رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات – 14/7/2026
في تصعيد غير مسبوق لموقفها من المحكمة الجنائية الدولية، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إطلاق حملة حكومية شاملة تهدف إلى تقويض المحكمة وعزلها دبلوماسياً، معتبرة أنها تشكل "تهديداً مباشراً للسيادة الأميركية". وتأتي هذه الخطوة في وقت تتصاعد فيه المواجهة بين واشنطن والمحكمة على خلفية سعي الأخيرة إلى ملاحقة مسؤولين وعسكريين أميركيين، فضلاً عن تحقيقاتها المتعلقة بحلفاء الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم إسرائيل.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، تومي بيغوت، إن الإدارة الأميركية أطلقت "حملة واسعة تقودها وزارة الخارجية، وتشارك فيها مختلف مؤسسات الحكومة، من أجل تفكيك التهديد الذي تمثله المحكمة الجنائية الدولية للسيادة الأميركية"، مؤكداً أن "جميع الخيارات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية مطروحة لضمان ألا تتمكن المحكمة من استهداف الولايات المتحدة أو مواطنيها".
وبحسب مسؤول في وزارة الخارجية تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، فإن الحملة لا تقتصر على فرض مزيد من الضغوط على المحكمة، بل تشمل أيضاً تحركاً دبلوماسياً واسع النطاق يستهدف الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي، المؤسس للمحكمة، بهدف إقناعها بالانسحاب منه ووقف أي دعم مالي أو سياسي للمؤسسة القضائية الدولية.
وأوضح المسؤول أن وزير الخارجية ونائبه والسفراء الأميركيين وكبار مسؤولي الإدارة بدأوا بالفعل اتصالات مكثفة مع حكومات حول العالم لحشد تأييد دولي ضد المحكمة، والعمل على عزلها سياسياً، بما يمنعها من ممارسة اختصاصها بحق مسؤولين أو جنود أميركيين.
وتدرس الإدارة الأميركية، وفق المسؤول ذاته، مجموعة واسعة من الإجراءات التصعيدية، تشمل فرض حظر سفر وإلغاء تأشيرات لمسؤولي المحكمة والعاملين معها، وتوسيع العقوبات الاقتصادية لتشمل مؤسسات وأفراداً يتعاونون معها، إضافة إلى ممارسة ضغوط مباشرة على الحكومات التي تستمر في دعم المحكمة أو التعاون معها.
كما أوضح المسؤول أن واشنطن تدعو الدول غير المنضمة إلى المحكمة، مثل الولايات المتحدة، إلى استخدام نفوذها الدبلوماسي للانضمام إلى هذه الحملة، فيما تطالب الدول التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية أو تعتمد على المظلة الأمنية الأميركية بإعلان رفضها الصريح لاختصاص المحكمة بمحاكمة المسؤولين والعسكريين الأميركيين.
وحذرت وزارة الخارجية، بصورة غير مباشرة، من أن الدول التي تواصل الاعتماد على الدعم الأمني الأميركي، وفي الوقت نفسه ترفض معارضة المحكمة، قد تواجه "تدقيقاً متزايداً" في علاقاتها مع واشنطن، في إشارة فسرها مراقبون على أنها تنطوي على احتمال استخدام أدوات الضغط السياسي أو الاقتصادي لإجبار تلك الدول على إعادة النظر في موقفها.
وفي تصريحات حملت لهجة غير مسبوقة، اعتبر بيغوت أن المحكمة الجنائية الدولية "تسعى إلى التحول إلى هيئة عالمية فوق الدول"، متهماً إياها بمحاولة فرض “نظام قانوني غير شرعي” على الولايات المتحدة، وقال إن بلاده "لا تعترف بسلطة بيروقراطيين دوليين يسعون إلى تقويض تاريخ أميركا الممتد لأكثر من 250 عاماً في الحكم الذاتي”، مؤكداً أن “السيادة الأميركية ليست ولن تكون موضع تفاوض".
