أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس

الاقتصاد الثقافي في القدس: الواقع والتحديات والفرص الممكنة


أطرح في هذا المقال موضوعًا مركزيًا من مكونات الصمود الاجتماعي والثقافي في القدس، وهو الاقتصاد الثقافي، ذلك الحقل الذي يتقاطع فيه الإنتاج الثقافي مع شروط بقائه المادي، وتتداخل فيه القيمة الرمزية مع القدرة على الاستمرار والتأثير، ويستند المقال الى فرضية مركزية تتمثل بان المعركة في القدس تتجاوز القضايا الجيوسياسية، لتشمل المواجهة المستمرة على المعنى والرواية وهوية المدينة، وعلى الحق في إنتاج الثقافة وحمايتها من الاستنزاف والتهميش.
ومن هنا يحاول المقال الإجابة على السؤال المركزي التالي: لماذا لا يتحول الغنى الثقافي المقدسي المتراكم، بكل ما يحمله من مؤسسات ومبادرات وممارسات يومية، إلى قوة اقتصادية– ثقافية مستدامة، تعزز قدرة الفاعلين الثقافيين على الصمود، وتحوّل الثقافة من نشاط هش إلى بنية صمود فعّالة؟
- وفرة المعنى وهشاشة البنية الاقتصادية
تشكل الثقافة في القدس شبكة واسعة من الإنتاج الرمزي والمعرفي والفني ضمن حالة تراكم تحقق الوفرة في سياق الرمز والمعنى, الا انها لا تزال تصطدم ببنية اقتصادية هشة تجعل الاستمرار ذاته تحديًا يوميًا.
المفارقة الأساسية هنا أن القدس تمتلك رأسمالًا ثقافيًا كثيفًا، لكنه لا يتحول إلى منظومة إنتاج قادرة على الاستدامة، فالكثير من المبادرات الثقافية تعمل ضمن دورات قصيرة الأمد، مرتبطة بالمنح أو الجهود الفردية أو التطوع، دون أن تمتلك أدوات التحول إلى مشاريع اقتصادية – ثقافية مستقلة.
- ما الذي يمنع تشكل اقتصاد ثقافي متماسك في القدس؟
يمكن قراءة  التحديات أو المعيقات في ثلاثة مستويات مترابطة:
1. ضعف البيئة الحاضنة للصناعات الثقافية: يحتاج الاقتصاد الثقافي إلى بيئة حاضنة ترتكز على بنية كاملة، تشمل التدريب، والتسويق، والحاضنات، والتمويل، ومساحات العرض، وأدوات الإنتاج الرقمي، اذ لا يمكن الاعتماد المطلق على الفعل الإبداعي فقط، وفي حالة القدس تتوفر جميع هذه العناصر لكنها مجزأة وغير مترابطة، حيث تنجح كثير من المؤسسات في إنتاج محتوى ثقافي نوعي، لكنها تفتقر إلى أدوات تحويل هذا المحتوى إلى دورة اقتصادية مستمرة، قادرة على خلق فرص عمل وتوسيع الأثر الاجتماعي.
2. الفصل بين القيمة الثقافية والاستدامة المالية: لا يزال هناك تصور ضمني لدى بعض الفاعلين الثقافيين بأن التفكير الاقتصادي يُضعف البعد الثقافي أو الرمزي للعمل، خلق هذا التصور ثنائية غير صحية بين الثقافة والاقتصاد، بينما الواقع يؤكد أن غياب النموذج الاقتصادي هو ما يهدد استمرارية الثقافة لا العكس، وتتجسد المشكلة هنا في غياب نموذج يربط الدخل بالرسالة الثقافية ويحوّله إلى أداة دعم لها، دون ان يكون بديلاً عنها.
3. السياق السياسي والإداري المقيد: لا يمكن فصل الاقتصاد الثقافي في القدس عن السياق السياسي والإداري الذي يؤثر في حركة المؤسسات، وإتاحة الموارد، وتنظيم الفعاليات، تشكّل هذه القيود جزءًا من الواقع البنيوي القائم، وهي معطى يجب إدراكه بوضوح دون أن يتحول إلى ذريعة لتعطيل الفعل أو تجميد المبادرة، غير أن التحدي الحقيقي لا يختزل في تشخيص هذه القيود، وإنما في تطوير أنماط عمل مرنة وواقعية تتعامل معها بوصفها جزءًا من بيئة العمل وعدم الاكتفاء بوصفها عائقًا خارجها، أي الانتقال من منطق التبرير أو التنظير إلى منطق الفعل القادرعلى التكيّف، عبر إرادة واعية تستثمر ما هو ممكن، وتعيد توظيف الفرص المتاحة لصناعة مسارات اقتصادية – ثقافية قابلة للحياة، بهذا المعنى، تصبح القيود نفسها جزءًا من معادلة الابتكار، وتشكل نقطة بداية لا نهاية لها، إذ يمكن تحويلها، عبر العمل التراكمي والشبكي، إلى فرص تنتج دائرة اقتصادية تدعم استدامة الفعل الثقافي.

- أين تكمن الفرص الممكنة؟
تمتلك القدس رغم هشاشة واقعها، فرصًا كامنة يمكن البناء عليها إذا تم التعامل معها بمنطق تنموي بدل منطق إدارة الأزمة فقط.
أولًا: الفضاء الرقمي كمساحة امتداد: فتح التحول الرقمي أفقًا جديدًا أمام الثقافة المقدسية، حيث أصبح بالإمكان إنتاج المحتوى الثقافي وتوثيق الذاكرة وتوزيع الإنتاج الفني خارج حدود الجغرافيا التقليدية، لا يعوض هذا الفضاء الحضور المادي، لكنه يوسع دائرة التأثير ويخلق مسارات جديدة للتمويل والتفاعل.
ثانيًا: ربط الثقافة بالاقتصاد المحلي الصغير: يمكن للمؤسسات الثقافية أن تتحول من منصات فعاليات إلى منصات إنتاج مهارات، عبر التدريب على إدارة المشاريع الإبداعية، وصناعة المحتوى، والحرف التراثية، والتسويق الثقافي، كما يمكن تحويل الثقافة إلى جزء من الاقتصاد المحلي اليومي، بدل الاعتماد عليها كنشاط
موازي فقط، يعزز هذا التحول من دور الشباب، ويخلق فرص عمل مرتبطة بالهوية الثقافية.
ثالثًا: بناء شبكات تعاون ثقافي – اجتماعي: أحد أبرز التحديات في المشهد الثقافي المقدسي تتجسد بالعمل المنفصل للمبادرات رغم تقاطع أهدافها، لذا يتيح العمل على بناء شبكات تعاون حقيقية تقاسم الموارد والخبرات، ويخفض الكلفة، ويضاعف الأثر، ويعزز نمو الاقتصاد الثقافي عبر التراكم الشبكي والتكامل.
- ما الذي يمكن فعله عمليًا؟
لتحويل هذه الرؤية إلى مسار قابل للتطبيق، يمكن البدء بخطوات تأسيسية واضحة:
1.    إنشاء قاعدة بيانات ثقافية مقدسية توثق الفاعلين والمبادرات والاحتياجات والفجوات.
2.    بناء شبكة تعاون مؤسسي بين المراكز الثقافية والتعليمية والاقتصادية.
3.    تطوير نماذج تمويل مرنة ومتعددة المصادر تشمل التمويل المحلي، والشتات، والتمويل الجماعي.
4.    تبني نموذج اقتصادي مزدوج يدمج بين الرسالة الثقافية والاستدامة المالية عبر ورش مدفوعة، وإنتاج رقمي، ومواد معرفية، وخدمات ثقافية.
- نحو اقتصاد ثقافي مستدام
يتجلى الاقتصاد الثقافي في القدس في أشكال متعددة من الإنتاج الثقافي والمبادرات الفردية والمؤسساتية، إلا أن هذه الحيوية ما تزال غير مهيكلة بالشكل الذي يسمح بتحويلها إلى منظومة اقتصادية مستدامة وفاعلة، فالمشكلة تتجسد في محدودية القدرة على تحويل هذا الرأسمال الثقافي المتراكم إلى قوة إنتاج مستمرة قادرة على التأثير والصمود.
يتداخل الفعل الثقافي في القدس مع معنى الوجود ذاته، لتصبح الثقافة أكثر من نشاط رمزي أو تعبير إبداعي، فهي جزء رئيسي من بنية الصمود الاجتماعي وآلية من آليات الحفاظ على الهوية واستمرارها، من هنا، فإن التفكير في الاقتصاد الثقافي لا ينبغي أن يُختزل كخيار تنموي ثانوي، وانما كمسار أساسي لحماية الفضاء الثقافي وتعزيز قدرته على الاستمرار والتجدد، والمقصود بالانتقال نحو اقتصاد ثقافي مستدام هو الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى البنية، ومن الجهود الفردية إلى الفعل الجماعي المنظم، ومن هشاشة الاستجابة إلى قوة الفعل المنتج، حيث تتحدد في هذا التحول ملامح مستقبل الثقافة في القدس، بإعتبارة حلقة توازن ما بين اقتصاد المعنى واقتصاد الإنتاج.

أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:25 صباحًا - بتوقيت القدس

الأسيرات الفلسطينيات.. عندما تصبح المرأة ساحة حرب


ثمة حروب تُخاض على الجبهات، وأخرى تُخاض في الزنازين. وفي فلسطين، لم تعد السجون مجرد أماكن لاحتجاز الأفراد، بل تحولت، على نحو متزايد، إلى امتداد مباشر لمعركة تستهدف المجتمع الفلسطيني بأكمله. ولعل ما تتعرض له الأسيرات الفلسطينيات اليوم يكشف واحداً من أكثر وجوه هذه الحرب قسوةً وخطورة؛ حرب لا تكتفي بحرمان المرأة من حريتها، بل تسعى إلى تجريدها من كرامتها وإنسانيتها وحقها في أن تكون شاهدة على زمنها لا ضحية له.
المعطيات الأخيرة التي نشرها نادي الأسير الفلسطيني بشأن ارتفاع عدد الأسيرات إلى نحو خمسة وتسعين أسيرة، بينهن طفلات ونساء حوامل ومعتقلات إدارياً، لا ينبغي التعامل معها بوصفها مجرد أرقام في تقرير حقوقي جديد. فالأرقام، مهما بلغت قسوتها، لا تستطيع أن تنقل وحدها حجم الألم المختبئ خلف أبواب الزنازين. وراء كل رقم أمّ انتُزعت من أطفالها، أو طالبة جامعية أُخرجت من قاعة محاضراتها إلى غرفة تحقيق، أو امرأة وجدت نفسها فجأة في مواجهة منظومة كاملة من العزل والقهر والإذلال.
الأمر اللافت أن الاعتقالات لم تعد تقتصر على الناشطات السياسيات أو على النساء المرتبطات بشكل مباشر بملفات المقاومة والأسرى، بل باتت تطال الطالبات والخريجات والنساء من مختلف الفئات الاجتماعية. وكأن الرسالة المراد إيصالها تتجاوز الفرد إلى المجتمع نفسه: لا أحد خارج دائرة الاستهداف. لكن الاعتقال، على فداحته، ليس سوى بداية الحكاية.
فالشهادات المتواترة عن الضرب والتنكيل والتفتيش المهين والعزل الانفرادي والتجويع والحرمان من العلاج تكشف عن واقع يتجاوز فكرة الاحتجاز إلى صناعة معاناة يومية مقصودة. وحين تتحول الإهانة إلى سياسة، والعزل إلى أداة عقاب ممنهجة، والحرمان من الرعاية الصحية إلى وسيلة ضغط، فإننا نكون أمام محاولة منظمة لإخضاع الإنسان عبر استنزافه نفسياً وجسدياً.
الأشد إيلاماً أن المرأة الفلسطينية تدفع اليوم ثمن كونها امرأة وفلسطينية في آن واحد. فهي مستهدفة باعتبارها جزءاً من شعب واقع تحت الاحتلال، ومستهدفة أيضاً لدورها المركزي داخل الأسرة والمجتمع. ولذلك لا يمكن فصل استهداف الأسيرات عن محاولات أوسع لتفكيك البنية الاجتماعية الفلسطينية وإضعاف مصادر صمودها. فالمرأة التي تحفظ تماسك الأسرة، وتربي أبناءها على الأمل رغم الخراب، وتواصل تعليمها وعملها رغم الحصار، تمثل في نظر الاحتلال عنواناً للصمود بقدر ما تمثل عنواناً للحياة. غير أن القضية لا تكمن فقط فيما يجري داخل السجون.
القضية الحقيقية تكمن في ذلك العجز الأخلاقي الذي بات يطبع الموقف الدولي. فمنظمات حقوق الإنسان توثق، والهيئات الأممية تعرب عن القلق، والتقارير تتراكم عاماً بعد عام، فيما تستمر الانتهاكات بوتيرة متصاعدة. وكأن العالم نجح في تحويل المأساة الفلسطينية إلى مشهد اعتيادي؛ مأساة تُشاهَد وتُوثَّق وتُناقَش، لكنها نادراً ما تُواجَه بإجراءات حقيقية.
لقد أصبح من المشروع التساؤل: كيف يمكن للمنظومة الدولية أن تتحدث عن حماية المرأة وحقوق الإنسان بينما تعجز عن حماية أسيرات يتعرضن لانتهاكات موثقة ومستمرة؟ وكيف يمكن للقانون الدولي أن يحتفظ بسلطته المعنوية إذا كان تطبيقه خاضعاً لاعتبارات السياسة وموازين القوة؟
إن قضية الأسيرات الفلسطينيات ليست قضية نسوية فحسب، وليست ملفاً حقوقياً معزولاً عن سياقه. إنها اختبار يومي لصدقية العالم المعاصر في حديثه عن العدالة والكرامة الإنسانية. وهي تذكير مؤلم بأن الاحتلال لا يكتفي بمصادرة الأرض، بل يسعى أيضاً إلى مصادرة الإنسان نفسه.
وربما لهذا السبب تبدو الأسيرات الفلسطينيات اليوم أكثر من مجرد ضحايا. إنهن شاهدات على زمن فقد كثيراً من يقينه الأخلاقي، وعلى عالم بات يعرف كل شيء عمّا يحدث، لكنه يفضّل في معظم الأحيان أن ينظر في الاتجاه الآخر.
وإذا كانت الحرية هي المعيار الأسمى لكرامة الإنسان، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام ضمير العالم هو: كم أسيرة أخرى يجب أن تدخل الزنزانة قبل أن يتحول التعاطف إلى موقف، والتوثيق إلى محاسبة، والصمت إلى فعل؟
حتى الآن، لا تملك الأسيرات سوى الصبر.
اما العالم، فلا يزال مديناً لهن بالعدالة.



أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:24 صباحًا - بتوقيت القدس

من وهم السلام إلى منطق الهيمنة: التحول الإسرائيلي يكشف أن الأزمة في طبيعة المشروع لا في رفض التسوية


منذ عقود طويلة هيمنت على الخطاب الغربي والإسرائيلي رواية سياسية مفادها أن جوهر الصراع العربي الإسرائيلي يكمن في رفض العرب والفلسطينيين للسلام وعدم استعدادهم لقبول إسرائيل بوصفها حقيقة سياسية نهائية في المنطقة. ووفق هذا التصور، فإن إسرائيل قدمت نفسها باعتبارها طرفًا يسعى إلى التسوية والتعايش، بينما كانت المشكلة الأساسية، بحسب هذه الرواية، في الطرف العربي الذي لم يتكيف مع التحولات التاريخية ولم يتقبل نتائجها.
إلا أن مسار الأحداث خلال العقود الماضية، وما شهدته إسرائيل من تحولات فكرية وسياسية متراكمة، يدفع إلى إعادة النظر في هذه الفرضية من أساسها. فالأزمة لا تبدو مرتبطة فقط بمسألة قبول إسرائيل أو رفضها، ولا تتعلق حصراً بحدود عام 1967 أو بترتيبات الأمن والتفاوض، وإنما ترتبط بصورة أعمق بطبيعة المشروع الصهيوني ذاته، وبالمنطق الذي حكم تطوره منذ نشأته وحتى اللحظة الراهنة.
فالصهيونية لم تكن مجرد حركة سياسية تسعى إلى إيجاد ملاذ آمن لليهود المضطهدين في أوروبا، بل كانت مشروعًا قوميًا استيطانيًا هدف إلى إنشاء كيان سياسي جديد عبر إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والهوية السياسية لفلسطين. وقد انطلقت معظم التيارات الصهيونية، رغم اختلافاتها الفكرية، من افتراض أساسي يتمثل في أولوية إقامة دولة ذات أغلبية يهودية وسيادة يهودية حصرية على الأرض.
صحيح أن الصهيونية لم تكن تيارًا واحدًا متجانسًا؛ فقد ضمت الصهيونية العمالية والصهيونية التصحيحية والصهيونية الدينية وغيرها من التيارات المختلفة، إلا أن هذه الاختلافات دارت غالبًا حول الوسائل والتكتيكات أكثر مما دارت حول الأهداف النهائية. فقد اشتركت هذه التيارات بدرجات متفاوتة في السعي إلى ضمان أغلبية يهودية مستقرة، والحفاظ على التفوق الأمني والعسكري، ومنع أي ترتيبات سياسية قد تهدد الطابع اليهودي للدولة.
ومن هنا فإن أحد الأخطاء الشائعة في قراءة التحولات الإسرائيلية يتمثل في الاعتقاد بأن إسرائيل انتقلت فجأة من الاعتدال إلى التطرف، أو من مشروع سلام إلى مشروع توسع. فالواقع أن ما نشهده اليوم لا يعكس بالضرورة ولادة مشروع جديد، بل يكشف بصورة أوضح كثيرًا عن مضامين كامنة داخل المشروع منذ عقود طويلة.
لقد كان ما يسمى بمعسكر السلام الإسرائيلي أكثر ميلاً إلى إدارة الصراع عبر أدوات دبلوماسية وسياسية تسمح بالحفاظ على الشرعية الدولية وتقليل كلفة السيطرة، بينما تميل التيارات القومية والدينية الصاعدة إلى التعبير المباشر عن الأهداف ذاتها دون الحاجة إلى الغطاء الخطابي الذي ساد في مراحل سابقة. وبعبارة أخرى، فإن التحول الأساسي لا يكمن فقط في تغيير الأهداف، بل في الانتقال من مرحلة كانت الهيمنة تُدار فيها بلغة التسوية إلى مرحلة يجري فيها الإفصاح عنها بلغة القوة.
وهنا تظهر أهمية النظر إلى الحالة الإسرائيلية ضمن إطار أوسع يتعلق بالمشاريع الاستيطانية في التاريخ الحديث. فالتجارب الاستيطانية الكبرى، سواء في أمريكا الشمالية أو أستراليا أو جنوب أفريقيا أو الجزائر الفرنسية، لم تنظر إلى السكان الأصليين بوصفهم شركاء متساوين في السيادة، بل باعتبارهم معضلة ديموغرافية وسياسية يجب التعامل معها عبر الإقصاء أو الاحتواء أو إعادة الهندسة الاجتماعية والسياسية.
ولا يعني ذلك التطابق الكامل بين هذه التجارب والحالة الإسرائيلية، فلكل تجربة خصوصيتها التاريخية والسياسية، إلا أن المقارنة تكشف نمطًا متكررًا يتمثل في سعي المشروع الاستيطاني إلى الجمع بين السيطرة على الأرض وتقليص الوزن السياسي للسكان الأصليين. ومن هذا المنظور يمكن فهم جانب مهم من المعضلة الإسرائيلية المستمرة: فإسرائيل تسعى إلى الاحتفاظ بأكبر مساحة ممكنة من الأرض، لكنها في الوقت نفسه تخشى من النتائج الديموغرافية والسياسية المترتبة على منح الفلسطينيين حقوقًا سياسية كاملة داخل هذه المساحة.
ومن هنا تنشأ المعضلة البنيوية التي تواجهها الدولة الإسرائيلية: كيف يمكن الجمع بين السيطرة على كامل الأرض تقريبًا، والحفاظ على الأغلبية اليهودية، والاستمرار في تقديم الدولة باعتبارها ديمقراطية في الوقت نفسه؟ لقد شكل هذا السؤال أحد المحركات الرئيسية للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين خلال العقود الماضية، وهو يفسر جانبًا مهمًا من التردد الإسرائيلي المزمن تجاه أي تسوية نهائية قائمة على المساواة السياسية الكاملة.
لكن فهم التحولات الإسرائيلية الراهنة يتطلب أيضًا إدخال متغير آخر أكثر أهمية، وهو متغير فائض القوة.
ففي الأدبيات الواقعية للعلاقات الدولية، تسعى الدول في الظروف الطبيعية إلى تحقيق الأمن والبقاء. غير أن امتلاك قوة تفوق كثيرًا متطلبات الدفاع المباشر قد يدفع بعض الدول إلى الانتقال من منطق الأمن إلى منطق الهيمنة. وعندما يتحول التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي إلى فائض قوة مستدام، تصبح الدولة أكثر قدرة على إعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بها بدل الاكتفاء بالتكيف معها.
وهذا ما يبدو أنه حدث تدريجيًا في الحالة الإسرائيلية بعد حرب عام 1967. فقد خرجت إسرائيل من تلك الحرب وهي لا تملك فقط تفوقًا عسكريًا واضحًا، بل تمتلك أيضًا شعورًا متزايدًا بالقدرة على إعادة رسم التوازنات الإقليمية وفق مصالحها الخاصة. ومع مرور الوقت، وتعاظم الدعم الغربي، وتراجع النظام العربي، وتفكك عدد من الدول المركزية في المنطقة، بدأت إسرائيل تنتقل تدريجيًا من دولة منشغلة أساسًا بمسألة البقاء إلى دولة تمتلك القدرة على التأثير في شكل البيئة الإقليمية نفسها.
ومن منظور استراتيجي، فإن فائض القوة لا يغير فقط قدرات الدولة، بل يغير أيضًا طريقة تفكيرها. فكلما ازداد اختلال ميزان القوى لصالح طرف معين، تقل حوافزه لتقديم تنازلات جوهرية، وتزداد قدرته على فرض الوقائع من جانب واحد. ولذلك لم يكن مستغربًا أن تتزامن مراحل التفوق الإسرائيلي المتزايد مع توسع الاستيطان وتعميق السيطرة الأمنية ورفع سقف المطالب السياسية.
ومن هذه الزاوية يمكن تفسير مفارقة تاريخية مهمة: فكلما ازدادت التنازلات الفلسطينية والعربية، لم يقترب الصراع من الحل النهائي بقدر ما ازداد اختلال ميزان القوى. فالاعتراف الفلسطيني بإسرائيل لم يوقف الاستيطان، واتفاقيات أوسلو لم تؤد إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، وموجات التطبيع العربي لم تنتج تحولًا موازياً داخل الفكر السياسي الإسرائيلي نحو تسوية نهائية شاملة.
والسبب في ذلك أن الصراع، من منظور جزء متزايد من النخبة الإسرائيلية، لم يعد يُنظر إليه باعتباره نزاعًا حدوديًا يمكن حله عبر التسويات التقليدية، بل باعتباره عملية مستمرة لإدارة المجال الجيوسياسي بما يضمن استمرار التفوق الإسرائيلي ومنع ظهور أي مراكز قوة قادرة على تحديه مستقبلاً.
وقد عزز صعود التيارات القومية والدينية هذا الاتجاه بصورة غير مسبوقة. فهذه التيارات لا تنظر إلى الضفة الغربية باعتبارها مجرد منطقة متنازع عليها، بل باعتبارها جزءًا من المجال التاريخي والديني للشعب اليهودي. وضمن هذا التصور تصبح التسوية الإقليمية أقل أهمية من تثبيت السيطرة طويلة الأمد على الأرض، ويتحول الصراع تدريجيًا من صراع سياسي إلى صراع مرتبط بالهوية والعقيدة والتاريخ.
كما أن هذا التحول ترافق مع تراجع نسبي للقوى الليبرالية داخل إسرائيل وصعود قوى أكثر استعدادًا لاستخدام مفردات الضم والحسم والتهجير وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي بصورة علنية. وهنا تكمن أهمية اللحظة الراهنة؛ فهي لا تكشف فقط عن تغيرات سياسية عابرة، بل تعكس تحولات أعمق في طبيعة النخبة الحاكمة وفي تصورها لمستقبل المنطقة.
وقد جاءت الحرب التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر 2023 لتكشف هذه التحولات بصورة أكثر وضوحًا. فالنقاشات التي دارت داخل إسرائيل لم تقتصر على الأمن والردع، بل امتدت إلى أسئلة تتعلق بمستقبل الوجود الفلسطيني نفسه، وبإعادة تشكيل غزة سياسيًا وديموغرافيًا، وبإمكانية القضاء على أي أفق لقيام كيان سياسي فلسطيني مستقل.
وعند هذه النقطة تحديدًا يصبح من الصعب تفسير السلوك الإسرائيلي بالاعتماد على مفهوم الأمن وحده. فالأمن يفسر جزءًا من السياسات الإسرائيلية، لكنه لا يفسر وحده التوسع الاستيطاني المستمر، ولا يفسر رفض العديد من التيارات الإسرائيلية لأي صيغة سيادة فلسطينية حقيقية، ولا يفسر النزعة المتزايدة نحو إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يضمن استمرار التفوق الإسرائيلي لعقود قادمة.
إن التطور الأهم الذي تكشفه التحولات الإسرائيلية الراهنة هو الانتقال التدريجي من منطق الدولة الباحثة عن الأمن إلى منطق القوة الساعية إلى إدارة الهيمنة. وفي هذا السياق لا يعود الصراع مجرد خلاف على الحدود أو على ترتيبات أمنية قابلة للتفاوض، بل يصبح جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تنظيم المجال السياسي والجيوسياسي في الشرق الأوسط وفق موازين قوة تميل بصورة ساحقة لصالح إسرائيل.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا فشلت محاولات السلام المتعاقبة؟ بل أصبح: هل يمكن أصلًا إنتاج سلام مستدام في ظل مشروع يمتلك فائضًا كبيرًا من القوة، ويرى في استمرار تفوقه الاستراتيجي شرطًا لبقائه، ويعتبر أن إعادة تشكيل البيئة المحيطة به جزء من أمنه القومي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستكون حاسمة ليس فقط لفهم مستقبل القضية الفلسطينية، بل لفهم مستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط بأكمله.
========================

إن التطور الأهم الذي تكشفه التحولات الإسرائيلية الراهنة هو الانتقال التدريجي من منطق الدولة الباحثة عن الأمن إلى منطق القوة الساعية إلى إدارة الهيمنة

أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:24 صباحًا - بتوقيت القدس

نعم إحنا غير ..


