل الخطوط الحمراء في التعامل مع الشخصيات السياسية التي كانت يوماً جزءاً من المشهد العام.
الوضع الاقتصادي الراهن وتفاقم أزمة الديون الخارجية يدفعان السلطات، بحسب محللين، إلى تشديد القبضة الأمنية لمنع أي حراك شعبي محتمل قد تغذيه أصوات المعارضين. وتعتبر منصات التواصل الاجتماعي الساحة الوحيدة المتبقية للمصريين للتعبير عن استيائهم، وهو ما يفسر التركيز الأمني المكثف على حجبها وملاحقة القائمين عليها.
ختاماً، تظل هذه الإجراءات محل انتقاد دولي واسع من قبل منظمات حقوق الإنسان العالمية، التي تدعو القاهرة باستمرار إلى فتح المجال العام والإفراج عن سجناء الرأي. ومع استمرار سياسة 'الهدم والحجب'، يبدو أن الفجوة بين السلطة والمعارضة تتسع بشكل يصعب معه التنبؤ بمستقبل الاستقرار السياسي في البلاد.
عربي ودولي
الإثنين 25 مايو 2026 9:03 صباحًا - بتوقيت القدس
مصر تنشر مقاتلات 'رافال' في الإمارات وسط تحولات استراتيجية وتصدع في التحالفات الإقليمية
كشفت التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة المرتبطة بالتوترات العسكرية في المنطقة عن تحولات متسارعة داخل منظومة التحالفات العربية التقليدية. وقد تجلى ذلك في إقدام القاهرة على نشر مقاتلات عسكرية متطورة من طراز 'رافال' في القواعد الجوية الإماراتية، في خطوة تعكس حجم المخاوف من اتساع رقعة المواجهة الإقليمية.
وأفادت مصادر صحفية دولية بأن هذا الانتشار العسكري المصري جاء متزامناً مع زيارة رسمية أجراها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة أبوظبي. وخلال الزيارة، ظهر السيسي برفقة رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد وهو يتفقد السرب المصري ويؤدي التحية العسكرية لاثني عشر طياراً مرابطين هناك.
ولم يتم الإعلان عن هذه الخطوة العسكرية بشكل مسبق في الداخل المصري، حيث أشارت تقارير إلى أن الرأي العام لم يعلم بنشر المقاتلات إلا من خلال التغطية الإعلامية للزيارة الرئاسية. وتأتي هذه الخطوة في سياق محاولات القاهرة لتهدئة التوترات الصامتة مع شريكتها الاستراتيجية التي طالبت بمواقف أكثر حزماً تجاه التهديدات الخارجية.
وتشير التحليلات إلى أن الإمارات كانت قد أعربت عن عتبها تجاه بعض الحلفاء العرب، معتبرة أنهم لم يبذلوا الجهد الكافي لدعم منظومتها الدفاعية في مواجهة الهجمات الإقليمية. وبناءً عليه، يرى مراقبون أن إرسال طائرات الرافال يمثل رسالة تضامن ميدانية تهدف إلى تعزيز الثقة بين البلدين في وقت حساس.
وترتبط القاهرة وأبوظبي بعلاقات اقتصادية وثيقة، حيث تعد الإمارات مستثمراً رئيسياً في الاقتصاد المصري المتعثر. وقد برز ذلك بوضوح في عام 2023 عندما ضخت أبوظبي نحو 35 مليار دولار لشراء أراضٍ وتطوير مشروع ضخم على الساحل الشمالي، مما ساهم في إنقاذ العملة المصرية من انهيار وشيك.
وبالإضافة إلى الاستثمارات المباشرة، يشكل الوجود المصري البشري في الإمارات ركيزة أساسية للعلاقة، حيث يعيش هناك نحو نصف مليون مصري. وتعد تحويلات هؤلاء المغتربين مصدراً حيوياً لتدفق العملة الصعبة إلى الخزينة المصرية التي تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب الديون الخارجية والتضخم المرتفع.
من جانبه، أوضح باحثون في معاهد دولية بلندن أن الإمارات باتت تتوقع دعماً سياسياً وعسكرياً ملموساً في القضايا التي تمس أمنها المباشر. ويأتي هذا التوقع كمقابل للدعم المالي والاقتصادي السخي الذي قدمته أبوظبي للقاهرة على مدار العقد ونصف الماضي، وهو ما يضع صانع القرار المصري أمام استحقاقات معقدة.
كل ما يضر الإمارات العربية المتحدة يضر مصر.
وفي سياق متصل، كشفت الحرب الإقليمية عن انقسامات واضحة في الرؤى بين العواصم العربية الكبرى، لا سيما بين الإمارات والسعودية. وبينما تميل الرياض نحو تنسيق أوسع مع قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان للتهدئة، تتبنى أبوظبي موقفاً أكثر تشككاً تجاه جهود الوساطة التي قد تبقي على توازن القوى الحالي.
وترى مصادر مطلعة أن الإمارات تنظر بريبة إلى محاولات الوساطة التي تشارك فيها مصر، معتبرة أنها قد تضع الخصوم والحلفاء في كفة واحدة. هذا التباين في الرؤى أدى إلى برود في بعض الملفات، خاصة مع شعور أبوظبي بأن التضامن العربي مع موقفها لم يصل إلى المستوى المطلوب.
وقد امتدت هذه التوترات لتشمل دولاً أخرى مثل باكستان، حيث طالبتها الإمارات بسداد فوري لقرض بمليارات الدولارات في توقيت مفاجئ. وفُسرت هذه الخطوة بأنها تعبير عن استياء إماراتي من انخراط إسلام آباد في مسارات وساطة لا تخدم الرؤية الأمنية لأبوظبي في المنطقة.
وعلى صعيد الرأي العام، تسببت السياسات الإقليمية في حالة من الجدل الواسع داخل الشارع المصري، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع دولة الاحتلال. وقد أثار التقارب الإماراتي مع تل أبيب غضباً في الأوساط المصرية التي تتابع بمرارة الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ عامين، مما زاد من الفجوة الشعبية.
ويشير خبراء في مجموعات الأزمات الدولية إلى أن الموقف الشعبي المصري يميل تاريخياً وبقوة نحو دعم القضايا العربية العادلة ويرفض أي تحالفات قد تضعف الموقف الفلسطيني. هذا الضغط الشعبي يمثل تحدياً إضافياً للحكومة المصرية في موازنة علاقاتها مع الحلفاء الخليجيين والالتزامات القومية.
ورغم مرور عقود على معاهدة السلام، إلا أن العقيدة القتالية للجيش المصري لا تزال تحتفظ بخصوصية عالية تجاه التعامل مع التهديدات القادمة من جهة الاحتلال. وتؤكد التقارير أن هذه العقيدة لم تتغير، بل زادت تصلباً في ظل الأحداث الجارية، مما يجعل التنسيق العسكري الإقليمي عملية بالغة التعقيد والحساسية.
تحليل
الإثنين 25 مايو 2026 8:30 صباحًا - بتوقيت القدس
هدنة هرمز تفتح نافذة للدبلوماسية: واشنطن وطهران تنتقلان من حافة الحرب إلى طاولة التفاوض
واشنطن – سعيد عريقات-25/5/2026
تحليل إخباري
شكّل الاتفاق المؤقت الذي أعلنت عنه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع إيران نهاية الأسبوع تحولاً لافتاً في مسار المواجهة التي دفعت المنطقة إلى حافة انفجار واسع، لكنه لا يرقى بعد إلى مستوى اتفاق سلام شامل أو تسوية نهائية للملف النووي الإيراني. فالتفاهم المطروح يركّز أساساً على تمديد وقف إطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، وخلق مساحة زمنية لمفاوضات أوسع لاحقاً، في وقت تتجنب فيه واشنطن وطهران الخوض المباشر في القضايا الأكثر تعقيداً، وعلى رأسها البرنامج النووي والصواريخ البالستية والعقوبات الاقتصادية.
ويبدو أن الطرفين توصلا إلى قناعة مشتركة بأن استمرار التصعيد يحمل كلفة باهظة لا يمكن تحملها. فالولايات المتحدة تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة مع ارتفاع أسعار الوقود واقتراب انتخابات التجديد النصفي، بينما تواجه إيران أزمة اقتصادية خانقة بعد تراجع عائداتها النفطية وتزايد العزلة المالية. لذلك، جاء الاتفاق المؤقت كصيغة “خفض خسائر” أكثر منه تسوية استراتيجية، إذ يمنح الطرفين فرصة لالتقاط الأنفاس ومنع انزلاق الحرب إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
وبحسب التسريبات الأميركية والإيرانية، فإن التفاهم المقترح ينص على إعادة فتح مضيق هرمز خلال فترة تمتد بين ثلاثين وستين يوماً، مع إزالة الألغام وضمان حرية الملاحة من دون رسوم إيرانية، مقابل تخفيف بعض القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية وإصدار إعفاءات محدودة من العقوبات. كما يتضمن الاتفاق العودة إلى مفاوضات نووية موسعة، من دون حسم القضايا الجوهرية المتعلقة بمخزون اليورانيوم عالي التخصيب أو مستقبل التخصيب نفسه.
وفي هذا السياق، بدا واضحاً أن ترمب تراجع عملياً عن خطابه السابق الذي كان يربط أي اتفاق مع إيران بـ"الاستسلام غير المشروط". فالرئيس الأميركي، الذي أعلن قبل أسابيع أن هدف الحرب إنهاء البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين بالكامل، بات يتحدث الآن عن مفاوضات "منظمة وبناءة"، مع إقراره بأن الاتفاق النهائي لم يُنجز بعد. ويعكس هذا التحول إدراكاً أميركياً متزايداً بأن تحقيق الأهداف القصوى التي رُفعت في بداية الحرب أمر بالغ الصعوبة، وربما مستحيل من دون حرب طويلة ومكلفة.
يكشف الاتفاق المؤقت حدود القوة العسكرية في إدارة الصراعات المعقدة في الشرق الأوسط. فبعد أسابيع من التصعيد والضربات والهجمات المتبادلة، عادت واشنطن وطهران إلى النقطة نفسها تقريباً: التفاوض. وهذا يعكس حقيقة أن الحرب لم تتمكن من فرض استسلام سياسي على إيران، كما لم تستطع طهران فرض معادلة ردع كاملة على الولايات المتحدة وحلفائها. وفي النهاية، فرضت اعتبارات الاقتصاد والطاقة والاستقرار الإقليمي نفسها على الطرفين، لتصبح البراغماتية السياسية أقوى من خطاب الحسم العسكري الذي سيطر على المرحلة السابقة.
ورغم الحديث الأميركي عن استعداد إيران للتفاوض بشأن اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، فإن طهران نفت التوصل إلى أي تفاهم يتعلق بتسليم مخزونها النووي أو تعليق التخصيب لفترة طويلة. وأكدت مصادر إيرانية أن الملف النووي سيُناقش فقط في مراحل لاحقة، بعد تثبيت وقف الحرب وتنفيذ واشنطن التزاماتها المتعلقة بالعقوبات والأموال المجمدة. كما شددت وكالة "تسنيم" المقربة من الحرس الثوري على أن إيران لم تتخلى عن "حقوقها النووية"، وأن الخلافات الأساسية لا تزال قائمة.
وفي المقابل، يواجه ترمب انتقادات حادة من داخل المعسكر الجمهوري نفسه. فقد اعتبر عدد من صقور الحزب أن الاتفاق يمثل تراجعاً أميركياً واضحاً، وأنه يمنح إيران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها من دون تفكيك قدراتها النووية أو الصاروخية. وذهب بعض المنتقدين إلى القول إن الإدارة الأميركية تخلت عملياً عن أهداف الحرب الأصلية، واكتفت بإدارة الأزمة بدلاً من حسمها.
وتكشف ردود الفعل داخل واشنطن حجم الانقسام الأميركي حول كيفية التعامل مع إيران. فبينما يرى فريق أن الأولوية يجب أن تكون منع الانفجار الإقليمي وتأمين تدفق النفط، يعتبر آخرون أن أي اتفاق لا ينهي بالكامل قدرة إيران النووية يمثل هزيمة سياسية واستراتيجية. وهذا الانقسام ليس جديداً، لكنه يعكس مأزقاً أميركياً دائماً في الشرق الأوسط: الرغبة في فرض النفوذ الكامل، مقابل محدودية القدرة على تحقيق ذلك من دون الانجرار إلى حروب طويلة ومكلفة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
ويبدو أن الإدارة الأميركية تراهن حالياً على أن فتح مضيق هرمز وتهدئة الأسواق العالمية قد يهيئان أجواء أفضل لمفاوضات أكثر تعقيداً لاحقاً. لكن التجربة التاريخية للمفاوضات الأميركية الإيرانية تشير إلى أن الطريق سيكون طويلاً ومليئاً بالأزمات. فالخلافات لا تقتصر على التخصيب النووي، بل تشمل العقوبات، والأموال الإيرانية المجمدة، والدور الإقليمي لطهران، وبرنامج الصواريخ البالستية، إضافة إلى الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
وتؤكد الأزمة الحالية أيضاً أن أمن الخليج والطاقة العالمية باتا مرتبطين بشكل مباشر بأي مواجهة بين واشنطن وطهران. فمجرد التهديد بإغلاق مضيق هرمز أدى إلى اضطراب واسع في الأسواق وإثارة مخاوف عالمية من أزمة طاقة جديدة. ولذلك، فإن القوى الدولية الكبرى لا تنظر إلى الاتفاق المؤقت باعتباره شأناً ثنائياً فقط، بل باعتباره محاولة عاجلة لمنع اهتزاز الاقتصاد العالمي. غير أن هشاشة التفاهم الحالي تعني أن أي خطأ سياسي أو عسكري قد يعيد المنطقة سريعاً إلى حافة الانفجار من جديد.
ويثير احتمال التوصل إلى اتفاق دائم بين واشنطن وطهران حالة واضحة من الإحباط داخل الحكومة الإسرائيلية وبين دعاة استمرار الحرب في واشنطن، الذين كانوا يعولون على التصعيد العسكري لإسقاط أي مسار تفاوضي. فبنيامين نتنياهو بنى جزءاً كبيراً من استراتيجيته على إبقاء المواجهة مفتوحة ومنع أي تفاهم أميركي إيراني يمكن أن يخفف عزلة طهران أو يحد من الدور الإسرائيلي في رسم السياسات الإقليمية. غير أن الأشهر الأخيرة أظهرت تراجع قدرة إسرائيل على عرقلة التفاهمات عبر الضغوط السياسية أو التصعيد الأمني، بعدما استنفدت معظم أدوات المناورة والتخويف التي استخدمتها سابقاً لإفشال اتفاقات مشابهة.
أقلام وأراء
الإثنين 25 مايو 2026 7:47 صباحًا - بتوقيت القدس
أنثروبولوجيا الحج: رحلة العبور من الفردية إلى رحاب 'ضيف الله'
تعد تجربة الحج لحظة تحول كبرى تتجاوز حدود الممارسة الدينية الروتينية، حيث ينتقل المصلي من التوجه نحو القبلة في خط مستقيم إلى الوقوف في قلبها. في مكة، تتلاشى الاتجاهات التقليدية ليصبح الطواف حول الكعبة حالة من القشعريرة الوجدانية التي تدفع الإنسان لتأمل وجوه الحجيج المتقابلة، وكأنها تدريب دنيوي على مشهد 'على سرر متقابلين' في الجنة، حيث يخلع المرء رداء الغل والضغينة.
