رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات-10/6/2026
تحليل إخباري
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر حساسية وخطورة بعد حادثة إسقاط مروحية أميركية من طراز "أباتشي" فوق مضيق هرمز، وما أعقبها من ضربات أميركية مباشرة استهدفت مواقع دفاع جوي ورادارات إيرانية، ورد إيراني بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف أميركية في المنطقة. وبينما بدت التطورات للوهلة الأولى مجرد حلقة جديدة من التصعيد العسكري المتبادل، فإن أبعادها السياسية والاستراتيجية تكشف تحولات أعمق تتعلق بمستقبل الصراع، وبحدود النفوذ الإسرائيلي داخل واشنطن، وبالرهان على القوة العسكرية كوسيلة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب سارع إلى تحميل إيران مسؤولية إسقاط المروحية، مؤكداً نجاة الطيارين، قبل أن يأمر بتنفيذ ضربات عسكرية وصفها البنتاغون بأنها “دفاعية ومتناسبة”. وأكد ترمب أن الرد كان قوياً وحاسماً، مشدداً على أن الولايات المتحدة لا تستطيع السماح باستهداف قواتها دون رد. لكن الحادثة، رغم رمزيتها العسكرية، كشفت أيضاً هشاشة الوضع الأمني في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، حيث تمر نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية.
ورغم أن التحقيقات الأميركية الأولية رجحت تعرض المروحية لعمل عدائي مرتبط بوسائل إيرانية، فإنها لم تحسم بصورة قاطعة طبيعة الحادث أو ما إذا كان الاستهداف متعمداً. وفي المقابل، نفت طهران مسؤوليتها المباشرة، مشيرة إلى أن الحادث قد يكون نتاجاً لحالة التوتر العسكري الكثيف في المنطقة. إلا أن تضارب الروايات لم يمنع انتقال الأزمة سريعاً إلى مرحلة الضربات المتبادلة، ما جعل مضيق هرمز يتحول من ساحة ضغط اقتصادي واستراتيجي إلى ساحة اشتباك عسكري مباشر بين القوتين.
ويأتي هذا التصعيد في وقت يواجه فيه ترمب معضلة سياسية واستراتيجية معقدة. فالرئيس الأميركي الذي بنى جزءاً كبيراً من خطابه السياسي على وعد إنهاء "الحروب التي لا نهاية لها" يجد نفسه مضطراً للعودة إلى استخدام القوة العسكرية في الشرق الأوسط. وبينما يؤكد باستمرار أنه لا يريد حرباً شاملة مع إيران، فإن الوقائع الميدانية تدفع إدارته إلى اتخاذ خطوات عسكرية متدرجة للحفاظ على هيبة الردع الأميركي وحماية القوات المنتشرة في المنطقة.
لكن أهمية الأزمة لا تقتصر على البعد الأميركي الإيراني. فالتطورات الأخيرة سلطت الضوء مجدداً على التباينات المتزايدة بين واشنطن وحكومة بنيامين نتنياهو بشأن كيفية التعامل مع إيران ومستقبل المنطقة. ففي الوقت الذي تدفع فيه إسرائيل نحو تشديد الضغوط العسكرية وتوسيع ساحات المواجهة، يبدو أن الإدارة الأميركية باتت أكثر اقتناعاً بأن الحلول السياسية والتفاهمات القابلة للرقابة والتحقق قد تكون أقل كلفة وأكثر فاعلية من الانخراط في صراعات مفتوحة لا نهاية واضحة لها.
وتزداد دلالة هذا التباين مع استمرار المسؤولين الأميركيين في التأكيد أن الهدف الاستراتيجي لواشنطن لا يزال منع إيران من امتلاك سلاح نووي والتوصل إلى تفاهم يضمن أمن الملاحة الدولية واستقرار المنطقة. وقد عكس تصريح نائب الرئيس جي دي فانس، الذي وصف الاتفاق الجاري التفاوض بشأنه مع إيران بأنه "إنجاز كبير للشعب الأميركي سواء أعجب إسرائيل أم لا"، اتجاهاً متنامياً داخل الإدارة الأميركية نحو الفصل بين المصالح الأميركية المباشرة والحسابات السياسية للحكومة الإسرائيلية.