نحتفل بمناسبة تولي رأس الدولة الملك عبدالله سلطاته الدستورية، بمباهاة وافتخار، بدون منة أو مجاملة، أو فرض رسمي، تجيزه الأدوات والسلطات والحوافز، ولكن الدوافع ذاتية وطنية قومية، فرضتها ما نعيشه، من اطمئنان وواجب ومتطلبات العيش الكريم.
لسنا مرفهين، نعم، لسنا أثرياء أكيد، ولكننا نعيش في وطن الطمأنينة الوطنية، ووطن الانحياز والدعم للشعب الفلسطيني، ونتمسك بقيمنا القومية وضروراتها، كمسلمين ومسيحيين، وكبشر يستحقون أصول الحياة، كل منا حسب ظروفه ومعطياته، ومعاييره وتطلعاته، دائماً.
لسنا نموذجاً، ومع ذلك لسنا في آخر الطيف، لدينا من الأمن والاستقرار، ومن التعددية والهامش الديمقراطي، ومفاتيح الوصول إلى مؤسسات صنع القرار، يجعلنا كمواطنين، ومهنيين، وحزبيين، وقادة مجتمع مدني، كي نكون عبر النقابات، والبلديات والاحزاب ومجلس النواب، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني والإعلام، شركاء في صنع القرار.
لدينا نظام سياسي، مهما سجلنا عليه من ملاحظات، ولكنه لا يتصف بالعنف والقمع وحرمان الآخر من التعبير والاحتجاج، والمطالبة بالتغيير والتصويب، وقبول الفكرة واستحسان الفكرة إذا ملكت الموضوعية والاستجابة لمتطلبات احتياجاتنا المتعددة.
نحتفل بإدارة الدولة، من قبل رأس الدولة، وكلنا نظر وتقييم لما حصل، طوال ربع القرن الماضي، بروح نقدية، ودوافع وطنية، وتطلعات تقدمية، عشناها بالمقارنة لما حولنا، ومن معنا، فتستقر نفوسنا، وكلنا أمل ورجاء نحو غد أفضل، نصنعه معاً، عبر استقرار واحترام، والإقرار بأهمية صناديق الاقتراع، للنقابات، للبلديات، للأحزاب، لمجلس النواب، لعلنا نصل حقاً لما تمت المبادرة إليه: حكومات برلمانية حزبية تعتمد على أصوات الأغلبية البرلمانية، تعبيراً عن أغلبية انحياز الأردنيين لمن يمثلهم.
نحتفل، نتوقف، كمحطة رصد لما كان، ولما سيكون، لن تأتينا الرفاهية، ولكننا نعمل لها، لن تأتينا الوظائف، ولكننا نصنع عوامل وجودها، خلفياتها، ننجح في جامعاتنا ومدارسنا ومعاهدنا، ولكن هذا يحتاج للجهد والتعب، ولذلك أقول معاً نحفظ ما نحن فيه وعليه، ونصنع معاً الغد الأفضل لشعبنا، وهذا الأردن الذي نصنعه هو الرافعة لفلسطين، وهذا مصدر ما نتباهى به، وهذا لم يكن ولن يكون إلا بحكمة رأس الدولة وتفانيه ونحن معه، وإليه، ولكننا جميعاً معا من أجل الأردن الذي ننتمي إليه ونعيشه ويعيش فينا ومعنا.



فلسطين

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة المقاصة.. استراتيجية إسرائيلية لتقويض السلطة وفرض واقع جديد

مسيف مسيف: هناك نهج إسرائيلي مستمر وليس وليد المرحلة الحالية يهدف إلى منع السلطة من تعزيز قدراتها الاقتصادية وترسيخ حضورها السياسي
جهاد حرب: إسرائيل تسعى لتحميل السلطة مسؤولية أيّ عمليات لدفعها لممارسة مزيد من الضغوط على المجتمع ومنع أي أعمال مقاومة للاحتلال
أيهم أبو غوش: مواصلة إسرائيل سياسة الاقتطاعات واحتجاز أموال المقاصة قد تؤدي خلال الأشهر المقبلة إلى عجز السلطة عن القيام بالتزاماتها
محمد الرجوب: الخطورة في تأسيس معادلة جديدة بالتعامل مع أموال المقاصة المحتجزة لتصبح أداة دائمة للضغط والابتزاز حتى حال التوصل لتفاهمات مستقبلية
حسناء الرنتيسي: الخطر الأعمق تراجع القدرة على التخطيط بسبب ربط الاقتطاعات بتقديرات إسرائيلية متغيرة تُحوّل إدارة المالية العامة لعملية "نجاة شهرية"
سليمان بشارات: هذه السياسات هدفها إحداث حالة من الانهيار المنظم داخل المجتمع الفلسطيني لفتح المجال أمام زيادة الضغوط والدفع للبحث عن الهجرة


رام الله – خاص بـ"القدس"-

تتسع المخاوف من تداعيات القرار الأخير القاضي للكنيست الإسرائيلي باقتطاع مبالغ إضافية من أموال المقاصة لتعويض ما تسميهم إسرائيل متضرري العمليات التي ينفذها فلسطينيون، في ظل تحذيرات من أن الخطوة لا تقتصر على آثارها المالية المباشرة، بل تعكس توجهاً إسرائيلياً متصاعداً لتحويل أبرز الإيرادات الفلسطينية إلى أداة ضغط سياسية واقتصادية دائمة، بما يعمق الأزمة التي تواجهها السلطة الفلسطينية ويحد من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية.
ويرى خبراء اقتصاديون وكتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث مع "القدس"، أن الاقتطاعات الجديدة تأتي ضمن مسار متواصل يستهدف إحكام السيطرة على الموارد المالية الفلسطينية واستنزافها تدريجياً، عبر توسيع نطاق الخصومات وربطها بقرارات وتشريعات إسرائيلية داخلية، الأمر الذي يهدد بتقليص الإيرادات التي تشكل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة العامة، ويضع قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، أمام ضغوط متزايدة، محذرين من أن ما تقوم به إسرائيل من  استمرار احتجاز الأموال والاقتطاعات المتراكمة قد يدفع السلطة إلى مرحلة أكثر حرجاً مالياً، مع ارتفاع مستويات الدين العام وتراجع القدرة على التخطيط المالي والإنفاق التنموي.
ويشيرون إلى أن تداعيات الأزمة لن تقتصر على المؤسسات الرسمية، بل ستمتد إلى الأسواق المحلية والقطاع الخاص ومستويات المعيشة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تكريس واقع تصبح فيه أموال المقاصة أداة ابتزاز وضغط طويلة الأمد، بما يهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني خلال السنوات المقبلة.


هجمة سياسية اقتصادية

يحذّر الباحث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" مسيف مسيف من التداعيات السياسية والاقتصادية للقرار الإسرائيلي الأخير القاضي باقتطاع مبالغ إضافية من أموال المقاصة الفلسطينية لصالح من تصفهم إسرائيل بأنهم متضررون من عمليات فلسطينية، معتبراً أن الخطوة تأتي في إطار "هجمة سياسية اقتصادية" تستهدف إضعاف السلطة وتقويض قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.
وبحسب مسيف، فإن الاقتطاعات الجديدة لا يمكن فصلها عن سياسة إسرائيلية متواصلة تهدف إلى شل عمل السلطة الفلسطينية وإبقائها عند الحد الأدنى من القدرة على تقديم الخدمات لمواطنيها، موضحاً أن الهدف يتمثل في جعل المؤسسات الفلسطينية عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها الأساسية، وخاصة في القطاعات الأكثر التصاقاً بحياة المواطنين.
ويشير إلى أن آثار الأزمة بدأت تظهر بصورة واضحة في القطاع الصحي، حيث تواجه وزارة الصحة والمستشفيات تحديات متزايدة نتيجة الأزمة المالية المتفاقمة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على المرضى والخدمات الصحية، مشدداً على أن استهداف هذا القطاع يترك آثاراً عميقة على نظرة المواطنين لمؤسسات السلطة، لأن الخدمات الصحية والمعيشية تمثل أكثر الملفات حساسية بالنسبة للجمهور الفلسطيني.

إضعاف الموقف الفلسطيني

ويرى مسيف أن خطورة هذه الإجراءات لا تقتصر على تعميق الأزمة المالية الحالية، بل تمتد إلى إضعاف الموقف الفلسطيني في أي مفاوضات مستقبلية، معتبراً أن إسرائيل تسعى إلى رفع سقف مطالبها مقابل خفض سقف المطالب الفلسطينية إلى أدنى مستوى ممكن. ويلفت مسيف إلى أن الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون، بما في ذلك القيود المفروضة على الحركة وانتشار الحواجز والبوابات العسكرية، إلى جانب توقف عشرات آلاف العمال عن العمل داخل إسرائيل، قد تتحول إلى أوراق ضغط تستخدمها الحكومة الإسرائيلية خلال أي ترتيبات أو تفاهمات مقبلة.
وفي ما يتعلق بالحديث عن إمكانية حدوث انفراجة في الأزمة المالية قبل نهاية العام، يشكك مسيف في قدرة الوعود الأوروبية أو الأمريكية على إحداث تحول حقيقي في الواقع المالي الفلسطيني، مشيراً إلى أن الأزمة سبقت الحرب على غزة بسنوات واستمرت بصورة متواصلة.
ويؤكد مسيف أن أي دعم مالي خارجي، مهما بلغ حجمه، سيبقى دعماً طارئاً ومؤقتاً لا يعالج جذور الأزمة البنيوية التي تعانيها المالية العامة الفلسطينية.

حالة إفلاس غير معلنة

ويوضح مسيف أن السلطة الفلسطينية تواجه "حالة إفلاس غير معلنة"، موضحاً أن مؤشرات الملاءة المالية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل ارتفاع الدين العام وتراجع القدرة على الوفاء بالالتزامات المالية.
ويشدد على أن جميع الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة تعد إجراءات غير قانونية ومخالفة لاتفاقية باريس الاقتصادية والأعراف الدولية، مؤكداً أن محاولات الحكومة الإسرائيلية منح هذه الاقتطاعات غطاءً قانونياً عبر تشريعات الكنيست لا تغير من وضعها القانوني.
ويؤكد مسيف أن سياسة إضعاف السلطة الفلسطينية اقتصادياً وسياسياً ليست وليدة المرحلة الحالية، بل تمثل نهجاً إسرائيلياً مستمراً يهدف إلى منع السلطة من تعزيز قدراتها الاقتصادية وترسيخ حضورها السياسي.

إحكام السيطرة على الإيرادات الفلسطينية

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب أن مصادقة إسرائيل على إجراءات وتشريعات جديدة تتعلق بأموال المقاصة تندرج ضمن مسار متواصل يهدف إلى تشديد الخناق المالي والسياسي على السلطة الفلسطينية، عبر إحكام السيطرة على الإيرادات الفلسطينية التي تجبيها إسرائيل بموجب اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس، وفتح مسارات جديدة لاقتطاعها ومصادرتها.
ويوضح حرب أن أحد الأهداف الرئيسة لهذه السياسة يتمثل في دفع السلطة الفلسطينية نحو حالة من الإنهاك والعجز الذاتي، من خلال تقليص قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه المواطنين، لافتاً إلى أن أموال المقاصة تشكل ما يقارب ثلثي إيرادات السلطة الفلسطينية، ما يجعل أي اقتطاعات إضافية ذات تأثير مباشر على قدرتها مستقبلاً في تقديم الخدمات العامة ودفع الرواتب وتسيير عمل المؤسسات الحكومية.

تحميل السلطة المسؤولية

ويشير حرب إلى أن إسرائيل تسعى كذلك إلى تحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية أي عمليات ينفذها فلسطينيون ضد المستوطنين أو الجنود الإسرائيليين، عبر فرض أعباء مالية متزايدة عليها، بما يهدف إلى دفعها لممارسة مزيد من الضغوط على المجتمع الفلسطيني ومنع أي أعمال مقاومة للاحتلال، بغض النظر عن طبيعتها أو أشكالها.
ويؤكد أن هذه السياسات تشكل جزءاً من استراتيجية أوسع لاستنزاف القدرات المالية الفلسطينية، سواء على مستوى السلطة أو المجتمع، من خلال السيطرة شبه الكاملة على الموارد المالية الفلسطينية وتعميق الأزمة الاقتصادية القائمة.
ويلفت حرب إلى أن هذا النهج ليس جديداً، إذ بدأت ملامحه بشكل واضح منذ عام 2019 مع اقتطاع مبالغ مرتبطة بمخصصات الأسرى وعائلات الشهداء، قبل أن تتوسع الاقتطاعات بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لتشمل الأموال المخصصة لقطاع غزة ضمن الموازنة الفلسطينية.
ويبيّن حرب أن الاقتطاعات لم تعد تقتصر على القرارات الحكومية الإسرائيلية، بل امتدت أيضاً إلى قرارات قضائية تسمح بتحويل أموال فلسطينية كتعويضات للإسرائيليين المتضررين من العمليات.
ويشدد حرب على أن الخطوة الجديدة تعكس توجهاً إسرائيلياً لتحميل السلطة الفلسطينية أعباء التعويضات الاجتماعية التي تتحملها إسرائيل لمواطنيها المصابين أو الذين أصيبوا بإعاقات نتيجة تلك العمليات، ما يفتح الباب أمام مزيد من الاقتطاعات ويكرس السيطرة الإسرائيلية على أموال المقاصة الفلسطينية ويعمق الأزمة المالية التي تواجهها السلطة.

تأثيرات عميقة

يعتبر الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش أن قرار الكنيست الإسرائيلي المتعلق باقتطاع مزيد من أموال المقاصة لتعويض ما تسميه إسرائيل تعويض متضرري العمليات، يعكس استمرار الحكومة الإسرائيلية الحالية، ذات التوجهات اليمينية المتطرفة، في تبني سياسات مالية وسياسية تستهدف إضعاف السلطة الفلسطينية ودفعها نحو مزيد من الأزمات المالية، وصولاً إلى تهديد قدرتها على الاستمرار والقيام بمهامها الأساسية.
ويوضح أن أموال المقاصة تمثل نحو 68% من إيرادات السلطة الفلسطينية، ما يجعل أي اقتطاعات جديدة ذات تأثير مباشر وعميق على الوضع المالي الفلسطيني في حال كانت هناك انفراجة لأزمة أموال المقاصة المحتجزة.
ويرى أبو غوش أن مجمل الإجراءات الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، تشير إلى وجود مسار متدرج نحو تجفيف هذه الإيرادات أو تقليصها إلى أدنى حد ممكن، من خلال أدوات متعددة، من بينها الاقتطاعات المباشرة والقضايا المرفوعة ضد السلطة الفلسطينية والتي تُستخدم لتبرير حجز مزيد من الأموال.

أبعاد سياسية إسرائيلية داخلية

ويلفت أبو غوش إلى أن للقرار أبعاداً سياسية داخلية في إسرائيل أيضاً، إذ قد يرتبط بالمنافسة بين مكونات اليمين الإسرائيلي والسعي إلى كسب مزيد من التأييد الانتخابي عبر تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين.
ويوضح أبو غوش أن بعض الأحزاب والقوى المشاركة في الائتلاف الحاكم أعلنت سابقاً معارضتها لاتفاق أوسلو وأبدت رغبتها في إنهاء دور السلطة الفلسطينية أو تقليص وجودها.
وفي ما يتعلق بالتداعيات الاقتصادية إثر القرار الجديد، يؤكد أبو غوش أن الأزمة المالية الفلسطينية بلغت مستويات غير مسبوقة بعد أكثر من عامين ونصف من الاقتطاعات المتواصلة واحتجاز أجزاء واسعة من أموال المقاصة، الأمر الذي أجبر السلطة على الاعتماد بصورة شبه كاملة على الإيرادات المحلية.

تأثير على القطاعات الحيوية

ويوضح أبو غوش أن هذا الواقع ألقى بظلاله على قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم، اللذان يواجهان ضغوطاً مالية متزايدة ومخاطر حقيقية على استمرارية الخدمات المقدمة فيهما، مشيراً إلى أن الدين العام الفلسطيني تجاوز 15 مليار دولار، بما يعادل نحو 48 مليار شيكل، في وقت استنفدت فيه السلطة إلى حد كبير أدوات التمويل والاقتراض المحلية.
ويحذر أبو غوش من أن استمرار الاقتطاعات واحتجاز أموال المقاصة قد يؤدي خلال الأشهر المقبلة إلى عجز السلطة عن الإيفاء بالتزاماتها، سواء تجاه الموظفين أو على صعيد النفقات التشغيلية اللازمة لاستمرار الخدمات الأساسية.
ويقدر أبو غوش أن هناك احتمالاً بأن تقدم إسرائيل مستقبلاً على الإفراج عن جزء محدود من أموال المقاصة المحتجزة، لكن بعد تثبيت الاقتطاعات الجديدة وتحويلها إلى أمر واقع، بما يكرس استمرار السيطرة الإسرائيلية على جزء متزايد من الإيرادات الفلسطينية.

استراتيجية إسرائيلية أوسع

يحذر الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب من التداعيات السياسية والاقتصادية المتفاقمة للمصادقة الجديدة للكنيست الإسرائيلي على اقتطاع مئات ملايين الشواكل سنوياً من أموال المقاصة الفلسطينية، معتبراً أن الخطوة تتجاوز كونها إجراءً مالياً أو عقابياً مرتبطاً بظروف أمنية وسياسية، لتشكل جزءاً من استراتيجية إسرائيلية أوسع تستهدف إعادة صياغة العلاقة مع الفلسطينيين وفرض واقع اقتصادي وسياسي جديد.

رسائل سياسية واقتصادية عميقة

ويوضح الرجوب أن القرار القاضي باقتطاع مبالغ تعادل قيمة الأضرار التي تدعي إسرائيل أنها نجمت عن عمليات نفذها فلسطينيون ضد مستوطنين وإسرائيليين، وتحويل هذه الأموال إلى المتضررين ثم إلى الخزينة الإسرائيلية، يحمل رسائل سياسية واقتصادية عميقة تتجاوز قيمته المالية المباشرة.
ويؤكد الرجوب أن إسرائيل انتقلت من استخدام أموال المقاصة كورقة ضغط ظرفية إلى محاولة تحويل الاقتطاعات إلى آلية دائمة ومؤسسية تستند إلى تشريعات وقوانين داخلية تمنحها غطاءً قانونياً لمواصلة احتجاز الأموال والتصرف بها وفق أولوياتها السياسية والأمنية.
ويشير الرجوب إلى أن أخطر ما في القرار أنه يكرس مفهوم "العقاب الجماعي المالي"، إذ لا تتحمل تبعاته جهات أو أفراد بعينهم، بل ينعكس على مجمل المجتمع الفلسطيني، من الموظفين والمتقاعدين إلى العاملين في مختلف القطاعات، ما يؤدي إلى نقل الصراع من مستواه السياسي والأمني إلى المستوى المعيشي اليومي للمواطنين.

إعادة تعريف العلاقة الاقتصادية مع السلطة

ويبيّن الرجوب أن هذه السياسة تسعى أيضاً إلى إعادة تعريف العلاقة الاقتصادية مع السلطة الفلسطينية بطريقة تفرغ أي حديث عن الاستقلال المالي من مضمونه، موضحاً أن اعتماد السلطة بشكل كبير على أموال المقاصة يجعل التحكم الإسرائيلي بالإيرادات الفلسطينية أداة سيطرة سياسية أكثر تأثيراً من العديد من أدوات الضغط الأخرى.
ويرى أن القرار يندرج ضمن سياسة أوسع تستهدف إضعاف السلطة الفلسطينية وتقليص قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، مشيراً إلى أن تعميق الأزمة المالية سيؤدي إلى زيادة العجز في الموازنة العامة، ويضع الحكومة أمام خيارات صعبة تشمل توسيع الاقتراض، أو خفض النفقات، أو الاستمرار في صرف الرواتب بشكل منقوص وتأجيل الالتزامات المالية المستحقة للقطاع الخاص والمؤسسات المختلفة.
ويعتقد الرجوب أن أول انعكاسات الاقتطاعات ستظهر على رواتب الموظفين العموميين، الأمر الذي سيؤثر بصورة مباشرة على القوة الشرائية للمواطنين وعلى الحركة الاقتصادية في الأسواق المحلية، نظراً للدور المحوري الذي تمثله الرواتب الحكومية في تحريك الدورة الاقتصادية الفلسطينية.

تقليص الموارد المخصصة لقطاعات حيوية

ويشير الرجوب إلى أن استمرار الاقتطاعات سيؤدي كذلك إلى تقليص الموارد المخصصة لقطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية، ما ينعكس على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين ويؤدي إلى تآكل تدريجي في قدرة المؤسسات العامة على أداء مهامها.
ويلفت إلى أن التداعيات الاجتماعية للأزمة قد تكون الأكثر خطورة، من خلال زيادة معدلات الفقر والبطالة واتساع دائرة الاحتياجات الاجتماعية وتعميق الشعور بالإحباط وعدم اليقين تجاه المستقبل.
ويحذر الرجوب من أن تراجع قدرة المؤسسات الرسمية على الوفاء بالتزاماتها قد يؤدي إلى تآكل الثقة بها وإضعاف الاستقرار المؤسسي.