لقد تناول الأنثروبولوجي المغربي عبد الله حمودي في كتابه 'حكاية حج' هذا التوتر القائم بين المؤمن الذي يؤدي الشعيرة والباحث الذي يسجل الملاحظات. رصد حمودي دخول الحج في عالم الدولة الحديثة من خلال القرعة والتصاريح والجوازات، متسائلاً عن كيفية كتابة الأنثروبولوجي عن ثقافة ينتمي إليها ويؤمن بها، محولاً نفسه من مراقب إلى 'مشاهد مشارك' في قلب الزحام.
إن التحول من فرد عادي إلى 'حاج' يمثل ما وصفه فيكتور تيرنر بـ 'حالات العبور'، حيث يتم تعليق الهوية الاجتماعية والمكانة الطبقية لصالح حالة من المساواة المطلقة. الإحرام ليس مجرد قطعة قماش، بل هو تجريد للإنسان من مسمياته الدنيوية، مما يخلق موتاً رمزياً للحياة اليومية قبل الولادة الجديدة التي تلي إتمام المناسك، حيث يذوب الفرد في الجماعة المؤمنة.
الحاج يمر بحالة تعليق للهوية؛ يخلع ملابسه المعتادة، ويفقد اسمه وطبقته ومكانته، ليصبح مجرد حاج في مساواة مؤقتة وموت رمزي للحياة اليومية.
بالنظر إلى مكة من زاوية العولمة، يمكن اعتبارها مركزاً لتدفق البشر والأفكار والأموال منذ قرون، وهو ما يتقاطع مع أطروحات أرجون أبادوراي حول 'عوالم التدفق'. ومع ذلك، تظل مكة فريدة في كونها لا تستقبل سياحاً أو تجاراً بالمعنى التقليدي، بل تستقبل 'ضيوف الله' الذين يأتون إليها برغبة في التحرر من قيود المادة والارتقاء نحو المعنى السماوي.
في نهاية المطاف، تظل رحلة الحج صراعاً جميلاً بين الأرضي والسماوي، وبين الحجر والمعنى العميق الكامن خلفه. إن صفة 'ضيف الله' ليست مجرد تسمية اجتماعية، بل هي وصف دقيق لحالة العبور المؤقت من ضيق العالم المادي إلى سعة الروح، حيث يشعر الطائفون كأنهم يحلقون فوق الكعبة، متجاوزين ثقل الجسد نحو آفاق المعرفة الإيمانية الخالصة.
فلسطين
الإثنين 25 مايو 2026 7:34 صباحًا - بتوقيت القدس
أساطيل كسر الحصار تضع الاحتلال في مواجهة أزمة دبلوماسية مع أوروبا
تتصاعد حدة التوتر الدبلوماسي بين الاحتلال الإسرائيلي والاتحاد الأوروبي عقب اعتراض أساطيل الإغاثة الدولية المتجهة إلى قطاع غزة. وبدلاً من تحقيق أهداف الردع التي سعى إليها وزراء متطرفون، تحول مشهد اعتقال النشطاء إلى منصة دولية كشفت عن حجم المعاناة الإنسانية في القطاع المحاصر.
أفادت مصادر بأن قوات الاحتلال أقدمت على اعتقال مجموعة من المناضلين الإنسانيين الذين سعوا لكسر حصار التجويع المفروض على غزة. هؤلاء المتطوعون، الذين يمثلون دولاً عدة، أكدوا من خلال حراكهم أن القضية الفلسطينية تظل بوصلة للضمير العالمي الرافض لسياسات الاستعمار.
في تطور لافت، أعلنت رئيسة أيرلندا، كاثرين كونولي، رسمياً عن اعتقال شقيقتها الطبيبة والناشطة الحقوقية مارغريت كونولي. ووصفت الرئاسة الأيرلندية الحادثة بأنها 'اختطاف غير قانوني' تم في مياه دولية، مما يضع الاحتلال في مأزق قانوني وأخلاقي أمام المجتمع الدولي.
أعربت الرئيسة الأيرلندية عن فخرها بموقف شقيقتها الإنساني، في حين حذر مراقبون من أن هذه الخطوة ستعمق العزلة الدولية لتل أبيب. ومن المتوقع أن تؤدي هذه الحادثة إلى أزمة دبلوماسية غير مسبوقة مع أيرلندا، التي تتخذ أصلاً مواقفاً نقدية تجاه ممارسات الاحتلال.
بالتزامن مع هذه الأحداث، واصل الوزير المتطرف إيتمار بن غفير استفزازاته باقتحام المسجد الأقصى المبارك برفقة مجموعات من المستوطنين. ورفع بن غفير علم الاحتلال داخل الباحات تحت حماية مشددة، في خطوة اعتبرتها مصادر فلسطينية محاولة لتفجير الأوضاع وتغيير الوضع التاريخي القائم.
تأتي هذه التطورات في ظل إحياء الفلسطينيين للذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، مما يعيد التذكير بجذور الصراع المستمر منذ عقود. ورغم محاولات القوى الداعمة للاحتلال تهميش القضية، إلا أن أساطيل الإغاثة أثبتت أن التضامن الدولي لا يزال حياً وفاعلاً.
يرى محللون أن الاحتلال يعتمد على سلاح التجويع كأداة سياسية ضد سكان غزة، مراهناً على الغطاء الأمريكي المستمر. إلا أن دخول شخصيات مهنية وسياسية مرموقة على خط المواجهة الإغاثية بدأ يضيق الخناق على هذه السياسات ويحرج العواصم الأوروبية الصامتة.
اعتقال شقيقة رئيسة دولة أوروبية يمثل تحولاً جوهرياً في طبيعة الصدام بين الاحتلال وحركات التضامن الدولي.
تاريخياً، لم يكن كيان الاحتلال غريباً عن العزلة الدولية، حيث تذكرنا هذه الأحداث بخطاب ياسر عرفات التاريخي أمام الأمم المتحدة عام 1974. ومنذ ذلك الحين، تطورت أساليب المقاومة الشعبية والدولية لتشمل محاصرة الاحتلال سياسياً وأخلاقياً في كافة المحافل.
ساهمت سلوكيات بن غفير المتطرفة، من توزيع السلاح على المستوطنين إلى التنكيل بالأسرى، في بلورة موقف دولي حازم ضد الحكومة الحالية. هذه الإجراءات، التي تناقض القانون الإنساني الدولي، جعلت حتى حلفاء الاحتلال يبدون امتعاضهم من غياب الحصافة السياسية لدى قادة تل أبيب.
في سجون الاحتلال، يبرز سلاح 'الأمعاء الخاوية' كأحد أبرز أدوات النضال التي أتقنها الفلسطينيون لمواجهة الاعتقال الإداري. وقد استلهم نشطاء أساطيل الحرية هذه الروح النضالية لمواجهة الحصار البحري، مؤكدين أن الجوع قد يتحول إلى سلاح فعال ضد السجان.
إن مشروع سفن الإغاثة يمثل تهديداً مباشراً لاستراتيجية الحصار الإسرائيلية، ولذلك تسارع قوات البحرية للتنكيل بالنشطاء ومصادرة السفن. هذا الصدام المتكرر يضع الضمير العالمي أمام اختبار حقيقي حول مدى جديته في إنقاذ المدنيين من مجاعة وشيكة.
أثبت المتطوعون الذين التحقوا بالأساطيل أن العمل الإنساني يمكن أن يتحول إلى فعل سياسي مقاوم يكسر حاجز الخوف. هؤلاء النشطاء سجلوا أسماءهم في سجلات البطولة، مؤكدين وفاءهم لأهل غزة الذين يواجهون آلة الحرب والحصار بمفردهم.
يبقى مستقبل العلاقات الأيرلندية الإسرائيلية رهناً بتداعيات اعتقال شقيقة رئيسة الدولة، وهو ما قد يفتح الباب أمام إجراءات أوروبية أكثر صرامة. إن الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الضمير الإنساني سينتصر على سياسات القوة الغاشمة والحماية السياسية المنحازة.
عربي ودولي
الإثنين 25 مايو 2026 3:49 صباحًا - بتوقيت القدس
بريطانيا ترفع جاهزيتها العسكرية لتأمين مضيق هرمز وإزالة الألغام البحرية
تتأهب القوات البحرية الملكية البريطانية لإطلاق عملية عسكرية محتملة تهدف إلى تأمين الملاحة الدولية في مضيق هرمز، الذي يعد أحد أكثر الممرات المائية حيوية لنقل الطاقة في العالم. تأتي هذه التحركات في ظل تصاعد حدة التوترات العسكرية الناتجة عن المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مما أثار مخاوف دولية من تعطل إمدادات النفط والغاز العالمية.
وعلى متن سفينة الإمداد الملكية 'لايم باي' الراسية حالياً قبالة سواحل جبل طارق، ينتظر مئات البحارة البريطانيين الأوامر النهائية للتحرك نحو منطقة الخليج العربي. ومن المتوقع أن تقود لندن وباريس مهمة دولية مشتركة تهدف إلى ضمان عبور السفن التجارية بسلام عبر المضيق الذي شهد اضطرابات واسعة خلال الأشهر الماضية.
وزير القوات المسلحة البريطاني، آل كارنز، قام بزيارة ميدانية للاطلاع على التجهيزات العسكرية واللوجستية للسفينة، مؤكداً أن الجاهزية بلغت مستويات متقدمة. وشملت التجهيزات تحميل كميات كبيرة من الذخائر وطائرات مسيرة بحرية متطورة مزودة بأنظمة سونار قادرة على كشف الألغام البحرية في أعماق مختلفة.
ووفقاً للخطط العسكرية المسربة، فمن المقرر أن تغادر السفينة 'لايم باي' موقعها قريباً لتلتحم بالمدمرة البريطانية 'دراغون' ومجموعة من السفن الحليفة. وسيشكل هذا الأسطول قوة مهام خاصة تعبر قناة السويس باتجاه الخليج لتقديم الدعم الفني واللوجستي اللازم لأي عمليات تطهير للممر المائي من التهديدات البحرية.
تأتي هذه الاستعدادات في وقت يمارس فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ضغوطاً متزايدة على الحلفاء الأوروبيين، مطالباً إياهم بتحمل مسؤولية أكبر في حماية مصالحهم النفطية. وكان ترمب قد انتقد صراحة ما وصفه بضعف المساهمة العسكرية للحلفاء في مواجهة التهديدات الإيرانية التي تستهدف حركة التجارة العالمية.
وعلى الرغم من إشارة ترمب إلى أن الاتفاق السياسي مع طهران قد أُنجز معظمه، إلا أن التفاصيل النهائية لا تزال عالقة بانتظار مشاورات مع إسرائيل والشركاء الإقليميين. ويبقى الوضع الميداني في مضيق هرمز متأزماً منذ اندلاع المواجهات المسلحة في فبراير الماضي، حيث فرضت طهران قيوداً مشددة على حركة الملاحة.
وأفادت مصادر مطلعة بأن الحصار الفعلي للمضيق أدى إلى شلل كبير في حركة نقل الأسمدة والغاز الطبيعي، مما تسبب في قفزات حادة بأسعار الطاقة عالمياً. وأكدت التقارير أن أكثر من 6000 سفينة تجارية مُنعت من المرور منذ بدء الأزمة، مما كبد الاقتصاد العالمي خسائر فادحة وأربك شركات التأمين الدولية.
شركات التأمين البحري تحتاج إلى يقين كامل قبل السماح للسفن التجارية بالعودة إلى العبور الطبيعي عبر المضيق.
من جانبها، حذرت القائدة جيما بريتون، المسؤولة عن وحدة استغلال الألغام في البحرية الملكية، من تعقيد الترسانة البحرية التي قد تكون إيران قد نشرتها في المنطقة. وأوضحت أن الألغام الحديثة تعمل بتقنيات متطورة تعتمد على الصوت أو الحركة أو الضوء، مما يجعل عملية اكتشافها وتفكيكها تحدياً تقنياً كبيراً.
وتعتمد الاستراتيجية البريطانية لمواجهة هذه التهديدات على استخدام أنظمة ذاتية التشغيل ومركبات يتم التحكم بها عن بُعد لمسح قاع البحر بدقة عالية. وتهدف هذه التقنيات إلى تفجير الأجسام المشبوهة دون الحاجة لإرسال غواصين بشريين إلى مناطق الخطر، مما يقلل من احتمالية وقوع خسائر في الأرواح.
وحددت القيادة العسكرية البريطانية أولوياتها في المرحلة الأولى بفتح ممر آمن يسمح بخروج نحو 700 سفينة تجارية عالقة حالياً داخل مياه الخليج. وبمجرد تأمين خروج هذه السفن، ستبدأ المرحلة الثانية التي تهدف إلى إنشاء مسار آمن ومستدام للسفن القادمة من الخارج لضمان استمرارية سلاسل التوريد.
ورغم هذه التحضيرات المكثفة، إلا أن الحكومة البريطانية لم تعلن رسمياً حتى الآن عن موعد بدء العمليات، مشيرة إلى أن التحرك العسكري يظل مرتبطاً بمسار المفاوضات السياسية. ويسود حذر شديد في الأوساط الدبلوماسية اللندنية لتجنب أي تصعيد قد يؤدي إلى انفجار الموقف بشكل غير محسوب.
في المقابل، نقلت مصادر صحفية عن مسؤولين أمريكيين قولهم إنه لم يتم رصد وجود فعلي للألغام البحرية حتى هذه اللحظة، رغم التهديدات الإيرانية المستمرة. ومع ذلك، فإن مجرد التهديد بوجودها كان كافياً لترهيب شركات الشحن ورفع تكاليف التأمين إلى مستويات غير مسبوقة، مما استدعى هذا الاستنفار الدولي.
وشدد الوزير كارنز على أن الهدف من المهمة البريطانية ليس عسكرياً بحتاً، بل يهدف إلى استعادة 'اليقين الكامل' لدى قطاع الشحن التجاري العالمي. وأوضح أن عودة الملاحة إلى طبيعتها تتطلب إثباتات ملموسة على خلو الممر من أي مخاطر، وهو ما تسعى البحرية الملكية لتوفيره عبر تقنياتها المتطورة.
ويبقى الترقب سيد الموقف في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من نتائج للمفاوضات التي يقودها البيت الأبيض مع الأطراف المعنية. وفي غضون ذلك، تظل السفينة 'لايم باي' وطاقمها في حالة تأهب قصوى، مستعدة للإبحار في أي لحظة لتنفيذ المهمة التي قد تعيد الاستقرار لأهم شريان طاقة في العالم.
اسرائيليات
الإثنين 25 مايو 2026 3:34 صباحًا - بتوقيت القدس
جدعون ليفي: الاتفاق الأمريكي الإيراني يمثل فشلاً ذريعاً لنتنياهو ويكشف عبثية الحرب
يرى الكاتب الإسرائيلي في صحيفة هآرتس، جدعون ليفي أن إبرام أي اتفاق بين طهران وواشنطن لإنهاء حالة التوتر سيمثل ضربة قاصمة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وأوضح ليفي أن هذا الاتفاق سيكشف للجمهور الإسرائيلي أن الحروب الطويلة التي خاضتها الحكومة انطلقت بلا أهداف إستراتيجية واضحة، وأن تل أبيب لم تحقق منها أي مكاسب تذكر على أرض الواقع.
