رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات – 25/5/2026
علم مراسل جريدة القدس عبر رسالة إلكترونية تلقاها الاثنين عن مسؤول أميركي رفيع في وزارة الخارجية الأميركية، طلب عدم الكشف عن هويته، أن واشنطن تحمل “حزب الله” المسؤولية الكاملة عن التصعيد العسكري المستمر على الحدود اللبنانية ــ الإسرائيلية، وتعتبر أن الحزب يعمل على تقويض فرص التهدئة والمفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل، في وقت تتكثف فيه الاتصالات الإقليمية والدولية لمنع انزلاق الوضع نحو مواجهة أوسع.
وقال المسؤول الأميركي، في إفادة قُدمت "على خلفية غير قابلة للنسب المباشر"، إن "حزب الله تجاهل مراراً الطلبات بوقف إطلاق النار على إسرائيل، بما في ذلك إنذار أخير وُجّه إليه"، مضيفاً أن "إسرائيل لن يُطلب منها أبداً أن تستوعب الهجمات على قواتها ومدنييها بصورة سلبية، وهذا ليس عهد إدارة بايدن".
وأشار المسؤول إلى أن الحزب أطلق منذ 17 نيسان أكثر من ألف طائرة مسيّرة وما يزيد على 700 صاروخ، "في محاولة لعرقلة المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل"، معتبراً أن “الوضع القائم لم يعد قابلاً للاستمرار”.
وفي تصعيد واضح في الخطاب الأميركي تجاه الحزب، قال المسؤول إن "حزب الله يتحمل المسؤولية الكاملة عن الوضع الحالي بعدما خرق وقف إطلاق النار في الثاني من آذار، وهو الآن يسعى إلى حرمان الشعب اللبناني من فرصة السلام وإعادة الإعمار".
وأضاف أن الحزب يرى في أي مسار تفاوضي تقوده الدولة اللبنانية "تهديداً وجودياً"، لأن نجاح الحكومة اللبنانية في التوصل إلى وقف إطلاق نار بدعم أميركي "سينزع من حزب الله قوته وروايته القائمة على المقاومة".
وتأتي هذه التصريحات في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الحرب في غزة مع المواجهة المفتوحة جنوب لبنان، فيما تتزايد الضغوط الأميركية والغربية على الحكومة اللبنانية لضبط الحدود وتنفيذ تفاهمات أمنية تحول دون توسع الحرب.
ويرى مراقبون أن اللغة المستخدمة في الموقف الأميركي تعكس تحولاً ملحوظاً مقارنة بالخطاب الأميركي في السنوات الماضية، إذ تبدو واشنطن اليوم أكثر استعداداً لتبنّي الرواية الإسرائيلية بالكامل، وربط أي أفق للمساعدات الاقتصادية وإعادة الإعمار في لبنان بإضعاف نفوذ “حزب الله” السياسي والعسكري.
كما تكشف التصريحات عن رهان أميركي واضح على دور الدولة اللبنانية في أي تسوية مقبلة، مقابل محاولة عزل الحزب داخلياً وإظهاره كعقبة أمام الاستقرار. إلا أن هذا الرهان يصطدم بواقع لبناني شديد التعقيد، حيث لا يزال "حزب الله" يتمتع بحضور سياسي وشعبي وعسكري واسع، فضلاً عن اعتباره من قبل شريحة من اللبنانيين قوة ردع أساسية في مواجهة إسرائيل.
تعكس الرسالة الأميركية تحوّلاً استراتيجياً في مقاربة واشنطن للملف اللبناني، إذ لم تعد الإدارة الأميركية تتحدث فقط عن احتواء التصعيد، بل باتت تربط بشكل مباشر بين مستقبل لبنان الاقتصادي والسياسي وبين تقليص دور "حزب الله". هذا التحول يعني أن أي مساعدات أو مشاريع إعادة إعمار قد تصبح مشروطة بإعادة رسم التوازنات الداخلية اللبنانية. غير أن هذا النهج يحمل مخاطر كبيرة، لأن الضغط الخارجي المفرط على التركيبة اللبنانية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويعزز خطاب الحزب القائم على أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى فرض وقائع سياسية بالقوة والابتزاز الاقتصادي.
في المقابل، تتجاهل الرواية الأميركية جانباً أساسياً من المشهد، وهو أن الحدود اللبنانية الإسرائيلية تعيش حالة اشتعال متواصل منذ اندلاع حرب غزة، وأن جزءاً واسعاً من الرأي العام العربي واللبناني يرى في تحركات "حزب الله" امتداداً لمعركة إقليمية أوسع مرتبطة بالدفاع عن الفلسطينيين. لذلك فإن اختزال الأزمة في مسؤولية الحزب وحده لا يعبّر عن تعقيدات الواقع، بل يبدو أقرب إلى تبنٍّ كامل للرؤية الأمنية الإسرائيلية. كما أن الحديث عن "السلام وإعادة الإعمار" يفقد الكثير من مصداقيته في ظل استمرار الدمار الهائل في غزة والدعم الأميركي العسكري والسياسي المفتوح لإسرائيل.
ويبقى السؤال الأهم مرتبطاً بقدرة الدولة اللبنانية نفسها على لعب الدور الذي تريده واشنطن. فلبنان يعيش واحدة من أعمق أزماته الاقتصادية والسياسية، ومؤسساته تعاني من ضعف وانقسام حاد، فيما تبدو القوى السياسية عاجزة عن إنتاج رؤية وطنية موحدة تجاه الحرب والسلم. وفي ظل هذا الواقع، فإن أي محاولة لعزل "حزب الله" بالقوة السياسية أو الاقتصادية قد تدفع البلاد نحو مزيد من الانقسام الداخلي. المطلوب لبنانياً، وفق كثير من المراقبين، ليس فقط تجنب الحرب، بل أيضاً بناء توافق وطني يحمي السيادة اللبنانية ويمنع تحويل البلاد إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية.





شارك برأيك
واشنطن تصعّد لهجتها ضد "حزب الله" وتتهمه بعرقلة التهدئة وتهديد مسار إعادة إعمار لبنان