معادلة جديدة في التعامل مع أموال المقاصة

ويوضح الرجوب أن الاقتطاع الجديد يكتسب خطورته من كونه يؤسس لمعادلة جديدة في التعامل مع أموال المقاصة المحتجزة أصلاً، بحيث تصبح هذه الأموال أداة دائمة للضغط والابتزاز السياسي، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات مستقبلية بشأن الإفراج عنها، معتبراً أن إسرائيل تسعى إلى إبقاء الاقتصاد الفلسطيني رهينة لقراراتها، ومنع الفلسطينيين من امتلاك الحد الأدنى من الاستقلال المالي والاستقرار الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.

آثار على الاستقرار المالي والاجتماعي الفلسطيني

تحذر الصحفية المختصة بالشأن الاقتصادي حسناء الرنتيسي من التداعيات السياسية والاقتصادية المتصاعدة للقرار الإسرائيلي باقتطاع المزيد من أموال المقاصة، معتبرة أن خطورته لا تكمن فقط في حجم المبالغ المقتطعة، بل في الدلالات السياسية التي يحملها وفي الآثار بعيدة المدى التي يتركها على الاستقرار المالي والاجتماعي الفلسطيني.
وتوضح الرنتيسي أن إسرائيل تتعامل مع ملف المقاصة باعتباره أداة ضغط وعقاب سياسي، من خلال تحميل الخزينة الفلسطينية كلفة ما تصفه بالأضرار الناجمة عن عمليات المقاومة، الأمر الذي يحوّل أموال الضرائب الفلسطينية من حق مالي مستحق إلى صندوق مفتوح لتعويض الإسرائيليين وتمويل التزامات تقررها الحكومة الإسرائيلية بصورة أحادية.

استنزاف المقاصة تدريجياً

وترى الرنتيسي أن هذه السياسة تفتح الطريق عملياً أمام استنزاف المقاصة تدريجياً وصولاً إلى تصفيرها، بما يخلق ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متزايدة يصعب احتواؤها.
وتشير الرنتيسي إلى أن أموال المقاصة تمثل أكثر من ثلثي إيرادات السلطة الفلسطينية، وتقترب قيمتها من إجمالي فاتورة الرواتب والأجور في القطاع العام، ما يجعل أي اقتطاعات جديدة ذات انعكاسات مباشرة على حياة المواطنين في المستقبل.
وتبين الرنتيسي أن الأمر لا يقتصر على كونه رقماً مالياً في الموازنة، بل ينعكس على دخل آلاف الأسر الفلسطينية، ويؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية وانكماش الأسواق وتراجع مستوى الخدمات الأساسية، خاصة في قطاعي الصحة والتعليم.

نحو جعل سقف الاقتطاعات مفتوحاً

وتؤكد الرنتيسي أن من أخطر ما يحمله القرار الجديد هو جعل سقف الاقتطاعات مفتوحاً وقابلاً للزيادة سنوياً وفق تقديرات وقرارات إسرائيلية داخلية لا يملك الفلسطينيون أي قدرة على مراجعتها أو الاعتراض عليها، خصوصاً بعد إدخال بنود جديدة تشمل تعويضات ضريبة الأملاك وتعويضات المصابين وعائلات القتلى الإسرائيليين.
وتشير الرنتيسي إلى أن تداعيات هذه السياسات باتت واضحة في ملف الرواتب، إذ تعيش السلطة الفلسطينية منذ عام 2023، حالة من صرف الرواتب المنقوصة، ما أثر بشكل مباشر على الموظفين وعلى الحركة الاقتصادية. وتوضح الرنتيسي أن الراتب الحكومي يشكل أحد أهم محركات الدورة الاقتصادية الفلسطينية، وأن أي تراجع فيه ينعكس على الاستهلاك ومبيعات التجار وقدرة الأسر على الوفاء بالتزاماتها المالية، كما يزيد الضغوط على القطاع المصرفي.

الأزمة تطال أبعد من الرواتب

وتلفت الرنتيسي إلى أن الأزمة بسبب احتجاز أموال المقاصة تمتد إلى ما هو أبعد من الرواتب، إذ تؤثر على الخدمات الصحية والتعليمية والبنية الخدماتية، وتؤدي إلى تراكم الديون بين الحكومة والقطاع الخاص والمواطنين، ما يخلق سلسلة متواصلة من الأزمات الاقتصادية.
وتؤكد الرنتيسي أن الخطر الأعمق يتمثل في تراجع القدرة على التخطيط المالي نتيجة ربط الاقتطاعات بتقديرات إسرائيلية متغيرة، الأمر الذي يحول إدارة المالية العامة إلى عملية "نجاة شهرية" بدلاً من التخطيط للتنمية والاستثمار، ويعمق أزمة الثقة بين المواطن والحكومة، مع تزايد شعور المواطنين بأنهم يلتزمون بواجباتهم المالية في وقت تعجز فيه الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها الأساسية، ما يهدد بتراكم ضغوط اجتماعية واقتصادية متزايدة خلال المرحلة المقبلة.

مأسسة وشرعنة القرصنة المالية

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن مصادقة الكنيست الإسرائيلي على اقتطاعات جديدة من أموال المقاصة لتعويض ما تسميهم متضرري العمليات التي ينفذها فلسطينيون، تمثل انتقالاً من الإجراءات الفردية والمؤقتة إلى مرحلة "المأسسة والشرعنة" لحالة القرصنة المالية التي مارستها الحكومات الإسرائيلية خلال السنوات الماضية، ولا سيما عبر قرارات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش المتعلقة بحجز واقتطاع الأموال الفلسطينية.
ويوضح بشارات أن القرار يؤسس لعملية ممنهجة تستهدف المورد المالي الرئيسي للسلطة الفلسطينية والمتمثل في أموال المقاصة، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تتعارض بصورة مباشرة مع بروتوكول باريس الاقتصادي والاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، والتي تنص على قيام إسرائيل بجباية الضرائب وتحويلها إلى الجانب الفلسطيني مقابل رسوم محددة تتعلق بعملية التحصيل، وليس التصرف بهذه الأموال أو اقتطاعها لأغراض سياسية وأمنية.

تقويض البنية الفلسطينية بأكملها

ويرى بشارات أن المسألة تتجاوز إطار الضغط المالي أو الابتزاز السياسي التقليدي، لتندرج ضمن سياسة أشمل تستهدف تقويض البنية الفلسطينية بأكملها.
وبحسب بشارات، فإن الاقتصاد يشكل العمود الفقري للمجتمع الفلسطيني، وإن استهدافه بصورة متواصلة يهدف إلى إضعاف قدرة الفلسطينيين على الصمود والاستمرار، وتحويل المجتمع إلى بنية هشة تعاني من أزمات متراكمة تجعلها أقل قدرة على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية.
ويؤكد أن هذه السياسات تندرج ضمن مساعٍ إسرائيلية لإحداث حالة من الانهيار المنظم داخل المجتمع الفلسطيني، بما يفتح المجال أمام زيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي قد تدفع أعداداً من الفلسطينيين إلى البحث عن فرص للهجرة أو المغادرة نتيجة تراجع مقومات الحياة والاستقرار الاقتصادي.
ويوضح بشارات أن الاستهداف لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى البنية المؤسسية الفلسطينية، إذ تؤدي الاقتطاعات المتواصلة إلى إضعاف مؤسسات السلطة الفلسطينية وتقليص قدرتها على العمل وتقديم الخدمات، بما يعرقل بناء مؤسسات مستقرة وقادرة على أداء وظائفها وفق النظام السياسي والإداري الفلسطيني.

تعميق الأزمة الاقتصادية المتفاقمة

وفي ما يتعلق بالانعكاسات المالية، يحذر بشارات من أن القرار سيعمق الأزمة الاقتصادية المتفاقمة أصلاً، في ظل واقع مالي صعب تعيشه السلطة الفلسطينية منذ سنوات.
ويشير إلى أن استمرار اقتطاع أموال المقاصة سيزيد من هشاشة الاقتصاد الفلسطيني ويحد من قدرته على إدارة متطلبات الحياة اليومية، فضلاً عن تأثيره المباشر على القطاعات الحيوية.
ويلفت بشارات إلى أن مؤشرات التراجع بدأت تظهر بوضوح في قطاعات أساسية مثل التعليم والصحة، التي تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة نقص الموارد المالية، محذراً من أن استمرار هذه السياسات قد يدفع تلك القطاعات إلى مستويات أكثر خطورة من التراجع، وصولاً إلى حالة من الانهيار التدريجي.
ويؤكد بشارات أن إسرائيل، من خلال مواصلة اقتطاع واحتجاز أموال المقاصة، تسعى إلى إدامة حالة الضعف الاقتصادي والمؤسسي الفلسطيني، ودفع الفلسطينيين بمختلف مكوناتهم نحو أزمة شاملة تمس الاقتصاد والخدمات العامة والبنية المجتمعية، في إطار سياسة تستهدف إحداث حالة من الانهيار المنظم والمتواصل للواقع الفلسطيني.

أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:21 صباحًا - بتوقيت القدس

فلسطين وإسرائيل: بين وهم الانتصار ووهم الهزيمة


د. إبراهيم نعيرات

بعد أكثر من قرن من الصراع، لم يعد الفلسطينيون والإسرائيليون مجرد خصمين يتواجهان على الأرض نفسها، بل أصبحوا شعبين عالقين في معضلة تاريخية وسياسية تبدو عصية على الحل. فكل طرف يحمل روايته الخاصة وآلامه ومخاوفه وتطلعاته الوطنية، لكن أياً منهما لم ينجح في الوصول إلى حالة مستقرة من الأمن أو العدالة أو السلام.

الفلسطينيون ما زالوا يواجهون أسئلة الدولة والسيادة والحقوق الوطنية، بينما يعيش الإسرائيليون في ظل قلق أمني وسياسي مستمر رغم ما تمتلكه دولتهم من تفوق عسكري واقتصادي وتكنولوجي. وعلى الرغم من اختلاف أوضاع الطرفين واختلال ميزان القوة بينهما، فإن النتيجة النهائية تكشف مفارقة لافتة: لا يوجد طرف يشعر بأنه وصل إلى نهاية الصراع أو حقق استقراراً دائماً.

من أكثر الأفكار تضليلاً في هذا النزاع الاعتقاد بأن أحد الطرفين حسم المعركة نهائياً. فهناك من الإسرائيليين من ينظر إلى التفوق العسكري والاقتصادي والعلاقات الدولية الواسعة بوصفها دليلاً على انتصار تاريخي تحقق بالفعل، وأن الزمن يعمل لمصلحتهم. وفي المقابل، هناك من الفلسطينيين من ينظر إلى طول أمد الصراع واختلال موازين القوة بوصفه دليلاً على أن القضية الفلسطينية خسرت أو أن نهايتها أصبحت مسألة وقت. غير أن الواقع يكذب الفكرتين معاً.

فلو كان التفوق الإسرائيلي كافياً لحسم الصراع، لكان النزاع قد انتهى منذ عقود. ولو كانت القضية الفلسطينية قد هُزمت فعلاً، لما بقيت حاضرة بهذا الزخم في السياسة الإقليمية والدولية، ولما استمرت في التأثير في حسابات المنطقة والعالم. إن مجرد استمرار الصراع بعد كل هذه السنوات يشير إلى حقيقة مختلفة: لا يوجد انتصار كامل، ولا توجد هزيمة كاملة.

لقد أدى طول أمد النزاع إلى خلق واقع من الاعتماد المتبادل القسري. فمصير كل طرف أصبح مرتبطاً، بدرجة أو بأخرى، بقرارات الطرف الآخر. وكل محاولة لتجاهل هذه الحقيقة أو فرض حل أحادي الجانب لم تؤدِّ إلا إلى جولات جديدة من التوتر والعنف وعدم الاستقرار. ومع مرور الزمن، لم يعد الصراع مجرد مواجهة بين مشروعين متنافسين، بل تحول إلى مأزق تاريخي تتشابك فيه حياة الشعبين ومستقبلهما على نحو يصعب فصله.

ومن المفارقات اللافتة أن محاولات حسم الصراع بالقوة العسكرية لم تؤدِّ إلى إنهائه. فكلما سعت إسرائيل إلى فرض واقع نهائي عبر الحروب أو العمليات العسكرية الكبرى، بدت وكأنها تحقق إنجازات ميدانية مباشرة، لكنها في الوقت نفسه تجد نفسها أمام أزمات سياسية وأمنية واستراتيجية أكثر تعقيداً مما كانت عليه قبل تلك المواجهات. فالقوة العسكرية تستطيع تدمير القدرات المادية للخصم وإعادة تشكيل الوقائع على الأرض، لكنها لم تستطع حتى الآن إنهاء الهوية الوطنية الفلسطينية أو إغلاق ملف القضية الفلسطينية.

بل إن كثيراً من جولات الصراع الكبرى أدت إلى نتيجة معاكسة للتوقعات. فبدلاً من اختفاء القضية الفلسطينية من المشهد، عادت إلى مركز الاهتمام الإقليمي والدولي. وبدلاً من أن يؤدي الضغط المتواصل إلى إنهاء المطالب الفلسطينية، أثبت الفلسطينيون قدرة مستمرة على الصمود وإعادة إنتاج حضورهم السياسي والتاريخي. وهكذا وجدت إسرائيل نفسها، بعد كل محاولة للحسم، أمام حقيقة ثابتة: يمكن كسب المعارك، لكن تحويل النصر العسكري إلى نهاية سياسية للصراع أمر مختلف تماماً.

وفي المقابل، لم يتمكن الفلسطينيون من تحقيق أهدافهم الوطنية الأساسية أو فرض رؤيتهم النهائية للحل، لكنهم لم يختفوا من المعادلة ولم يفقدوا قدرتهم على التأثير في مسار الأحداث. فبعد عقود من التوقعات التي تحدثت عن تراجع القضية أو ذوبانها في تحولات المنطقة، ما زالت حاضرة وقادرة على فرض نفسها على الوقائع السياسية.

لذلك يمكن القول إن نوعاً من توازن الردع التاريخي والسياسي قد نشأ بين الطرفين. ليس توازناً في القوة العسكرية أو الموارد أو السيطرة على الأرض، فالتفاوت في هذه المجالات واضح. وإنما هو توازن في القدرة على منع الطرف الآخر من تحقيق حسم نهائي. إسرائيل قادرة على منع الفلسطينيين من فرض مشروعهم الوطني كاملاً، لكنها عاجزة عن إنهاء القضية الفلسطينية أو تحويلها إلى ذكرى تاريخية. والفلسطينيون عاجزون عن فرض رؤيتهم النهائية للصراع، لكنهم قادرون على منع تحويل وجودهم وقضيتهم إلى صفحة مطوية من الماضي.

ومن هنا تنشأ المعضلة الأساسية. فكل طرف يملك ما يكفي من القوة أو الصمود أو القدرة على التأثير لمنع انتصار الآخر الكامل، لكنه لا يملك ما يكفي لتحقيق انتصاره هو. وهكذا يستمر الصراع في حالة معلقة، حيث يتحول الزمن نفسه إلى ساحة مواجهة، وينتظر كل طرف أن يحقق المستقبل ما عجز الحاضر عن تحقيقه.

تكمن المأساة في أن الشعبين يملكان من أسباب الخوف ما يكفي لإدامة الصراع، لكنهما لا يملكان من القوة ما يكفي لإنهائه بصورة نهائية لصالح أحدهما. ولذلك تبدو المنطقة وكأنها أسيرة معادلة مغلقة: الفلسطينيون لا يستطيعون انتزاع ما يعتبرونه حقوقهم كاملة، والإسرائيليون لا يستطيعون الحصول على الأمن الكامل والاستقرار النهائي الذي يسعون إليه.

غير أن إدراك هذه الحقيقة لا يعني الاستسلام لها، بل يعني التحرر من الأوهام التي حكمت التفكير السياسي لدى الطرفين لعقود طويلة. فربما كانت أكبر عقبة أمام أي تسوية تاريخية هي استمرار الاعتقاد بأن الزمن وحده كفيل بتحقيق ما عجزت عنه السياسة، أو أن القوة قادرة على إنجاز ما فشلت في تحقيقه الحروب المتعاقبة.

إن الاعتقاد بأن الإسرائيليين يعيشون في وضع مريح بسبب تفوقهم، أو أن الفلسطينيين خسروا قضيتهم بسبب ضعفهم، يعكس قراءة سطحية للواقع. فالتفوق لا يعني الحسم، والصمود لا يعني الانتصار. وما بين التفوق والصمود نشأت معادلة فرضت نفسها على الطرفين: لا أحد انتصر بما يكفي لينهي الصراع، ولا أحد انهزم بما يكفي ليغادره.

وربما تكون هذه هي الحقيقة السياسية الأهم في المنطقة اليوم. فبعد عقود طويلة من المواجهة، أصبح الفلسطينيون والإسرائيليون مرتبطين بمصير سياسي واحد أكثر مما يرغب كثيرون في الاعتراف. فلا يمكن لأي طرف أن يحقق استقراراً دائماً من خلال تجاهل وجود الطرف الآخر أو انتظار انهياره. لقد جُرِّبت القوة، وجُرِّب الرهان على الزمن، وجُرِّبت سياسات فرض الأمر الواقع، لكن الصراع بقي قائماً.

ولهذا فإن جوهر المأزق ليس أن أحد الطرفين عاجز عن الانتصار فقط، بل أن كليهما عاجز عن التخلص من الآخر. وفي هذه الحقيقة تحديداً يكمن سبب استمرار الصراع، وربما يكمن فيها أيضاً مفتاح فهم أي حل مستقبلي له.


اقتصاد

الأربعاء 10 يونيو 2026 8:58 صباحًا - بتوقيت القدس

تحذيرات من 'سقوط حر' للاقتصاد العراقي إثر انهيار صادرات النفط

يواجه الاقتصاد العراقي تحديات مصيرية وصفتها تقارير دولية بحالة من "السقوط الحر"، وذلك على خلفية التراجع الحاد في مبيعات النفط الخام التي تشكل العمود الفقري لميزانية البلاد. وأفادت مصادر إعلامية بأن استمرار إغلاق مضيق هرمز أدى إلى هبوط حاد في معدلات التصدير اليومية، حيث تراجعت من 4.3 مليون برميل إلى نحو 1.4 مليون برميل فقط، مما وضع المالية العامة في مأزق حقيقي.

وتشير البيانات الرسمية إلى فجوة هائلة في حجم الصادرات الشهرية، إذ سجل العراق تصدير نحو 10 ملايين برميل فقط خلال الشهر المنصرم، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة بـ 93 مليون برميل تم تصديرها في الشهر الذي سبقه. ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا المؤشر هو الأخطر من نوعه الذي يواجه بغداد منذ سنوات طويلة، خاصة مع تعطل المنافذ البحرية الرئيسة في منطقة الخليج التي تعتمد عليها الدولة بشكل شبه كلي.

وفي محاولة لتدارك الموقف، تسعى الحكومة العراقية لتفعيل مسارات بديلة لضمان تدفق النفط إلى الأسواق العالمية، من بينها زيادة الإنتاج في حقول إقليم كردستان وتوجيهه عبر ميناء جيهان التركي. ومع ذلك، تصطدم هذه المساعي بعقبات أمنية وميدانية معقدة، لا سيما بعد تعرض المنشآت النفطية في الإقليم لهجمات متكررة بطائرات مسيّرة، مما يهدد استقرار عمليات التصدير عبر هذا المسار الحيوي.

وأمام هذا الشح في السيولة، اضطرت السلطات المالية في العراق إلى التوجه نحو الاقتراض الداخلي وإصدار السندات الوطنية لتوفير المبالغ اللازمة لصرف رواتب الموظفين وتغطية النفقات التشغيلية الضرورية. وتأتي هذه التحركات في وقت تشتد فيه الضغوط المالية على الحكومة، مع غياب الحلول السريعة لاستعادة مستويات التصدير الطبيعية في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة التي تعصف بالمنطقة.

من جانبه، حذر البنك الدولي في تقديرات سابقة من انكماش محتمل للاقتصاد العراقي بنسبة تصل إلى 6.8% خلال العام الجاري، مرجعاً ذلك إلى الارتباط الوثيق بين النمو الاقتصادي وحركة صادرات الطاقة. وبما أن النفط يمول أكثر من 90% من الموازنة العامة، فإن استمرار الأزمة يهدد بتداعيات معيشية واجتماعية واسعة النطاق، ما يتطلب استراتيجيات عاجلة لتنويع مصادر الدخل وتأمين طرق بديلة للتجارة الدولية.

تحليل

الأربعاء 10 يونيو 2026 8:12 صباحًا - بتوقيت القدس

مواجهة هرمز تكشف حدود الردع الأميركي وتعمّق الخلاف مع إسرائيل حول إيران

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات-10/6/2026


تحليل إخباري


دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر حساسية وخطورة بعد حادثة إسقاط مروحية أميركية من طراز "أباتشي" فوق مضيق هرمز، وما أعقبها من ضربات أميركية مباشرة استهدفت مواقع دفاع جوي ورادارات إيرانية، ورد إيراني بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف أميركية في المنطقة. وبينما بدت التطورات للوهلة الأولى مجرد حلقة جديدة من التصعيد العسكري المتبادل، فإن أبعادها السياسية والاستراتيجية تكشف تحولات أعمق تتعلق بمستقبل الصراع، وبحدود النفوذ الإسرائيلي داخل واشنطن، وبالرهان على القوة العسكرية كوسيلة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.


الرئيس الأميركي دونالد ترمب سارع إلى تحميل إيران مسؤولية إسقاط المروحية، مؤكداً نجاة الطيارين، قبل أن يأمر بتنفيذ ضربات عسكرية وصفها البنتاغون بأنها “دفاعية ومتناسبة”. وأكد ترمب أن الرد كان قوياً وحاسماً، مشدداً على أن الولايات المتحدة لا تستطيع السماح باستهداف قواتها دون رد. لكن الحادثة، رغم رمزيتها العسكرية، كشفت أيضاً هشاشة الوضع الأمني في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، حيث تمر نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية.


ورغم أن التحقيقات الأميركية الأولية رجحت تعرض المروحية لعمل عدائي مرتبط بوسائل إيرانية، فإنها لم تحسم بصورة قاطعة طبيعة الحادث أو ما إذا كان الاستهداف متعمداً. وفي المقابل، نفت طهران مسؤوليتها المباشرة، مشيرة إلى أن الحادث قد يكون نتاجاً لحالة التوتر العسكري الكثيف في المنطقة. إلا أن تضارب الروايات لم يمنع انتقال الأزمة سريعاً إلى مرحلة الضربات المتبادلة، ما جعل مضيق هرمز يتحول من ساحة ضغط اقتصادي واستراتيجي إلى ساحة اشتباك عسكري مباشر بين القوتين.


ويأتي هذا التصعيد في وقت يواجه فيه ترمب معضلة سياسية واستراتيجية معقدة. فالرئيس الأميركي الذي بنى جزءاً كبيراً من خطابه السياسي على وعد إنهاء "الحروب التي لا نهاية لها" يجد نفسه مضطراً للعودة إلى استخدام القوة العسكرية في الشرق الأوسط. وبينما يؤكد باستمرار أنه لا يريد حرباً شاملة مع إيران، فإن الوقائع الميدانية تدفع إدارته إلى اتخاذ خطوات عسكرية متدرجة للحفاظ على هيبة الردع الأميركي وحماية القوات المنتشرة في المنطقة.


لكن أهمية الأزمة لا تقتصر على البعد الأميركي الإيراني. فالتطورات الأخيرة سلطت الضوء مجدداً على التباينات المتزايدة بين واشنطن وحكومة بنيامين نتنياهو بشأن كيفية التعامل مع إيران ومستقبل المنطقة. ففي الوقت الذي تدفع فيه إسرائيل نحو تشديد الضغوط العسكرية وتوسيع ساحات المواجهة، يبدو أن الإدارة الأميركية باتت أكثر اقتناعاً بأن الحلول السياسية والتفاهمات القابلة للرقابة والتحقق قد تكون أقل كلفة وأكثر فاعلية من الانخراط في صراعات مفتوحة لا نهاية واضحة لها.