وأشار ليفي إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أدرك مبكراً أن الاستمرار في النزاعات العسكرية يمثل كارثة تستوجب البحث عن مخرج سريع. وهذا الإدراك يفسر، حسب رؤيته، تعمد الإدارة الأمريكية إقصاء نتنياهو بشكل كامل من مسار المفاوضات الجارية، مما يجعله مراقباً للأحداث بدلاً من كونه لاعباً مؤثراً فيها.
وفي تصريحات أدلى بها لمصادر إعلامية، أكد ليفي أن نتنياهو فقد القدرة على عرقلة أي تفاهمات دولية محتملة، مشبهاً وضعه بمن فاته القطار تماماً. ولفت إلى أن التبعية الإسرائيلية المطلقة للولايات المتحدة تجعل من المستحيل على أي حكومة في تل أبيب التمرد على قرارات البيت الأبيض، خاصة مع تصريحات ترمب التي أكد فيها أن نتنياهو سينفذ ما يطلب منه في نهاية المطاف.
وحذر الكاتب من الركون إلى وعود ترمب بشأن حماية المصالح الإسرائيلية في أي اتفاق، واصفاً إياها بالوعود المبهمة التي لا يمكن الاعتماد عليها. وأوضح أن طبيعة ترمب المتقلبة وتناقض تصريحاته تجعل من الصعب بناء إستراتيجية أمنية بناءً على تطميناته، مما يضع القيادة الإسرائيلية في مأزق حقيقي أمام التغيرات الدولية المتسارعة.
أما بخصوص ملفي قطاع غزة ولبنان، فقد توقع ليفي أن يظلا خارج إطار الاتفاق الشامل، مما يفتح الباب أمام احتمالات استمرار التصعيد العسكري. وأشار إلى أن نتنياهو يمتلك مخططات للعودة إلى العمليات العسكرية الواسعة في غزة، مراهناً على موقف الإدارة الأمريكية الجديد وما إذا كانت ستفرض وقفاً شاملاً للحروب أم ستكتفي بالانسحاب من الملف الإيراني.
نتنياهو لم يكن واقفا على الرصيف أصلاً حين غادر قطار المفاوضات المحطة، والاعتماد على واشنطن يجعل التمرد مستحيلاً.
وشدد ليفي على أن نتنياهو يرى في استمرار الحرب وسيلة وحيدة للحفاظ على بقائه السياسي والاقتراب من أهدافه الشخصية في غزة ولبنان. وأضاف أن رئيس الوزراء يدرك تماماً أن توقف المدافع سيعني مواجهة فشل انتخابي محتم في الاستحقاق القادم المقرر في أكتوبر، حيث تشير التقديرات إلى عدم قدرته على تشكيل حكومة جديدة.
وفي تقييمه لنتائج السنوات الثلاث الماضية، تحدث ليفي عما وصفه بـ 'فشل كامل الجبهات'، حيث لا تزال حركة حماس موجودة وقادرة على التأثير. كما أشار إلى أن حزب الله لم يتم نزع سلاحه، في حين حافظ النظام الإيراني على قدراته النووية وصواريخه الباليستية، مما يعني أن الأهداف المعلنة للحروب الإسرائيلية لم تتحقق.
وعلى الصعيد الدولي، أكد ليفي أن إسرائيل باتت تعيش عزلة غير مسبوقة، مع تصاعد مشاعر الكراهية ضد سياساتها في أوروبا والولايات المتحدة. واعتبر أن الوضع الأمني الحالي بات أقل أماناً مما كان عليه قبل أحداث السابع من أكتوبر، وهو ما يعكس إخفاق الرؤية الأمنية القائمة على القوة العسكرية وحدها دون مسارات سياسية.
واختتم ليفي تحليله بالإشارة إلى أن البدائل السياسية لنتنياهو، مثل بينيت ولبيد وآيزنكوت، لا يقدمون رؤية مغايرة فيما يتعلق بإنهاء الاحتلال. وأكد أن الأمان الحقيقي لن يتحقق إلا بسلوك طريق العدالة والمساواة مع الفلسطينيين، بدلاً من الاستمرار في سياسات الاغتيالات والتجويع التي أثبتت فشلها في توفير الاستقرار.
فلسطين
الإثنين 25 مايو 2026 3:19 صباحًا - بتوقيت القدس
البرغوثي: منظومة الاحتلال بلغت ذروة الفاشية وتطبيق 'اتفاق بكين' ضرورة وطنية
شدد الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، الدكتور مصطفى البرغوثي، على أن المشهد السياسي داخل كيان الاحتلال يتجه نحو تصعيد خطير، معتبراً أن التوجه نحو انتخابات الكنيست في أكتوبر المقبل سيكون بمثابة إعلان نهاية المسيرة السياسية لبنيامين نتنياهو. وأوضح البرغوثي أن التنافس القادم لن يغير من جوهر السياسة العدوانية، بل سيكشف عن عمق الأزمة الداخلية التي تعصف بمنظومة الحكم الإسرائيلية.
وحذر البرغوثي في تصريحات صحفية من التعويل على المعارضة الإسرائيلية الحالية، مؤكداً عدم وجود فروق جوهرية بينها وبين حكومة اليمين المتطرف، حيث يتبنى الجميع استراتيجية 'حسم الصراع' ورفض قيام دولة فلسطينية مستقلة. واستدل على ذلك بتصويت 93 عضواً في الكنيست، يمثلون الائتلاف والمعارضة معاً، لصالح تشريع قانون يقضي بإعدام من شاركوا في أحداث السابع من أكتوبر، مما يعكس إجماعاً صهيونياً على التطرف.
وفيما يخص الوضع الإنساني في قطاع غزة، كشف البرغوثي عن تنصل الاحتلال من التزاماته الدولية، حيث لم يتم إدخال الـ 600 شاحنة المقررة يومياً، بالإضافة إلى استمرار إغلاق معبر رفح أمام آلاف الجرحى والمرضى. وأشار إلى أن الاحتلال يسعى لفرض واقع ديموغرافي كارثي عبر إنشاء 'منطقة عزل' حشرت أكثر من مليوني فلسطيني في مساحة ضيقة لا تتجاوز 50 كيلومتراً مربعاً، في ظروف تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
ووصف أمين عام المبادرة الوطنية ما يحدث في الضفة الغربية بأنه 'استباحة شاملة'، حيث ينفذ المستوطنون تحت حماية جيش الاحتلال ما بين 10 إلى 12 هجوماً يومياً تستهدف حرق المنازل ونهب الممتلكات ومصادرة الأراضي. وأكد أن هذه السياسة الممنهجة أدت حتى الآن إلى الاستيلاء على نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، في محاولة لتقويض أي فرصة للسيادة الفلسطينية على الأرض.
منظومة الاحتلال باتت في أعلى درجات الانحطاط والفاشية، وتطبيق اتفاق بكين هو المخرج الاستراتيجي لاستعادة مكانة السلطة.
وتطرق البرغوثي إلى ملف الأسرى، ناقلاً شهادات مروعة تعكس مدى الانحطاط الأخلاقي في سجون الاحتلال، من بينها تعرض أسير للاغتصاب بواسطة كلاب بوليسية أطلقها الجنود بتوجيهات مباشرة. واعتبر أن هذه الممارسات تضع المنظومة الإسرائيلية في مصاف الأنظمة الفاشية الأكثر وحشية في التاريخ الحديث، مما يتطلب تحركاً دولياً وقانونياً عاجلاً لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.
وعلى الصعيد السياسي الداخلي، دعا البرغوثي إلى توحيد جهود الأحزاب العربية الأربعة لانتزاع كتلة بروازنة تصل إلى 17 مقعداً في الكنيست، بما يضمن القدرة على التأثير وإخضاع أي حكومة قادمة للمطالب الفلسطينية. كما وجه نداءً للمجتمع الدولي والعربي لدعم صمود الشعب الفلسطيني مادياً وصحياً وتعليمياً، مشيداً بمواقف دول مثل إسبانيا وإيرلندا وفرنسا التي فرضت قيوداً على قادة التطرف مثل سموتريتش وبن غفير.
واختتم البرغوثي حديثه بالتأكيد على أن غياب القيادة الموحدة يمثل الثغرة الأكبر في النضال الوطني الفلسطيني المعاصر، داعياً إلى ضرورة تنفيذ 'اتفاق بكين' فوراً كونه المخرج الوحيد لإنهاء الانقسام. وأكد أن استعادة مكانة السلطة الفلسطينية وقوتها السياسية مرهونة بتحقيق الوحدة الوطنية الشاملة والالتزام ببرنامج كفاحي موحد يواجه مخططات التهجير والتصفية.
أقلام وأراء
الإثنين 25 مايو 2026 3:02 صباحًا - بتوقيت القدس
رحلة العبور من وهم الاستقرار إلى يقين الآخرة: قراءة في فلسفة الحج
تتجلى عظمة فريضة الحج في كونها زلزلة تهز أركان الوهم الذي يعيشه الإنسان حول استقراره في الأرض. وقد جاء افتتاح سورة الحج بذكر أهوال القيامة ليؤكد أن هذه الرحلة هي تدريب عملي على المشهد الأخروي العظيم.
إن الربط الإلهي بين الحج والقيامة ينتزع المرء من انشغاله بتفاصيل الحياة اليومية الصغيرة ليضعه أمام السؤال الوجودي الأكبر. فالحج ليس مجرد احتفال ديني، بل هو رحلة لاكتشاف حقيقة أن الأرض محطة عبور وليست مستقراً دائماً.
يأتي الإحرام كصدمة علاجية للإنسان المعاصر الذي بات يختزل هويته في وظيفته أو ثروته أو صورته العامة. حين يخلع الحاج ملابسه المعتادة، فإنه يخلع معها كل الامتيازات والألقاب التي كانت تفصله عن جوهره البشري الهش.
الثوب الأبيض البسيط الذي يرتديه الحجيج ليس مجرد رمز للطهارة، بل هو محاكاة للكفن الذي سيلف الجسد يوماً ما. هذا المشهد يعيد ترتيب أولويات الإنسان، مذكراً إياه بأن كل ما يتصارع عليه البشر قابل للزوال في لحظة واحدة.
في رحاب مكة، تذوب الفوارق اللغوية والعرقية تحت راية 'لبيك اللهم لبيك'، حيث يتلاشى ضجيج السياسة وصراعاتها. هناك يكتشف المؤمنون لغة روحية موحدة لا تحتاج إلى ترجمة، تجمع الإندونيسي والأفريقي والعربي في صعيد واحد.
يكشف الحج عن قدرة الإيمان على بناء جسور من الألفة النادرة التي لا تقوم على المصالح المادية المشتركة. إنها استجابة متجددة لنداء نبي الله إبراهيم الذي أذن في الناس بالحج منذ آلاف السنين، لتبقى القوافل تتدفق من كل فج عميق.
يظل الحج أكبر مؤتمر روحي عرفته البشرية، حيث تتحرك الملايين بقلب واحد رغم اختلاف ألسنتهم وألوانهم. اللغة الوحيدة السائدة في تلك البقاع هي لغة الانكسار لله والاعتراف بالعبودية الخالصة له وحده.
الحج في جوهره ليس انتقالاً من بلد إلى بلد، بل انتقال من وهم الاستقرار إلى يقين العبور.
تثبت هذه الفريضة أن الإسلام يبني الإنسان عبر ثوابت روحية تحميه من الانهيار حتى في أكثر الأزمنة اضطراباً. فالفرائض ليست مجرد طقوس رمزية، بل هي أعمدة يستند إليها المؤمن حين تتداعى المدن والأنظمة من حوله.
يمثل الوقوف بعرفات ذروة التجربة الإيمانية، حيث يقف ملايين البشر تحت السماء في مشهد يستحضر يوم الحشر. في تلك اللحظات، يتراجع ضجيج العالم ويبقى الإنسان مجرداً أمام خالقه، يرجو رحمته ويخشى عذابه.
لقد لخص النبي محمد ﷺ الحج في كلمة واحدة حين قال 'الحج عرفة'، معتبراً كل ما يسبق هذا اليوم استعداداً له. في عرفات، تتقلص المسافات بين العبد ورحمة ربه، ويشعر الحاج بملامسة المغفرة لروحه وجسده.
يأتي يوم النحر ليتوج الرحلة بدرس عميق حول التضحية وتطهير النفس من التعلق بالأوهام الدنيوية. فالذبح الحقيقي ليس للأضحية فحسب، بل هو ذبح لوهم التحكم الكامل في الحياة ووهم الخلود في الدنيا.
يؤكد النص القرآني أن الله لا ينال لحوم الأضاحي ولا دماؤها، بل يناله التقوى التي تستقر في القلوب. ومن هنا يرتبط تعظيم شعائر الله بتقوى القلوب، كدليل على صدق التوجه والإخلاص في العبادة.
في نهاية المطاف، يظل الحج إعادة ترتيب جذرية لنظرة الإنسان إلى نفسه وإلى العالم المحيط به. إنه التذكير السنوي بأن القوة والحدود والثروات كلها عوارض مؤقتة، وأن الحقيقة الوحيدة هي العمل الصالح.
من لا يتذكر النهاية لن يفهم أبداً معنى الرحلة، ولهذا بدأت سورة الحج بالحديث عن الساعة والقيامة. إنها دعوة لكل إنسان ليدرك أن وطنه الأخير ليس هنا، وأن الجائزة الكبرى هي تلك 'الحجة المبرورة' التي جزاؤها الجنة.
فلسطين
الإثنين 25 مايو 2026 3:02 صباحًا - بتوقيت القدس
كتائب القسام تنشر وصية قائد أركانها الراحل عز الدين الحداد
كشفت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، عن رسالة مؤثرة كتبها قائد هيئة أركانها الراحل عز الدين الحداد قبيل استشهاده. وتضمنت الرسالة التي بُثت عبر المنصات الرسمية للكتائب مراجعة نقدية للمواقف الدولية والإسلامية تجاه ما يتعرض له قطاع غزة من عدوان مستمر.
وأعرب القائد الحداد في سطور رسالته عن أسفه العميق لما اعتبره إحجاماً من الساحات العالمية والإسلامية عن تقديم المساندة الفعلية والمباشرة لأهالي القطاع. وأشار إلى أن غزة تُذبح 'من الوريد إلى الوريد' وسط حرب إبادة وتجويع شاملة تجاوزت العامين، دون تحرك يرقى لمستوى التحديات الوجودية التي يواجهها الفلسطينيون.
وشدد الراحل في كلماته على أن التفاعل الشعبي والرسمي مع مأساة غزة لم يصل إلى مستوى الحدث التاريخي الذي جسده 'العبور العظيم' في السابع من أكتوبر 2023. كما لفت إلى أن حجم التضحيات والمذابح التي أتت على الأخضر واليابس في القطاع كانت تستوجب ردود فعل أكثر حزماً وقوة من المحيط العربي والدولي.
