أقلام وأراء

الأحد 12 يوليو 2026 11:27 صباحًا - بتوقيت القدس

المرأة الفلسطينية تقود نهجًا جديدًا للدبلوماسية... الدبلوماسية المجتمعية الفلسطينية



اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2022 قرارًا بإعلان الرابع والعشرين من حزيران/يونيو يومًا دوليًا للمرأة في الدبلوماسية، تقديرًا للدور المتنامي الذي تؤديه النساء في العلاقات الدولية، وإيمانًا بأهمية مشاركتهن في صنع القرار، وتعزيز السلام، وبناء الشراكات بين الشعوب.
وتأتي هذه المناسبة لتطرح، في الحالة الفلسطينية، سؤالًا يتجاوز الاحتفاء بالدور التقليدي للمرأة في السلك الدبلوماسي: هل تقود المرأة الفلسطينية اليوم نهجًا جديدًا للدبلوماسية؟
لقد أفرزت التجربة الفلسطينية، بفعل تعقيدات الواقع السياسي والإنساني، نهجًا جديدًا في العمل الدبلوماسي أقترح تسميته "الدبلوماسية المجتمعية الفلسطينية"؛ نهج لا يقتصر على قاعات التفاوض والاجتماعات الرسمية، وإنما ينطلق من الناس، ويستند إلى الاستماع لهم، ونقل أصواتهم، وبناء التحالفات، والتأثير في مواقف صناع القرار. إنها دبلوماسية تجعل الإنسان والقضية في قلب العمل الدبلوماسي، وتمنح المجتمع المدني، ولا سيما النساء، دورًا فاعلًا في نقل الرواية الفلسطينية والدفاع عنها في المحافل الدولية.
ارتبط مفهوم الدبلوماسية لعقود طويلة بقاعات الاجتماعات المغلقة، والمفاوضات الرسمية، والبروتوكولات السياسية، والسفراء والممثلين الرسميين للدول. لكن التحولات التي شهدها العالم، وما فرضه الواقع الفلسطيني من تحديات غير مسبوقة، أعادت تشكيل هذا المفهوم بصورة أوسع وأكثر ارتباطًا بالإنسان.
فالمرأة الفلسطينية، رغم أنها لم تكن دائمًا تحمل صفة "دبلوماسية" أو تشغل منصبًا رسميًا، مارست الدبلوماسية بأشكال متعددة. فقد أصبحت حاضرة في المؤتمرات الدولية، واللقاءات مع البرلمانيين والدبلوماسيين، واجتماعات الأمم المتحدة، ومنصات المجتمع المدني العالمي، حيث نقلت الرواية الفلسطينية، ودافعت عن حقوق شعبها، وطرحت قضايا المرأة والعدالة والاحتلال أمام صناع القرار.
لقد خرجت الدبلوماسية، بفضل مساهمة النساء، من الغرف المغلقة إلى الميدان؛ إلى القرى والمخيمات، وإلى النساء اللواتي يعشن تفاصيل الاحتلال يوميًا. فلم تعد الدبلوماسية مجرد تبادل للمواقف السياسية، بل أصبحت عملية تبدأ بالاستماع إلى الناس، وفهم احتياجاتهم، ثم تحويل تلك الأصوات إلى رسائل ومواقف تُعرض أمام المجتمع الدولي.
وفي المقابل، بدأنا نشهد تحولًا لافتًا في ممارسة الدبلوماسية الرسمية نفسها، حيث أصبحت العديد من السفيرات وممثلات الحكومات والبعثات الدبلوماسية الغربية العاملة في فلسطين أكثر حضورًا بين الناس، يزرن التجمعات المحلية، ويلتقين النساء والمؤسسات المجتمعية، ويستمعن مباشرة إلى احتياجات المواطنين وتحدياتهم. وهذا يعكس تحولًا نحو دبلوماسية أكثر قربًا من المجتمع، تؤمن بأن فهم الواقع يبدأ من الميدان، وأن نجاح العمل الدبلوماسي لا يتحقق فقط عبر الاجتماعات الرسمية، بل أيضًا من خلال التواصل المباشر مع الناس.
وفي السنوات الأخيرة، برزت الدبلوماسية المجتمعية الفلسطينية بوصفها مساحة جديدة للتأثير، حيث تؤدي ناشطات المجتمع المدني، والباحثات، والقياديات في المؤسسات، دورًا مؤثرًا في بناء العلاقات الدولية، وكسب التأييد، والتأثير في السياسات، رغم أنهن لا يحملن صفات دبلوماسية رسمية.