وتزداد دلالة هذا التباين مع استمرار المسؤولين الأميركيين في التأكيد أن الهدف الاستراتيجي لواشنطن لا يزال منع إيران من امتلاك سلاح نووي والتوصل إلى تفاهم يضمن أمن الملاحة الدولية واستقرار المنطقة. وقد عكس تصريح نائب الرئيس جي دي فانس، الذي وصف الاتفاق الجاري التفاوض بشأنه مع إيران بأنه "إنجاز كبير للشعب الأميركي سواء أعجب إسرائيل أم لا"، اتجاهاً متنامياً داخل الإدارة الأميركية نحو الفصل بين المصالح الأميركية المباشرة والحسابات السياسية للحكومة الإسرائيلية.


وتكشف هذه المواقف عن تراجع ملحوظ في قدرة نتنياهو على التأثير في مسار السياسة الأميركية تجاه إيران مقارنة بسنوات سابقة. فبينما كانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة قادرة في مراحل مختلفة على دفع واشنطن نحو خيارات أكثر تشدداً، تبدو الإدارة الحالية أكثر ميلاً إلى إدارة الأزمة ضمن سقف يمنع الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة. كما أن الخلافات التي برزت حول العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في لبنان وسوريا عززت الانطباع بأن النفوذ الإسرائيلي داخل دوائر صنع القرار الأميركي لم يعد مطلقاً كما كان في السابق.


وفي المقابل، أعادت الأزمة طرح تساؤلات جوهرية حول فعالية النهج الأمني الإسرائيلي القائم على توسيع دائرة المواجهات العسكرية. فعلى الرغم من التفوق العسكري الإسرائيلي الهائل والدعم الأميركي المستمر، لم تتمكن إسرائيل من تحقيق استقرار دائم أو إنهاء مصادر التوتر في المنطقة. بل إن الحروب المتكررة والعمليات العسكرية الممتدة من غزة إلى لبنان وسوريا وإيران ساهمت في تعميق الأزمات الإقليمية بدلاً من حلها.


ويرى منتقدو السياسات الإسرائيلية أن المشكلة الأساسية لا تكمن في نقص القوة العسكرية، بل في غياب المعالجة السياسية لجذور الصراع، وفي استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية والإنسانية. فهذه السياسات، بحسب منتقديها، لم توفر الأمن للإسرائيليين، كما لم تمنح الفلسطينيين الحد الأدنى من العدالة أو الكرامة، بل أسهمت في إنتاج دورات متلاحقة من العنف وعدم الاستقرار.


وفي المحصلة، تكشف أزمة هرمز أن القوة العسكرية، مهما بلغت درجة تفوقها، لم تعد قادرة وحدها على فرض نتائج سياسية مستدامة. فإيران أظهرت قدرتها على المناورة وفرض كلفة على خصومها رغم العقوبات والضغوط، فيما اكتشفت واشنطن أن النفوذ لا يُقاس فقط بحجم الترسانة العسكرية، بل أيضاً بالقدرة على إدارة الأزمات وصناعة التسويات. أما إسرائيل، التي طالما قدمت تفوقها العسكري باعتباره الضمانة الأساسية للأمن، فتجد نفسها أمام واقع يؤكد أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بمعالجة الأسباب السياسية التي تُبقي المنطقة أسيرة الصراعات المفتوحة.


وتكشف أزمة هرمز أن الإدارة الأميركية بدأت تنظر إلى الاستقرار الإقليمي من زاوية تختلف تدريجياً عن الرؤية التي تروج لها حكومة نتنياهو. فبينما ترى إسرائيل أن زيادة الضغوط العسكرية على إيران تمثل الطريق الأقصر لإضعافها، يبدو أن واشنطن باتت أكثر اقتناعاً بأن أي مواجهة واسعة قد تهدد المصالح الأميركية الاقتصادية والعسكرية في الخليج والعالم. ومن هنا يمكن فهم الإصرار الأميركي على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة رغم تبادل الضربات. فالخلاف الحالي لا يتعلق بالتكتيكات فقط، بل يعكس اختلافاً متزايداً في تعريف المصالح والأولويات بين الحليفين، وهو اختلاف قد يتعمق خلال المرحلة المقبلة.


كما أظهرت التطورات الأخيرة مجدداً أن التفوق العسكري الإسرائيلي والأميركي لم ينجح في إنتاج منظومة أمن إقليمي مستقرة، بل إن الاعتماد المفرط على القوة ساهم في توسيع رقعة الأزمات وإدامتها. فمن غزة إلى لبنان وسوريا وإيران، تتكرر العمليات العسكرية دون أن تتمكن من إزالة الأسباب السياسية للصراعات. كما أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وتوسيع الاستيطان، وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم الوطنية، يبدد أي إمكانية لتحقيق استقرار دائم. لذلك تبدو الأزمة الحالية دليلاً إضافياً على أن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الردع العسكري وحده، بل على العدالة السياسية والتسويات المستدامة التي تعالج جذور النزاعات لا مظاهرها فقط.

عربي ودولي

الأربعاء 10 يونيو 2026 7:58 صباحًا - بتوقيت القدس

مرشح رئاسي أمريكي محتمل يتعهد بترحيل 100 مليون شخص بينهم مجنسون

أعلن غريغوري بوفينو، المسؤول السابق في جهاز حرس الحدود الأمريكي، عن نيته خوض سباق الانتخابات الرئاسية لعام 2028 ببرنامج سياسي مثير للجدل. وتتضمن رؤية بوفينو تعهداً بترحيل ما يقرب من 100 مليون شخص من الأراضي الأمريكية، وهو رقم يتجاوز بكثير أعداد المهاجرين غير النظاميين المتواجدين حالياً في البلاد. ويرى مراقبون أن هذا الطرح يمثل ذروة الخطاب المتشدد في ملف الهجرة داخل الدوائر السياسية الأمريكية.

وتشير التفاصيل المنشورة عبر الموقع الاستكشافي لحملة بوفينو إلى أن عمليات الترحيل لن تقتصر على من يفتقرون للوثائق الرسمية فقط. بل ستمتد الخطة لتشمل فئات تحمل وضعاً قانونياً مستقراً، بما في ذلك المهاجرون الحاصلون على الإقامة الدائمة 'الجرين كارد' والمواطنون الذين اكتسبوا الجنسية الأمريكية عبر التجنس. وتعد هذه الخطوة سابقة في الخطاب السياسي الأمريكي كونها تستهدف مواطنين يتمتعون بحقوق دستورية كاملة.

وأفادت مصادر متابعة للشأن الأمريكي بأن التقديرات الرسمية لعدد المقيمين غير الموثقين في الولايات المتحدة لا تتخطى بضعة ملايين من الأشخاص. وبناءً على ذلك، فإن استهداف رقم يصل إلى 100 مليون يعني بالضرورة تفريغ البلاد من شريحة واسعة من سكانها الذين يساهمون في النسيج الاقتصادي والاجتماعي. وقد أثار هذا الرقم تساؤلات كبرى حول الآليات القانونية واللوجستية التي يمكن أن تتبعها إدارة رئاسية لتنفيذ مثل هذا المخطط الضخم.

وتتضمن خطة المرشح المحتمل إجراء تغييرات هيكلية واسعة في وزارة الأمن الداخلي وكافة المؤسسات المعنية بإنفاذ قوانين الهجرة. ويسعى بوفينو من خلال هذا البرنامج إلى إعادة صياغة السياسات الأمنية لتكون أكثر صرامة في مواجهة ما يصفه بالتحديات الديموغرافية. ويربط خطابه السياسي بشكل مباشر بين تدفق المهاجرين وبين التغيرات في الهوية الوطنية للولايات المتحدة، وهو ما يلقى صدى لدى بعض القواعد الانتخابية اليمينية.

وقد قوبلت هذه التصريحات بموجة من الانتقادات الحادة من قبل منظمات حقوق الإنسان وخبراء القانون الدستوري الذين وصفوا المقترح بأنه غير واقعي وينتهك الحقوق الأساسية. ويرى منتقدون أن استهداف المواطنين المجنسين بالترحيل يضرب مبدأ المواطنة في صميمها ويخلق حالة من عدم الاستقرار لملايين العائلات. كما حذر خبراء اقتصاديون من أن ترحيل هذا العدد الهائل سيؤدي إلى انهيار قطاعات حيوية تعتمد بشكل أساسي على العمالة المهاجرة والخبرات الأجنبية.

وفي سياق متصل، يرى محللون سياسيون أن بوفينو يحاول استنساخ تجارب سياسية سابقة تعتمد على الشعبوية والخطاب القومي المتطرف لجذب الناخبين. وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة انقساماً حاداً حول قضايا الهوية والحدود، مما يجعل من ملف الهجرة مادة دسمة للتجاذبات الانتخابية المبكرة. وتعكس هذه التصريحات تصاعد نفوذ الجناح المتشدد الذي يطالب بإجراءات غير مسبوقة للسيطرة على التركيبة السكانية.

وعلى الرغم من أن الانتخابات الرئاسية لا تزال بعيدة، إلا أن طرح مثل هذه البرامج يضع ملف الهجرة في مقدمة النقاشات السياسية المقبلة. وتراقب الأوساط الدولية والمحلية مدى قدرة هذا الخطاب على كسب زخم شعبي في ظل التحديات القانونية التي قد تواجهه أمام المحاكم الفيدرالية. وتبقى التساؤلات قائمة حول مدى جدية هذه التعهدات أو ما إذا كانت مجرد أداة دعائية لحشد التأيد في المراحل الأولى من السباق الرئاسي.

اقتصاد

الأربعاء 10 يونيو 2026 5:43 صباحًا - بتوقيت القدس

الصناعات الدفاعية التركية تقتحم الأسواق العالمية: صادرات بـ 10 مليارات دولار لـ 40 دولة

تشهد الصناعات الدفاعية التركية تحولاً استراتيجياً كبيراً، حيث انتقلت أنقرة من مرحلة الاعتماد على الاستيراد إلى موقع المورد الرئيسي للمعدات العسكرية المتطورة. ونجحت الاستثمارات الحكومية طويلة الأمد في ترسيخ مكانة تركيا كلاعب أساسي في السوق العالمية، لا سيما في قطاع الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الحديثة التي باتت تحظى بطلب دولي واسع.

وتشير البيانات التجارية الأخيرة إلى أن تركيا تزود حالياً نحو 40 دولة بمعداتها العسكرية، مع تركيز خاص على أسواق الخليج وإفريقيا وآسيا، بالإضافة إلى اختراق متزايد للأسواق الأوروبية. ويرى مراقبون أن المنتجات التركية باتت تنافس البدائل الغربية بفضل تكلفتها المنخفضة، ومرونتها العالية، وسرعة تسليم الطلبيات مقارنة بالموردين التقليديين في أوروبا والولايات المتحدة.

وفي ظل المتغيرات الجيوسياسية الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية، بدأت دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) في إعادة تقييم منظوماتها الأمنية والبحث عن شركاء صناعيين جدد. وقد برزت تركيا كخيار استراتيجي ليس فقط كقوة عسكرية على الجناح الجنوبي الشرقي للحلف، بل كشريك صناعي قادر على تلبية الاحتياجات الدفاعية المتزايدة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وأظهرت مراجعات لبيانات تجارية حديثة أن قيمة الصادرات الدفاعية التركية قفزت لتصل إلى نحو 10 مليارات دولار خلال العام الماضي، وهو ما يمثل زيادة بأكثر من ثلاثة أضعاف مقارنة بمستويات عام 2021. كما سجلت الصادرات الموجهة إلى الأسواق الغربية نمواً لافتاً، حيث ارتفعت بمقدار أربعة أضعاف لتتجاوز حاجز 5.5 مليارات دولار، مما يعكس ثقة متزايدة في الجودة التقنية التركية.

ويعزو الخبراء هذا الازدهار إلى استمرارية الدعم الحكومي للقطاع العسكري، وقدرة الشركات التركية على تكييف أنظمتها الدفاعية لتلائم المتطلبات الخاصة لكل عميل. هذا التوجه مكن أنقرة من سد الفجوات التي تركها الموردون الغربيون الذين يواجهون تحديات في الطاقة الإنتاجية أو تعقيدات في دورات الشراء والتسليم الطويلة التي تعيق التحديث السريع للجيوش.

وعلى صعيد الابتكار التقني، شهد معرض 'ساها 2026' الدولي للصناعات الدفاعية والطيران والفضاء الكشف عن أحدث الابتكارات التركية في مجال مكافحة الطائرات المسيّرة. حيث قدمت شركة 'خان سيستم' نظامها الجديد 'باران'، وهو نظام دفاعي متطور صُمم خصيصاً للتعامل مع التهديدات الجوية في المواجهات القريبة، مما يعزز من تنوع المحفظة الدفاعية التركية في الأسواق العالمية.

ويعتمد نظام 'باران' على تقنيات الذكاء الاصطناعي من خلال رادار متطور يقوم برصد الأهداف وتتبعها بشكل آلي ودقيق. وتتكون المنصة الدفاعية من ست سبطانات قادرة على إطلاق ألف طلقة في الدقيقة الواحدة، بمدى فعال يتراوح بين 100 و200 متر، مما يجعله حلاً مثالياً لحماية المنشآت الحيوية من هجمات الدرونز الانتحارية والمسيّرات الصغيرة.

فلسطين

الأربعاء 10 يونيو 2026 5:13 صباحًا - بتوقيت القدس

الاحتلال يقر خططاً لاستئناف العدوان على غزة وتعثر مفاوضات القاهرة حول ملف السلاح

كشفت مصادر إعلامية عبرية عن مصادقة رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، إيال زامير، على خطط عملياتية جديدة تهدف إلى استئناف العمليات العسكرية الواسعة في قطاع غزة. وتأتي هذه التحركات العسكرية في وقت حساس تشهد فيه العاصمة المصرية القاهرة جولات تفاوضية مكثفة بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء الدوليين لمحاولة تثبيت التهدئة الهشة.

وأوضحت التقارير أن الخطط التي اعتمدها زامير قُدمت من قبل قائد القيادة الجنوبية، اللواء يانيف عاسور، الذي شدد على ضرورة التحرك العسكري القريب. ويرى القادة العسكريون في جيش الاحتلال أن استئناف القتال بات ضرورة استراتيجية في ظل غياب أي قوة دولية قادرة على تنفيذ بنود نزع سلاح المقاومة في القطاع.

وزعمت المصادر الأمنية الإسرائيلية أن حركة حماس نجحت خلال أشهر التهدئة الماضية في ترميم قدراتها العسكرية والتنظيمية بشكل ملحوظ. وادعت هذه المصادر أن الحركة أعادت بناء شبكات الأنفاق المتضررة، بالإضافة إلى تفعيل مقار القيادة والسيطرة التي استُهدفت في جولات التصعيد السابقة.

وفي سياق التحضيرات الميدانية، يستعد جيش الاحتلال لاحتمالية العودة إلى قتال واسع النطاق مستفيداً من حالة الهدوء النسبي على جبهتي لبنان وإيران. ويسعى كبار المسؤولين في قيادة المنطقة الجنوبية إلى تسريع وتيرة تنفيذ هذه الخطط المعتمدة لضمان عدم منح الفصائل مزيداً من الوقت لتعزيز دفاعاتها.

وعلى الرغم من الضغوط العسكرية، أشارت المصادر إلى أن القيادة السياسية في تل أبيب لم تمنح الضوء الأخضر النهائي لبدء الهجوم الواسع حتى الآن. ومع ذلك، فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو طالب بتسريع الاستعدادات اللوجستية والميدانية تحسباً لأي قرار سياسي وشيك بتوسيع رقعة العمليات.

ميدانياً، يواصل الاحتلال سيطرته على ما يعرف بـ 'الخط الأصفر' الذي يعزل مناطق واسعة من قطاع غزة ويقسمها جغرافياً. وتستولي إسرائيل عبر هذا الخط العازل على نحو 60% من مساحة القطاع، مما يضيق الخناق على تحركات الفلسطينيين ويحول دون عودة الحياة الطبيعية إلى المناطق الشرقية.

وفي المسار السياسي، أفادت مصادر متابعة لمحادثات القاهرة بأن الفصائل الفلسطينية أبدت مرونة حيال مبدأ 'حصر السلاح' في غزة. ووافقت الفصائل على أن يكون السلاح تحت إشراف هيئة فلسطينية وطنية متفق عليها، كخطوة لقطع الطريق على الذرائع الإسرائيلية لاستمرار العدوان.

إلا أن هذا التقدم يصطدم بتعنت إسرائيلي مدعوم باشتراطات دولية، حيث تصر تل أبيب على تسليم كافة الأسلحة لقوات استقرار دولية. وتستند إسرائيل في هذا المطلب إلى الرؤية التي طرحتها الإدارة الأمريكية السابقة ضمن ما يعرف بخطة ترامب، وهو ما ترفضه الفصائل جملة وتفصيلاً.

وأكد مسؤول فلسطيني مطلع أن ملف السلاح يمثل حالياً نقطة الخلاف الوحيدة والجوهريّة التي تعيق التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل. وأوضح أن الوسطاء في مصر وقطر وتركيا يحاولون تقريب وجهات النظر عبر صياغات مشروطة، لكن الفجوة لا تزال واسعة بين رؤية المقاومة والمطالب الإسرائيلية.

من جانبه، صرح المتحدث باسم حركة حماس بأن الحركة تعاملت بإيجابية ومرونة عالية مع المقترحات التي قدمها الوسطاء خلال اللقاءات الأخيرة. وأشار إلى أن الحركة تسعى لإنهاء الحرب وضمان إدارة وطنية للقطاع، مؤكداً التوصل إلى مقاربات وصفها بالمقبولة لولا التدخلات التي تعيق التنفيذ.

وشدد المتحدث على أن التطبيق الفعلي لأي تفاهمات يستوجب ممارسة ضغوط حقيقية على الاحتلال لوقف خروقاته المستمرة للتهدئة. وأضاف أن الاحتلال مطالب بالالتزام باستكمال بنود المرحلة الأولى من الاتفاق قبل الانتقال إلى أي مسارات تتعلق بالمستقبل الأمني للقطاع.

وتأتي هذه التطورات في ظل واقع إنساني كارثي، حيث تشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي إلى سقوط نحو ألف شهيد منذ بدء التهدئة المفترضة في أكتوبر الماضي. وتعكس هذه الأرقام حجم الخروقات الإسرائيلية المستمرة التي لم تتوقف رغم وجود الوسطاء والاتفاقات الأولية.

وبالنظر إلى الحصيلة الإجمالية لحرب الإبادة المستمرة منذ عام 2023، فقد بلغت أعداد الشهداء نحو 73 ألفاً، غالبيتهم من النساء والأطفال. كما دمرت الآلة العسكرية الإسرائيلية أكثر من 90% من البنية التحتية في القطاع، مما جعل العيش فيه تحدياً يومياً لملايين النازحين.

ويبقى المشهد في غزة معلقاً بين خيار التصعيد العسكري الذي يلوح به قادة الاحتلال، وبين فرص النجاح الضئيلة لمفاوضات القاهرة. وفي ظل إصرار المقاومة على حماية سلاحها ورفض الاحتلال لأي صيغة وطنية، تظل احتمالات انفجار الأوضاع مجدداً هي الأقرب للواقع الميداني.

عربي ودولي

الأربعاء 10 يونيو 2026 5:13 صباحًا - بتوقيت القدس

البنتاغون يقلص قائمة الأديان المعتمدة في الجيش الأمريكي ويثير جدلاً واسعاً

أقرت وزارة الدفاع الأمريكية تحديثاً جذرياً على لوائح الانتماء الديني الخاصة بمنتسبي القوات المسلحة، حيث تم تقليص عدد الرموز الدينية المعتمدة من نحو 200 رمز إلى 31 فقط. وبررت الوزارة هذه الخطوة بأنها تهدف إلى مساعدة القساوسة العسكريين على تنظيم خدمات الدعم الروحي بشكل أكثر كفاءة ووضوح. وقد أثار هذا التوجه موجة من الجدل داخل الأوساط الدينية والعسكرية، خاصة مع استبعاد عشرات المعتقدات التي كانت معترفاً بها سابقاً.

ووفقاً لمصادر إعلامية، فإن الوزارة أزالت ما يقارب 180 ديانة ومعتقداً من القائمة الرسمية، وذلك تنفيذاً لتوجيهات مباشرة أصدرها وزير الدفاع بيت هيغسيث. وجاء هذا التغيير بناءً على مذكرة داخلية وقعها وكيل وزارة الدفاع أنتوني تاتا، والتي شددت على ضرورة تبسيط الإجراءات الإدارية المتعلقة بالتصنيفات الدينية. ويرى مراقبون أن هذا القرار قد يؤثر على الطريقة التي يتم بها التعامل مع التنوع الثقافي داخل المؤسسة العسكرية الأكبر في العالم.

من جانبها، أوضحت وزارة الدفاع أن هذا الإجراء لا يستهدف تقييد حرية الاعتقاد أو حصر الأديان المعترف بها بشكل إقصائي، بل هو إجراء تنظيمي بحت. وأكدت الوزارة أن أفراد الجيش سيحتفظون بحقهم في تسجيل معتقداتهم الخاصة على بطاقات الهوية العسكرية، حتى في حال عدم إدراج تلك المعتقدات ضمن القائمة المختصرة الجديدة. وتهدف المذكرة إلى توفير قاعدة بيانات يسهل الوصول إليها من قبل القساوسة للتنبؤ بالاحتياجات الدينية للجنود.

وعلى الرغم من التقليص الكبير، لا تزال القائمة الجديدة تضم الديانات الكبرى مثل الإسلام واليهودية والهندوسية والبوذية والسيخية. كما شملت طوائف مسيحية رئيسية من بينها الكاثوليك والمعمدانيين واللوثريين والميثوديين، بالإضافة إلى فئة اللاأدريين. ومع ذلك، برزت احتجاجات قوية من مجتمع المورمون الذين عبروا عن استيائهم لعدم إدراجهم بشكل مستقل أو ضمن تصنيفات العقيدة المسيحية المعتمدة في الهيكل الجديد.

ودافع وزير الدفاع بيت هيغسيث عن قراره في تصريحات سابقة، معتبراً أن النظام القديم كان يعاني من تضخم غير مبرر في الرموز الدينية التي لم تكن مستخدمة فعلياً على أرض الواقع. وأشار هيغسيث إلى أن الغالبية العظمى من العسكريين ينتمون في الأصل إلى عدد محدود من الرموز الأساسية، مما يجعل الحفاظ على قائمة تضم 200 رمز أمراً غير عملي. وشدد على أن التغيير يعكس الدور الروحي للقساوسة كرجال دين أولاً وقبل كل شيء.

في المقابل، واجه القرار انتقادات حادة من رجال دين عسكريين سابقين ومحللين، اعتبروا أن حذف هذا العدد الكبير من الفئات الدينية يرسل رسالة سلبية حول شمولية الجيش. وحذر هؤلاء من أن تقليص الخيارات قد يؤدي إلى تهميش الأقليات الدينية داخل القوات المسلحة ويضعف من صورة التنوع التي تحرص المؤسسة على إظهارها. كما لفت الانتباه دمج تصنيف الإلحاد، الذي كان مستقلاً في السابق، ضمن إطار هيكلي جديد أثار تساؤلات إضافية.

وتشير التقارير إلى أن هذا التحول في سياسة البنتاغون يأتي في سياق مراجعة شاملة للأنظمة الداخلية تحت الإدارة الحالية، بهدف التركيز على الجوانب العملياتية وتقليل التعقيدات البيروقراطية. ومع استمرار الجدل، يبقى التحدي أمام الوزارة في موازنة هذه التبسيطات الإدارية مع ضمان احترام الحقوق الدينية الفردية لآلاف الجنود الذين ينتمون لخلفيات عقائدية متنوعة ومعقدة.

أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 3:58 صباحًا - بتوقيت القدس

تآكل المؤسسات واستدعاء القوى الموازية: قراءة في ظاهرة 'دولة الوسطاء'

تستوقف المراقبين في العديد من الدول النامية ظاهرة تنامي شخصيات ومجموعات تتحرك في مساحات غامضة، حيث تتداخل الأدوار بين الدولة والمجتمع وبين سلطة القانون وقوة النفوذ الواقعي. هذه المجموعات التي تظهر بأسماء متعددة كالمنظمات الرديفة أو الحرس الموازي، تعكس خللاً في بنية الدولة الحديثة التي يفترض أن تحتكر وحدها حق استخدام القوة المشروعة.

في المشهد المصري المعاصر، برزت أسماء مثل صبري نخنوخ وإبراهيم العرجاني كرموز لهذا الجدل الواسع، حيث لا يقتصر النقاش حولهما كأفراد، بل يمتد ليشمل ما يمثلانه من تحول في طبيعة العلاقة بين السلطة الرسمية والفاعلين غير الرسميين. إن هذا التحول يشير إلى انتقال تدريجي من دولة المؤسسات الراسخة إلى ما يمكن تسميته بـ 'دولة الوسطاء'.

يرى محللون أن لجوء الأنظمة السياسية إلى هذه الشبكات يمنحها نوعاً من المرونة السياسية التي تفتقدها المؤسسات الرسمية المقيدة بنصوص القانون. ففي الحالات التي ترغب فيها السلطة في تنفيذ إجراءات لا تتوافق مع الأطر القانونية الصارمة، تجد في هذه الشبكات غير الرسمية أداة فاعلة للتحرك بحرية أكبر بعيداً عن الرقابة.

كما تساهم هذه الأدوات في خفض التكلفة السياسية المباشرة على النظام الحاكم، حيث تتيح له التنصل من المسؤولية عن ممارسات معينة عبر إسنادها لوسطاء محليين. هذا الأسلوب يوفر للنظام مساحة للمناورة والإنكار أمام المجتمع الدولي أو الرأي العام المحلي عند وقوع تجاوزات حقوقية أو قانونية.

وتبرز ضرورة هؤلاء الوسطاء في إدارة الفراغات الأمنية والاجتماعية في المناطق الهامشية أو المضطربة التي قد تعجز الأجهزة الرسمية عن السيطرة الكاملة عليها. هنا يتحول 'البلطجي' أو زعيم النفوذ المحلي إلى شريك في ضبط الإيقاع الاجتماعي مقابل الحصول على امتيازات أو اعتراف ضمني بنفوذه.

علاوة على ذلك، تسعى بعض الأنظمة عبر هذه القوى إلى خلق ولاءات جديدة تكسر احتكار النخب التقليدية للنفوذ والثروة. فاستخدام عناصر القوة غير التقليدية يعمل على ردع أصحاب النفوذ القدامى وإعادة تشكيل خارطة القوى المحلية بما يضمن ولاءً مطلقاً للسلطة المركزية بعيداً عن تعقيدات البيروقراطية.

إلا أن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية جسيمة تهدد استقرار الدول على المدى الطويل، حيث تؤدي بالضرورة إلى إضعاف هيبة المؤسسات الرسمية وتآكل ثقة المواطن في سيادة القانون. إن تغليب النفوذ الشخصي على الكفاءة المؤسسية يخلق بيئة خصبة للفساد والمحسوبية.

ومع مرور الوقت، تتحول هذه القوى الموازية من مجرد أدوات مؤقتة إلى مراكز قوى مستقلة تمتلك أجنداتها الخاصة ومصالحها التي قد تتعارض لاحقاً مع توجهات الدولة نفسها. التاريخ القريب في دول مثل روسيا والعراق وسوريا يقدم نماذج واضحة لكيفية تحول المليشيات الرديفة إلى عبء بنيوي يصعب تفكيكه.

إن الاعتماد على الأشخاص بدلاً من القوانين يجعل النظام السياسي رهينة لهؤلاء الأفراد، فبمجرد غياب الشخص أو تغير مصالحه يهتز الكيان بأكمله. بينما تظل الدول التي تستثمر في بناء المؤسسات قادرة على الاستمرار وتداول السلطة دون أن تتأثر وظائفها الأساسية أو أمنها القومي.

المؤسسة بطبيعتها تورث الاستقرار والاستدامة لأنها تقوم على قواعد مجردة لا تتغير بتغير الأفراد، أما شخصنة القوة فهي تورث الهشاشة البنيوية. فمهما بدت تلك المجموعات قوية وقادرة على الحسم في اللحظة الراهنة، إلا أنها تظل كيانات طفيلية تعيش على حساب قوة الدولة الحقيقية.

إن استدعاء 'البلطجي' أو القوى غير القانونية هو اعتراف ضمني بعجز الدولة عن القيام بوظائفها الأساسية عبر القنوات الشرعية. هذا العجز يفتح الباب أمام تآكل العقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بالدولة، حيث يصبح البحث عن الحماية والنفوذ خارج إطار القانون هو القاعدة وليس الاستثناء.

التجارب الدولية أثبتت أن الحلول الأمنية والسياسية التي تعتمد على 'البلطجة المنظمة' هي حلول قصيرة الأمد، وغالباً ما تنتهي بصراعات داخلية على النفوذ والموارد. فالقوى التي تُصنع في الظلام لا تقبل العيش طويلاً تحت ضوء القانون، وتسعى دائماً لتوسيع مساحات نفوذها على حساب السيادة الوطنية.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام أي نظام يسعى للاستقرار يكمن في العودة إلى مبادئ الدولة الحديثة وتعزيز دور المؤسسات الرقابية والقضائية. إن تقوية الجيش والشرطة والقضاء كمؤسسات وطنية مهنية هو الضمانة الوحيدة لمنع انزلاق المجتمعات نحو الفوضى أو حكم العصابات.

في الختام، يبقى السؤال الجوهري الذي يواجه هذه الدول: هل تريد بناء دولة مؤسسات تحمي الجميع، أم دولة وسطاء تحمي المصالح الضيقة؟ إن الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد مصير الاستقرار السياسي والاجتماعي في العقود القادمة، بعيداً عن بريق القوة الزائف الذي يوفره الوسطاء.

اسرائيليات

الأربعاء 10 يونيو 2026 3:28 صباحًا - بتوقيت القدس

نتنياهو يُحكم قبضته الأمنية: شموئيل بن عزرا رئيساً لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي

صادقت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع على تعيين شموئيل بن عزرا رئيساً لمجلس الأمن القومي ومستشاراً للأمن القومي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ويأتي هذا القرار لملء المنصب الذي ظل شاغراً منذ إقالة تساحي هنغبي قبل أشهر، إثر تصاعد الخلافات العميقة مع رئيس الحكومة حول إدارة الملفات الأمنية الحساسة.

يُعد بن عزرا، المولود في القدس عام 1973 لعائلة من أصول مغربية، أحد أبرز الوجوه التكنولوجية في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وقد تدرج في مناصب قيادية داخل الجيش وأجهزة الاستخبارات، حيث تخصص في مجالات البحث والتطوير وأنظمة الدفاع الصاروخي المتطورة والأمن السيبراني.

برز اسم بن عزرا بشكل لافت عقب حصوله على جائزة الأمن الإسرائيلي في عام 2017، تقديراً لدوره المحوري في تطوير منظومة اعتراض الصواريخ 'حيتس 3' (آرو). كما قاد لاحقاً قسم التكنولوجيا والعمليات السيبرانية في جهاز الأمن العام 'الشاباك'، مما منحه خبرة مزدوجة تجمع بين العمل العملياتي والتقني.

تأتي إقالة السلف تساحي هنغبي بعد أزمة ثقة حادة مع نتنياهو، حيث أفادت مصادر بأن هنغبي عارض عدة توجهات استراتيجية داخل 'الكابينت'. وشملت نقاط الخلاف تحفظه على خطط احتلال مدينة غزة، ودعوته المستمرة لمنح مسار مفاوضات تبادل الأسرى والمحتجزين فرصة أكبر قبل التصعيد العسكري.

يرى مراقبون أن اختيار بن عزرا يعكس استراتيجية نتنياهو في إحكام السيطرة على دوائر صنع القرار عبر تعيين شخصيات تدين له بالولاء المهني والسياسي. فالمستشار الجديد لا يُعرف عنه معارضة توجهات رئيس الوزراء، بل يُنظر إليه كذراع تقنية قادرة على تنفيذ الرؤية السياسية في قالب أمني متطور.

تشير تقارير إلى أن تعيين بن عزرا حظي بدعم من أقطاب اليمين داخل الحكومة، وتحديداً وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي دفع باتجاه اختيار شخصية ذات خلفية دينية ومحافظة. وينتمي بن عزرا لعائلة متدينة، حيث كان والده حاخاماً وأستاذاً للفيزياء، مما سهّل قبول تعيينه داخل الائتلاف الحاكم.

يهدف نتنياهو من هذا التعيين إلى دمج الخبرات الاستخباراتية التكنولوجية في صلب القرار السياسي، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها الحروب متعددة الجبهات. وتتزايد الحاجة الإسرائيلية لتطوير أدوات الردع السيبراني والتقني لمواجهة التهديدات الإقليمية المتنامية والهجمات الرقمية المنسقة.

إلى جانب البعد المهني، يحمل التعيين دلالات سياسية مرتبطة بمستقبل الحكومة، حيث أن منصب رئيس مجلس الأمن القومي يرتبط مباشرة ببقاء رئيس الوزراء في السلطة. وقد أحجم مرشحون سابقون عن قبول المهمة نظراً لارتباطها بالتقلبات السياسية التي يعيشها نتنياهو ومحاكماته الجارية.

تندرج هذه الخطوة ضمن سياسة أوسع لنتنياهو تهدف لإعادة تشكيل الدائرة الضيقة المحيطة به، وشملت تعيينات سابقة في مواقع حساسة مثل رومان غوفمان والمحامي ميخائيل رابيلو. ويسعى رئيس الوزراء من خلال هذه الشبكة إلى ضمان انسجام كامل بين المستويات الرقابية والأمنية والقانونية مع توجهاته الشخصية.

على الصعيد الإقليمي، يسعى نتنياهو عبر فريقه الجديد إلى تفكيك جبهات المواجهة ومنع تشكل جبهة موحدة ضد إسرائيل. وقد اعتمدت استراتيجيته مؤخراً على الضربات المركزة والاغتيالات النوعية، مع محاولة إبقاء المواجهة مع لبنان تحت سقف معين لتجنب الانفجار الشامل.

رغم المكاسب التكتيكية التي حققتها إسرائيل عبر استغلال الانقسامات اللبنانية والأزمات الاقتصادية، إلا أن نتنياهو لم ينجح حتى الآن في استعادة الردع الكامل. ويُنتظر من بن عزرا أن يساهم في صياغة استراتيجيات جديدة تربط بين الضغط العسكري في غزة والتهدئة المطلوبة على الجبهة الشمالية.

تؤكد مصادر إعلامية أن بن عزرا يمتلك شبكة علاقات دولية واسعة، لا سيما مع المسؤولين الأمنيين في الولايات المتحدة، وهو ما يعزز من قدرته على إدارة الملفات الاستراتيجية. وتعد هذه الخبرة الدبلوماسية عنصراً حاسماً في تنسيق المواقف مع الشركاء الدوليين في ظل الضغوط المتزايدة على إسرائيل.

من المتوقع أن يمنح وجود بن عزرا طابعاً تكنولوجياً لمجلس الأمن القومي، مما يعزز التنسيق بين مكتب رئيس الوزراء والمؤسسات الأمنية في قضايا الحرب الرقمية. وتأتي هذه التحولات في وقت تواجه فيه إسرائيل تحديات داخلية مرتبطة بالتعديلات القضائية وتراجع الثقة الشعبية في بعض المؤسسات السيادية.

في نهاية المطاف، يمثل تعيين شموئيل بن عزرا محاولة من نتنياهو لتحصين جبهته الداخلية وتأمين مطبخ القرار الأمني بشخصيات مهنية لا تشكل تهديداً لسياساته. وسيكون الاختبار الحقيقي لبن عزرا هو مدى قدرته على الموازنة بين المتطلبات التقنية للأمن القومي والضغوط السياسية التي يفرضها ائتلاف اليمين.

تحليل

الأربعاء 10 يونيو 2026 3:28 صباحًا - بتوقيت القدس

الصحبة القرآنية: قراءة في التكامل المنهجي بين مالك بن نبي ومحمد عبد الله دراز

تتجلى في الفكر الإسلامي المعاصر مدرسة متميزة تجمع بين جهود المفكر الجزائري مالك بن نبي والحكيم المصري محمد عبد الله دراز، حيث يبرز مفهوم 'الصحبة القرآنية' كتاج لهذه العلاقة المنهجية. هذا المفهوم ينقل التعامل مع النص القرآني من مجرد المعالجة العلمية الجافة إلى فضاء التخلق والقيم والممارسة الحركية الميدانية المرتبطة بواقع الناس.

إن علاقة المسلم بالقرآن في هذه المدرسة لا تتوقف عند حدود الاطلاع المعرفي أو الاستظهار الساكن، بل هي صحبة وجودية تبدأ باليقين وتنتهي بالمطابقة السلوكية. تهدف هذه الصحبة إلى تحقيق الهيمنة المعرفية والسيادة التي تحطم موازين الأمر الواقع المادية، وتؤسس لوعي جديد يتجاوز عقلية الناقل السلبي.

تعتمد ماهية الصحبة القرآنية على أبعاد رئيسة، أولها صحبة اليقين والتلقي الفاعل المستمدة من كتاب 'النبأ العظيم'. هنا يتحرر المصاحب للقرآن من الأفكار المسبقة، ويعيش الآيات كنبأ مستمر يمنحه القدرة على مواجهة التحديات المعاصرة برؤية قرآنية ثاقبة ومستقلة.

البعد الثاني يتمثل في صحبة الالتزام والتخلق العملي التي فصلها دراز في 'دستور الأخلاق'. يتحول القرآن في هذا السياق إلى بوصلة أخلاقية ورقابة معرفية حاكمة على سلوك الفرد والمجتمع والسياسة، محولاً القيم النظرية إلى إجراءات تمكينية واقعية مسددة بالوحي.

أما البعد الثالث فهو صحبة حراسة السند والشهود الكوني، حيث يمتلك المصاحب للقرآن وعي 'الأمة القطب'. هذا الوعي يحمي السيادة اللغوية والمعرفية للأمة، ويفكك مقولات التبعية والكيد الاستشراقي، معتمداً بروتوكول اعتبار الواقع لا تحكيمه في إدارة الأزمات الاستراتيجية.

يلتقي مالك بن نبي، المفكك لقابليات الاستعمار، مع محمد عبد الله دراز، الحكيم الدستوري، في صياغة مشروع حضاري يمنع الانفصام المعرفي. لقد شكلت مؤلفاتهما تكاملاً يدفع طاقات عباقرة الأمة لقطع دابر التبعية النفسية والمعرفية التي خلفتها عصور التراجع.

تقوم قوامة الصحبة القرآنية عند الرجلين على ساقين بنيويتين هما الاختصاص والتمايز. يمثل الاختصاص مجموع الخصائص التي تحصن لسان الوحي، حيث تحرك بن نبي في ثغر علم الاجتماع الديني، بينما لزم دراز ثغر الفلسفة الأخلاقية والتحليل البلاغي المقاصدي.

أما ساق التمايز فتعبر عن الحالة المنيعة التي يتميز بها الكيان الحضاري الإسلامي عن الآخرين من خلال مشروعه الرسالي الجامع. هذا التمايز يرفض سحب المعايير المادية الجافة على النص المعجز، ويتمسك بطهارة العقيدة والولاء للفكرة والذات الحضارية المستقلة.

تتأسس حركية الصحبة القرآنية على مكونات متكاملة، منها المكون المعرفي الذي يحفظ أصل الاستمرارية وبناء مناهج التلقي الصافية. يهدف هذا المكون إلى منع التجزئة الضالة للمعرفة، وضمان اتصال الوعي بالوحي بعيداً عن بتر السياقات التاريخية أو إغفالها.

وفي المكون الاجتماعي، نجد رحماً حضارياً يربط بين تفكيك بن نبي لشروط النهضة وشبكة العلاقات الاجتماعية، وبين مسؤولية دراز الأخلاقية. هذا الربط يحمي النسيج الاجتماعي من الانحلال والتشظي الأناني، ويجعل من الأخلاق ركيزة أساسية لبناء القوة الاجتماعية.

المكون الثقافي يمثل الأشواق الدافعة والمدد الروحي، حيث اعتبر بن نبي الفكرة الدينية مولداً للحضارة، بينما هندسها دراز كأشواق علوية تدفع للعمل. هذه الهوية الحيوية المتجددة هي التي تمنح الأمة القدرة على الاستمرار في مواجهة التحديات الوجودية.

يبرز المكون السيادي كأداة للتدبير الحركي وإدارة التدافع مع الخصوم الفكريين لحفظ القوى الحية للأمة. إن إعمال أجهزة الفعالية المعرفية يضمن فرز مواقف الوعي، ويقود المنظومة الحركية لاستثمار المسخرات الكونية وفق رؤية قرآنية استخلافية.

لقد نجح بن نبي في عزل 'الفكرة الوثن' من خلال التفريق الصارم بين الظاهرة النفسية البشرية والظاهرة القرآنية المفارقة. هذا الاجتثاث للمؤثرات الاستشراقية قابله بناء دراز للبنية الأخلاقية المعجزة، مما أثبت امتناع صدور هذا النص عن أي مصدر بشري أرضي.

ختاماً، تتحول الصحبة القرآنية إلى معيار أداء وإلزام في سائر ثغور الأمة، وضمانة لعدم ذوبان عرق المكابدة في قوالب التبعية. إن استقامة المصطلح هي استقامة للميدان، والميثاق الذي أحكمه هذان العالمان يدمج يقين الظاهرة ببصيرة التدبر لصناعة النهوض الراشد.

فلسطين

الأربعاء 10 يونيو 2026 3:28 صباحًا - بتوقيت القدس

دراسة تحذر من مخاطر الانفصال المالي: هل العملة الرقمية حل لأزمة سيولة غزة؟

ناقشت ورقة علمية حديثة صادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، أزمة السيولة النقدية الحادة التي تعصف بقطاع غزة، محذرة من تداعيات الانفصال المالي على وحدة النظام الفلسطيني. وبينت الدراسة التي أعدها الباحث رائد محمد حلس أن الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 دمرت البنية التحتية المصرفية بشكل واسع، مما أدى إلى اختلالات نقدية غير مسبوقة في السوق المحلية.

وأوضحت الدراسة أن جذور الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل تعود لعوامل بنيوية تراكمت لسنوات، أبرزها الاعتماد المفرط على النقد الورقي وضعف أنظمة الدفع الإلكتروني. وقد أدى تدمير فروع البنوك وأجهزة الصراف الآلي، إلى جانب انقطاع الاتصالات، إلى شلل شبه كامل في قدرة المواطنين على الوصول إلى حساباتهم ومدخراتهم المالية.

وأشارت المصادر البحثية إلى أن توقف قنوات تدفق الأموال التقليدية كان له أثر كارثي على المعروض النقدي، حيث توقفت عمليات شحن الأموال من الضفة الغربية وتحويلات رواتب موظفي الأونروا. كما تسبب منع دخول العمال إلى أماكن عملهم وتوقف حركة القادمين من الخارج في جفاف منابع السيولة التي كانت تغذي الأسواق في القطاع.

ونتج عن هذا النقص الحاد ظهور تشوهات اقتصادية خطيرة، من أبرزها ارتفاع عمولات السحب النقدي إلى مستويات قياسية أثقلت كاهل المواطنين. كما رصدت الدراسة توسعاً كبيراً في الاقتصاد غير الرسمي وتزايد ظاهرة اكتناز الأموال خارج النظام المصرفي الرسمي، مما أفقد المؤسسات المالية قدرتها على إدارة النشاط الاقتصادي.

وفي ظل هذه الأوضاع، برزت مقترحات تدعو لتبني عملة رقمية أو منظومة مالية إلكترونية محلية كحل بديل لتجاوز أزمة نقص الأوراق النقدية. ويرى المؤيدون لهذا التوجه أنها وسيلة فعالة لتسهيل المعاملات اليومية والحد من تكاليف تداول الأموال في ظل الحصار المفروض وتدمير المنشآت المصرفية التقليدية.

بالمقابل، حذر الباحث من التعامل مع العملة الرقمية كحل تقني بحت، مؤكداً أنها تحمل أبعاداً سياسية ومؤسسية قد تمس مستقبل الكيان الفلسطيني. واعتبرت الدراسة أن إنشاء منظومة نقدية مستقلة في غزة قد يؤدي إلى تكريس الانفصال المالي والسياسي بين قطاع غزة والضفة الغربية بشكل دائم.

وتطرقت الورقة إلى مخاطر إضعاف الدور التنظيمي لسلطة النقد الفلسطينية، مما يفقدها القدرة على الإشراف الموحد على القطاع المالي. كما نبهت إلى أن التحول الرقمي قد يفتح الباب أمام مستويات عالية من الرقابة الخارجية والتحكم في النشاط الاقتصادي للسكان عبر منصات تكنولوجية غير وطنية.

وعلى الصعيد التقني، أكدت الدراسة أن البيئة الحالية في غزة لا توفر الحد الأدنى من متطلبات النجاح لأي مشروع مالي رقمي واسع النطاق. فاستمرار أزمات الكهرباء والاتصالات والإنترنت يمثل عائقاً جوهرياً أمام استقرار الأنظمة الرقمية وضمان استمرارية عملها في ظل الدمار الذي طال البنية التحتية.

كما لفتت الدراسة إلى تحديات اجتماعية تتعلق بمحدودية الثقافة المالية الرقمية لدى شرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني في القطاع. ويضاف إلى ذلك ضعف الثقة العامة بالأنظمة الإلكترونية في ظل الظروف الأمنية المعقدة، مما يجعل من الصعب إقناع الجمهور بالتحول الكامل نحو الوسائل الرقمية.

وبدلاً من القفز نحو حلول قد تزيد من تعقيد المشهد السياسي، اقترحت الدراسة مجموعة من البدائل العملية التي تعمل ضمن إطار النظام المالي القائم. ودعت إلى ضرورة الضغط لإعادة تفعيل قنوات إدخال النقد الورقي إلى القطاع وتأهيل الفروع المصرفية المتضررة لتعود للخدمة في أسرع وقت ممكن.

وشددت الورقة على أهمية تعزيز دور سلطة النقد الفلسطينية في إدارة الأزمة، مع التوسع في استخدام وسائل الدفع الإلكتروني المعتمدة رسمياً. واعتبرت أن تطوير المحافظ الرقمية تحت المظلة القانونية الفلسطينية هو المسار الأكثر أماناً للحفاظ على وحدة المؤسسات المالية ومنع نشوء كيانات موازية.

وطالبت الدراسة باتخاذ إجراءات حازمة للحد من احتكار السيولة النقدية ومحاربة ظاهرة العمولات المرتفعة التي تفرضها بعض الجهات غير الرسمية. ورأت أن إعادة تنشيط الدورة النقدية تتطلب تكاتفاً بين القطاعين العام والخاص لتقليل تكاليف المعاملات المالية وتسهيل حركة الأموال بين المواطنين.

وفي الختام، خلصت الورقة إلى أن أزمة السيولة هي إحدى أقسى نتائج الحرب والحصار، لكن علاجها لا يجب أن يكون على حساب الوحدة الوطنية. وحذرت من أن أي خطوة غير مدروسة نحو عملة رقمية منفصلة قد تخدم أجندات تهدف إلى فصل غزة نهائياً عن المنظومة الفلسطينية الشاملة.