ورغم نبرة العتب التي سادت الرسالة، إلا أن الحداد أكد على ثبات المقاومة وإصرارها على مواصلة الطريق مهما بلغت التحديات. وأوضح أن حالة الخذلان المحيطة لن تدفع المقاتلين إلى اليأس، بل ستزيدهم إصراراً على طرق كافة الأبواب الممكنة واستكمال العمل العسكري والسياسي لرفع الظلم عن الشعب الفلسطيني.
بالرغم من كل الخذلان، فنحن لن نيأس وسنواصل العمل ونطرق كل الأبواب.
وكانت حركة حماس قد نعت الحداد في منتصف شهر مايو الجاري، إثر عملية اغتيال نفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي عبر غارة جوية استهدفت مكان تواجد بمدينة غزة. وأسفرت الغارة عن استشهاده برفقة زوجته وابنته ونخبة من المواطنين، ليختتم مسيرة طويلة من العمل العسكري بدأت منذ تأسيس الحركة في أواخر الثمانينيات.
ويُعرف عن الشهيد الحداد أنه أحد الركائز الأساسية في البنية التنظيمية لكتائب القسام، حيث تدرج في الرتب العسكرية حتى وصل إلى قيادة الأركان خلال الحرب الحالية. وقد لعب دوراً محورياً في تطوير المنظومة الأمنية للكتائب، لا سيما جهاز 'المجد' المختص بمكافحة التجسس وتأمين الجبهة الداخلية من الاختراقات الاستخباراتية الإسرائيلية.
يُذكر أن القائد الراحل كان هدفاً دائماً لأجهزة الأمن الإسرائيلية، حيث نجا من عدة محاولات تصفية فاشلة على مدار العقدين الماضيين. وتعرض منزله في حي الشجاعية للتدمير المتكرر خلال جولات التصعيد في أعوام 2009 و2012 و2021، وصولاً إلى الاستهداف الأخير الذي أدى إلى ارتقائه شهيداً بعد رحلة حافلة بالتخطيط والعمل الميداني.
رياضة
الإثنين 25 مايو 2026 1:32 صباحًا - بتوقيت القدس
وكيله السابق يكشف المستور: 3 أندية ألمانية رفضت صلاح قبل توهجه الأوروبي
أماط ساشا إمباشر، الرئيس التنفيذي لوكالة 'Spocs' والوكيل السابق للنجم المصري محمد صلاح، اللثام عن تفاصيل غير معلنة حول بدايات هداف ليفربول التاريخي في القارة العجوز. وأكد إمباشر في تصريحات صحفية أن المسيرة الأسطورية التي يراها العالم اليوم بدأت بصعوبات بالغة، حيث قوبلت موهبة صلاح بالرفض من عدة أندية أوروبية قبل أن يضع قدمه الأولى مع نادي بازل السويسري.
وأوضح الوكيل السابق أن مكتب الوكالة في القاهرة بذل جهوداً كبيرة لتسويق اللاعب، من خلال إعداد مقاطع فيديو تبرز مهاراته مع نادي المقاولون العرب وإرسالها لعدة جهات. وكشف أن أندية فرايبورغ وهامبورغ وكولن الألمانية كانت من ضمن الفرق التي رفضت التعاقد مع صلاح في ذلك الوقت، مفوتة فرصة الحصول على أحد أفضل لاعبي العالم لاحقاً.
وفي المقابل، أبدى ناديا بازل السويسري وسبورتينغ براغا البرتغالي اهتماماً ملموساً باللاعب المصري، إلا أن بازل كان الأكثر جدية بمنحه فرصة للاختبار الميداني. هذا الاختبار انتهى بتوقيع عقد احترافي، مهد الطريق لصلاح للتأقلم مع أجواء أوروبا القاسية، متجاوزاً عوائق اللغة والطقس البارد بفضل عزيمة استثنائية والتزام منقطع النظير بالتدريبات.
وتطرق إمباشر إلى كواليس مثيرة تعود لعام 2013، حين كان ليفربول قريباً جداً من ضم صلاح من بازل، إلا أن الصفقة تعثرت بسبب مغالاة النادي السويسري في مطالبه المالية. وفي تلك الفترة، كانت أعين كبار كشافي الأندية الأوروبية مثل مانشستر يونايتد وتوتنهام ونابولي تلاحق اللاعب، مما جعل المنافسة على ضمه تشتعل في سوق الانتقالات.
طريق صلاح من المقاولون العرب إلى قمة الكرة الأوروبية لم يكن مفروشاً بالورود، بل واجه رفضاً من أندية لم تدرك حجم موهبته حينها.
وعن تحول وجهته إلى لندن بدلاً من ميرسيسايد في ذلك الوقت، أشار الوكيل إلى أن دخول نادي تشيلسي على خط المفاوضات غير الموازين تماماً. فقد لعب اتصال هاتفي مباشر من المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو دوراً حاسماً في إقناع صلاح بالانتقال إلى 'البلوز'، حيث اعتبر اللاعب أن حديث مدرب بقيمة مورينيو معه يمثل دافعاً لا يمكن رفضه.
وتأتي هذه التصريحات في وقت حساس، حيث يستعد محمد صلاح لخوض مباراته الوداعية بقميص ليفربول يوم الأحد المقبل أمام برينتفورد على ملعب 'أنفيلد'. وتعد هذه المواجهة بمثابة الستار الذي يسدل على مسيرة تاريخية استمرت تسعة مواسم، حقق خلالها اللاعب كافة الألقاب الممكنة مع 'الريدز' وأصبح أيقونة خالدة في تاريخ النادي الإنجليزي.
وبحسب التقارير الواردة، فإن قرار رحيل صلاح جاء بالتوافق مع إدارة ليفربول بنهاية الموسم الجاري، رغم أن عقده الحالي يمتد حتى صيف عام 2027. ويغادر النجم المصري قلعة الأنفيلد بعد أن تحول من لاعب شاب يبحث عن فرصة في أندية الوسط الألمانية إلى أسطورة عالمية حطمت الأرقام القياسية في أقوى دوريات العالم.
اسرائيليات
الإثنين 25 مايو 2026 1:32 صباحًا - بتوقيت القدس
هرتسوغ يجمد النظر في طلب العفو عن نتنياهو رداً على تجاهل الحوار
أعلن رئيس كيان الاحتلال، يتسحاق هرتسوغ، مساء اليوم الأحد، عن قرار حاسم بتجميد النظر في طلب العفو المرتبط بالمحاكمات الجارية لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. وجاءت هذه الخطوة وفقاً لما نقلته مصادر إعلامية عبرية، رداً على ما وصف بتجاهل نتنياهو المتعمد للمبادرة الرئاسية التي طُرحت قبل نحو شهر. وكان هرتسوغ قد دعا إلى حوار مشترك يهدف للتوصل إلى تفاهمات تنهي حالة الاستعصاء القضائي والسياسي التي تعصف بالبلاد.
وأوضحت المصادر أن نتنياهو لم يقدم أي رد رسمي، سواء بالإيجاب أو السلب، على الدعوة التي حظيت بتأييد كامل من المستشارة القضائية للحكومة، غالي هاراف ميارا. هذا الصمت اعتبره ديوان الرئاسة تقويضاً لجهود الوساطة، مما دفع هرتسوغ لاتخاذ إجراء التجميد في توقيت يوصف بالدقيق جداً. وتتزامن هذه التطورات مع اقتراب انتهاء مرحلة تقديم الشهادات في ملفات الفساد التي يواجهها رئيس الحكومة أمام القضاء.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية قانونية بالغة، إذ تشير الإجراءات المتبعة إلى أن طلب العفو سيصبح لاغياً وغير ذي صلاحية بمجرد الإعلان رسمياً عن انتهاء شهادة نتنياهو في المحكمة. وبحسب القوانين المعمول بها، فإن تجاوز هذه المرحلة الزمنية يغلق الباب أمام إمكانية النظر في العفو الرئاسي بصيغته الحالية. ويضع هذا التجميد ضغوطاً إضافية على الفريق القانوني لنتنياهو الذي يسعى لتجنب إدانات قضائية محتملة.
رئيس الدولة سيدرس الملف بناء على القانون ومصلحة البلاد وما يمليه الضمير، بعيداً عن أي تأثير ناتج عن ضغوط خارجية أو داخلية.
وعلى الصعيد الدولي، يعيد هذا القرار إلى الأذهان الضغوط الكبيرة التي مارسها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، الذي هاجم هرتسوغ علانية في فبراير الماضي. وكان ترمب قد صرح بضرورة شعور هرتسوغ بـ'الخجل' لعدم منح حليفه نتنياهو عفواً ينهي ملاحقته القانونية. إلا أن مؤسسة الرئاسة في الكيان حافظت على موقفها المعلن بضرورة استقلالية القرار القضائي والسيادي بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
وفي ختام بيانها، شددت رئاسة الاحتلال على أن التعامل مع طلبات العفو يتم وفق معايير صارمة تشرف عليها وزارة القضاء لصياغة آراء قانونية نزيهة. وأكد هرتسوغ أن قراراته تنبع من المصلحة العامة وما يمليه عليه ضميره المهني والقانوني، رافضاً الانصياع لأي ضغوط سياسية داخلية أو تدخلات من أطراف دولية. ويبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات التصعيد السياسي في ظل استمرار المحاكمة وتجميد مسار العفو.
عربي ودولي
الإثنين 25 مايو 2026 12:32 صباحًا - بتوقيت القدس
مقتل مسلح أطلق النار قرب البيت الأبيض: من هو نصير بيست الذي ادعى أنه 'المسيح'؟
شهد محيط البيت الأبيض في العاصمة واشنطن حادثة أمنية خطيرة مساء السبت، حيث أقدم شاب مسلح على فتح النار بالقرب من المجمع الرئاسي المحصن. وأفادت مصادر مطلعة بأن عناصر الخدمة السرية تعاملوا بشكل فوري مع التهديد، مما أسفر عن مقتل المهاجم بعد تبادل لإطلاق النار في منطقة حيوية وحساسة للغاية.
وحددت التحقيقات الأولية هوية المنفذ بأنه يدعى نصير بيست، ويبلغ من العمر 21 عاماً، حيث اقترب من تقاطع شارع بنسلفانيا وشارع 17 شمال غرب قبل تنفيذ هجومه. وبحسب شهود عيان وتقارير أمنية، فإن بيست استخرج سلاحاً نارياً من حقيبته وبدأ بإطلاق الرصاص بشكل عشوائي، مما أثار حالة من الذعر في المنطقة المحيطة بالمقر الرئاسي.
وأكدت مصادر طبية وفاة المشتبه به في مستشفى قريب بعد نقله لتلقي العلاج من إصابات بالرصاص تعرض لها أثناء تصدي قوات الأمن له. وفي سياق متصل، أسفر الحادث عن إصابة أحد المارة بجروح وصفت بالخطيرة، حيث جرى نقله على الفور للمستشفى، بينما لم تسجل أي إصابات في صفوف عناصر الخدمة السرية المشاركين في العملية.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب متواجداً داخل البيت الأبيض لحظة وقوع إطلاق النار، إلا أن الإجراءات الأمنية حالت دون وصول أي خطر إليه. وعقب الحادث، أشاد ترمب عبر منصته 'تروث سوشيال' بسرعة استجابة الأجهزة الأمنية ودقتهم في تحييد الخطر، مشدداً على ضرورة تشديد الحماية حول المواقع السيادية في الولايات المتحدة.
وتشير الوثائق القضائية المسربة إلى أن نصير بيست لم يكن غريباً عن الأجهزة الأمنية، إذ يمتلك سجلاً حافلاً بالمحاولات السابقة لاختراق أمن البيت الأبيض. ففي يوليو من عام 2025، تم اعتقاله بعد تجاوزه مناطق محظورة داخل المجمع، حيث أدلى حينها بتصريحات غريبة ادعى فيها أنه 'يسوع المسيح' وأبدى رغبة ملحة في الدخول إلى المكتب البيضاوي.
المشتبه به كان لديه تاريخ من العنف وربما هوس بأهم معالم البلاد، والحادث يبرز أهمية تعزيز حماية الرؤساء وتأمين البيت الأبيض.
ولم تتوقف حوادث بيست عند هذا الحد، بل سجلت الأجهزة الأمنية واقعة أخرى في يونيو 2025 عندما حاول عرقلة حركة السير عند البوابة الشرقية للبيت الأبيض. ونتيجة لهذا السلوك المضطرب، تم إدخاله قسراً إلى مصحة نفسية لتقييم حالته العقلية، إلا أنه خرج لاحقاً ليعاود الظهور في محيط المجمع الرئاسي بشكل متكرر.
وكشفت المصادر أن القضاء الأمريكي كان قد أصدر أمراً بحق بيست نتيجة تغيبه عن جلسة استماع قانونية في أغسطس من العام الماضي، رغم عدم وجود مذكرة توقيف نشطة بحقه وقت وقوع الحادث الأخير. ويعيد هذا الإخفاق في مراقبة الشخصيات ذات السجل المضطرب التساؤلات حول فاعلية التنسيق بين الأجهزة الأمنية والقضائية في التعامل مع التهديدات المحتملة.
وتسلط هذه الحادثة الضوء من جديد على الثغرات الأمنية المحتملة في قلب واشنطن، خاصة مع تكرار محاولات الأفراد المضطربين نفسياً الوصول إلى مناطق سيادية. وقد بدأت السلطات الفيدرالية تحقيقاً موسعاً لمعرفة ما إذا كان للمهاجم أي شركاء أو إذا كان قد تلقى مساعدة في الحصول على السلاح المستخدم في الهجوم.
وفي ختام التحقيقات الميدانية، فرضت قوات الأمن طوقاً مشدداً حول الشوارع المؤدية إلى البيت الأبيض، مع تعزيز الدوريات الراجلة والمحمولة في المنطقة. ومن المتوقع أن تؤدي هذه الواقعة إلى مراجعة شاملة لبروتوكولات الحماية المحيطة بالرئيس وأفراد عائلته، لضمان عدم تكرار مثل هذه الاختراقات الأمنية في المستقبل القريب.
فلسطين
الإثنين 25 مايو 2026 12:32 صباحًا - بتوقيت القدس
هانتر بايدن يتهم ضباطاً سابقين في جيش الاحتلال بتلفيق تهم الفساد لعائلته
وجه هانتر بايدن، نجل الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، اتهامات مباشرة لشخصيات مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي بالوقوف خلف حملة الادعاءات التي استهدفت عائلته. وأوضح بايدن الابن أن مزاعم الفساد والرشوة التي أثيرت ضد والده لم تكن عفوية، بل كانت نتاج تحركات مدروسة من أطراف لها صلات وثيقة بالمؤسستين العسكرية والاستخباراتية في إسرائيل.
وخلال مقابلة إعلامية مع كانديس إيفانز، سمّى هانتر بايدن كلاً من غال لوف وألكسندر سميرنوف كمسؤولين عن ترويج هذه الروايات الكاذبة. وأشار إلى أن لوف خدم سابقاً كضابط في جيش الاحتلال ويقيم هناك حالياً، بينما يُعرف سميرنوف بكونه عميلاً استخباراتياً نشطاً لدى أجهزة أمن الاحتلال، مما يعزز فرضية التآمر السياسي.
