رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات-11/7/2026
تحليل إخباري
يدخل الجنوب اللبناني مرحلة جديدة من التوتر، في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية واتساع الضغوط الدبلوماسية الأميركية الرامية إلى فرض ترتيبات أمنية جديدة على طول الحدود، بينما يجد لبنان نفسه أمام معادلة معقدة تجمع بين الحفاظ على سيادته، وتنفيذ التزاماته الدولية، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة.
وشهدت الأيام الأخيرة تصعيدًا ميدانيًا تمثل في سلسلة غارات إسرائيلية استهدفت بلدات في الجنوب اللبناني، بذريعة استهداف مواقع وعناصر تابعة لحزب الله. وأسفرت الغارات عن سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار بالممتلكات والبنية التحتية، في وقت تؤكد فيه إسرائيل أنها ستواصل عملياتها العسكرية ما دامت تعتبر أن التهديدات على حدودها الشمالية قائمة.
في المقابل، كثف الجيش اللبناني انتشاره في عدد من المناطق الجنوبية بالتنسيق مع قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، في محاولة لإثبات قدرة الدولة على بسط سلطتها جنوب نهر الليطاني، وهو مطلب يحظى بدعم دولي واسع، لكنه يواجه تحديات سياسية وأمنية معقدة على الأرض.
وتزامنت التطورات العسكرية مع حراك سياسي داخلي وخارجي، حيث أجرى الرئيس اللبناني جوزيف عون سلسلة اجتماعات مع القيادات الأمنية والعسكرية لمتابعة التطورات، فيما تواصل واشنطن اتصالاتها مع المسؤولين اللبنانيين والإسرائيليين في محاولة لمنع تدهور الأوضاع، والدفع نحو ترتيبات أمنية أكثر استقرارًا.
إلا أن هذه الجهود لا تزال تصطدم بعقدة أساسية تتمثل في إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بحرية تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، مقابل تمسك لبنان بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي التي لا تزال تحتلها، ووقف انتهاكاتها اليومية للسيادة اللبنانية.
الضغوط الأميركية
تبدو الولايات المتحدة اليوم اللاعب الخارجي الأكثر تأثيرًا في الملف اللبناني. فواشنطن لا تكتفي بالوساطة بين بيروت وتل أبيب، بل تسعى أيضًا إلى إعادة صياغة الواقع الأمني في الجنوب بما يتجاوز مجرد تثبيت وقف إطلاق النار، ليشمل ترتيبات طويلة الأمد تتعلق بانتشار الجيش اللبناني، وتعزيز دور اليونيفيل، والحد من النشاط العسكري لحزب الله في المناطق الحدودية.
ويرى مراقبون أن الإدارة الأميركية تعتبر نجاح هذه الترتيبات جزءًا من مشروع أوسع لإعادة رسم التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط بعد الحرب الأخيرة، وربط الساحة اللبنانية بمنظومة أمنية إقليمية جديدة تشمل عددًا من الدول العربية.
غير أن هذا الطرح يواجه اعتراضات داخلية واسعة، إذ تخشى قوى سياسية لبنانية أن تتحول الضغوط الدولية إلى وسيلة لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة من دون معالجة جذور الأزمة، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية، والانتهاكات الجوية والبرية المتكررة.
معضلة حزب الله
يبقى مستقبل حزب الله القضية الأكثر حساسية في أي نقاش يتعلق بجنوب لبنان. فإسرائيل تعتبر أن أي اتفاق لا يؤدي إلى إبعاد الحزب عن الحدود وتجريده من قدراته العسكرية سيبقى اتفاقًا ناقصًا، بينما يرفض الحزب أي ترتيبات تمس دوره العسكري ما دام الاحتلال الإسرائيلي قائمًا.
أما الدولة اللبنانية، فتحاول التوفيق بين التزاماتها الدولية وبين الواقع الداخلي المعقد، إدراكًا منها أن أي محاولة لفرض حلول بالقوة قد تؤدي إلى انقسامات داخلية خطيرة، في وقت يعاني فيه لبنان أصلًا من أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول يتمثل في نجاح الوساطة الأميركية في تثبيت تفاهمات أمنية محدودة، تسمح باستمرار انتشار الجيش اللبناني وتخفيف حدة الضربات الإسرائيلية، من دون التوصل إلى اتفاق سياسي شامل.
أما السيناريو الثاني، فهو استمرار الوضع الحالي، حيث تتواصل الغارات الإسرائيلية والردود المحدودة، بما يبقي الجنوب في حالة توتر مزمن تستنزف جميع الأطراف.
ويبقى السيناريو الثالث، وهو الأخطر، احتمال انهيار الجهود الدبلوماسية بالكامل نتيجة حادث ميداني كبير أو خطأ في الحسابات، بما قد يؤدي إلى اندلاع مواجهة واسعة ستكون تداعياتها كارثية على لبنان والمنطقة بأسرها.
وتكشف التطورات الأخيرة أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع الجنوب اللبناني باعتباره جبهة لاحتواء التهديدات فحسب، بل باعتباره مساحة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك بما يمنحها هامشًا أوسع للعمل العسكري داخل لبنان. ويثير هذا التوجه مخاوف من تكريس واقع تصبح فيه الضربات الإسرائيلية أمرًا اعتياديًا، بما يضعف فعليًا مفهوم السيادة اللبنانية، ويخلق حالة من عدم الاستقرار الدائم، حتى في غياب حرب شاملة.
في المقابل، تدرك واشنطن أن استمرار التصعيد قد ينسف الجهود التي تبذلها لإعادة ترتيب ملفات المنطقة بعد الحرب مع إيران. ولذلك تسعى الإدارة الأميركية إلى احتواء الأزمة اللبنانية بسرعة، ليس فقط لحماية أمن إسرائيل، بل أيضًا لمنع فتح جبهة جديدة قد تعرقل أولوياتها الإقليمية، وتؤثر في مشاريعها الاقتصادية والاستراتيجية في شرق المتوسط والخليج.
أما لبنان، فيواجه معضلة مركبة. فمن جهة، يحتاج إلى دعم المجتمع الدولي لإعادة إنعاش اقتصاده وتعزيز مؤسسات الدولة، ومن جهة أخرى يرفض قطاع واسع من اللبنانيين أي تسوية تُفهم على أنها تأتي على حساب السيادة الوطنية أو تمنح إسرائيل امتيازات أمنية دائمة. ولذلك فإن نجاح أي اتفاق مستقبلي سيظل مرتبطًا بقدرته على تحقيق توازن حقيقي بين الأمن والسيادة، لا أن يكون مجرد استجابة لموازين القوى العسكرية.
وفي المحصلة، يبدو أن الجنوب اللبناني يقف اليوم عند مفترق طرق دقيق. فإما أن تنجح الجهود السياسية في تحويل الهدوء الهش إلى استقرار مستدام، وإما أن تبقى المنطقة رهينة معادلة الردع المتبادل، حيث يكفي أي تطور ميداني محدود لإعادة إشعال واحدة من أكثر جبهات الشرق الأوسط حساسية وتعقيدًا.





شارك برأيك
الجنوب اللبناني بين التصعيد الإسرائيلي وضغوط التسوية: لبنان أمام مفترق طرق حاسم