وأكدت التوصيات النهائية على ضرورة التركيز على إصلاح الاختلالات الهيكلية وإعادة بناء ما دمره الاحتلال ضمن رؤية وطنية موحدة. فالحفاظ على وحدة النظام المالي يظل صمام الأمان لحماية الاقتصاد الفلسطيني من الانهيار التام وضمان استمرارية الخدمات المالية لكافة المواطنين دون تمييز.

عربي ودولي

الأربعاء 10 يونيو 2026 3:28 صباحًا - بتوقيت القدس

بقرار من ترمب.. الجيش الأمريكي يستعد لتنفيذ أولى عمليات إعدام عسكريين منذ 6 عقود

تتجه الولايات المتحدة نحو كسر تقليد قانوني وعسكري استمر لأكثر من ستة عقود، حيث لم تشهد المؤسسة العسكرية تنفيذ أي حكم إعدام منذ عام 1961. وتأتي هذه التحركات في ظل توجهات إدارة الرئيس دونالد ترمب الرامية لإعادة تفعيل العقوبات القصوى وتطبيق القانون بصرامة داخل صفوف القوات المسلحة.

وكشفت تقارير إعلامية عن خطة عملية أطلقت في فبراير الماضي تحت مسمى 'عملية العدالة الحازمة'، تهدف إلى إنهاء حالة التعليق الطويل لأحكام الإعدام الصادرة بحق عسكريين. وتتضمن الخطة إجراءات لوجستية معقدة تشمل التنسيق بين السلطات العسكرية ومكتب السجون الفيدرالي لضمان تنفيذ الأحكام وفق الجداول الزمنية المحددة.

وتقضي التوجيهات الجديدة بنقل العسكريين المحكوم عليهم من الثكنة التأديبية العسكرية في ولاية كانساس إلى منشأة الإعدام الفيدرالية في مدينة 'تير هوت' بولاية إنديانا. ويجب أن تتم عملية النقل هذه في غضون 150 يوماً من تاريخ المصادقة الرئاسية النهائية على الأحكام الصادرة بحقهم.

وعلى الرغم من البدء في الإجراءات الفنية واللوجستية، إلا أن الكلمة الفصل تظل بيد الرئيس دونالد ترمب الذي يملك الصلاحية الدستورية للمصادقة على التنفيذ. ويعد هذا الملف من أكثر القضايا حساسية نظراً لكونه يمس صلب القضاء العسكري الأمريكي والقانون الموحد للقضاء العسكري (UCMJ).

وتضم قائمة المحكومين الذين قد يواجهون حبل المشنقة أو الحقنة القاتلة أربعة عسكريين سابقين أدينوا بجرائم هزت الرأي العام الأمريكي. ومن أبرز هؤلاء الرائد السابق نضال حسن، المسؤول عن حادثة إطلاق النار الشهيرة في قاعدة 'فورت هود' عام 2009 التي أدت لمقتل 13 شخصاً.

كما تشمل القائمة المجند السابق رونالد غراي، الذي أدين في عام 1988 بارتكاب سلسلة من جرائم القتل والاغتصاب المروعة. وكان الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش قد صادق على إعدامه في عام 2008، إلا أن تدخل القضاء الفيدرالي أوقف التنفيذ في ذلك الوقت.

أما الاسم الثالث فهو الرقيب أول السابق تيموثي هينيس، الذي واجه مساراً قضائياً معقداً انتهى بإدانته عبر أدلة الحمض النووي (DNA). وقد أدين هينيس باغتصاب وقتل امرأة وابنتيها، مما أعاد القضية إلى أروقة المحاكم العسكرية التي قضت بإعدامه.

ويبرز أيضاً اسم حسن أكبر، الرقيب السابق في سلاح الهندسة، الذي أدين بالهجوم على زملائه في قاعدة 'كامب بنسلفانيا' بالكويت عام 2003. وقد أسفر هجومه باستخدام القنابل اليدوية وإطلاق النار عن مقتل وإصابة جنود أمريكيين قبيل انطلاق غزو العراق.

وتعكس هذه الخطوات رغبة ترمب في توسيع نطاق عقوبة الإعدام على المستوى الفيدرالي، وهو ما أكده عبر أوامر تنفيذية سابقة. وتأتي هذه السياسة كنقيض لنهج إدارة بايدن السابقة التي كانت قد علقت تنفيذ الإعدامات الفيدرالية بشكل مؤقت.

ويثير هذا التوجه انقساماً حاداً في الشارع الأمريكي وبين الأوساط القانونية، حيث يرى المؤيدون أن العدالة تأخرت كثيراً لهؤلاء الضحايا. وفي المقابل، يرى المعارضون أن العودة للإعدامات العسكرية تفتح باباً من الجدل الأخلاقي والقانوني حول سلطات الرئيس الواسعة.

وتشير الإحصاءات إلى أن 27 ولاية أمريكية لا تزال تحتفظ بعقوبة الإعدام في قوانينها، رغم تفاوت نسب التنفيذ الفعلي بين ولاية وأخرى. بينما اختارت 23 ولاية أخرى إلغاء العقوبة تماماً واستبدالها بالسجن المؤبد، مما يعكس التباين التشريعي الكبير داخل البلاد.

وتحظر القوانين الأمريكية الحالية تنفيذ الإعدام بحق القاصرين وقت ارتكاب الجريمة أو أولئك الذين يعانون من إعاقات ذهنية مثبتة. ومع ذلك، فإن القضايا الأربع المطروحة حالياً استوفت كافة مراحل الاستئناف القانوني، مما يجعل المصادقة الرئاسية هي العائق الوحيد أمام التنفيذ.

وفي ظل صمت البيت الأبيض عن التعليق الرسمي حتى اللحظة، يترقب المراقبون صدور القرار النهائي الذي قد يغير وجه القضاء العسكري. وإذا ما تمت هذه الإعدامات، فإنها ستسجل كحدث تاريخي ينهي حقبة طويلة من تجميد العقوبات القصوى داخل الجيش الأمريكي.

فلسطين

الأربعاء 10 يونيو 2026 3:28 صباحًا - بتوقيت القدس

الاحتلال يفرج عن لاعبة المنتخب الفلسطيني رند الحلواني ويفرض عليها الحبس المنزلي

أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، مساء الأحد، عن لاعبة المنتخب الوطني الفلسطيني للسيدات لكرة القدم، رند الحلواني، بعد فترة احتجاز ميداني استمرت منذ يوم الثلاثاء الماضي. وأكدت عائلة اللاعبة أن الإفراج تم في تمام الساعة الثامنة والنصف مساءً، لكنه جاء مشروطاً بسلسلة من الإجراءات التقييدية التي تمس حريتها الشخصية والرياضية خلال الأيام المقبلة.

وأفادت وسام الحلواني، والدة اللاعبة البالغة من العمر 20 عاماً، في تصريحات صحفية، بأن ابنتها تواجه حالياً عقوبة الحبس المنزلي لمدة خمسة أيام كجزء من شروط إطلاق سراحها. ووصفت الوالدة الأيام التي سبقت الإفراج بأنها كانت 'أوقاتاً عصيبة للغاية' سادها القلق على مصير ابنتها، قبل أن تتحول تلك المشاعر إلى فرحة غامرة بعودتها إلى كنف عائلتها رغم القيود المفروضة.

من جهة أخرى، التزمت شرطة الاحتلال الإسرائيلي الصمت المطبق حيال القضية، حيث رفضت التعليق أو الإدلاء بأي تصريحات توضح خلفيات هذا الإجراء أو تفاصيل التحقيق. ورغم المحاولات الصحفية للحصول على تعقيب رسمي يفسر أسباب الاحتجاز الميداني ثم الإفراج المشروط، إلا أن الجهات الأمنية الإسرائيلية فضلت عدم الرد على الاستفسارات المتعلقة بملف اللاعبة الفلسطينية.

وكانت قضية رند الحلواني قد بدأت عقب استدعائها للتحقيق في مركز شرطة 'تلبيوت' المقام غربي مدينة القدس المحتلة، وذلك بذريعة الاشتباه في إلقاء أغراض من سطح أحد المباني. وقد أثار اعتقالها موجة من الانتقادات الواسعة، حيث اعتبرت أوساط حقوقية ورياضية أن هذه الممارسات تأتي في سياق التضييق الممنهج الذي يستهدف الكوادر الرياضية والنسوية الفلسطينية في القدس والمحافظات المختلفة.

عربي ودولي

الأربعاء 10 يونيو 2026 2:28 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد عسكري في الخليج: واشنطن تقصف أهدافاً إيرانية وطهران تتوعد برد حاسم

شهدت منطقة الخليج تصعيداً عسكرياً خطيراً بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، عقب إعلان واشنطن تنفيذ سلسلة من الضربات الجوية ضد أهداف داخل الأراضي الإيرانية. وجاء هذا التحرك العسكري رداً على حادثة إسقاط مروحية هجومية أميركية من طراز 'أباتشي' أثناء قيامها بمهمة دورية فوق مياه مضيق هرمز الاستراتيجي.

وفي أول رد فعل رسمي من طهران، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي اعتداء يستهدف سيادتها أو أمنها القومي. وشدد عراقجي على أن القوات المسلحة الإيرانية تمتلك الجاهزية الكاملة للرد على أي تهديد، مشيراً إلى أن زمن الصمت على الهجمات قد ولى.

واعتبر رئيس الدبلوماسية الإيرانية، عبر تدوينة له أن لجوء واشنطن للخيار العسكري يعكس فشلها في تحقيق أجندتها السياسية عبر وسائل أخرى. ووجه رسالة حازمة للقوات الأجنبية المتواجدة في المنطقة، داعياً إياها للرحيل الفوري لضمان سلامتها، مذكراً بما وصفه بالمصير المأساوي للغزاة في تاريخ المنطقة.

من جانبه، دافع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن قرار القصف، واصفاً الرد الأميركي بأنه 'قوي جداً' ويتناسب مع حجم الاستهداف الذي تعرضت له المروحية الأميركية. وأوضح ترمب في تصريحات إعلامية أن الولايات المتحدة كانت مضطرة للتحرك لحماية هيبتها العسكرية وضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

وكان ترمب قد كشف في وقت سابق أن الجيش الأميركي أطلعه على تفاصيل سقوط المروحية المتطورة، مؤكداً نجاة الطيارين اللذين كانا على متنها رغم تدمير الطائرة بالكامل. وأشار الرئيس الأميركي إلى أن الصمت على إسقاط 'الأباتشي' لم يكن خياراً مطروحاً أمام الإدارة الأميركية في ظل الظروف الراهنة.

وفي السياق الميداني، أعلنت القيادة المركزية الأميركية 'سنتكوم' أن العمليات العسكرية بدأت فعلياً مساء الثلاثاء بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة. ووصف البيان العسكري هذه الضربات بأنها تندرج تحت بند 'الدفاع عن النفس'، وتهدف إلى تقويض القدرات الإيرانية التي تهدد الملاحة والقوات الدولية.

وزعمت المصادر العسكرية الأميركية أن هذه العملية تمثل رداً مدروساً ومناسباً على ما وصفته بـ 'العدوان الإيراني غير المبرر' في المياه الدولية. ولم تفصح القيادة المركزية عن قائمة الأهداف الدقيقة التي طالها القصف، مكتفية بالإشارة إلى أنها استهدفت منشآت مرتبطة بالهجوم الأخير.

بالتزامن مع هذه التصريحات، نقلت مصادر إعلامية سماع دوي انفجارات عنيفة هزت مناطق واسعة في جنوب إيران، وتحديداً في المناطق القريبة من مضيق هرمز. وتركزت الأنباء عن وقوع انفجارات في جزيرة قشم ومدينة سيريك، مما أثار حالة من الاستنفار في صفوف الدفاع المدني الإيراني.

وأكدت وكالات أنباء محلية أن أصداء الانفجارات وصلت إلى مدينة بندر عباس الاستراتيجية، التي تضم منشآت حيوية وقواعد بحرية هامة. وسادت حالة من القلق بين السكان المحليين مع استمرار التحليق المكثف للطيران في سماء المنطقة الحدودية البحرية خلال ساعات الليل.

وعاد الهدوء الحذر ليخيم على المناطق المستهدفة بعد ساعات من القصف، حيث أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني انتهاء الهجمات وعودة الحياة لطبيعتها في قشم وجاسك. ورغم ذلك، لم تصدر السلطات في طهران حتى اللحظة أي بيانات تفصيلية حول حجم الخسائر المادية أو وقوع ضحايا جراء الضربات الأميركية.

وتأتي هذه التطورات الميدانية في وقت حساس للغاية، حيث تخوض واشنطن وطهران مفاوضات معقدة لإنهاء حالة الحرب التي اندلعت في فبراير الماضي. وتجري هذه المحادثات منذ بدء سريان الهدنة في أبريل، وسط آمال دولية بالتوصل إلى صيغة تنهي الصراع المسلح في المنطقة.

ورغم التصعيد العسكري الأخير، أبدى الرئيس ترمب نوعاً من التفاؤل السياسي، مشيراً إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق شامل مع الجانب الإيراني في غضون أيام قليلة. ويرى مراقبون أن الضربات العسكرية قد تكون وسيلة للضغط وتحسين شروط التفاوض قبل الجلوس النهائي على الطاولة.

وتعكس هذه الأحداث المتسارعة حجم التعقيد في الملف الإيراني الأميركي، حيث يتداخل الرصاص مع الدبلوماسية في مشهد ضبابي. فبينما تشتعل الجبهات الميدانية بالانفجارات، تظل القنوات السياسية مفتوحة لمحاولة احتواء الموقف ومنع انزلاقه إلى حرب إقليمية شاملة.

ويبقى الترقب سيد الموقف في الساعات القادمة، بانتظار ما ستسفر عنه التحركات الإيرانية المضادة التي توعد بها عراقجي. فالمجتمع الدولي يراقب بحذر مدى قدرة الطرفين على ضبط النفس والعودة إلى مسار التفاوض الذي أشار إليه ترمب في تصريحاته الأخيرة.

فلسطين

الأربعاء 10 يونيو 2026 1:28 صباحًا - بتوقيت القدس

حماس تحذر من استهداف معالم المسجد الأقصى وتدعو للنفير العام

أطلقت حركة حماس تحذيرات شديدة اللهجة من مغبة استمرار الاحتلال الإسرائيلي في استهداف المعالم التاريخية والأساسية داخل باحات المسجد الأقصى المبارك. وأكدت الحركة في بيان صحفي أن هذه الإجراءات التي طالت مؤخراً أربعة معالم رئيسية تمثل انتهاكاً صارخاً وتصعيداً خطيراً يهدف إلى تغيير الهوية الإسلامية للمقدسات.

وأوضحت مصادر أن السياسة الإسرائيلية الجديدة تعتمد على تفريغ المعالم والمرافق التاريخية بذرائع أمنية واهية لا أساس لها من الصحة. وكان آخر هذه الاستهدافات قبة موسى الواقعة في الجهة الجنوبية الغربية من المسجد، والتي تعد جزءاً أصيلاً من النسيج المعماري والتاريخي للمكان المقدّس لدى المسلمين.

ودعت الحركة جماهير الشعب الفلسطيني إلى إعلان النفير العام وتكثيف الرباط في باحات المسجد الأقصى وشد الرحال إليه من كل مكان. وشددت على أن المقاومة الشعبية والوجود الفلسطيني المكثف هما الكفيلان بإفشال مخططات التهويد التي تسعى حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة لفرضها كأمر واقع.

وفي سياق متصل، أشارت تقارير صادرة عن مؤسسة القدس الدولية إلى أن شرطة الاحتلال صعدت خلال الأسابيع الماضية من وتيرة ملاحقة المرافق الإدارية التابعة للأوقاف. وبينت التقارير أن المعالم الأربعة التي شملها الاستهداف كانت تستخدم كمقرات إدارية للأوقاف الإسلامية التابعة للأردن، مما يضفي بعداً سياسياً خطيراً على هذه الخطوات.

ووجهت حماس نداءً عاجلاً إلى الدول العربية والإسلامية بضرورة الوقوف عند مسؤولياتها التاريخية والدينية تجاه أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. وطالبت بالتحرك الدبلوماسي والسياسي الفوري على كافة المستويات الدولية لوقف التغول الإسرائيلي ومنع تدنيس المسجد الأقصى وفرض التقسيم الزماني والمكاني.

كما حثت الحركة العلماء والأحزاب والتيارات الفكرية في العالم العربي والإسلامي على حشد الطاقات المادية والبشرية لنصرة القدس وأهلها. وأكدت أن الشعب الفلسطيني لن يقف مكتوف الأيدي أمام محاولات طمس الهوية العربية والإسلامية للمدينة المقدسة، ولن يستسلم أمام سياسات الوزراء المتطرفين في حكومة الاحتلال.

وختمت الحركة بيانها بالتأكيد على أن دائرة الغضب الشعبي تتسع مع كل اعتداء جديد يطال المسجد الأقصى، محملة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن التداعيات. وشددت على أن الحقوق التاريخية والدينية في القدس غير قابلة للتصرف أو التفاوض، وأن الدفاع عنها هو واجب مقدس يقع على عاتق كل أحرار العالم.

فلسطين

الأربعاء 10 يونيو 2026 12:58 صباحًا - بتوقيت القدس

كارثة صحية في غزة: آلاف الجرحى يواجهون الموت البطيء بانتظار فتح المعابر

تتصاعد حدة الكارثة الإنسانية في قطاع غزة مع استمرار تشديد الحصار وإغلاق المعابر الحيوية، مما أدى إلى حرمان آلاف الجرحى والمرضى من حقهم الأساسي في تلقي العلاج خارج القطاع. وأطلقت وزارة الصحة نداءات استغاثة متكررة، محذرة من أن القيود المفروضة على حركة السفر وتدفق المستلزمات الطبية باتت بمثابة حكم بالموت البطيء على أصحاب الحالات الحرجة.

في أروقة المستشفيات المتهالكة، تتحول الأرقام والإحصائيات إلى قصص إنسانية مؤلمة تعكس حجم المعاناة اليومية. الطفلة 'زمرد' تقف عاجزة أمام سرير والدها نائل، الذي أصيب في الدماغ منذ عام ونصف العام، حيث لا يزال الأب طريح الفراش بانتظار فرصة للسفر لم تأتِ بعد رغم حصوله على كافة الأوراق الطبية اللازمة.

وناشدت عائلة المريض نائل كافة الضمائر الحية والمنظمات الدولية للتدخل الفوري لإنقاذ حياته، مؤكدة أن وضعه الصحي يزداد خطورة يوماً بعد يوم بسبب غياب الإمكانيات الجراحية المتخصصة في غزة. وتعد حالة نائل نموذجاً لآلاف المصابين الذين يواجهون مصيراً مجهولاً نتيجة تعنت سلطات الاحتلال في فتح المعابر الإنسانية.

وعلى كرسيه المتحرك في باحة مستشفى الشفاء، يتمسك الشاب حمادة بأوراقه الطبية التي أصبحت رفيقه الدائم في رحلة البحث عن العلاج. حمادة الذي يعاني من شلل نصفي في أطرافه السفلية جراء إصابة في العمود الفقري، يحلم بالعودة للمشي مجدداً وممارسة حياته الطبيعية التي توقفت منذ عامين.

ويقول حمادة بنبرة يملؤها القهر إن مطلبه ليس مستحيلاً، بل هو حق مشروع في الحصول على الرعاية الصحية المناسبة. وتجسد صرخته معاناة جيل كامل من الشباب الفلسطيني الذين فقدوا أطرافهم أو أصيبوا بعاهات مستديمة ويحتاجون لعمليات جراحية معقدة وتأهيل طبي غير متوفر حالياً في القطاع المحاصر.

وفي مؤتمر صحفي عُقد وسط ركام مجمع الشفاء الطبي، كشفت وزارة الصحة عن أرقام صادمة تعكس حجم الانهيار في المنظومة الطبية. وأعلن الدكتور محمد زقوت، المدير العام للمستشفيات أن عدد الجرحى والمرضى الذين يحتاجون للسفر الفوري بلغ 17 ألفاً و730 حالة، وهو رقم يعكس فجوة هائلة بين الاحتياجات والواقع.

وأوضح زقوت أن من بين هذه الحالات ما يزيد عن 3300 حالة طارئة جداً لا تحتمل التأخير، حيث يتطلب وضعها الصحي تدخلاً جراحياً فورياً لإنقاذ حياتها من خطر محقق. وتتصدر حالات السرطان وأمراض الدم المستعصية قائمة الأولويات الطبية، إلى جانب الأطفال الذين يعانون من تشوهات وإصابات بالغة جراء القصف المستمر.

واتهمت وزارة الصحة سلطات الاحتلال باتباع سياسة ممنهجة لتقليص أعداد المرضى المسموح لهم بالمغادرة، والتعنت غير المبرر في إصدار التصاريح الطبية. وتؤكد المصادر أن هذا السلوك يندرج ضمن سياسة العقاب الجماعي التي تهدف إلى تدمير ما تبقى من مقومات الحياة الصحية في قطاع غزة.

ولا تتوقف المعاناة عند منع السفر، بل تمتد لتشمل منع دخول الأدوية النوعية والمستلزمات الجراحية الأساسية التي تعتمد عليها غرف العمليات. هذا النقص الحاد أدى إلى خروج أقسام حيوية عن الخدمة، مما جعل الأطباء يقفون عاجزين أمام حالات كان من الممكن إنقاذها لو توفرت الأدوات البسيطة.

ويبقى آلاف المرضى والمصابين في غزة يتقاسمون طوابير الانتظار الطويلة والمضنية، يراقبون المعابر المغلقة بأمل لا ينقطع في حدوث انفراجة قريبة. إنهم لا يطلبون سوى فرصة للشفاء والتعافي، بعيداً عن حسابات السياسة والحصار التي تزهق أرواحهم بصمت أمام مرأى ومسمع من العالم أجمع.

عربي ودولي

الأربعاء 10 يونيو 2026 12:58 صباحًا - بتوقيت القدس

عراقجي يرد على تهديدات ترمب: قواتنا في تأهب دائم ورحيل الأجانب هو الحل

شدد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، على أن القوات المسلحة لبلاده تعيش حالة من الاستنفار والتأهب الدائم للتصدي لأي محاولات لانتهاك السيادة الإيرانية سواء في الجو أو البر أو البحر. وأوضح عراقجي في تصريحاته أن هذا الاستعداد يأتي في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والتهديدات المباشرة التي تطلقها الإدارة الأمريكية تجاه طهران.

واعتبر رئيس الدبلوماسية الإيرانية أن الحل الأمثل لتفادي مخاطر الاستهداف والصدام العسكري يكمن في رحيل القوات الأجنبية المنتشرة بالقرب من الحدود الإيرانية. وأشار إلى أن وجود هذه القوات في المنطقة يرفع من احتمالات وقوع حوادث ناتجة عن أخطاء بشرية أو تبادل لإطلاق النار، مؤكداً أن المنطقة لا تقبل تواجد من وصفهم بـ'الأعداء'.

جاءت هذه التصريحات رداً على تهديدات أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، والتي توعد فيها بالرد العسكري على ما وصفه بإسقاط إيران لمروحية من طراز 'أباتشي' تابعة للجيش الأمريكي فوق مياه مضيق هرمز. وتعكس هذه التهديدات حجم التأزم الميداني بين الطرفين في ظل استمرار العمليات العسكرية المتبادلة.

وفيما يتعلق بالوضع القانوني لمضيق هرمز، أكد عراقجي أن المضيق لا يعد مياهاً دولية كما تروج بعض القوى، بل هو ممر مائي مشترك يقع ضمن السيادة الإقليمية لكل من إيران وسلطنة عمان. ولفت إلى أن هذا الممر يبعد آلاف الأميال عن السواحل الأمريكية، مما يجعل التدخلات الخارجية فيه غير مبررة قانونياً.

وأشار الوزير الإيراني إلى أن بلاده تفضل دائماً لغة الدبلوماسية والحوار لحل النزاعات القائمة، لكنها في الوقت ذاته قادرة على التحدث بلغات أخرى إذا ما فرضت عليها المواجهة. واستذكر في حديثه ما وصفه ببطولات المقاتلين الإيرانيين الذين أثبتوا للعالم قدرتهم على حماية أراضي بلادهم في مختلف الظروف.