وفي سياق حديثه عن الأوضاع الإنسانية، شدد هانتر على ضرورة التحرك الفوري لإنهاء ما وصفها بالمجازر الجماعية التي يتعرض لها المدنيون في قطاع غزة. واعتبر أن الإجماع الإنساني يجب أن ينصب الآن على حماية الأرواح ووقف آلة الحرب التي تحصد السكان العزل، بعيداً عن التجاذبات السياسية الضيقة.
أعتقد أننا جميعًا نتفق على ضرورة وقف المجازر الجماعية التي ترتكب بحق سكان غزة.
ودافع هانتر عن سياسة والده تجاه القضية الفلسطينية، مؤكداً أن جو بايدن رفض بشكل قاطع أي مخططات تهدف لتصفية القضية لصالح مشاريع تجارية. وأوضح أن والده لم يمنح يوماً الضوء الأخضر لتحويل أراضي غزة إلى ساحات استثمارية أو ملاعب غولف تخدم مصالح الرئيس السابق دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر.
كما تطرق في حديثه إلى التقارير التي تتحدث عن تمويلات ضخمة تصل إلى 4 مليارات دولار من مصادر سعودية مرتبطة بمشاريع كوشنر المستقبلية في المنطقة. وأكد أن عائلة بايدن لم تكن جزءاً من هذه الصفقات التي تسعى لاستغلال معاناة الفلسطينيين لتحقيق مكاسب مالية وعقارية تحت غطاء سياسي.
واختتم هانتر تصريحاته بالتأكيد على أن الهجمات التي تعرضت لها عائلته كانت تهدف إلى إضعاف موقف والده السياسي، خاصة فيما يتعلق بملفات الشرق الأوسط. وأشار إلى أن استخدام عملاء استخباراتيين لتشويه سمعة الخصوم السياسيين يمثل سابقة خطيرة في التدخل بالسياسة الداخلية الأمريكية عبر أدوات خارجية.
اسرائيليات
الأحد 24 مايو 2026 11:49 مساءً - بتوقيت القدس
قلق في تل أبيب من 'صفقة ترامب' مع إيران: استبعاد نتنياهو ومخاوف من ثمن باهظ
تسود حالة من التوجس داخل الأوساط السياسية والأمنية في دولة الاحتلال جراء الأنباء الواردة عن تقدم ملموس في مفاوضات سرية بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والجمهورية الإسلامية الإيرانية. وأشارت مصادر إعلامية إلى أن واشنطن تعمدت استبعاد حكومة بنيامين نتنياهو من التنسيق المباشر بشأن هذه المحادثات التي تجري بوساطة باكستانية، مما يعزز فرضية استعداد البيت الأبيض لتجاوز الخطوط الحمراء الإسرائيلية مقابل إنهاء حالة التوتر الإقليمي.
وفي قراءة تحليلية لهذا المشهد، يرى المحلل العسكري يواف ليمور أن مواقف ترامب شهدت تحولاً جذرياً من التلويح بالخيار العسكري إلى الميل الواضح نحو إبرام صفقة شاملة. واعتبر ليمور أن الحسابات السياسية للرئيس الأمريكي باتت تضع الاتفاق كأولوية قصوى، وهو ما يضع المصالح الأمنية الإسرائيلية في مهب الريح أمام رغبة واشنطن في تحقيق إنجاز دبلوماسي سريع.
وتشير المعطيات المسربة إلى أن الحد الأدنى من الإنجاز الذي يسعى إليه ترامب يتمثل في تقليص مخزون اليورانيوم المخصب، وهو ما وصفه مراقبون بأنه نسخة مكررة من اتفاق عام 2015 الذي انسحب منه ترامب نفسه سابقاً. هذا التوجه يمثل فشلاً استراتيجياً للسياسة التي انتهجها نتنياهو لسنوات، حيث يمنح طهران شرعية دولية مع الحفاظ على بنيتها التحتية النووية الأساسية دون تفكيك كامل.
وتبرز الشروط الإيرانية المتعلقة بالجبهة اللبنانية كأحد أكثر النقاط حساسية في المفاوضات الجارية، حيث تطالب طهران بانسحاب كامل لجيش الاحتلال من مناطق جنوب لبنان. ويرى خبراء أمنيون أن رضوخ واشنطن لهذا الشرط سيمثل ضربة قاسية للمستوطنات الشمالية، في حين سيمنح حزب الله فرصة ذهبية لترميم قدراته العسكرية وتعجيل تعافيه الميداني بعد جولات التصعيد الأخيرة.
نتنياهو سيفعل كل ما أقوله له، وهذا التصريح يثبت أن أمن إسرائيل قد انتُزع من يدها.
وعلى صعيد السيادة والقرار، تسببت تصريحات ترامب الأخيرة التي أكد فيها أن 'نتنياهو سيفعل كل ما يطلبه منه' في صدمة داخل تل أبيب، حيث اعتبرت تقويضاً لصورة رئيس الوزراء الذي طالما تفاخر بقدرته على مواجهة الضغوط الأمريكية. هذه التطورات تشير إلى أن زمام المبادرة الأمنية قد أفلت من يد الحكومة الإسرائيلية، وأصبح رهناً للتفاهمات الكبرى بين القوى الدولية والإقليمية.
وبالرغم من عدم وضوح كافة التفاصيل التقنية للاتفاق المرتقب، إلا أن المؤشرات الأولية تتحدث عن تفاهمات تخص حرية الملاحة في مضيق هرمز مقابل تأجيل النقاش في الملفات النووية الشائكة. هذا المسار يخدم الاستراتيجية الإيرانية القائمة على 'النفس الطويل'، حيث تمتلك طهران قدرة عالية على الصبر والمناورة تتجاوز بكثير الاندفاع الذي يتسم به فريق ترامب الساعي لنتائج فورية.
وفي ظل هذه التحديات الخارجية، يواجه الاحتلال أزمات داخلية متفاقمة يقودها وزراء متطرفون مثل إيتمار بن غفير، مما يزيد من حالة التآكل في الجبهة الداخلية. ويرى محللون أن الانشغال بمشاريع قوانين التهرب من الخدمة العسكرية والصراعات القضائية يضعف قدرة إسرائيل على مواجهة التهديدات الوجودية، ويجعلها أكثر عرضة للتأثر بأي صفقة دولية تتم على حساب أمنها القومي.
عربي ودولي
الأحد 24 مايو 2026 11:18 مساءً - بتوقيت القدس
عراقيل أمريكية تهدد التفاهم مع طهران وترمب يتمسك بالحصار البحري
أفادت مصادر إعلامية إيرانية، اليوم الأحد، بوجود مؤشرات على احتمال تعثر سريان مذكرة التفاهم المرتقبة بين طهران وواشنطن. وأرجعت هذه المصادر العقبات إلى ما وصفته بـ 'العراقيل' التي تضعها الإدارة الأمريكية في بعض البنود الجوهرية، مشددة على أن الجانب الإيراني لن يتنازل عن خطوطه الحمراء التي وضعها كإطار للتفاوض.
وذكرت وكالة 'تسنيم' أن نقاط الخلاف تتركز بشكل أساسي على آليات تنفيذ التفاهمات، وفي مقدمتها قضية الإفراج عن الأصول والأموال الإيرانية المجمدة في الخارج. وأشارت الوكالة إلى أن هذه التعقيدات قد تحول دون التوقيع النهائي على المذكرة التي كان من المؤمل أن تنهي حالة التوتر المتصاعدة بين الطرفين.
في المقابل، رسم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب صورة أكثر تفاؤلاً بحديثه عن تقدم 'منظم وبناء' في مسار المفاوضات الجارية. ومع ذلك، ربط ترمب هذا التقدم باستمرار الإجراءات العقابية، مؤكداً أن الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية لن يُرفع إلا بعد التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل يضمن المصالح الأمريكية.
وكان ترمب قد أعلن في وقت سابق عن استكمال النقاشات حول معظم بنود الاتفاق، مشيراً إلى أن الترتيبات النهائية تجري بالتشاور مع دول في منطقة الشرق الأوسط. ويتضمن المقترح الأمريكي بنوداً تتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وهو الممر الذي يشكل شريان الحياة لإمدادات الطاقة العالمية.
ودافع الرئيس الأمريكي عن نهجه التفاوضي عبر منصته 'تروث سوشيال'، معتبراً أن أي اتفاق سيبرمه سيكون 'جيداً ومناسباً' بخلاف الاتفاق النووي الذي وقعه الرئيس الأسبق باراك أوباما. ووصف ترمب الاتفاق السابق بأنه منح طهران موارد مالية ضخمة وفتح لها طريقاً نحو الامتلاك المحتمل للسلاح النووي، وهو ما يسعى لتجنبه تماماً في الصيغة الحالية.
إذا أبرمتُ اتفاقًا مع إيران، فسيكون اتفاقًا جيدًا ومناسبًا، لا كاتفاق أوباما الذي منح إيران أموالًا طائلة وطريقًا للسلاح النووي.
من جانبه، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي أن وجهات النظر بين طهران وواشنطن أصبحت 'أكثر تقارباً' من أي وقت مضى. وأوضح بقائي، الذي يشارك في وفد التفاوض أن العمل مستمر لتجاوز المسائل الخلافية المتبقية، بهدف الوصول إلى صيغة نهائية لمذكرة التفاهم تلبي تطلعات الجانبين.
وعلى صعيد الوساطة الإقليمية، كشف الجيش الباكستاني عن إحراز 'تقدم مبشر' في المحادثات التي تقودها إسلام آباد بين الطرفين. وجاء هذا الإعلان عقب زيارة قام بها قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، إلى طهران، حيث أجرى مباحثات مكثفة تهدف إلى تقريب وجهات النظر والوصول إلى تفاهم نهائي ينهي الأزمة العسكرية.
وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية على وقع تصعيد عسكري بدأ في أواخر فبراير الماضي، إثر عدوان أمريكي إسرائيلي استهدف الأراضي الإيرانية وأسفر عن سقوط أكثر من 3 آلاف قتيل. وقد أدى هذا التصعيد إلى رد فعل إيراني تمثل في إغلاق مضيق هرمز واشتراط التنسيق المسبق لمرور السفن التجارية والناقلات.
وتفرض الولايات المتحدة منذ منتصف أبريل الماضي حصاراً مشدداً على الموانئ الإيرانية الحيوية، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والميدانية. ويعد هذا الحصار جزءاً من استراتيجية الضغط القصوى التي تتبعها واشنطن لدفع طهران نحو تقديم تنازلات في ملفات الأمن الإقليمي والبرنامج النووي.
ويبقى الترقب سيد الموقف في الأوساط الدولية، حيث يمثل مضيق هرمز نقطة ارتكاز في أي اتفاق محتمل، نظراً لتأثيره المباشر على أسواق النفط العالمية. وتتجه الأنظار الآن نحو الجولات القادمة من المفاوضات لتحديد ما إذا كانت 'العراقيل' التقنية والسياسية ستؤدي إلى انهيار المسار الدبلوماسي أو العبور نحو اتفاق تاريخي.
أحدث الأخبار
الأحد 24 مايو 2026 11:17 مساءً - بتوقيت القدس
دراسة حديثة تكشف أسرار صمود الهرم الأكبر أمام الزلازل المدمرة منذ 4600 عام
كشفت دراسة علمية حديثة عن تفاصيل هندسية مذهلة تتعلق بمتانة الهرم الأكبر في الجيزة، وقدرته الفائقة على تحمل القوى الطبيعية المدمرة. وأوضح الباحثون أن الهرم الذي شُيد قبل نحو 4600 عام ليكون مقبرة للفرعون خوفو، صُمم بخصائص هيكلية فريدة ساعدته على البقاء صامداً أمام الزلازل العنيفة التي ضربت المنطقة عبر العصور.
استخدم العلماء في هذه الدراسة أجهزة متطورة لرصد وقياس الحركات الأرضية والاهتزازات في 37 موقعاً مختلفاً داخل الهرم ومحيطه. وكان الهدف الأساسي هو تسجيل الاهتزازات المستمرة الناتجة عن النشاط البشري وقوى الطبيعة، لتحليل كيفية تفاعل هذا البناء الضخم مع الترددات الزلزالية المختلفة.
أظهرت النتائج أن الهرم يتمتع باستجابة هيكلية متجانسة ومستقرة للغاية، وهو أمر يثير الإعجاب بالنظر إلى حجمه الهائل وتعقيده المعماري. وأشارت مصادر علمية إلى أن هذا الاستقرار ناتج عن توزيع دقيق للكتل الحجرية التي تشكل جسم الهرم، مما يجعله واحداً من أكثر المباني أماناً في مواجهة الكوارث الطبيعية.
يقع الهرم الأكبر ضمن نطاق القاهرة الكبرى، وهو مشيد من كتل ضخمة من الحجر الجيري على مساحة تصل إلى 13 فداناً تقريباً. ويبلغ طول كل جانب من جوانب قاعدته الأربعة نحو 230 متراً، مما يوفر له ثباتاً كبيراً على الأرض الصخرية الكلسية الصلبة التي بُني فوقها.
على الرغم من أن عوامل التعرية وإزالة أحجار الغلاف الخارجي قلصت ارتفاع الهرم من 147 متراً إلى نحو 138.5 متر حالياً، إلا أنه حافظ على هيكله الأساسي. وقد ظل هذا الصرح يحمل الرقم القياسي كأطول مبنى في العالم لمدة تقارب 3800 عام، مما يعكس عبقرية المهندس المصري القديم.
أظهر الهرم استجابة هيكلية متجانسة ومستقرة بشكل ملحوظ للاهتزازات، على الرغم من حجمه وتعقيده الهندسي الكبير.
حدد العلماء عدة عوامل تقنية منحت الهرم هذه المقاومة الاستثنائية، أبرزها القاعدة الواسعة جداً ومركز الثقل المنخفض القريب من سطح الأرض. كما تلعب الهندسة المتناظرة والتناقص التدريجي في الكتلة كلما اتجهنا نحو القمة دوراً حيوياً في تشتيت الطاقة الناتجة عن الهزات الأرضية.
تضمن التصميم الداخلي للهرم غرفاً وممرات متطورة صُممت بطريقة تمنع تضخم الاهتزازات داخل البناء. ووجد الباحثون أن خمس غرف خاصة بُنيت فوق 'غرفة الملك' ساهمت بشكل فعال في تقليل حدة الاهتزازات في المستويات العليا، رغم أن الطبيعة الفيزيائية تقتضي زيادة الاهتزاز مع الارتفاع.
أشارت الدراسة إلى أن هذه العبقرية الهندسية لم تأتِ بمحض الصدفة، بل كانت نتيجة لعمليات تجربة وخطأ استمرت لسنوات طويلة. ويظهر ذلك بوضوح عند مقارنة الهرم الأكبر بأهرامات أخرى سبقت تشييده، والتي عانت من عيوب هندسية تم تلافيها لاحقاً في بناء هرم خوفو.
تاريخياً، تعرضت المنطقة لزلازل مدمرة، كان أبرزها في عامي 1847 و1992، حيث تسببت هذه الهزات في دمار آلاف المباني وسقوط مئات الضحايا. ومع ذلك، لم يتأثر الهرم الأكبر بهذه الزلازل إلا بأضرار طفيفة جداً، مما يثبت نجاعة التصميم الذي وضعه الفراعنة قبل آلاف السنين.