فالمرأة الفلسطينية التي تلتقي سفراء، ووزراء، وأعضاء برلمانات، ومسؤولي الأمم المتحدة، وتقدم لهم الأدلة والشهادات، وتدافع عن حقوق النساء الفلسطينيات، وتمارس المناصرة والضغط من أجل المساءلة والعدالة، تقوم في جوهر عملها بممارسة فعل دبلوماسي متكامل. فهي لا تمثل مؤسسة بعينها فحسب، بل تحمل معها صوت النساء الفلسطينيات، وقصص صمودهن، وتطلعات مجتمعاتهن، لتضعها أمام صناع القرار في مختلف المحافل الدولية.
ولعل ما منح المرأة الفلسطينية هذه القدرة هو طبيعة أدوارها المجتمعية؛ فهي الأقرب إلى تفاصيل الحياة اليومية، وإلى معاناة الأسر والنساء والأطفال، والأقدر على نقل هذه التجربة الإنسانية إلى لغة يفهمها العالم. ولهذا، لم تعد مساهمتها تقتصر على عرض الوقائع، بل أصبحت تبني جسورًا من الثقة والحوار مع صناع القرار، مستندة إلى المصداقية، والخبرة الميدانية، والرواية الإنسانية التي يصعب تجاهلها.
لقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن الدبلوماسية لم تعد حكرًا على المؤسسات الرسمية، بل أصبحت مسؤولية جماعية يشارك فيها كل من يمتلك القدرة على التأثير، وبناء الجسور، ونقل الحقيقة، والدفاع عن الحقوق.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الدبلوماسية الرسمية التي تقودها وزارة الخارجية والبعثات الفلسطينية، بل إن الدبلوماسية المجتمعية الفلسطينية أصبحت تشكل رافدًا مكملًا لها، يعزز حضور القضية الفلسطينية في المحافل الدولية من خلال الوصول إلى البرلمانات، والجامعات، ومراكز الفكر، ووسائل الإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني، بما يوسع دوائر التأثير ويمنح الرواية الفلسطينية حضورًا أكثر عمقًا وإنسانية. فالدبلوماسية الرسمية تظل تمثل دولة فلسطين في المحافل الدولية، فيما تسهم الدبلوماسية المجتمعية في بناء جسور الثقة والتأثير مع المجتمعات وصناع القرار، ليشكل النهجان معًا منظومة متكاملة للدفاع عن الحقوق الفلسطينية.
وفي ظل انتهاكات الاحتلال المستمرة، والنزوح الواسع، وتصاعد هجمات المستوطنين، اكتسبت المرأة الفلسطينية دورًا أكثر أهمية في المحافل الدولية. فهي لا تنقل أرقامًا وإحصاءات فحسب، بل تحمل معها قصص النساء والأطفال، ومعاناة الأسر، وصمود المجتمعات المحلية، لتُحوّل التجربة الإنسانية إلى قضية رأي عام دولي، وإلى مطالب سياسية وقانونية وأخلاقية.
إن هذا التحول يدعونا إلى إعادة النظر في مفهوم الدبلوماسية ذاته. فهل أصبحت الدبلوماسية هي فقط ما يدور في الاجتماعات الرسمية؟ أم أنها أيضًا ذلك الجهد اليومي الذي تبذله النساء في بناء التحالفات، والتأثير في الرأي العام، والدفاع عن العدالة، والوصول إلى صناع القرار؟
إن التجربة الفلسطينية تدفعنا إلى توسيع مفهوم الدبلوماسية ليشمل كل جهد منظم يسهم في التأثير في السياسات الدولية، ونقل صوت المجتمع، وبناء الشراكات، والدفاع عن الحقوق. وفي هذا السياق، لم تعد المرأة الفلسطينية مجرد مشاركة في العمل الدبلوماسي، بل أصبحت من أبرز الفاعلين في تطوير أدواته وتوسيع فضاءاته.
وربما ستكتب الدراسات مستقبلًا أن المرأة الفلسطينية لم تكتفِ بالمطالبة بمكان لها في الدبلوماسية، بل أسهمت في تطوير أحد أهم تحولاتها؛ دبلوماسية تنطلق من الإنسان، وتعود إليه، وتجعل المجتمع شريكًا في صناعة التأثير. تلك هي الدبلوماسية المجتمعية الفلسطينية التي باتت اليوم رافدًا أساسيًا للدبلوماسية الرسمية، وإحدى أدوات فلسطين في مخاطبة العالم، وإيصال روايتها، وحشد الدعم الدولي لقضيتها العادلة.

دلالات

شارك برأيك

المرأة الفلسطينية تقود نهجًا جديدًا للدبلوماسية... الدبلوماسية المجتمعية الفلسطينية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.