ميدانياً، أفادت مصادر بمراقبة نشاط جوي مكثف وغير اعتيادي لطائرات تزويد بالوقود تابعة لسلاح الجو الأمريكي في أجواء الخليج والمناطق المحيطة. وتزامن هذا النشاط مع إعلان واشنطن عزمها الرد على حادثة المروحية، مما يشير إلى تحضيرات أمريكية محتملة لشن ضربات انتقامية.

وتعد حادثة إسقاط المروحية 'أباتشي' هي الثانية من نوعها لطائرة عسكرية أمريكية مأهولة منذ اندلاع المواجهات في فبراير الماضي، وذلك بعد حادثة سقوط طائرة 'إف-15' في أبريل. وتؤكد هذه الحوادث المتكررة هشاشة الوضع الأمني في الممرات المائية الحيوية التي تشهد احتكاكات مباشرة بين القوتين.

وعلى الصعيد السياسي، تتواصل المفاوضات بين طهران وواشنطن في محاولة للتوصل إلى اتفاق ينهي حالة الحرب التي بدأت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي. ورغم التعثر الذي أصاب جولات الحوار السابقة، إلا أن هناك تفاؤلاً حذراً يحيط بالهدنة الراهنة التي بدأت في أبريل الماضي.

من جانبه، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأن هناك إمكانية حقيقية لتوقيع اتفاق مع الجانب الإيراني خلال الأيام القليلة القادمة. وأضاف ترمب أن توقيع هذا الاتفاق سيؤدي بشكل مباشر إلى إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، وهو ما قد يخفف من أزمة الطاقة العالمية.

وتعاني الموانئ الإيرانية من حصار مشدد تفرضه الولايات المتحدة منذ منتصف أبريل الماضي، مما أدى إلى شلل في حركة الصادرات والواردات. وقد ردت طهران على هذه الإجراءات بفرض قيود صارمة على مرور السفن عبر مضيق هرمز، مشترطة التنسيق المسبق مع سلطاتها البحرية.

وحذرت تقارير اقتصادية من أن استمرار التوتر في مضيق هرمز يهدد بانهيار الهدنة الهشة واستئناف العمليات العسكرية الشاملة. ويؤدي هذا القلق العالمي إلى ارتفاعات متتالية في أسعار النفط وزيادة معدلات التضخم التي أثرت بشكل مباشر على الاقتصاد الدولي.

وتشير بيانات منصات تتبع الملاحة الجوية إلى أن التحركات الأمريكية الأخيرة فوق الخليج جاءت مباشرة بعد خطاب ترمب التصعيدي. ويرى مراقبون أن هذه التحركات قد تكون وسيلة للضغط على المفاوض الإيراني لتحقيق مكاسب في اللحظات الأخيرة قبل توقيع الاتفاق المحتمل.

ختاماً، يبقى المشهد في منطقة الخليج معلقاً بين خياري التصعيد العسكري الشامل أو التوصل إلى تسوية سياسية تنهي الحصار والحرب. وتترقب الأوساط الدولية ما ستسفر عنه الأيام القادمة، خاصة مع اقتراب المهلة التي حددها ترمب لإمكانية إبرام الاتفاق.

فلسطين

الأربعاء 10 يونيو 2026 12:28 صباحًا - بتوقيت القدس

تحقيق أممي: السلطات الإسرائيلية متورطة في هجمات المستوطنين بالضفة الغربية

أكدت لجنة تحقيق دولية تابعة للأمم المتحدة أن السلطات الإسرائيلية تتحمل مسؤولية مباشرة عن هجمات المستوطنين التي أسفرت عن سقوط ضحايا وتشريد عائلات فلسطينية في الضفة الغربية. وأوضح التقرير الصادر يوم الثلاثاء أن قوات الأمن الإسرائيلية لا تكتفي بالصمت، بل توفر حماية ميدانية للمستوطنين أثناء تنفيذ اعتداءاتهم.

وخلصت اللجنة في نتائجها إلى أن المؤسسات الإسرائيلية مكنت المجموعات الاستيطانية من خلال تقديم الدعم المالي والعسكري المباشر. وأشارت إلى أن هذا الدعم يأتي في ظل مناخ عام من الإفلات من العقاب، تعززه الهيئات القضائية وأجهزة إنفاذ القانون التي تتغاضى عن ممارسات المستوطنين العنيفة.

ورصد التقرير تصاعداً حاداً في وتيرة الهجمات على القرى والأراضي الزراعية الفلسطينية منذ مطلع عام 2023، حيث سجلت زيادة بنسبة 130%. وتضمنت هذه الاعتداءات وقائع خطيرة شاركت فيها مجموعات ملثمة تحت أنظار ومرافقة قوات الأمن التي تدخلت لحمايتهم ومنع الفلسطينيين من الدفاع عن أنفسهم.

من جانبها، سارعت البعثة الإسرائيلية في جنيف إلى رفض نتائج التقرير الأممي، زاعمة أنه يعتمد على ادعاءات لا أساس لها من الصحة. واتهمت البعثة اللجنة الدولية بمحاولة المساواة الأخلاقية بين فصائل المقاومة والمدنيين الإسرائيليين، في محاولة للتنصل من المسؤولية القانونية عن تصرفات المستوطنين.

وفي سياق متصل، زعم الجيش الإسرائيلي أن عملياته في الضفة الغربية تهدف حصراً لمكافحة الإرهاب والحفاظ على الأمن العام. وادعى الجيش في بيان له أنه يستنكر كافة أشكال العنف، مشيراً إلى أن أي سوء سلوك يصدر عن الجنود يخضع للمراجعة والتحقيق الداخلي، وهو ما تنفيه التقارير الحقوقية الميدانية.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن العام الماضي شهد مقتل سبعة فلسطينيين وإصابة أكثر من 800 آخرين جراء اعتداءات المستوطنين التي باتت تتكرر بشكل شبه يومي. وحذرت اللجنة من أن تزايد انخراط قوات الأمن في هذه الهجمات أدى إلى انهيار التمييز الفعلي بين دور الجندي ودور المستوطن في الأراضي المحتلة.

وشدد التقرير على أن هذا العنف الممنهج ليس عشوائياً، بل يُستخدم كأداة لتعزيز سياسات الدولة الرامية إلى الضم غير القانوني للأراضي وتشريد السكان الأصليين. ووثقت اللجنة حالات مروعة شملت الخطف وإساءة معاملة الأطفال، مما يعكس وحشية الممارسات الاستيطانية المدعومة رسمياً.

ومن بين الحالات الصادمة التي أوردها التقرير، واقعة خطف طفلة في الثانية عشرة من عمرها وشقيقها الصغير في أبريل 2025 تحت تهديد السلاح. حيث قام المستوطنون باقتيادهما إلى بستان زيتون وتقييدهما بالأشجار باستخدام قيود بلاستيكية، في حادثة تعكس حجم الترهيب الذي يتعرض له القاصرون.

ووصف القاضي الهندي السابق إس. موراليدار، رئيس اللجنة، الوضع في الضفة الغربية بأنه 'لا يطاق'، مؤكداً ضرورة وضع حد فوري لهذه الاعتداءات. وطالب موراليدار المجتمع الدولي بممارسة ضغوط حقيقية على الحكومة الإسرائيلية لتفكيك البؤر الاستيطانية وكبح جماح العنف المتفشي.

وفي ردود الفعل الفلسطينية، قال واصل أبو يوسف عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير إن التقرير يثبت حجم التواطؤ بين جيش الاحتلال والمستوطنين. وأضاف أن تسليح عشرات الآلاف من المستوطنين بأسلحة حديثة حولهم إلى ميليشيات منظمة تعمل تحت غطاء الدولة لتهجير الفلسطينيين وقتلهم.

وعلى الصعيد الدولي، أعلنت ست دول غربية تشمل فرنسا وبريطانيا وكندا فرض عقوبات مشددة على مستوطنين وكيانات استيطانية متورطة في العنف. وشملت العقوبات الفرنسية بشكل لافت وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، حيث تم حظر دخوله إلى الأراضي الفرنسية بسبب دوره في تحريض ودعم الاستيطان.

ويعيش حالياً نحو 750 ألف مستوطن في مئات المستوطنات والبؤر غير القانونية المنتشرة في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وتستمر هذه المجموعات في تنفيذ اعتداءات يومية تهدف إلى خلق واقع ديموغرافي جديد، وسط دعوات دولية متزايدة لفرض عقوبات ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات أمام المحاكم الدولية.

أحدث الأخبار

الثّلاثاء 09 يونيو 2026 11:58 مساءً - بتوقيت القدس

عون يكشف تفاصيل خطة 'المناطق التجريبية' وينفي قنوات التواصل بين ترامب وحزب الله

منذ توليه سدة الرئاسة، يسعى الرئيس اللبناني العماد جوزف عون إلى ترسيخ مفهوم الدولة واستعادة هيبتها المفقودة وسط التجاذبات الإقليمية. ويبرز عون كشخصية قيادية تحاول الموازنة بين الحزم العسكري والواقعية السياسية، واضعاً المصلحة الوطنية اللبنانية فوق أي اعتبارات فئوية أو ضغوط خارجية قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار الهش.

وفيما يخص ملف سلاح حزب الله، يتبنى الرئيس عون نهجاً يقوم على الحوار المسؤول وضرورة حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية للدولة. وقد خاضت الرئاسة نقاشات مطولة تهدف إلى تجنيب لبنان تداعيات الحروب الإقليمية، انطلاقاً من قناعة ثابتة بأن قرار السلم والحرب يجب أن يظل حصراً في يد الدولة اللبنانية وحدها.

وتشير المعلومات إلى أن الرئيس عون لا يعتمد لغة التصادم المباشر، بل يراهن على الحكمة والصبر في معالجة القضايا الشائكة. ويرى أن بناء دولة قوية ومستقلة لا يمكن أن يتحقق في ظل وجود قرارات عسكرية موازية خارج إطار المؤسسات الرسمية، وهو ما يسعى لتكريسه عبر القنوات الدبلوماسية والسياسية المتاحة.

وعلى صعيد التواصل السياسي، كشفت مصادر أن العلاقة الحالية بين قصر بعبدا وحزب الله مقطوعة بشكل مباشر، حيث تقتصر الاتصالات على قنوات ثانوية. ويتابع الرئيس باهتمام مواقف قيادة الحزب، معرباً عن استغرابه من وصف البعض للمفاوضات الجارية بأنها عبثية، متسائلاً عن البدائل المتاحة في ظل النتائج الميدانية الحالية.

وفي سياق متصل، أبدى الرئيس عون استغرابه من الأنباء التي تروج لوجود اتصالات مباشرة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحزب الله. وأوضح أن التواصل الأمريكي تم عبر السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوض، مشيداً بالدور الذي تقوم به في تمثيل الدولة اللبنانية وحماية مصالحها في المحافل الدولية.

ويدافع الرئيس بقوة عن أداء الدبلوماسية اللبنانية في واشنطن، مشيراً إلى أن الجهود المبذولة نجحت في تحريك ملفات جامدة واستدعت تدخلات رفيعة المستوى من الإدارة الأمريكية. ويرفض عون محاولات التقليل من شأن التمثيل الرسمي اللبناني أو تجيير النجاحات الدبلوماسية لصالح أطراف غير رسمية.

أما ميدانياً، فيعول رئيس الجمهورية على مقترح 'المناطق التجريبية' كخطوة أولى لتثبيت الاستقرار في الجنوب اللبناني. وتتضمن الخطة البدء بنشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق محددة تشمل الزوطرين الشرقية والغربية ويحمر وقلعة الشقيف، لتكون نموذجاً لفرض السيادة الوطنية.

ويرى الرئيس أن الظروف الحالية قد لا تسمح بوقف شامل وفوري لإطلاق النار أو انسحاب إسرائيلي كامل متزامن مع انسحاب عناصر حزب الله إلى شمال الليطاني. ومع ذلك، تظل معادلة 'الضاحية مقابل المستوطنات' قائمة في الحسابات الميدانية، مع التحذير من استخدام الساحة اللبنانية كمنصة لتصفية حسابات إقليمية بين قوى كبرى.

داخلياً، يسود تناغم واضح بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة بقيادة نواف سلام، وهو ما يزعج بعض الأطراف التي تحاول إثارة الفتنة بين السراي وبعبدا. ويسخر الرئيس عون من التحليلات التي تتحدث عن تهميش دور رئيس الوزراء، مؤكداً أن التعاون القائم يهدف إلى تسيير شؤون الدولة في هذه المرحلة الحرجة.

وبالنسبة للعلاقة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، فإنها تقوم على الاحترام المتبادل والتشاور المستمر في القضايا الوطنية الكبرى. وقد أثنى الرئيس عون في تصريحات إعلامية على دور بري التاريخي في بناء الجنوب، مؤكداً أن التنسيق بينهما لم ينقطع رغم الظروف الأمنية التي تفرض قيوداً على الزيارات المباشرة.

وينفي الرئيس عون بشكل قاطع وجود أي اتفاقات سرية سبقت انتخابه رئيساً، معتبراً أن ما يتم ترويجه في هذا الصدد هو محض افتراء. واستشهد بتصريحات نواب من حزب الله أكدوا أن تصويتهم له كان خياراً لتفادي الفراغ الدستوري وليس نتيجة صفقة سياسية مسبقة مع أي طرف.

وفيما يخص المؤسسة العسكرية، يؤكد الرئيس أن قيادة الجيش تعمل تحت مظلة السلطة السياسية وتلتزم بتوجيهاتها بشكل كامل. وأوضح أن زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى باكستان كانت مبرمجة منذ وقت طويل ولا تحمل أي دلالات سياسية أو رسائل مرتبطة بالتصعيد الميداني الأخير.

ويرى زوار القصر أن الرئيس عون يمتلك رؤية واضحة للخروج من الأزمة الحالية عبر تعزيز دور المؤسسات الشرعية والتمسك بالسيادة الوطنية. ويشدد عون على أن لبنان يجب أن يعود لموقعه الطبيعي كدولة مستقلة تقيم علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي والعمق العربي بعيداً عن سياسة المحاور.

ختاماً، يشدد الرئيس على أهمية وحدة الموقف اللبناني في مواجهة التحديات الوجودية التي تعصف بالبلاد. ويؤكد أن الطريق الوحيد لحماية لبنان هو الالتفاف حول مؤسسات الدولة وجيشها الوطني، ورفض أي محاولات لرهن القرار اللبناني لمصالح خارجية لا تخدم تطلعات الشعب في الأمن والاستقرار.

عربي ودولي

الثّلاثاء 09 يونيو 2026 11:58 مساءً - بتوقيت القدس

سانشيز يتحدى ترامب: كيف تحول رئيس وزراء إسبانيا إلى 'ضمير أوروبا' في الأزمة الإيرانية؟

أفادت مصادر صحفية بأن رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، بات يتصدر المشهد السياسي الأوروبي كأحد أبرز القادة المؤثرين على الساحة الدولية. وجاء هذا التحول عقب اتخاذه مواقف حازمة ضد توجهات الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، خاصة فيما يتعلق بالملف الإيراني، مما جعله محط أنظار وسائل الإعلام العالمية في القمم الأوروبية الأخيرة.

وعلى الرغم من التحديات الجسيمة التي يواجهها سانشيز داخل إسبانيا، من ائتلاف حكومي متعثر وفضائح فساد تلاحق مقربين منه، إلا أن حضوره الدولي سجل قفزة نوعية. فقد تحول من زعيم يركز الصحفيون على سؤاله عن الشؤون المحلية، إلى قائد تترقب العواصم الكبرى تصريحاته بشأن القضايا المصيرية التي تمس أمن القارة والعالم.

وتعود جذور هذا الصعود إلى أواخر فبراير الماضي، حين برز سانشيز كزعيم الاتحاد الأوروبي الوحيد الذي أدان صراحة الهجوم العسكري الذي شنته الولايات المتحدة والاحتلال على إيران. ووصف رئيس الوزراء الإسباني تلك العمليات بأنها 'غير شرعية'، في موقف اعتبره مراقبون أكثر شجاعة ووضوحاً من المواقف المتحفظة التي أبداها قادة فرنسا وألمانيا.

ولم يكتفِ سانشيز بالإدانة اللفظية، بل اتخذ خطوات عملية بمنع الطائرات الحربية الأمريكية من استخدام القواعد العسكرية المشتركة أو عبور المجال الجوي الإسباني. هذا القرار أثار حفيظة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وصف إسبانيا بالدولة 'الفظيعة وغير الودية'، مهدداً بفرض عقوبات تجارية والسعي لإخراجها من حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وبحسب التحليلات، فإن الهجوم العنيف من البيت الأبيض أدى لنتائج عكسية، حيث ساهم في تحويل الموقف الإسباني المنفرد إلى تيار أوروبي عام. فقد سارع قادة الاتحاد الأوروبي للتضامن مع مدريد في وجه التهديدات الأمريكية، مما جعل من سانشيز 'الزعيم الأخلاقي' للاتحاد في مواجهة سياسات ترامب التصادمية.

ويرى وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس أن بلاده لم تكن معزولة في مواقفها، بل كانت تضطلع بدور قيادي شجع الآخرين على اللحاق بها. وأكد ألباريس أن التزام سانشيز بمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان هو ما يوجه بوصلة السياسة الخارجية الإسبانية في ظل الاضطرابات العالمية الراهنة.

وتشير التقارير إلى أن سانشيز يتمتع بمناعة نسبية تجاه الضغوط الاقتصادية الأمريكية، نظراً لمحدودية التبادل التجاري بين البلدين مقارنة بدول مثل ألمانيا. كما أن نجاح إسبانيا في تحقيق طفرة في الطاقة المتجددة قلل من ارتهانها لأزمات الطاقة المرتبطة بالشرق الأوسط، مما منح مدريد مساحة أكبر للمناورة السياسية.

وتعود جذور التكوين السياسي لسانشيز إلى تجربته في البوسنة والهرسك عام 1997، حيث عمل مستشاراً اقتصادياً ضمن بعثة الأمم المتحدة في سراييفو. تلك التجربة، بحسب مذكراته، حصنته ضد 'ويلات القومية' وجعلته يؤمن بضرورة الدفاع عن النظام العالمي المتعدد الأطراف والمؤسسات الدولية في مواجهة خطابات الكراهية.

وفي الداخل الإسباني، يظل المشهد معقداً، حيث تظهر استطلاعات الرأي أن أكثر من 60% من المواطنين لا يثقون برئيس وزرائهم رغم شعبيته الدولية. وتستغل المعارضة اليمينية قضايا الفساد لشن هجمات مستمرة عليه، واصفة إياه بأنه 'مرادف للفساد'، ومطالبة بإجراء انتخابات مبكرة لإنهاء حالة الجمود السياسي.

ومع ذلك، أثبت سانشيز قدرة فائقة على البقاء السياسي، حيث استطاع العودة لقيادة الحزب الاشتراكي بعد الإطاحة به في 2016 عبر حملة شعبية قادها بنفسه. ويصفه حلفاؤه بأنه 'مقاتل' يمتلك مرونة عالية في التكيف مع الأزمات، وهو ما مكنه من تشكيل أول حكومة ائتلافية في تاريخ إسبانيا الحديث.

وعلى صعيد القضية الفلسطينية، كان لسانشيز موقف بارز أثار غضب الاحتلال الإسرائيلي، حيث وصف العمليات العسكرية في قطاع غزة بأنها 'إبادة جماعية'. هذا الموقف، رغم تسببه في أزمة دبلوماسية مع تل أبيب، عزز من مكانته لدى القواعد الشعبية في إسبانيا وأوروبا التي تعارض الحروب والانتهاكات الإنسانية.

ويرى خبراء سياسيون أن سانشيز قد يلجأ إلى تعزيز حضوره الدولي للتعويض عن ضعف موقفه الداخلي وصعوبة تمرير التشريعات في البرلمان المنقسم. فالتصدي لسياسات ترامب يلقى صدى واسعاً لدى الأغلبية الأوروبية التي ترى في الرئيس الأمريكي تهديداً لاستقرار القارة ونظامها الديمقراطي.

وفي ظل التهديدات الأمريكية بزيادة الإنفاق العسكري، حافظ سانشيز على موقفه الرافض لزيادة مخصصات الدفاع، وهو موقف يحظى بتأييد شعبي واسع في إسبانيا. ويُنظر إليه كشخصية تقدمية ترفض الانجرار وراء سباقات التسلح، مفضلاً الاستثمار في التنمية المستدامة والحلول الدبلوماسية للنزاعات الدولية.

ختاماً، يواجه بيدرو سانشيز اختباراً حقيقياً لموازنة طموحاته الدولية مع التزاماته المحلية حتى نهاية ولايته في عام 2027. وسيبقى صراعه مع إدارة ترامب وتحديه للسياسات العسكرية في المنطقة محوراً أساسياً يحدد ملامح القيادة الأوروبية في السنوات القليلة القادمة.

فلسطين

الثّلاثاء 09 يونيو 2026 11:58 مساءً - بتوقيت القدس

الكنيست يقر قانوناً لشرعنة مصادرة أموال المقاصة الفلسطينية

أقرت الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي بشكل نهائي، اليوم الثلاثاء، قانوناً يشرعن مصادرة مبالغ مالية من أموال المقاصة التابعة للسلطة الفلسطينية. وجاءت المصادقة في القراءتين الثانية والثالثة لتجعل من هذا الإجراء قانوناً نافذاً، بعد أن كان يعتمد سابقاً على قرارات وزارية فردية.

وحظي مقترح القانون الذي تقدم به عضو الكنيست عن حزب الليكود، أفيحاي بوآرون، بتأييد 29 عضواً من أصل 120، بينما عارضه 5 أعضاء فقط. ويهدف التشريع الجديد إلى تجميد مبالغ مالية تدعي سلطات الاحتلال أن السلطة الفلسطينية تخصصها كرواتب للأسرى وعائلات الشهداء.

وبموجب بنود القانون، ستقوم اللجنة الوزارية لشؤون الأمن القومي بتحديد المبالغ التي سيتم اقتطاعها سنوياً، وذلك بالاستناد إلى تقارير دورية يقدمها وزير المالية. وتعد هذه الخطوة تصعيداً في الحرب المالية التي تشنها حكومة الاحتلال ضد المؤسسات الفلسطينية الرسمية.

وتقضي الآلية الجديدة بتحويل الأموال المقتطعة مباشرة إلى خزينة دولة الاحتلال، مع إعطاء الأولوية لتسديد ديون ناتجة عن أحكام قضائية إسرائيلية. وتتعلق هذه الأحكام بتعويضات يطالب بها إسرائيليون يدعون تضررهم من عمليات نفذها فلسطينيون خلال السنوات الماضية.

وكان وزير المالية الإسرائيلي الحالي، بتسلئيل سموتريتش، قد دأب على خصم هذه التعويضات من أموال المقاصة بموجب تعليمات إدارية. إلا أن القانون الجديد يحول هذه الممارسة إلى نص تشريعي ملزم، مما يقلص مساحة المناورة القانونية أو السياسية لوقف هذه الاقتطاعات.

من جانبها، أعربت وزارة الخارجية الفلسطينية عن رفضها المطلق لهذا القانون، واصفة إياه بأنه توسيع لعمليات سرقة أموال الشعب الفلسطيني. وأكدت الوزارة في بيان رسمي أن هذا الإجراء يندرج ضمن سياسة استعمارية ممنهجة تهدف إلى تقويض الكيان الفلسطيني ماليًا.

وشددت الخارجية الفلسطينية على أن هذه الخطوة تمثل انتهاكاً صارخاً للاتفاقيات الموقعة بين الجانبين، لا سيما بروتوكول باريس الاقتصادي. كما اعتبرت أن التشريع الإسرائيلي يضرب بعرض الحائط قواعد القانون الدولي التي تنظم العلاقة بين القوة القائمة بالاحتلال والشعب المحتل.