وتعكس هذه الحملة تحولاً من سياسة الدفاع عن الموقف الأميركي تجاه المحكمة إلى استراتيجية هجومية تستهدف تقليص نفوذها ومكانتها الدولية. فبدلاً من الاكتفاء برفض اختصاص المحكمة، تسعى الإدارة الأميركية إلى إضعافها مؤسسياً عبر تقليص قاعدة الدول الداعمة لها وتجفيف مصادر تمويلها، بما قد يحد من قدرتها على مواصلة تحقيقاتها.
وتأتي هذه الخطوة في سياق توتر متصاعد بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية، خصوصاً بعد إصدار المحكمة مذكرات توقيف بحق شخصيات رفيعة في نزاعات دولية، وما رافق ذلك من تزايد المخاوف داخل الإدارة الأميركية من احتمال توسيع نطاق التحقيقات ليشمل مسؤولين أميركيين أو حلفاء مقربين للولايات المتحدة.
ويرى دبلوماسيون أن الحملة الأميركية قد تضع العديد من الحلفاء الأوروبيين أمام معادلة معقدة، إذ إن معظمهم أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية ويعتبرونها إحدى الركائز الأساسية للنظام القانوني الدولي، في حين ترتبط علاقاتهم الأمنية والعسكرية بالولايات المتحدة بدرجة كبيرة، ما قد يجعلهم عرضة لضغوط متزايدة خلال المرحلة المقبلة.
وتكشف الحملة الأميركية عن صراع أعمق من مجرد خلاف قانوني مع المحكمة الجنائية الدولية؛ فهي تعكس تنافساً بين رؤيتين للنظام الدولي. الأولى، تتبناها واشنطن، وتمنح الدولة الوطنية السيادة المطلقة على مواطنيها ومؤسساتها، بينما ترى الثانية أن الجرائم الأشد خطورة ينبغي ألا تبقى بمنأى عن المساءلة الدولية مهما كانت جنسية مرتكبيها. ومن هنا، فإن المواجهة الحالية لا تستهدف المحكمة وحدها، بل تمس مستقبل العدالة الجنائية الدولية، وحدود سلطة المؤسسات متعددة الأطراف في مواجهة القوى الكبرى التي ترفض إخضاع نفسها لقضاء دولي مستقل.
ولن تقتصر الضغوط الأميركية على المحكمة وحدها، بل إلى شبكة واسعة من الحلفاء الذين يجدون أنفسهم بين التزاماتهم القانونية الدولية ومصالحهم الاستراتيجية مع واشنطن. فالدول الأوروبية، على وجه الخصوص، دعمت المحكمة منذ تأسيسها بوصفها إحدى أهم مؤسسات النظام الدولي بعد الحرب الباردة، بينما تعتمد في الوقت ذاته على المظلة الأمنية الأميركية. ومن شأن هذا التناقض أن يخلق انقسامات داخل المعسكر الغربي، ويجعل قضية المحكمة اختباراً جديداً لتوازنات التحالفات الغربية ومستقبل النظام الدولي القائم على القواعد.
وإذا نجحت واشنطن في إقناع عدد مؤثر من الدول بالانسحاب من المحكمة أو تقليص دعمها المالي والسياسي لها، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام إعادة رسم العلاقة بين القانون الدولي وموازين القوة. أما إذا فشلت الحملة، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها في مواجهة مؤسسة دولية اكتسبت زخماً أكبر نتيجة الضغوط المفروضة عليها. وفي الحالتين، تبدو المواجهة الحالية مؤشراً على مرحلة جديدة تتزايد فيها المنافسة بين منطق القوة السياسية ومنطق المؤسسات الدولية، وسط تساؤلات متنامية حول مستقبل النظام القانوني العالمي وقدرته على الصمود أمام الضغوط الجيوسياسية.





شارك برأيك
واشنطن تشن حملة شاملة لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية: تصعيد جديد في معركة السيادة والقانون الدولي