يحيي لبنان في الخامس والعشرين من مايو/ أيار من كل عام ذكرى انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من جنوبه عام 2000، وهي اللحظة التي شكلت انعطافة تاريخية في مسار الصراع العربي الإسرائيلي. هذه المحطة التي بدأت كعيد وطني جامع، باتت اليوم مادة للسجال السياسي حول مفاهيم السيادة الوطنية ودور المؤسسات الرسمية في حماية الحدود.
جاء الانسحاب الإسرائيلي قبل ربع قرن تقريباً في سياق تنفيذ القرار الدولي رقم 425، الذي نص على خروج القوات المحتلة من الأراضي اللبنانية كافة. وقد رسمت الأمم المتحدة حينها ما عُرف بـ 'الخط الأزرق' ليكون حداً فاصلاً ينهي عقوداً من الاحتلال المباشر الذي بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي.
وعلى الرغم من الوضوح العسكري لعملية الانسحاب، إلا أن التداعيات السياسية للحدث لم تتوقف عند حدود عام 2000. فقد برزت تساؤلات جوهرية حول الجهة التي تملك الرواية الرسمية لهذا الإنجاز، وهل ينسب للدولة اللبنانية ومؤسساتها أم لقوى المقاومة التي خاضت حرب استنزاف طويلة ضد الاحتلال.
شهدت السنوات الأولى للتحرير احتفالات عمت القرى الجنوبية التي استعادت أهلها وحقولها بعد سنوات من العزل والتهجير. ومع سقوط منظومة 'جيش لبنان الجنوبي' الموالية للاحتلال، سادت حالة من التفاؤل الوطني بقدرة الدولة على بسط سلطتها الكاملة على كافة أراضيها المستعادة.
لكن هذا الإجماع الوطني سرعان ما واجه تحديات بنيوية تتعلق بمستقبل السلاح خارج إطار الدولة اللبنانية. وانقسمت القوى السياسية بين فريق يرى في المقاومة ضرورة مستمرة لحماية لبنان، وفريق آخر يطالب بحصرية القرار الأمني والعسكري بيد الجيش اللبناني والمؤسسات الدستورية.
لم ينجح الجنوب في الانتقال إلى مرحلة الاستقرار السياسي الكامل نتيجة الهشاشة التي خلفتها الحرب الأهلية الطويلة في بنية الدولة. هذا الواقع جعل من ذكرى التحرير نقطة انطلاق لنقاشات حادة حول مفهوم السيادة المنقوصة، بدلاً من أن تكون خاتمة لملف الصراع مع الاحتلال.
التحرير تحقق عسكرياً في عام 2000، لكن النقاش حول السيادة اللبنانية لم يُحسم سياسياً حتى اليوم.
وزاد ملف مزارع شبعا وتلال كفرشوبا من تعقيد المشهد الميداني والسياسي، حيث لا تزال هذه المناطق تشكل ثغرة في ملف الانسحاب الكامل. وبينما يتمسك لبنان بلبنانية هذه الأراضي، تعتبر التقارير الدولية أن الانسحاب الإسرائيلي قد استكمل وفق الحدود المعترف بها رسمياً.
أعادت حرب يوليو 2006 صياغة المفاهيم المرتبطة بالتحرير، حيث طرحت مشاهد الدمار أسئلة قاسية حول حدود الردع وقرار الحرب والسلم. ومنذ ذلك الحين، لم يعد 25 مايو حدثاً معزولاً في التاريخ، بل صار جزءاً من سلسلة مواجهات مستمرة تشمل التصعيد الحدودي المتكرر.
في ظل التوترات الراهنة، يعود السؤال ليطرح بحدة حول ما إذا كان الجنوب قد تحرر بالكامل أم أن شكل الاحتلال والتهديد هو الذي تغير. ويرى مراقبون أن القدرة على البقاء الآمن في الأرض هي المعيار الحقيقي للتحرير، بعيداً عن الشعارات السياسية المرفوعة في المناسبات.
تتحول الذكرى اليوم إلى مرآة تعكس الانقسام اللبناني العميق حول هوية الدولة ووظائفها الأساسية في حماية مواطنيها. فبينما يراها البعض انتصاراً استراتيجياً غير مسبوق، يخشى آخرون من احتكار هذا الإنجاز لخدمة أجندات سياسية داخلية أو إقليمية.
يبقى الخامس والعشرون من مايو شاهداً على أن الذاكرة في لبنان ليست مجرد استعادة لأحداث مضت، بل هي ساحة صراع مستمر على المعنى. فالتحرير الذي أنجز عسكرياً قبل سنوات، لا يزال ينتظر استكمال أركانه السياسية والسيادية تحت مظلة دولة قادرة وموحدة.