يظل الهرم الأكبر جزءاً لا يتجزأ من مجمع الجيزة الذي يضم أهرامات أخرى وتمثال أبو الهول، وهي معالم لا تزال تبهر العالم بتفاصيلها. وتؤكد هذه الاكتشافات الجديدة أن الأسرار الكامنة خلف بناء الأهرامات لا تزال تتكشف، لتقدم دروساً معاصرة في علوم الهندسة والزلازل.
اسرائيليات
الأحد 24 مايو 2026 11:17 مساءً - بتوقيت القدس
تحركات لتوحيد الأحزاب العربية في قائمة مشتركة قبيل انتخابات الكنيست المقبلة
تتسارع وتيرة المشاورات السياسية داخل المجتمع العربي في الداخل المحتل مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المقررة في الخريف القادم. وتسعى القوى السياسية الفاعلة إلى تجاوز الخلافات العميقة التي سادت خلال الأشهر الماضية للوصول إلى صيغة توافقية تمنع تشتت الأصوات العربية.
أفادت مصادر مطلعة بأن هناك تقدماً ملحوظاً أحرز في الأيام الأخيرة يمهد الطريق لإعادة إحياء القائمة المشتركة كتحالف انتخابي واسع. وتضم هذه المحادثات كلاً من القائمة العربية الموحدة (راعام)، والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش)، وحزب التجمع الوطني الديمقراطي (بلد).
تشير التقارير إلى أن الإعلان الرسمي عن هذا التحالف بات وشيكاً، بعد أن كانت هذه الخطوة توصف بالمستحيلة نظراً للفجوات الأيديولوجية الكبيرة. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس شعوراً بالمسؤولية تجاه الجماهير العربية التي تطالب بتمثيل قوي وموحد في الكنيست.
من جانبه، أكد عضو الكنيست أحمد الطيبي أن المسار الحالي يتجه نحو اتخاذ قرارات حاسمة قريباً لضمان وحدة الصف. وأوضح الطيبي أن المحادثات أثمرت عن تفاهمات أولية تدرك طبيعة المرحلة الحرجة التي تمر بها المنطقة والداخل الفلسطيني على وجه الخصوص.
وشدد الطيبي على أن القائمة المرتقبة ستكون بمثابة 'تحالف فني' يستند إلى برنامج عمل أساسي مشترك يلبي تطلعات الناخبين. وأضاف أن الضغط الشعبي المتزايد كان المحرك الرئيسي خلف تقريب وجهات النظر بين القيادات السياسية المختلفة في الآونة الأخيرة.
في سياق متصل، كشف حزب الجبهة (حداش) عن تحقيق خروقات إيجابية في جولات التفاوض عقب اجتماعات مكثفة ضمت القيادة الجديدة. وقد ترأس يوسف جبارين، رئيس الحزب الجديد، هذه اللقاءات التي بحثت آليات العمل المشترك وتجاوز عقبات الماضي.
قدمت 'لجنة التوافق' مبادرة مكتوبة تتضمن خارطة طريق واضحة لتشكيل القائمة وتوزيع الأدوار والمهام بين الأحزاب المكونة لها. وحظيت هذه المبادرة بمباركة أولية من مختلف الأطراف، مما يعزز فرص نجاح هذا المسار الوحدوي قبل إغلاق باب الترشيحات.
نحن جميعاً ندرك أن هذه قائمة فنية مشتركة، مع اتفاق على برنامج أساسي، حيث يلعب الضغط الشعبي دوراً هاماً بدفع هذه الخطوة.
تؤكد الأحزاب المنخرطة في الحوار أن هذا النموذج يمثل 'شراكة فنية' تهدف بالأساس إلى تعظيم النفوذ السياسي العربي. ويسمح هذا الإطار لكل حزب بالحفاظ على استقلاله الأيديولوجي وبرامجه الخاصة مع الالتزام بالحد الأدنى من التوافق السياسي العام.
تأتي هذه التحركات في ظل مخاوف حقيقية من استمرار تراجع نسب المشاركة السياسية بين المواطنين العرب في الداخل. وتحذر أوساط سياسية من أن التشرذم قد يؤدي إلى فشل بعض الأحزاب في تجاوز نسبة الحسم القانونية، مما يعني ضياع آلاف الأصوات.
يرى خبراء في الشأن الإسرائيلي أن إعادة توحيد الأحزاب العربية هي الأداة الأمثل لتغيير الواقع السياسي الراهن ومواجهة صعود اليمين المتطرف. ومن المتوقع أن تساهم القائمة المشتركة في حال تشكيلها في رفع معنويات الناخبين وإعادتهم بقوة إلى صناديق الاقتراع.
النقاشات الحالية تركز أيضاً على كيفية صياغة خطاب سياسي موحد يخاطب هموم المواطن العربي اليومية، من قضايا الأرض والمسكن إلى مكافحة الجريمة. ويهدف هذا الخطاب إلى إقناع الشارع بأن الوحدة ليست مجرد تكتيك انتخابي بل استراتيجية وطنية.
من المقرر أن يعقد اجتماع موسع يضم كافة الأطراف المعنية لمواصلة النقاش حول التفاصيل الفنية النهائية للقائمة المشتركة. وتسود أجواء من التفاؤل الحذر بين الكوادر الحزبية التي ترى في هذه الوحدة طوق نجاة للتمثيل العربي في المؤسسة التشريعية.
تراقب الأوساط السياسية الإسرائيلية هذه التطورات باهتمام بالغ، حيث يمكن لكتلة عربية قوية وموحدة أن تعيد رسم خريطة التحالفات المستقبلية. وقد تؤدي زيادة عدد المقاعد العربية إلى عرقلة مساعي اليمين لتشكيل حكومة ضيقة ومستقرة في الدورة القادمة.
ختاماً، يبقى الرهان على قدرة هذه الأحزاب على الالتزام بتعهداتها أمام الجمهور وتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة لصالح المصلحة العامة. فالأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد مصير هذه القائمة وقدرتها على الصمود أمام التحديات السياسية والميدانية.
فلسطين
الأحد 24 مايو 2026 11:17 مساءً - بتوقيت القدس
لأول مرة في تاريخها.. عمدة نيويورك يقاطع مسيرة التضامن مع إسرائيل لعام 2026
تستعد مدينة نيويورك لتنظيم مسيرة التضامن السنوية مع إسرائيل في الجادة الخامسة، وهو التقليد الذي بدأ قبل نحو 62 عاماً كأكبر تظاهرة تعاطف في المدينة. ومع ذلك، تشهد نسخة عام 2026 تحولاً دراماتيكياً مع إعلان رئيس البلدية زهران ممداني مقاطعته الرسمية للحدث، لتكون المرة الأولى في التاريخ التي يغيب فيها عمدة المدينة عن هذه المسيرة الصهيونية.
أبدى منظمو المسيرة قلقاً واضحاً من تراجع أعداد المشاركين المتوقعة هذا العام مقارنة بالسنوات الماضية، وحاولوا تبرير هذا العزوف بتصاعد موجات معاداة السامية. لكن القراءات السياسية تشير إلى أن السبب الحقيقي يكمن في عدم قدرة الكثيرين، بما في ذلك قطاعات واسعة من الجالية اليهودية، على تقديم التحية لدولة غارقة في دماء المدنيين.
تأتي هذه المسيرة في وقت تواجه فيه إسرائيل اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة، حيث تشير الإحصائيات إلى مقتل أكثر من 70 ألف فلسطيني. إن الاستمرار في تنظيم احتفالات تضامنية في ظل هذا الدمار الشامل يعكس حالة من العمى الأخلاقي لدى المؤسسات الصهيونية التقليدية التي تتجاهل مأساة ملايين المشردين.
من المقرر أن يشارك في المسيرة وفد وزاري إسرائيلي يضم شخصيات من اليمين المتطرف، من بينهم وزراء ينتمون لحزبي بن غفير وسموتريتش المعروفين بمواقفهم العنصرية. هؤلاء الوزراء يتنافسون علانية على إطلاق تصريحات تدعو إلى محو غزة وتحويلها إلى مستوطنات يهودية، مما يجعل المشاركة في المسيرة بمثابة مباركة لهذه التوجهات الإبادية.
تحيتكم لهؤلاء الوزراء ستكون تحية للإبادة الجماعية الصريحة والعلنية، وكل من لديه ضمير حي لا بد أن يقاطع هذا الحدث الآن.
لقد تساءلت مصادر حقوقية عن الجدوى الأخلاقية من تقديم التحية لدولة تسببت في إعاقة عشرات آلاف الأطفال وتحويلهم إلى أيتام، فضلاً عن تدمير جنوب لبنان وتهجير سكانه. إن إسرائيل عام 2026 لم تعد تلك الدولة التي يمكن الاحتفاء بها في شوارع نيويورك، بل أصبحت في نظر قطاعات واسعة من العالم دولة منبوذة ومارقة.
المقاطعة التي أعلنها ممداني، بصفته رجل حقوق إنسان، تمثل صفعة قوية للبروباغندا التي تحاول تجميل صورة الاحتلال في الولايات المتحدة. فمن غير المنطقي أن ترفع الأعلام الإسرائيلية في مانهاتن بينما يعيش 2.3 مليون إنسان في خيام للعام الثالث على التوالي دون أدنى مقومات الحياة الأساسية من ماء أو كهرباء.
إن إقامة هذه المسيرة في ظل الظروف الراهنة تعد استخفافاً صارخاً بالقانون الدولي وبالقيم الأخلاقية التي تدعي الديمقراطيات الغربية حمايتها. فبدلاً من التضامن مع القوة العسكرية التي تواصل القصف والتدمير، كان الأجدر بمدينة مثل نيويورك أن تنظم مسيرات تضامن مع المضطهدين والضحايا في قطاع غزة المحاصر.
في نهاية المطاف، يبدو أن مياه نهر هيدسون لم تعد قادرة على غسل الدماء البريئة التي سفكت في الشرق الأوسط، وأن الوعي الأمريكي بدأ يتغير بشكل ملموس تجاه القضية الفلسطينية. إن غياب العمدة عن المنصة الرسمية للمسيرة هو مؤشر واضح على أن زمن التملق التلقائي لإسرائيل قد بدأ في الانحسار، حتى في أكثر المدن تأييداً لها تاريخياً.
اسرائيليات
الأحد 24 مايو 2026 11:17 مساءً - بتوقيت القدس
جيش "الفايكنغ": شهادات تكشف تفشي ظاهرة نهب الممتلكات اللبنانية من قبل جنود الاحتلال
كشفت شهادات أدلى بها جنود في جيش الاحتلال عن تفشي ظاهرة النهب والسرقة لممتلكات المدنيين في بلدات جنوب لبنان، حيث تحولت هذه الممارسات إلى سلوك اعتيادي واسع النطاق. وتشمل المسروقات قائمة متنوعة من الأغراض المنزلية، بدءاً من الأثاث والسجاد وصولاً إلى الأجهزة الكهربائية والشاشات والدراجات النارية، التي يتم الاستيلاء عليها من المنازل المهجورة والمحال التجارية.
وأكدت التقارير أن عمليات نقل المنهوبات تتم بشكل علني عبر استخدام الآليات العسكرية التابعة للجيش، حيث تُشحن هذه الممتلكات إلى داخل الأراضي المحتلة أثناء عمليات تبديل القوات أو الانسحاب من المواقع. وأشارت المصادر إلى أن الجنود لا يبذلون أي جهد لإخفاء هذه المسروقات، بل يتم تحميلها أمام مرأى الجميع وفي وضح النهار.
وفي مقال تحليلي نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية، وصف الكاتب "توم ليفينسون" الحالة الراهنة للجيش بأنها تشبه سلوك عصابات "الفايكنغ" التاريخية. وأوضح الكاتب أن القيادة العسكرية تسمح للجنود بممارسة النهب كنوع من المكافأة الضمنية لضمان استمرارهم في القتال والحفاظ على معنوياتهم، في ظل غياب تام للإجراءات الانضباطية.
وأقرت مصادر عسكرية بأن الرقابة على مخارج جنوب لبنان قد تراجعت بشكل ملحوظ، حيث أزيلت حواجز الشرطة العسكرية التي كان من المفترض أن تفتش المركبات الخارجة لمنع التهريب. وفي العديد من النقاط الحدودية الأخرى، لم يتم وضع أي آليات رقابية منذ البداية، مما سهل عملية تدفق الممتلكات اللبنانية المنهوبة إلى الداخل.
ونقلت مصادر عن أحد الجنود المشاركين في العمليات قوله إن حجم السرقات وصل إلى مستويات "جنونية"، مؤكداً أن القادة الميدانيين على مستوى الكتائب والألوية يدركون تماماً ما يحدث. وأضاف الجندي أن الصمت المطبق من قبل القيادة يبعث برسالة واضحة للمقاتلين مفادها أن هذه الأفعال مقبولة ولا تستوجب العقاب.
أصبح الجيش مثل الفايكنغ؛ يُسمح للجنود بالنهب حتى يكونوا سعداء ويواصلوا القتال.
ورغم أن بعض القادة يوجهون توبيخات شفهية أحياناً، إلا أن الشهادات تؤكد أنها تظل "كلمات فارغة" لا تتبعها أي إجراءات قانونية أو تحقيقات رسمية. وروى أحد المقاتلين واقعة ضبط فيها قائد ميداني جنوداً وبحوزتهم أغراض مسروقة، واكتفى بالصراخ عليهم ومطالبتهم بالتخلص منها دون اتخاذ أي خطوة تأديبية بحقهم.
ويربط مراقبون وجنود بين هذا الانهيار في الانضباط وبين طول أمد الخدمة العسكرية، حيث يخدم بعض جنود الاحتياط لفترات تتجاوز 500 يوم منذ بدء التصعيد في عام 2023. ويرى القادة أن إرسال جنود الاحتياط إلى السجن بسبب قضايا نهب قد يؤدي إلى تمرد أو رفض للخدمة في الجولات القتالية القادمة، مما يدفعهم لإغلاق هذه الملفات بهدوء.
كما تبرز في أوساط الجنود حالة من الاستخفاف بالقيمة الأخلاقية للممتلكات، حيث يسود اعتقاد بأن الدمار الواسع الذي تخلفه الغارات والعمليات العسكرية يبرر السرقة. ويقول الجنود لأنفسهم إن هذه الأغراض ستدمر في نهاية المطاف تحت الأنقاض، لذا لا ضير من الاستيلاء عليها قبل فوات الأوان، وهو منطق يغذي اتساع الظاهرة.
وتعكس هذه الشهادات حالة من التحلل الأخلاقي والقانوني داخل صفوف جيش الاحتلال، حيث يغيب تطبيق القانون العسكري لصالح الحفاظ على تماسك القوات في الميدان. وبحسب المصادر، فإن غياب العقوبات الرادعة جعل من نهب القرى اللبنانية جزءاً غير رسمي من المكاسب الشخصية التي يحققها الجنود خلال توغلهم البري.
