اذا كان التطبيع قد اختزل لعقود في صورة مصافحة او اتفاق تجاري او لقاء ثقافي، فان العدوان على غزة وما صاحبه من جرائم وتوسع استيطاني في الضفة، كشف ان هذا التعريف لم يعد كافيا لفهم تحولات القضية الفلسطينية، وبات السؤال ليس من يصافح، بل كيف تحول الاحتلال الى واقع قابل للحياة يعيد انتاج نفسه؟
بهذا المعنى، لا يعود التطبيع مجرد فعل سياسي أو ثقافي، لأن هذا هو المستوى السطحي او الاستعراضي منه، بل هو عملية ترويض وبنية متكاملة تعيد تشكيل الوعي والاقتصاد والسياسة، وهي لا تسعى لتحسين صورة المحتل بقدر ما تحاول تحويل وجوده الى امر اعتيادي، لينتقل النقاش من انهاء الاحتلال الى ادارته، ومن التحرير الى تحسين شروط الحياة، وهنا تكمن اخطر وظائف التطبيع، لانه يجعل البقاء تحت الاحتلال خيارا "عقلانيا"، وبهذا المعنى ايضا يكون تطبيع الاستهلاك عبر خلق الاعتمادية والاعتيادية، فدخول المنتج الاسرائيلي للسوق الفلسطيني يتجاوز بيع بضاعة الى بيع فكرة، تجعل المستهلك وكيلا يروج لوجود الاحتلال في بيته ومحيطه، ويصبح شراء المنتج فعلا سياسيا يجعل المحتل جزءا من دورة حياتك الاقتصادية، يسلبك استقلالك الاقتصادي ويجعلك ممولا لمشروعه.
لقد ساهم مسار أوسلو في ترسيخ هذا التحول بدرجات متفاوتة، فالاتفاق المرحلي لم ينته بدولة، وتحول مع الوقت لمنظومة إدارية واقتصادية، تدير السكان اكثر مما تواجه بنية الاحتلال، ونتيجة لذلك، اصبح جزء كبير من الحياة اليومية الفلسطينية مرتبطا بمنظومة يتحكم الاحتلال بمفاتيحها، عبر الحركة والتجارة والمعابر، او الموارد والضرائب وسوق العمل، وبالتالي فاذا كان التحرر يعني فك الارتباط، فقد بات التطبيع شرطا للبقاء، وهكذا نشأت علاقة تبعية جعلت الانفصال اكثر كلفة بمرور الوقت، ووقعنا في فخ العقلانية، الذي خلق انقساما وهميا بين الفلسطيني "العقلاني" الذي يقبل هذا الواقع، و"اللاعقلاني" الذي يرفضه.
ولا يقتصر الأمر على الاقتصاد او الادارة، بل يمتد الى المجال النفسي والاجتماعي، فالانسان الذي يعيش واقعا يفتقر الى أفق سياسي، يعيد ترتيب أولوياته بحثا عن الاستقرار الفردي ولو كان ذلك على حساب المشروع الوطني، ومع الزمن، تتحول لغة الحقوق الى لغة الخدمات، ولغة التحرر الى لغة ادارة الازمات، والحفاظ على الحد الادنى من الحياة اليومية هدفا بديلا لتغيير الواقع، وهذا ليس نتيجة لخيار فردي بقدر ما هو انعكاس لظروف تنتج ما يسميه علماء الاجتماع بالتكيف مع البنية المسيطرة.
ان اخطر مستويات التطبيع هو استعارة قاموسه الأمني لتفسير الواقع الفلسطيني، واستخدام ذات المصطلحات داخليا، أو تبنى تعريفه لما هو "خطر" و"آمن"، وبذلك تُسلّم له بالسيادة على وعيك، وينجح عندما يجعل هوسه الأمني هاجسك اليومي، جاعلا منك حارسا -لا إراديا- على مصالحه تحت مسمى الحفاظ على النظام العام.
وفي المقابل، لعب المجتمع الدولي دورا ملتبسا، فرغم اتساع الانتقادات الدولية لسياسات الاحتلال، والتحركات القانونية، فما زالت آلياته عاجزة عن فرض كلفة سياسية وقانونية تناسب حجم الانتهاكات، وبدلا من معالجة الجذور ينصرف جهده لاحتواء تداعياته الانسانية ومنع انفجاره، ما يخلق مفارقة تُقدّم ادارة الازمات على حلها.
ومع ذلك، فان قراءة التطبيع كبنية لا تعني ان الواقع قدر لا يمكن تغييره، فهذه البنية يمكن تفكيكها اذا توفرت رؤية وطنية تعيد بناء عناصر الصمود تدريجيا، تبدأ بتعزيز الاقتصاد الوطني وتقليل التبعية حيثما أمكن، وترسيخ الرواية الفلسطينية في الفضاء الثقافي والاعلامي، والاستثمار في التعليم والبحث العلمي بوصفهما أداتي مقاومة طويلة المدى، ومراجعة نقدية للتجربة الفلسطينية بعيدا عن التخوين والتقديس، لأن من لا يراجع أخطاءه، يعيد إنتاجها.
أقلام وأراء
الثّلاثاء 14 يوليو 2026 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
كيف صار التطبيع بنية لا حدثاً؟