تشهد الساحة الاقتصادية في مصر حالة من الجدل الواسع عقب تحذيرات أطلقها خبراء ومصرفيون من تنامي ظاهرة 'فقاعة الديون' المرتبطة بقطاع التمويل الاستهلاكي. وتأتي هذه المخاوف في ظل تحول البيع بالتقسيط من ممارسة تجارية تقليدية إلى صناعة منظمة تقودها عشرات الشركات المتخصصة التي باتت تنافس البنوك العريقة في عقر دارها.
تاريخياً، ارتبط التقسيط في المجتمع المصري بسد احتياجات الزواج والسلع المعمرة، إلا أن غياب التنظيم لسنوات طويلة أدى لبروز ظاهرة 'الغارمات' اللواتي تعرضن للسجن بسبب التعثر في سداد كمبيالات التجار. ولم يبدأ تنظيم هذا القطاع فعلياً إلا في عام 2020 بصدور قانون التمويل الاستهلاكي الذي أخضع هذه الشركات لرقابة هيئة الرقابة المالية.
وتشير البيانات الإحصائية إلى قفزة هائلة في حجم هذا السوق، حيث ارتفعت قيمة التمويلات الممنوحة من 17 مليار جنيه في عام 2021 لتصل إلى نحو 96.3 مليار جنيه خلال العام الماضي. هذا النمو المتسارع يعكس تغيراً جذرياً في نمط الاستهلاك المصري والاعتماد المتزايد على الائتمان لمواجهة تراجع القوى الشرائية.
ولم يقتصر النمو على المبالغ المالية فحسب، بل امتد ليشمل قاعدة العملاء التي تضخمت بشكل لافت، حيث قفز عدد الأفراد المتعاملين مع هذه الشركات من 1.3 مليون شخص إلى 12 مليون فرد في غضون سنوات قليلة. وتعكس هذه الأرقام نجاح الشركات في الوصول إلى شرائح مجتمعية كانت بعيدة عن الخدمات المصرفية التقليدية.
وتصدرت السلع المعمرة قائمة المشتريات الممولة بنسبة 41%، تلتها السيارات والمركبات بنسبة 20%، بينما استحوذ التمويل النقدي المسبق والمستلزمات الشخصية على حصص مؤثرة. هذا التنوع في مجالات التمويل ساهم في تحريك الركود بالأسواق المحلية ودعم معدلات التشغيل في المصانع والشركات التجارية.
ويرى مراقبون أن سر نجاح هذه الشركات يكمن في اعتمادها الكلي على التكنولوجيا المالية، مما يتيح للعملاء الحصول على الموافقات الائتمانية في أقل من ساعة. وبخلاف البنوك التي تعاني من إجراءات بيروقراطية ومواعيد عمل محددة، تتواجد هذه الشركات في المولات والأسواق وتعمل لساعات متأخرة طوال أيام الأسبوع.
ومع ذلك، أثار هذا التوسع قلق كبار المصرفيين، حيث حذرت مصادر مصرفية من أن بعض هذه الشركات تحولت إلى 'قطاع مصرفي موازٍ' يعمل بجرأة تفوق قدرة الجهات الرقابية على المتابعة. وأشارت المصادر إلى أن الاندفاع في منح القروض دون ضمانات كافية قد يؤدي إلى موجة تعثر واسعة تضرب استقرار السوق المالي.
اندفاع شركات التمويل في منح الائتمان للأفراد قد يقود إلى موجة تعثر واسعة تهدد استقرار السوق وتخلق قطاعاً مصرفياً موازياً.
في المقابل، سارعت هيئة الرقابة المالية إلى طمأنة السوق، مؤكدة أنها تمارس دورها الرقابي بصرامة على الشركات الـ 48 المرخصة حالياً. وقررت الهيئة وقف إصدار تراخيص جديدة لشركات التمويل الاستهلاكي منذ أكتوبر 2024، في خطوة فسرها البعض بأنها محاولة لتقييم الوضع الراهن وكبح جماح النمو غير المنضبط.
وتشير المقارنات المالية إلى أن إجمالي تمويلات الشركات غير المصرفية، بما يشمل التمويل العقاري والمشروعات الصغيرة والتأجير التمويلي، قد بلغت 425 مليار جنيه العام الماضي. هذا الرقم يتجاوز بشكل واضح الزيادة في تمويلات الأفراد بالبنوك المصرية الـ 36، والتي بلغت 277 مليار جنيه خلال الفترة نفسها.
ويربط محللون بين هذا التوجه وبين رغبة البنوك في تقليل المخاطر، حيث تتركز معظم القروض الشخصية البنكية في القاهرة الكبرى والإسكندرية بنسبة تتجاوز 90%. وفي المقابل، تغلغلت شركات التمويل الاستهلاكي في المحافظات والأقاليم، مستهدفة الفئات التي تفتقر إلى سجلات ائتمانية قوية أو دخل ثابت وموثق.
وعلى الصعيد الاجتماعي، يحذر خبراء من أن سهولة الحصول على الائتمان تدفع الأسر المصرية للإفراط في المديونية والعيش بمستوى يفوق قدراتها المالية الحقيقية. وتلعب الماكينة الإعلامية دوراً كبيراً في ترسيخ ثقافة الشراء الاستهلاكي، مما قد يؤدي في النهاية إلى أزمات ديون مجتمعية تهدد تماسك الأسر.
كما تبرز مخاوف من تأثير هذه القروض على معدلات التضخم، حيث تزيد من الطلب المحلي في مجتمع يعاني من ضعف الإنتاجية، مما يساهم في رفع الأسعار. ويرى البعض أن الفوائد المرتفعة التي تتقاضاها هذه الشركات تزيد من الأعباء المالية على كاهل المواطنين على المدى الطويل رغم التسهيلات الظاهرية.
وبينما يدافع أنصار هذه الشركات عنها باعتبارها أداة للشمول المالي وتنظيم السوق، يرى المعارضون أنها قنبلة موقوتة قد تنفجر في حال حدوث أي هزة اقتصادية مفاجئة. ويبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة المصرية هو الموازنة بين تشجيع النشاط التجاري وحماية المستهلكين من الوقوع في فخ الديون اللامتناهية.
ختاماً، يظل قطاع التمويل الاستهلاكي في مصر أمام مفترق طرق، فإما أن ينجح في التحول إلى رافد حقيقي للاقتصاد الرسمي تحت رقابة مشددة، أو أن يتحول إلى فقاعة ائتمانية تعيد إنتاج مأساة الغارمات ولكن على نطاق مؤسسي أوسع يشمل ملايين الأسر المصرية.





شارك برأيك
تحذيرات من 'فقاعة ديون' في مصر: شركات التمويل الاستهلاكي تتجاوز البنوك وتستقطب 12 مليون عميل