فلسطين
الأحد 24 مايو 2026 11:17 مساءً - بتوقيت القدس
نادي الأسير: الاحتلال يستخدم مرض 'الجرب' أداة تعذيب وقتل بطيء ضد الأسرى
أطلق نادي الأسير الفلسطيني تحذيرات شديدة اللهجة من موجة متسارعة وخطيرة لمرض 'الجرب' تجتاح أقسام الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، مؤكداً أن مصلحة السجون تتعمد استخدام المرض كأداة تعذيب جسدي ونفسي. وأوضح النادي في بيان له أن المنظومة الإسرائيلية تتبنى الجرائم الطبية كسياسة ممنهجة للقتل البطيء، وهو ما أدى إلى ارتقاء 89 أسيراً منذ بدء العدوان الحالي، كانت الأمراض المعدية والإهمال الطبي في مقدمة أسباب وفاتهم.
وكشفت الزيارات القانونية الأخيرة التي أجراها المحامون عن مستويات صادمة من الانهيار الصحي داخل المعتقلات، حيث تحولت الغرف إلى بيئات موبوءة تفتقر لأدنى مقومات الحياة البشرية. ويعود هذا التدهور إلى الاكتظاظ الشديد وانعدام النظافة العامة، فضلاً عن حرمان الأسرى من التهوية الطبيعية وأشعة الشمس، وإجبارهم على ارتداء ملابس مبللة لفترات طويلة، مما ساهم في تحويل السجون إلى بؤر لتفشي الأوبئة الجلدية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن العدوى تنتشر بشكل مرعب، حيث سُجل في كل غرفة تضم ثمانية أسرى وجود ثلاثة مصابين على الأقل في حالة متقدمة من المرض. ويتركز التفشي الأوسع في سجون 'عوفر'، و'مجدو'، و'النقب'، و'جانوت'، وهي السجون التي تشهد أعلى مستويات التكدس والانتهاكات، وسط غياب تام لأي إجراءات وقائية أو علاجية من قبل إدارة السجون التي تكتفي بالمراقبة دون تدخل طبي حقيقي.
الاحتلال يعتمد الجرائم الطبية كسياسة قتل بطيء، حيث استشهد 89 أسيراً ومعتقلاً ممن أعلنت هوياتهم منذ بدء الحرب نتيجة هذه السياسات.
ووصف البيان الأعراض التي يعاني منها الأسرى بأنها قاسية جداً، حيث تظهر على أجسادهم دمامل وتقرحات والتهابات حادة تسبب حكة شديدة تمنعهم من النوم أو الراحة. وأكدت مصادر حقوقية أن عدداً من الأسرى فقدوا القدرة على الحركة بشكل كامل منذ أكثر من خمسة أشهر نتيجة تفاقم الإصابات الجلدية ووصولها إلى مراحل حرجة، في ظل حرمانهم المتعمد من الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية.
وفي خطوة تهدف إلى التعتيم على حجم الكارثة الصحية، أقدمت إدارة السجون على إلغاء كافة زيارات المحامين للأسرى المصابين، مما يعيق توثيق الحالات ونقل معاناتهم للعالم. وبناءً على ذلك، وجه نادي الأسير نداءات استغاثة عاجلة إلى منظمة الصحة العالمية والمؤسسات الدولية المعنية، مطالباً بضرورة التدخل الفوري لإنقاذ حياة الأسرى ومحاسبة سلطات الاحتلال على جرائمها الطبية المستمرة بحق المعتقلين.
عربي ودولي
الأحد 24 مايو 2026 10:47 مساءً - بتوقيت القدس
جدل "المادة 200" يتصاعد في الجزائر: مخاوف حزبيّة من إقصاء المترشحين قبل تشريعيات يوليو
بدأت القوى السياسية في الجزائر سباقاً مع الزمن للاستعداد للحملة الانتخابية الخاصة بالتشريعيات المقررة في الثاني من يوليو المقبل. وتتزامن هذه الاستعدادات مع حالة من الترقب داخل أروقة الأحزاب بانتظار النتائج النهائية لعملية غربلة القوائم التي تجريها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.
وعبرت حركة مجتمع السلم، التي تعد كبرى تشكيلات المعارضة في البلاد، عن هواجسها تجاه معايير رفض المترشحين. وأشارت الحركة إلى أن مرحلة دراسة الملفات الحالية تشهد توسعاً فيما وصفته بـ 'التطبيق التعسفي' للمقتضيات القانونية الناظمة للعملية الانتخابية.
وتركز الجدل السياسي بشكل أساسي حول المادة 200 من قانون الانتخابات، والتي تمنح السلطات صلاحية استبعاد أي مترشح يثبت ارتباطه بأوساط المال والأعمال المشبوهة. وتخشى الأحزاب أن تتحول هذه المادة إلى 'مقصلة' سياسية تُستخدم لإقصاء الكوادر دون الاستناد إلى أحكام قضائية مبرمة.
وفي اجتماع لمكتبها التنفيذي برئاسة عبد العالي حساني شريف، أكدت حركة مجتمع السلم أن اختيار مرشحيها تم بناءً على معايير الكفاءة والنزاهة. وشددت الحركة على ضرورة حماية المسار الديمقراطي من أي تضييق قد يمس بالحقوق الدستورية للمواطنين في الترشح والانتخاب.
وحذرت الحركة من أن غياب الضمانات القانونية والإعلامية الحقيقية قد يؤدي إلى تعميق فجوة الثقة بين الشارع والمؤسسات الرسمية. كما دعت إلى مراجعة المقاربات الإدارية الحالية لضمان تكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين بعيداً عن أي توظيف سياسي للقانون.
من جانبه، كشف حزب العمال عن إيداع 29 قائمة انتخابية في عدة ولايات بعد عملية تدقيق داخلية صارمة لمرشحيه. وقالت الأمينة العامة للحزب، لويزة حنون إن تشكيلاتها خضعت لغربلة دقيقة لضمان خلوها من أي أسماء متورطة في قضايا فساد أو مساس بالمال العام.
وانتقدت حنون التعقيدات الإدارية التي واجهت الحزب خلال مرحلة جمع التوقيعات، واصفة إياها بالعملية الشاقة والمعقدة. وأوضحت أن قصر الآجال القانونية المحددة بـ 15 يوماً شكل عائقاً كبيراً أمام العديد من الراغبين في خوض الغمار الانتخابي.
الحديث عن انتخابات ذات مصداقية يبقى فاقداً للمعنى في غياب ضمانات سياسية وقانونية وإدارية حقيقية تكفل تكافؤ الفرص.
ورغم هذه الانتقادات، أكدت زعيمة حزب العمال أن المشاركة في الانتخابات تظل خياراً استراتيجياً لتحصين البلاد ضد المخاطر الخارجية. واعتبرت أن التجديد المؤسساتي وبناء هيئات منتخبة ذات شرعية شعبية هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي.
وفي سياق متصل، شدد يوسف أوشيش، الأمين الوطني الأول لجبهة القوى الاشتراكية، على أهمية إعادة بناء الثقة عبر الشفافية والكفاءة. وأكد خلال لقاء جماهيري في ولاية إيليزي أن قوة الجزائر تكمن في الاعتراف بكل مكوناتها الثقافية والحضارية دون إقصاء.
ودعا أوشيش إلى ضرورة الالتفات لمطالب التنمية في مناطق الجنوب وضمان التوزيع العادل للثروات الوطنية. وأشار إلى أن الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد منتج ومتنوع يعد ضرورة قصوى لحماية الأمن القومي والسيادة الوطنية في ظل التحديات الراهنة.
وعلى الجانب الحكومي، دافع وزير العدل في وقت سابق عن الإبقاء على صياغة المادة 200 كما هي دون تعديل. واعتبرت السلطات أن الارتباط بمصادر مالية مشبوهة يعد سبباً كافياً لرفض الترشح، وذلك في إطار جهود الدولة لمحاربة 'المال الفاسد' ومنع تغوله في المؤسسات التشريعية.
وتعيش الساحة السياسية حالياً حالة من الاستنفار بانتظار الفصل النهائي في الطعون المقدمة أمام الجهات القضائية الإدارية. وتسعى الأحزاب التي طالت قوائمها قرارات الرفض إلى البحث عن بدائل سريعة لتعويض الأسماء المستبعدة قبل انطلاق الحملة الرسمية.
ويرى مراقبون أن هذه الانتخابات تمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة السلطة المستقلة على إدارة العملية الانتخابية بنزاهة. كما تعكس حدة التصريحات الحزبية رغبة القوى السياسية في ضمان تمثيل وازن داخل البرلمان المقبل بعيداً عن ضغوط الإدارة.
وتستمر مندوبيات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في معالجة آلاف الملفات عبر كافة ولايات الوطن. ومن المتوقع أن تشهد الأيام القادمة إعلان القوائم النهائية، مما سيحدد ملامح الخريطة السياسية التي ستتنافس في اقتراع الثاني من يوليو.
فلسطين
الأحد 24 مايو 2026 10:47 مساءً - بتوقيت القدس
مخططات قضم قطاع غزة: هل تمهد إسرائيل لاحتلال كامل القطاع؟
تتصاعد وتيرة الإبادة والنزوح القسري في قطاع غزة عبر سلسلة غارات جوية يومية واستهداف ممنهج لمراكز إيواء النازحين، مما أسفر عن ارتقاء نحو 900 شهيد منذ التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار الأخير. وتتزامن هذه المجازر مع تدهور كارثي في المنظومة الصحية ونقص حاد في المستلزمات الطبية، ما يضع حياة آلاف الجرحى والمرضى على المحك في ظل حصار خانق.
أفادت مصادر ميدانية بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي أحكم سيطرته على نحو 60% من مساحة القطاع، حيث ينفذ عمليات نسف واسعة للمربعات السكنية على جانبي 'الخط الأصفر'. هذا التوسع الجغرافي العسكري يثير تساؤلات جوهرية حول الأهداف الحقيقية لهذا التصعيد، وما إذا كانت تل أبيب تسعى لابتلاع ما تبقى من أراضي القطاع الفلسطيني المحاصر.
يرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى أن حكومة بنيامين نتنياهو تسعى من خلال هذا التصعيد إلى تنفيذ عملية عسكرية شاملة تهدف لاحتلال كامل القطاع. وأوضح مصطفى أن نتنياهو يعمل بشكل متعمد على تعطيل البنود الأساسية للاتفاقيات، بما في ذلك عرقلة دخول المساعدات الإنسانية ومنع تشكيل لجنة وطنية لإدارة شؤون غزة.
ترتبط التحركات العسكرية الأخيرة بوضعية نتنياهو السياسية المتأزمة، حيث تنتظره انتخابات مصيرية في منتصف سبتمبر المقبل دون تحقيق إنجازات ملموسة. ويعتقد مراقبون أن الفشل في حسم ملف غزة سينعكس كارثياً على مستقبله السياسي، مما يدفعه لاستغلال الجبهة الفلسطينية كأداة دعائية لترميم شعبيته المنهارة أمام الناخب الإسرائيلي.
في المقابل، يطرح الباحث في الدراسات الاستراتيجية كينيث كاتزمان رؤية مغايرة، معتبراً أن الهدف المشترك بين تل أبيب وواشنطن ليس الاحتلال الدائم، بل تفكيك القدرات العسكرية للمقاومة. ويشير كاتزمان إلى وجود ترتيبات دولية تقودها أطراف أممية لنشر قوة دولية ولجنة إدارية فور انتهاء المواجهة الإقليمية الحالية مع إيران.
العالم لم يعد يتحمل إبادة جديدة ضد 2.2 مليون إنسان يتكدسون في 40% المتبقية من مساحة القطاع.
من جانبه، فند المحلل السياسي إياد القرا السردية الإسرائيلية والأمريكية المتعلقة بسلاح المقاومة، واصفاً إياها بأنها مجرد ذريعة للتهرب من الالتزامات الدولية. وأكد القرا أن الفصائل الفلسطينية أبدت مرونة كبيرة في مفاوضات القاهرة، معربة عن استعدادها لبحث كافة الملفات عبر اللجنة الإدارية المقترحة، شريطة وجود ضمانات دولية حقيقية.
أوضح القرا أن نتنياهو يستغل انشغال الإدارة الأمريكية بملفات إقليمية أخرى لشن 'حرب مصغرة' تعتمد على الاغتيالات وتقليص المساعدات وإخلاء المربعات السكنية. وتأتي هذه السياسة في إطار محاولة فرض واقع ديموغرافي وجغرافي جديد بعيداً عن أنظار المجتمع الدولي، مستغلاً حالة العجز العالمي عن فرض قرارات ملزمة للاحتلال.
تتواجد حالياً كتلة بشرية ضخمة تقدر بـ 2.2 مليون إنسان في المساحة المتبقية من القطاع والتي لا تتجاوز 40%، مما ينذر بكارثة إنسانية غير مسبوقة. ويؤكد خبراء أن أي محاولة للاجتياح الكامل ستصطدم بموانع استراتيجية، من بينها الضغوط الدولية المتزايدة وإنهاك الجيش الإسرائيلي في جبهات متعددة بين جنوب لبنان والضفة الغربية.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال، رغم سيطرته على مساحات واسعة، عجز على مدار عامين ونصف من حرب الإبادة عن تحقيق أهدافه الاستراتيجية في القضاء على المقاومة. وقد خلفت هذه الحرب حتى الآن أكثر من 70 ألف شهيد، ومع ذلك لا تزال الفصائل الفلسطينية قادرة على إدارة المعركة والتصدي لمحاولات التوغل في مختلف المحاور.
على الصعيد الدولي، بدأت تظهر تحولات لافتة في مواقف دول أوروبية كانت تعد حليفة للاحتلال، مثل بريطانيا وإيطاليا، التي شرعت في مراجعة دعمها العسكري. هذا التراجع في الغطاء الدولي، بالتزامن مع أزمة قوات الاحتياط داخل المجتمع الإسرائيلي، قد يضع حداً لطموحات نتنياهو في التوسع العسكري الكامل داخل قطاع غزة.
فلسطين
الأحد 24 مايو 2026 10:47 مساءً - بتوقيت القدس
أسواق غزة تئن تحت وطأة الغلاء والركود مع اقتراب عيد الأضحى
تستقبل أسواق قطاع غزة أيام عيد الأضحى المبارك بمشهد يطغى عليه الحزن والركود، حيث تكدست البضائع على الرفوف بينما غاب المشترون نتيجة الأزمة الاقتصادية الطاحنة. وتعكس الجولات الميدانية في منطقة دوار الأقصى غرب مدينة خان يونس عمق المأساة، إذ تبدو محال الملابس خالية من الزبائن مقارنة بالمواسم السابقة التي كانت تضج بالحياة.
وأفادت مصادر محلية بأن الأوضاع المعيشية وصلت إلى مستويات كارثية أثرت على كافة شرائح المجتمع دون استثناء. وأكد مواطنون أن غالبية الأسر الفلسطينية في القطاع لم تعد تملك ترف التفكير في شراء مستلزمات العيد، بعد أن فقدت منازلها ومصادر دخلها خلال أشهر الحرب الطويلة والدمار الممنهج.