وتعتبر أموال المقاصة هي الضرائب التي تجبيها إسرائيل على السلع المستوردة للفلسطينيين عبر المعابر الحدودية التي تسيطر عليها بالكامل. وتعد هذه الأموال المصدر الرئيسي لميزانية السلطة الفلسطينية، حيث تستخدم بشكل أساسي لتغطية رواتب الموظفين العموميين والنفقات التشغيلية.

ووفقاً لبروتوكول باريس الاقتصادي الموقع عام 1994، تتقاضى إسرائيل عمولة بنسبة 3% مقابل عملية جباية هذه الضرائب لصالح السلطة. وتصل قيمة هذه العمولات السنوية التي تحصل عليها خزينة الاحتلال إلى نحو 102 مليون دولار أمريكي.

وبدأت سلطات الاحتلال منذ عام 2019 بانتهاج سياسة الاقتطاعات المالية تحت ذرائع أمنية وسياسية متعددة، مما أدخل السلطة الفلسطينية في أزمة مالية خانقة. وقد أدت هذه السياسة إلى عجز السلطة عن الوفاء بالتزاماتها المالية ودفع الرواتب كاملة لموظفيها لعدة سنوات.

ويرى مراقبون أن شرعنة هذه الاقتطاعات عبر الكنيست تهدف إلى ممارسة ضغوط سياسية قصوى على القيادة الفلسطينية في ظل التوترات الراهنة. كما تساهم هذه القوانين في تعميق الأزمة المعيشية في الضفة الغربية وقطاع غزة نتيجة تراجع القدرة الشرائية وتوقف المشاريع التنموية.

وتحذر مؤسسات حقوقية واقتصادية من أن استمرار القرصنة الإسرائيلية للأموال الفلسطينية قد يؤدي إلى انهيار كامل في المنظومة الخدماتية للسلطة. ويأتي هذا القانون في وقت تشهد فيه الأراضي الفلسطينية تصعيداً ميدانياً كبيراً، مما يزيد من تعقيدات المشهد السياسي والاقتصادي.

فلسطين

الثّلاثاء 09 يونيو 2026 11:28 مساءً - بتوقيت القدس

عقوبات أوروبية على سموتريتش وبن غفير: إجراءات عقابية أم محاولات للتغطية على استمرار الدعم؟

أعلنت مجموعة من الدول الغربية، شملت فرنسا والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والنرويج، عن فرض حزمة جديدة من العقوبات استهدفت مستوطنين وكيانات استيطانية، بالإضافة إلى وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش. وجاءت هذه الخطوة رداً على ما وصفته هذه الدول بـ 'العنف المروّع' الذي يمارسه المستوطنون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، وهو ما اعتبرته إسرائيل إجراءات مشينة ومرفوضة جملة وتفصيلاً.

ويرى مراقبون أن هذه العقوبات، رغم رمزيتها، لا تعكس توجهاً حقيقياً لمعاقبة إسرائيل كدولة، بل تندرج ضمن محاولات التستر خلف إجراءات غير مؤثرة لمواصلة تقديم الدعم المالي والعسكري لحكومة نتنياهو. فالدول التي أعلنت العقوبات لا تزال تمد تل أبيب بالعتاد اللازم، مما يثير تساؤلات حول مدى جديتها في وقف الانتهاكات الممنهجة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي هذا السياق، أكدت النائبة السابقة في البرلمان البريطاني، كلوديا ويب أن الحكومات الغربية لا تتجاهل الانتهاكات لكنها ترفض معاقبة الدولة الإسرائيلية بشكل مباشر. وأوضحت ويب أن استمرار تسليح إسرائيل يمثل انتهاكاً واضحاً للواجبات الدولية، مشيرة إلى أن العقوبات يجب أن تطال الحكومة بأكملها وليس مجرد أفراد أو منظمات استيطانية محدودة الأثر.

وتشير التقارير إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو تواصل توسيع المشروع الاستيطاني دون اكتراث بالضغوط الدولية، حيث صادقت في فبراير الماضي وحده على بناء 22 بؤرة استيطانية جديدة. ورغم أن استطلاعات الرأي في دول مثل بريطانيا تظهر رفضاً شعبياً واسعاً لتسليح إسرائيل، إلا أن الموقف الرسمي لا يزال بعيداً عن اتخاذ خطوات فعلية لوقف هذا التمويل.

من جانبه، دعا الدكتور مصطفى البرغوثي، الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، الجاليات والمنظمات الداعمة لفلسطين إلى تكثيف الضغط على الحكومات الأوروبية. وأشار البرغوثي إلى أن أوروبا تساهم بنحو 19% من الأسلحة المستخدمة في الحرب على غزة، مما يجعل العقوبات الحالية مجرد وسيلة لتخفيف الحرج أمام الشعوب الرافضة للعدوان.

ويرى البرغوثي أن المطلوب من السلطة الفلسطينية هو ممارسة ضغوط حقيقية لدفع أوروبا نحو مقاطعة إسرائيل تجارياً وعسكرياً بشكل شامل. فالعقوبات التي تستهدف المستوطنات فقط تظل قاصرة عن حماية حل الدولتين الذي يتعرض للذبح يومياً بفعل السياسات الإسرائيلية المدعومة بجيش الاحتلال وتمويل الحكومة المباشر.

وفي تحليل للأثر السياسي لهذه العقوبات، يرى الخبير في الشأن الإسرائيلي الدكتور مهند مصطفى أن هذه الإجراءات تكتفي بالإضرار بسردية 'الضحية' التي تروج لها إسرائيل دولياً. ومع ذلك، فإنها لا تؤثر بشكل جوهري على السياسات القائمة، طالما أن الدعم الأمريكي الاستراتيجي والمالي للمستوطنات لا يزال مستمراً دون انقطاع.

وأوضح مصطفى أن معاقبة الوزراء بأشخاصهم لا يعني بالضرورة معاقبة المنظومة الحكومية التي تشرعن الاستيطان وتوفر له الميزانيات الضخمة. فرغم الحساسية الدبلوماسية التي تبديها تل أبيب تجاه هذه القرارات، إلا أن مصالحها التجارية والاقتصادية مع القارة الأوروبية لا تزال قائمة، حيث تصدر إسرائيل ربع إنتاجها إلى الأسواق الأوروبية.

وعلى صعيد التحركات الميدانية، كانت باريس قد منعت وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير من دخول أراضيها الشهر الماضي بسبب تورطه في التحريض والتنكيل بالناشطين. ويعد بن غفير وسموتريتش من الركائز الأساسية في الائتلاف الحكومي الحالي، وكلاهما يتبنى مواقف متطرفة تدعو لتهجير الفلسطينيين وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على كامل الضفة.

وانضمت دول أخرى مثل أيرلندا وإسبانيا وسلوفينيا إلى قائمة الدول التي فرضت قيوداً على دخول هؤلاء الوزراء، في خطوة تعكس اتساع فجوة الخلاف بين تل أبيب وعواصم أوروبية. ومع ذلك، يظل هذا الحظر الدبلوماسي دون مستوى التوقعات الفلسطينية التي تطالب بفرض عقوبات اقتصادية شاملة وحظر كامل لتصدير الأسلحة.

بريطانيا من جهتها، أعلنت مؤخراً عن استهداف 6 كيانات استيطانية وفرد واحد بعقوبات مالية، محذرة من اتخاذ مزيد من الإجراءات إذا لم يتحسن الوضع الميداني. وتستند هذه القرارات إلى تحقيقات أممية أثبتت تورط السلطات الإسرائيلية في حماية هجمات المستوطنين التي أدت إلى سقوط شهداء وجرحى ونزوح عائلات فلسطينية.

في المقابل، ردت وزارة الخارجية الإسرائيلية بهجوم حاد على هذه الدول، معتبرة أن العقوبات تهدف إلى فرض موقف سياسي بشأن الصراع تحت ستار مكافحة العنف. واتهمت تل أبيب العواصم الغربية بالفشل في حماية الجاليات اليهودية من 'معاداة السامية'، في محاولة لصرف الأنظار عن جوهر الانتهاكات المرتكبة في الأراضي المحتلة.

ويبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة هذه الضغوط الأوروبية المتصاعدة على لجم التوسع الاستيطاني في ظل الحماية الأمريكية المطلقة. فالمشاريع الزراعية والصناعية في المستوطنات تتلقى تمويلاً مباشراً من جهات يمينية أمريكية، مما يقلل من فاعلية أي عقوبات أوروبية لا تتبناها واشنطن بشكل رسمي وجاد.

ختاماً، يجمع المحللون على أن التحول في الموقف الأوروبي، وإن كان بطيئاً وجزئياً، يمثل بداية لتآكل الحصانة الدولية التي تمتعت بها إسرائيل لسنوات طويلة. لكن هذا التحول يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تترجم العقوبات الفردية إلى سياسات عقابية جماعية تطال مفاصل الدولة التي تدير وتدعم منظومة الاستيطان والاحتلال.

اسرائيليات

الثّلاثاء 09 يونيو 2026 10:43 مساءً - بتوقيت القدس

تقرير رسمي يكشف إخفاقاً سيبرانياً إسرائيلياً واسعاً وخسائر بمليارات الشواكل

كشف تقرير رسمي صادر عن مراقب الدولة الإسرائيلي، متنياهو إنغلمان، عن سلسلة من الإخفاقات والقصور الكبير في منظومة الأمن السيبراني التابعة للاحتلال، ما أدى إلى تكبد الاقتصاد خسائر مالية فادحة. وأوضح التقرير أن هذه الثغرات تركت المؤسسات الحيوية والوزارات الحكومية في حالة من الانكشاف أمام الهجمات المتطورة التي تشنها جهات معادية.

وأشار التقرير بوضوح إلى أن المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) امتنع عن عقد أي جلسات متخصصة لمناقشة التهديدات السيبرانية على مدار عقد كامل. هذا الإهمال السياسي أدى إلى بقاء قانون السايبر معطلاً لسنوات طويلة، مما حرم الدولة من أدوات تنظيمية وإلزامية لمواجهة المخاطر المتزايدة.

وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن التكلفة الاقتصادية السنوية للهجمات السيبرانية على الاقتصاد الإسرائيلي بلغت نحو 12 مليار شيكل. ومع تصاعد تعقيد الهجمات، بقيت الهيئات الحيوية عند مستويات متدنية من الجاهزية، وهو ما ظهر جلياً خلال العمليات العسكرية التي اندلعت في عام 2023 وما تلاها.

وأكدت مصادر عبرية أن عملية 'طوفان الأقصى' التي نفذتها المقاومة الفلسطينية كانت بمثابة جرس إنذار كشف الثمن الباهظ لتجاهل التحذيرات المبكرة. ورغم ذلك، يرى المراقب أن الدروس المستفادة من هذا الفشل لم يتم استيعابها بشكل كافٍ في ساحة الأمن السيبراني التي تعد ركيزة أساسية للمناعة الوطنية.

ووصف التقرير الواقع الحالي بأنه يتسم بالإهمال المستمر والتباطؤ السياسي، مما جعل الأنظمة الاستراتيجية مكشوفة بشكل خطير خلال فترات القتال. وأوضح أن المهاجمين، وعلى رأسهم إيران وحركة حماس، طوروا استراتيجياتهم من مجرد الحرب النفسية إلى جمع معلومات استخباراتية دقيقة وحساسة.

وفيما يخص الجانب التشريعي، لفت التقرير إلى أن مشروع قانون السايبر ظل عالقاً في أروقة الحكومة لأكثر من عشر سنوات بسبب الخلافات البينية. ورغم توجيهات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في مطلع عام 2024 بضرورة إنجاز القانون، إلا أن الإجراءات لم تكتمل حتى منتصف عام 2025.

وانتقد مراقب الدولة الاعتماد على أنظمة الطوارئ والأوامر المؤقتة بدلاً من تشريع دائم وشامل يحمي البنية التحتية. واعتبر أن غياب الجلسات المخصصة للسايبر في الكابينت يمثل خللاً بنيوياً يمس بأمن إسرائيل القومي وقدرتها على الصمود في وجه التهديدات الرقمية المتنامية.

وكشف التدقيق عن غياب تام للتدريبات الشاملة التي تحاكي الهجمات السيبرانية الكبرى خلال السنوات الست التي سبقت الحرب. والمثير للقلق أن التدريبات المحدودة التي أُجريت لاحقاً لم تشهد أي مشاركة من المستوى السياسي أو الوزراء المسؤولين عن اتخاذ القرار.

وأظهرت المعطيات أن ثلث الجهات الحيوية في الاقتصاد حصلت على درجات متدنية جداً في مؤشر الجاهزية التنظيمية. كما تبين أن أكثر من 90% من هذه المؤسسات تفتقر إلى أي غطاء تأميني ضد المخاطر السيبرانية، مما يضاعف من حجم الخسائر المحتملة عند وقوع أي اختراق.

وفيما يتعلق بالإدارة الداخلية، أشار التقرير إلى أن نحو نصف المدراء التنفيذيين في المؤسسات الاستراتيجية ليس لديهم تصور واضح عن المخاطر التي تواجههم. كما أن نسبة كبيرة منهم لم تطلع أبداً على خطط التعافي من الحوادث السيبرانية الخطيرة، مما يعكس ثقافة تنظيمية غير مسؤولة.

ووجه التقرير انتقادات حادة للهيئة الوطنية للأمن السيبراني، متهماً إياها بالإخفاق في تطوير آليات قياس فعالة لمستوى الحماية قبل الحرب. كما ذكر أن وثائق إدارة الأزمات الوطنية لم يتم تحديثها منذ سنوات، وظل تطبيقها على أرض الواقع محدوداً للغاية وغير فعال.

وأوصى المراقب بضرورة إعداد خطة طوارئ حكومية شاملة وعرضها للمصادقة الفورية لتقليص الفجوات الأمنية القائمة. وشدد على وجوب إشراك رئيس الوزراء والكابينت في جلسات دورية كل ستة أشهر لضمان وجود صورة واضحة ومحدثة عن التهديدات السيبرانية.

وحذر التقرير من أن 'القنبلة الرقمية الموقوتة' قد تكلف الاحتلال أثماناً باهظة في أي مواجهة مستقبلية تتجاوز الخسائر المالية لتصل إلى خسائر بشرية. وأكد أن الاستجابة الموضعية للحوادث لا يمكن أن تكون بديلاً عن استراتيجية وطنية متكاملة ومحمية بقوة القانون.

من جانبها، ردت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني بزعمها أن إقرار قانون الحماية السيبرانية بالقراءة الأولى سيعزز من قدرات الدفاع. وادعت الهيئة أن نشاطها خلال فترة الحرب حال دون تحقيق الأعداء لإنجازات استراتيجية مؤثرة، مؤكدة أنها تعمل على معالجة الثغرات التي كشفها التقرير.

فلسطين

الثّلاثاء 09 يونيو 2026 10:43 مساءً - بتوقيت القدس

شهادات مروعة تكشف استخدام الاغتصاب والتعذيب الممنهج ضد المعتقلين الفلسطينيين

كشف تحقيق استقصائي جديد عن تفاصيل صادمة تتعلق بارتكاب انتهاكات جسيمة وجرائم عنف جنسي داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية بحق المعتقلين الفلسطينيين. واستندت المعطيات إلى شهادات حية لناجين ومعتقلين سابقين، بالإضافة إلى تقارير موثقة من الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية وإسرائيلية مثل 'بتسيلم'.

تشير الشهادات المجمعة إلى وجود نمط ممنهج من العنف الجسدي والنفسي والجنسي الذي يُمارس خلال عمليات الاستجواب والاحتجاز. وروى ناجون من قطاع غزة تفاصيل قاسية عن تعرضهم للضرب المبرح والإذلال المتعمد، الذي شمل في حالات عدة اعتداءات جنسية مباشرة تحت إشراف جنود وبمشاركة كلاب حراسة.

أدلى المعتقل السابق محمد البكري بشهادة مفصلة حول تعرضه للاغتصاب في العاشر من أبريل 2024، تزامناً مع عطلة عيد الفطر. وأوضح البكري، الذي كان يعمل موظفاً حكومياً، أنه تعرض للتعذيب والتقييد والإجبار على أفعال مهينة قبل أن يتم الاعتداء عليه جنسياً من قبل مجموعة من الجنود.

وصف البكري اللحظات العصيبة التي عاشها مع سبعة معتقلين آخرين، حيث جردوا من ملابسهم وعصبت أعينهم تحت وابل من السخرية والضحك من قبل الجنود. وأكد أن عمليات الاعتداء كانت توثق عبر التصوير من قبل القوات الإسرائيلية، واستمرت لفترات تتراوح بين عشرين وثلاثين دقيقة من التنكيل المتواصل.

في سياق متصل، نقل التحقيق شهادة معتقل آخر رمز له باسم مستعار 'جوب'، والذي تعرض لعملية اغتصاب من قبل مجندات إسرائيليات باستخدام أدوات اصطناعية. وأفاد 'جوب' بأن الجنود كانوا يصفقون ويصورون المشهد بهواتفهم، في محاولة لتحطيم كرامته الإنسانية أثناء استجوابه حول أحداث السابع من أكتوبر.

تتقاطع هذه الشهادات الفردية مع تقارير أوسع صادرة عن هيئات دولية مثل 'هيومن رايتس ووتش' ومنظمة العفو الدولية، التي حذرت من تفشي سوء المعاملة. واعتبرت هذه المنظمات أن الممارسات الإسرائيلية في مراكز الاحتجاز قد ترقى إلى مستوى جرائم حرب وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

أدرجت الأمم المتحدة إسرائيل ضمن القوائم السوداء المرتبطة بالعنف الجنسي في مناطق النزاعات، وذلك في ظل الاتهامات المتزايدة باستخدام التعذيب القائم على النوع الاجتماعي. ويرى خبراء أمميون أن هذه الممارسات تهدف إلى 'نزع الإنسانية' عن المعتقل الفلسطيني وتدمير قدرته النفسية على الاستمرار في الحياة.

على الصعيد السياسي والقانوني داخل إسرائيل، تبرز حالة من الإفلات من العقاب، حيث لم تفضِ التحقيقات الداخلية إلى إدانات فعلية بحق المتورطين. ورغم احتجاز عشرة عناصر أمن سابقاً للاشتباه في تورطهم باعتداءات في معسكر 'سدي تيمان'، إلا أن الضغوط السياسية أدت إلى إطلاق سراحهم لاحقاً.

أثار ملف 'سدي تيمان' جدلاً واسعاً بعد تسريب مقاطع فيديو تظهر اعتداءات جنسية، وهو ما وصفه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأنه 'هجوم دعائي' ضد الدولة. وبدلاً من التركيز على محاسبة الجناة، جرى اعتقال الضابطة التي يُشتبه في قيامها بتسريب الفيديو لوسائل الإعلام.

داخل الكنيست الإسرائيلي، وصلت الجرأة ببعض النواب إلى شرعنة هذه الانتهاكات علناً، حيث صرح عضو حزب الليكود حانوخ ميلويدسكي بأن 'كل شيء مسموح' تجاه المعتقلين. وتعكس هذه التصريحات البيئة السياسية التي توفر غطاءً قانونياً وأخلاقياً للجنود لارتكاب جرائمهم دون خوف من الملاحقة.

أكدت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي أن الهدف من هذا العنف ليس مجرد الإيذاء الجسدي، بل هو تدمير الروح المعنوية للضحايا. وأوضحت أن استخدام الاغتصاب كأداة تعذيب يترك آثاراً نفسية لا يمكن محوها، ويهدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي للفلسطينيين عبر استهداف كرامتهم.

يشير خبراء في القانون الدولي إلى أن التمييز بين الحوادث الفردية والنمط الممنهج هو مفتاح المحاسبة الدولية في المحاكم الجنائية. وتراكم الشهادات والتقارير الحقوقية يثبت أن ما يحدث ليس تجاوزات معزولة، بل سياسة متبعة تحظى بدعم أو تغاضٍ من المستويات القيادية العليا.

تواجه جهود المساءلة الدولية عقبات كبيرة في ظل غياب آليات تنفيذية تفرض عقوبات على الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة. ومع ذلك، تظل هذه التحقيقات والشهادات وثائق تاريخية وقانونية هامة قد تُستخدم مستقبلاً في ملاحقة المسؤولين عن هذه الجرائم أمام القضاء الدولي.

يخلص التقرير إلى أن غياب الحلول السياسية والمساءلة القانونية يجعل المعتقلين الفلسطينيين عرضة لمزيد من التنكيل في ظل استمرار الحرب. ويبقى ملف الانتهاكات في السجون الإسرائيلية مفتوحاً على تداعيات دولية وحقوقية واسعة، مع تزايد المطالبات بفتح تحقيق دولي مستقل وشامل.

عربي ودولي

الثّلاثاء 09 يونيو 2026 10:43 مساءً - بتوقيت القدس

تونس: حكم غيابي بسجن الصحافية خولة بوكريم 4 سنوات بموجب مرسوم الجرائم الإلكترونية

أعلنت الصحافية التونسية خولة بوكريم، المعروفة بمواقفها الناقدة لسياسات الرئيس قيس سعيّد، عن صدور حكم قضائي غيابي بحقها يقضي بسجنها لمدة أربع سنوات. ويأتي هذا القرار القضائي في سياق ما يصفه مراقبون ومنظمات حقوقية بحملة متصاعدة تستهدف تقييد حرية التعبير وملاحقة الأصوات المعارضة في تونس.

وأوضحت بوكريم، التي تترأس موقع 'توميديا' الإخباري أن محاميها أبلغها بصدور حكمين منفصلين ضدها استناداً إلى 'المرسوم 54'. ويعد هذا القانون، الذي صدر في عام 2022 لمكافحة الجرائم الإلكترونية، مثار جدل واسع نظراً لتضمنه عقوبات مشددة على قضايا النشر عبر المنصات الرقمية.

وتشير تقارير حقوقية إلى أن السلطات التونسية باتت تعتمد بشكل مكثف على هذا المرسوم لملاحقة الصحافيين والناشطين السياسيين. وفي المقابل، تدافع الحكومة عن هذه التشريعات باعتبارها ضرورة قانونية لمواجهة الإشاعات والمعلومات المضللة وحماية الفضاء الإلكتروني من الإساءات الممنهجة.

وكانت خولة بوكريم قد غادرت الأراضي التونسية متوجهة إلى العاصمة الفرنسية باريس في شهر ديسمبر الماضي. وأكدت في تصريحات إعلامية أن قرار مغادرتها جاء اضطرارياً بعد تلقيها معلومات تفيد بتحضير عدة قضايا قانونية ضدها على خلفية آرائها السياسية وانتقاداتها الموجهة للرئاسة.

وينضم هذا الحكم إلى سلسلة من الإجراءات المشابهة التي طالت عدداً من الكوادر الإعلامية البارزة في تونس خلال الأشهر الأخيرة. ومن بين هؤلاء الصحافيين زياد الهاني وبرهان بسيس، بالإضافة إلى مراد الزغيدي الذي أعلن مؤخراً دخوله في إضراب عن الطعام احتجاجاً على ظروف احتجازه وللمطالبة بحريته.

من جانبه، يشدد الرئيس التونسي قيس سعيّد في خطاباته المتكررة على أن القضاء في تونس يتمتع باستقلالية تامة ولا يخضع لأي تدخلات من السلطة التنفيذية. إلا أن قوى المعارضة ترفض هذه الرواية، وتتهم الرئاسة بتوظيف المرفق القضائي لتصفية الحسابات مع الخصوم السياسيين وتفكيك المسار الديمقراطي.

وتعيش تونس حالة من الانقسام السياسي الحاد منذ إعلان الرئيس سعيّد عن إجراءاته الاستثنائية في يوليو 2021، والتي شملت حل البرلمان والمجلس الأعلى للقضاء. وبينما ترى المعارضة في هذه الخطوات تراجعاً عن المكتسبات الديمقراطية، تعتبرها أطراف مؤيدة للرئيس عملية ضرورية لتصحيح مسار الدولة.