أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 3:58 صباحًا - بتوقيت القدس

تآكل المؤسسات واستدعاء القوى الموازية: قراءة في ظاهرة 'دولة الوسطاء'

تستوقف المراقبين في العديد من الدول النامية ظاهرة تنامي شخصيات ومجموعات تتحرك في مساحات غامضة، حيث تتداخل الأدوار بين الدولة والمجتمع وبين سلطة القانون وقوة النفوذ الواقعي. هذه المجموعات التي تظهر بأسماء متعددة كالمنظمات الرديفة أو الحرس الموازي، تعكس خللاً في بنية الدولة الحديثة التي يفترض أن تحتكر وحدها حق استخدام القوة المشروعة.

في المشهد المصري المعاصر، برزت أسماء مثل صبري نخنوخ وإبراهيم العرجاني كرموز لهذا الجدل الواسع، حيث لا يقتصر النقاش حولهما كأفراد، بل يمتد ليشمل ما يمثلانه من تحول في طبيعة العلاقة بين السلطة الرسمية والفاعلين غير الرسميين. إن هذا التحول يشير إلى انتقال تدريجي من دولة المؤسسات الراسخة إلى ما يمكن تسميته بـ 'دولة الوسطاء'.

يرى محللون أن لجوء الأنظمة السياسية إلى هذه الشبكات يمنحها نوعاً من المرونة السياسية التي تفتقدها المؤسسات الرسمية المقيدة بنصوص القانون. ففي الحالات التي ترغب فيها السلطة في تنفيذ إجراءات لا تتوافق مع الأطر القانونية الصارمة، تجد في هذه الشبكات غير الرسمية أداة فاعلة للتحرك بحرية أكبر بعيداً عن الرقابة.

كما تساهم هذه الأدوات في خفض التكلفة السياسية المباشرة على النظام الحاكم، حيث تتيح له التنصل من المسؤولية عن ممارسات معينة عبر إسنادها لوسطاء محليين. هذا الأسلوب يوفر للنظام مساحة للمناورة والإنكار أمام المجتمع الدولي أو الرأي العام المحلي عند وقوع تجاوزات حقوقية أو قانونية.

وتبرز ضرورة هؤلاء الوسطاء في إدارة الفراغات الأمنية والاجتماعية في المناطق الهامشية أو المضطربة التي قد تعجز الأجهزة الرسمية عن السيطرة الكاملة عليها. هنا يتحول 'البلطجي' أو زعيم النفوذ المحلي إلى شريك في ضبط الإيقاع الاجتماعي مقابل الحصول على امتيازات أو اعتراف ضمني بنفوذه.

علاوة على ذلك، تسعى بعض الأنظمة عبر هذه القوى إلى خلق ولاءات جديدة تكسر احتكار النخب التقليدية للنفوذ والثروة. فاستخدام عناصر القوة غير التقليدية يعمل على ردع أصحاب النفوذ القدامى وإعادة تشكيل خارطة القوى المحلية بما يضمن ولاءً مطلقاً للسلطة المركزية بعيداً عن تعقيدات البيروقراطية.

إلا أن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية جسيمة تهدد استقرار الدول على المدى الطويل، حيث تؤدي بالضرورة إلى إضعاف هيبة المؤسسات الرسمية وتآكل ثقة المواطن في سيادة القانون. إن تغليب النفوذ الشخصي على الكفاءة المؤسسية يخلق بيئة خصبة للفساد والمحسوبية.

ومع مرور الوقت، تتحول هذه القوى الموازية من مجرد أدوات مؤقتة إلى مراكز قوى مستقلة تمتلك أجنداتها الخاصة ومصالحها التي قد تتعارض لاحقاً مع توجهات الدولة نفسها. التاريخ القريب في دول مثل روسيا والعراق وسوريا يقدم نماذج واضحة لكيفية تحول المليشيات الرديفة إلى عبء بنيوي يصعب تفكيكه.

إن الاعتماد على الأشخاص بدلاً من القوانين يجعل النظام السياسي رهينة لهؤلاء الأفراد، فبمجرد غياب الشخص أو تغير مصالحه يهتز الكيان بأكمله. بينما تظل الدول التي تستثمر في بناء المؤسسات قادرة على الاستمرار وتداول السلطة دون أن تتأثر وظائفها الأساسية أو أمنها القومي.

المؤسسة بطبيعتها تورث الاستقرار والاستدامة لأنها تقوم على قواعد مجردة لا تتغير بتغير الأفراد، أما شخصنة القوة فهي تورث الهشاشة البنيوية. فمهما بدت تلك المجموعات قوية وقادرة على الحسم في اللحظة الراهنة، إلا أنها تظل كيانات طفيلية تعيش على حساب قوة الدولة الحقيقية.

إن استدعاء 'البلطجي' أو القوى غير القانونية هو اعتراف ضمني بعجز الدولة عن القيام بوظائفها الأساسية عبر القنوات الشرعية. هذا العجز يفتح الباب أمام تآكل العقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بالدولة، حيث يصبح البحث عن الحماية والنفوذ خارج إطار القانون هو القاعدة وليس الاستثناء.

التجارب الدولية أثبتت أن الحلول الأمنية والسياسية التي تعتمد على 'البلطجة المنظمة' هي حلول قصيرة الأمد، وغالباً ما تنتهي بصراعات داخلية على النفوذ والموارد. فالقوى التي تُصنع في الظلام لا تقبل العيش طويلاً تحت ضوء القانون، وتسعى دائماً لتوسيع مساحات نفوذها على حساب السيادة الوطنية.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام أي نظام يسعى للاستقرار يكمن في العودة إلى مبادئ الدولة الحديثة وتعزيز دور المؤسسات الرقابية والقضائية. إن تقوية الجيش والشرطة والقضاء كمؤسسات وطنية مهنية هو الضمانة الوحيدة لمنع انزلاق المجتمعات نحو الفوضى أو حكم العصابات.

في الختام، يبقى السؤال الجوهري الذي يواجه هذه الدول: هل تريد بناء دولة مؤسسات تحمي الجميع، أم دولة وسطاء تحمي المصالح الضيقة؟ إن الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد مصير الاستقرار السياسي والاجتماعي في العقود القادمة، بعيداً عن بريق القوة الزائف الذي يوفره الوسطاء.

دلالات

شارك برأيك

تآكل المؤسسات واستدعاء القوى الموازية: قراءة في ظاهرة 'دولة الوسطاء'

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.