ويروي نازحون يعيشون في المخيمات مرارة الواقع، حيث يجد رب الأسرة نفسه عاجزاً عن تلبية أبسط طلبات أطفاله الذين لا يدركون حجم الانهيار الاقتصادي. فبعد فقدان الممتلكات والبضائع، بات تأمين القوت اليومي هو الهم الأكبر، مما جعل من شراء ملابس جديدة للأطفال مهمة شبه مستحيلة في ظل الظروف الراهنة.
وتشير التقديرات الميدانية إلى أن نحو 90% من سكان القطاع باتوا تحت خط الفقر المدقع أو في حالة انعدام كامل للموارد. هذا الانهيار دفع بالشباب إلى حافة اليأس، حيث تلاشت فرص العمل وتوقفت عجلة الإنتاج، مما أدى إلى عجز تام عن تأسيس حياة مستقرة أو حتى توفير الاحتياجات الأساسية للعائلات.
وفيما يخص الأسعار، فقد سجلت أسواق الملابس أرقاماً وصفت بالخيالية وبعيدة تماماً عن متناول المواطن العادي. فعلى سبيل المثال، قد يصل سعر طقم ملابس لطفلة صغيرة إلى نحو 200 شيكل، وهو مبلغ ضخم بالنسبة لعائلات تعتمد بشكل كلي على المساعدات الإغاثية الشحيحة التي تدخل القطاع.
من جانبهم، يشتكي التجار من حالة ركود حادة لم يشهدها القطاع من قبل، واصفين الحركة التجارية بأنها تغيرت بشكل جذري عما كانت عليه قبل اندلاع الحرب. وأوضح تجار في خان يونس أن الأسواق دخلت في نفق مظلم بسبب الارتفاع الجنوني في تكاليف الاستيراد والضرائب الإضافية التي تفرض على البضائع الواصلة.
90% من شعب غزة أصبح معدوماً، والقدرة على تأمين ملابس العيد للأطفال باتت حلماً صعب المنال في ظل الغلاء الفاحش.
وذكرت مصادر تجارية أن أسعار بعض السلع الأساسية والملابس قفزت بنسبة وصلت إلى 400% مقارنة بفترة ما قبل الحرب. هذا الارتفاع ليس ناتجاً عن رغبة في الربح، بل يعود إلى التكاليف الباهظة للنقل والجمارك، فضلاً عن المخاطر الأمنية العالية التي تواجه التجار أثناء محاولاتهم تأمين البضائع.
ويواجه أصحاب المحال التجارية مخاطر مزدوجة، تتمثل في احتمالية تعرض محالهم للقصف أو تلف البضائع بسبب الإغلاق المتكرر للمعابر الحدودية. هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تقليص هامش الربح إلى أدنى مستوياته، ومع ذلك تظل القوة الشرائية للمواطنين في أدنى مستوياتها التاريخية.
ووصف مواطنون في غزة الأوضاع الحالية بأنها مأساوية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، خاصة مع استمرار النزوح والعيش في الخيام. هذه الظروف القاسية لم تؤثر فقط على الجانب المادي، بل خلقت ضغوطاً نفسية وصحية هائلة على الأهالي الذين يشعرون بالعجز أمام دموع أطفالهم الراغبين في الاحتفال بالعيد.
وكانت مواسم الأعياد في غزة تتميز سابقاً بطقوس خاصة تشمل شراء الأضاحي وتزيين الشوارع وازدحام الأسواق بالمتسوقين. إلا أن هذه المشاهد اختفت تماماً وحلت مكانها طوابير المساعدات وأحاديث الغلاء، مما حرم القطاع من بهجة العيد التي كانت تشكل متنفساً وحيداً للسكان وسط الحصار.
وفي محاولة لإدخال فرحة بسيطة، يحاول بعض التجار تخفيض الأسعار قدر الإمكان، إلا أن الفجوة بين الدخل وتكلفة المعيشة تظل واسعة جداً. ويغادر الكثير من الآباء المحال التجارية بملامح يكسوها الحزن بعد صدمتهم من الأسعار، مفضلين توفير ما يملكونه من مال قليل لشراء الطعام والماء.
يأتي هذا التدهور في وقت تواصل فيه سلطات الاحتلال التنصل من التزاماتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2025. حيث يستمر تقييد دخول المساعدات الإنسانية والطبية والسلع التجارية، مما يفاقم من معاناة سكان غزة ويجعل من كل موسم عيد محطة جديدة من الألم والحرمان.
اسرائيليات
الأحد 24 مايو 2026 10:17 مساءً - بتوقيت القدس
تحليلات إسرائيلية: مخاوف من تحول موسم الحج إلى ساحة توتر إقليمي جراء التصعيد مع إيران
أفادت مصادر إعلامية بأن الأوساط الأكاديمية والأمنية في إسرائيل تترقب بحذر تداعيات التصعيد العسكري المحتمل في المنطقة مع اقتراب موسم الحج. وأشار يارون فريدمان، المتخصص في الدراسات الشرق أوسطية، إلى أن دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، تعيش حالة من القلق غير المسبوق نتيجة احتمالية وقوع هجوم أمريكي على المنشآت الإيرانية، مما قد يحول المناسك الدينية إلى ساحة للصراع الدولي.
ويرى المحللون أن توقيت أي عمل عسكري في هذه المرحلة يتسم بحساسية بالغة، نظراً لوجود أكثر من مليون ونصف المليون حاج في مكة المكرمة. وتعتبر الرياض أن نشوب مواجهة شاملة في هذا التوقيت يمثل تحدياً أمنياً جسيماً، لا سيما مع التهديدات الإيرانية المتكررة باستهداف دول الجوار في حال تعرضت طهران لأي اعتداء خارجي، وهو ما قد يربك الحسابات الإقليمية بالكامل.
وتستند هذه المخاوف إلى تجارب سابقة شهدت فيها المنشآت النفطية والبنية التحتية في المنطقة هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ باليستية، نُسبت لجهات موالية لطهران. وتدرك القوى الإقليمية أن أي استهداف للممرات المائية التي تنقل 20% من النفط العالمي خلال فترة الحج سيؤدي إلى أزمة اقتصادية وأمنية عالمية، فضلاً عن الغضب الشعبي الذي قد يشتعل في العالم الإسلامي نتيجة تعريض حياة الحجاج للخطر.
وفي سياق الاستعدادات الميدانية، كشفت تقارير عن تعزيزات عسكرية مكثفة في السعودية والإمارات لمواجهة أي طارئ أمني وشيك. وشملت هذه التحركات نشر مقاتلات وقوات باكستانية في الأراضي السعودية، بالإضافة إلى وصول طائرات 'رافال' ومنظومات دفاع جوي مصرية إلى الإمارات، في خطوة تهدف إلى خلق توازن ردع يمنع إيران من تنفيذ تهديداتها ضد العواصم الخليجية.
إن السعودية تعتبر اندلاع حرب واسعة مع إيران خلال موسم الحج كابوساً حقيقياً، خاصة بعد تعرض أراضيها سابقاً لهجمات بالمسيرات والصواريخ.
وتشير القراءات السياسية إلى أن هذا الانتشار العسكري يمثل تحولاً جذرياً في موازين القوى، حيث قد تجد دول مثل مصر وباكستان نفسها مضطرة للتدخل المباشر في حال وقوع هجوم إيراني. وتبذل دول المنطقة ضغوطاً دبلوماسية مكثفة على واشنطن لضمان عدم القيام بأي تحرك عسكري خلال أيام الحج، خشية أن يُفسر ذلك كاستخفاف بالمقدسات الإسلامية، مما قد يضعف موقف حلفاء الولايات المتحدة.
من جانبها، يبدو أن طهران تستغل هذه 'النافذة الزمنية' المرتبطة بالموسم الديني لرفع سقف مطالبها في المفاوضات الدولية المتعلقة ببرنامجها النووي. وتعتقد القيادة الإيرانية أن الحصانة المؤقتة التي يوفرها موسم الحج تمنحها قدرة أكبر على المناورة ورفض تقديم تنازلات بشأن مخزون اليورانيوم المخصب، مستفيدة من رغبة الأطراف الدولية في تجنب التصعيد خلال هذه الفترة.
وخلص التحليل إلى وجود تباين واضح في الرؤى بين واشنطن وتل أبيب؛ فبينما تفضل الإدارة الأمريكية التريث حفاظاً على استقرار تحالفاتها مع الدول السنية، ترى إسرائيل أن الظرف الراهن يمثل فرصة عملياتية لا تعوض. وتعتقد الأوساط الإسرائيلية أن طهران قد تكون مقيدة سياسياً عن الرد الواسع إذا ما استُهدفت منشآتها النووية الآن، وهو ما يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة على كافة الاحتمالات.
اقتصاد
الأحد 24 مايو 2026 10:05 مساءً - بتوقيت القدس
تحذيرات من 'فقاعة ديون' في مصر: شركات التمويل الاستهلاكي تتجاوز البنوك وتستقطب 12 مليون عميل
تشهد الساحة الاقتصادية في مصر حالة من الجدل الواسع عقب تحذيرات أطلقها خبراء ومصرفيون من تنامي ظاهرة 'فقاعة الديون' المرتبطة بقطاع التمويل الاستهلاكي. وتأتي هذه المخاوف في ظل تحول البيع بالتقسيط من ممارسة تجارية تقليدية إلى صناعة منظمة تقودها عشرات الشركات المتخصصة التي باتت تنافس البنوك العريقة في عقر دارها.
تاريخياً، ارتبط التقسيط في المجتمع المصري بسد احتياجات الزواج والسلع المعمرة، إلا أن غياب التنظيم لسنوات طويلة أدى لبروز ظاهرة 'الغارمات' اللواتي تعرضن للسجن بسبب التعثر في سداد كمبيالات التجار. ولم يبدأ تنظيم هذا القطاع فعلياً إلا في عام 2020 بصدور قانون التمويل الاستهلاكي الذي أخضع هذه الشركات لرقابة هيئة الرقابة المالية.
وتشير البيانات الإحصائية إلى قفزة هائلة في حجم هذا السوق، حيث ارتفعت قيمة التمويلات الممنوحة من 17 مليار جنيه في عام 2021 لتصل إلى نحو 96.3 مليار جنيه خلال العام الماضي. هذا النمو المتسارع يعكس تغيراً جذرياً في نمط الاستهلاك المصري والاعتماد المتزايد على الائتمان لمواجهة تراجع القوى الشرائية.
ولم يقتصر النمو على المبالغ المالية فحسب، بل امتد ليشمل قاعدة العملاء التي تضخمت بشكل لافت، حيث قفز عدد الأفراد المتعاملين مع هذه الشركات من 1.3 مليون شخص إلى 12 مليون فرد في غضون سنوات قليلة. وتعكس هذه الأرقام نجاح الشركات في الوصول إلى شرائح مجتمعية كانت بعيدة عن الخدمات المصرفية التقليدية.
وتصدرت السلع المعمرة قائمة المشتريات الممولة بنسبة 41%، تلتها السيارات والمركبات بنسبة 20%، بينما استحوذ التمويل النقدي المسبق والمستلزمات الشخصية على حصص مؤثرة. هذا التنوع في مجالات التمويل ساهم في تحريك الركود بالأسواق المحلية ودعم معدلات التشغيل في المصانع والشركات التجارية.
ويرى مراقبون أن سر نجاح هذه الشركات يكمن في اعتمادها الكلي على التكنولوجيا المالية، مما يتيح للعملاء الحصول على الموافقات الائتمانية في أقل من ساعة. وبخلاف البنوك التي تعاني من إجراءات بيروقراطية ومواعيد عمل محددة، تتواجد هذه الشركات في المولات والأسواق وتعمل لساعات متأخرة طوال أيام الأسبوع.
ومع ذلك، أثار هذا التوسع قلق كبار المصرفيين، حيث حذرت مصادر مصرفية من أن بعض هذه الشركات تحولت إلى 'قطاع مصرفي موازٍ' يعمل بجرأة تفوق قدرة الجهات الرقابية على المتابعة. وأشارت المصادر إلى أن الاندفاع في منح القروض دون ضمانات كافية قد يؤدي إلى موجة تعثر واسعة تضرب استقرار السوق المالي.
اندفاع شركات التمويل في منح الائتمان للأفراد قد يقود إلى موجة تعثر واسعة تهدد استقرار السوق وتخلق قطاعاً مصرفياً موازياً.
في المقابل، سارعت هيئة الرقابة المالية إلى طمأنة السوق، مؤكدة أنها تمارس دورها الرقابي بصرامة على الشركات الـ 48 المرخصة حالياً. وقررت الهيئة وقف إصدار تراخيص جديدة لشركات التمويل الاستهلاكي منذ أكتوبر 2024، في خطوة فسرها البعض بأنها محاولة لتقييم الوضع الراهن وكبح جماح النمو غير المنضبط.
وتشير المقارنات المالية إلى أن إجمالي تمويلات الشركات غير المصرفية، بما يشمل التمويل العقاري والمشروعات الصغيرة والتأجير التمويلي، قد بلغت 425 مليار جنيه العام الماضي. هذا الرقم يتجاوز بشكل واضح الزيادة في تمويلات الأفراد بالبنوك المصرية الـ 36، والتي بلغت 277 مليار جنيه خلال الفترة نفسها.
ويربط محللون بين هذا التوجه وبين رغبة البنوك في تقليل المخاطر، حيث تتركز معظم القروض الشخصية البنكية في القاهرة الكبرى والإسكندرية بنسبة تتجاوز 90%. وفي المقابل، تغلغلت شركات التمويل الاستهلاكي في المحافظات والأقاليم، مستهدفة الفئات التي تفتقر إلى سجلات ائتمانية قوية أو دخل ثابت وموثق.
وعلى الصعيد الاجتماعي، يحذر خبراء من أن سهولة الحصول على الائتمان تدفع الأسر المصرية للإفراط في المديونية والعيش بمستوى يفوق قدراتها المالية الحقيقية. وتلعب الماكينة الإعلامية دوراً كبيراً في ترسيخ ثقافة الشراء الاستهلاكي، مما قد يؤدي في النهاية إلى أزمات ديون مجتمعية تهدد تماسك الأسر.
كما تبرز مخاوف من تأثير هذه القروض على معدلات التضخم، حيث تزيد من الطلب المحلي في مجتمع يعاني من ضعف الإنتاجية، مما يساهم في رفع الأسعار. ويرى البعض أن الفوائد المرتفعة التي تتقاضاها هذه الشركات تزيد من الأعباء المالية على كاهل المواطنين على المدى الطويل رغم التسهيلات الظاهرية.
وبينما يدافع أنصار هذه الشركات عنها باعتبارها أداة للشمول المالي وتنظيم السوق، يرى المعارضون أنها قنبلة موقوتة قد تنفجر في حال حدوث أي هزة اقتصادية مفاجئة. ويبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة المصرية هو الموازنة بين تشجيع النشاط التجاري وحماية المستهلكين من الوقوع في فخ الديون اللامتناهية.
ختاماً، يظل قطاع التمويل الاستهلاكي في مصر أمام مفترق طرق، فإما أن ينجح في التحول إلى رافد حقيقي للاقتصاد الرسمي تحت رقابة مشددة، أو أن يتحول إلى فقاعة ائتمانية تعيد إنتاج مأساة الغارمات ولكن على نطاق مؤسسي أوسع يشمل ملايين الأسر المصرية.