وتكشف هذه المواقف عن تراجع ملحوظ في قدرة نتنياهو على التأثير في مسار السياسة الأميركية تجاه إيران مقارنة بسنوات سابقة. فبينما كانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة قادرة في مراحل مختلفة على دفع واشنطن نحو خيارات أكثر تشدداً، تبدو الإدارة الحالية أكثر ميلاً إلى إدارة الأزمة ضمن سقف يمنع الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة. كما أن الخلافات التي برزت حول العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في لبنان وسوريا عززت الانطباع بأن النفوذ الإسرائيلي داخل دوائر صنع القرار الأميركي لم يعد مطلقاً كما كان في السابق.
وفي المقابل، أعادت الأزمة طرح تساؤلات جوهرية حول فعالية النهج الأمني الإسرائيلي القائم على توسيع دائرة المواجهات العسكرية. فعلى الرغم من التفوق العسكري الإسرائيلي الهائل والدعم الأميركي المستمر، لم تتمكن إسرائيل من تحقيق استقرار دائم أو إنهاء مصادر التوتر في المنطقة. بل إن الحروب المتكررة والعمليات العسكرية الممتدة من غزة إلى لبنان وسوريا وإيران ساهمت في تعميق الأزمات الإقليمية بدلاً من حلها.
ويرى منتقدو السياسات الإسرائيلية أن المشكلة الأساسية لا تكمن في نقص القوة العسكرية، بل في غياب المعالجة السياسية لجذور الصراع، وفي استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية والإنسانية. فهذه السياسات، بحسب منتقديها، لم توفر الأمن للإسرائيليين، كما لم تمنح الفلسطينيين الحد الأدنى من العدالة أو الكرامة، بل أسهمت في إنتاج دورات متلاحقة من العنف وعدم الاستقرار.
وفي المحصلة، تكشف أزمة هرمز أن القوة العسكرية، مهما بلغت درجة تفوقها، لم تعد قادرة وحدها على فرض نتائج سياسية مستدامة. فإيران أظهرت قدرتها على المناورة وفرض كلفة على خصومها رغم العقوبات والضغوط، فيما اكتشفت واشنطن أن النفوذ لا يُقاس فقط بحجم الترسانة العسكرية، بل أيضاً بالقدرة على إدارة الأزمات وصناعة التسويات. أما إسرائيل، التي طالما قدمت تفوقها العسكري باعتباره الضمانة الأساسية للأمن، فتجد نفسها أمام واقع يؤكد أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بمعالجة الأسباب السياسية التي تُبقي المنطقة أسيرة الصراعات المفتوحة.
وتكشف أزمة هرمز أن الإدارة الأميركية بدأت تنظر إلى الاستقرار الإقليمي من زاوية تختلف تدريجياً عن الرؤية التي تروج لها حكومة نتنياهو. فبينما ترى إسرائيل أن زيادة الضغوط العسكرية على إيران تمثل الطريق الأقصر لإضعافها، يبدو أن واشنطن باتت أكثر اقتناعاً بأن أي مواجهة واسعة قد تهدد المصالح الأميركية الاقتصادية والعسكرية في الخليج والعالم. ومن هنا يمكن فهم الإصرار الأميركي على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة رغم تبادل الضربات. فالخلاف الحالي لا يتعلق بالتكتيكات فقط، بل يعكس اختلافاً متزايداً في تعريف المصالح والأولويات بين الحليفين، وهو اختلاف قد يتعمق خلال المرحلة المقبلة.
كما أظهرت التطورات الأخيرة مجدداً أن التفوق العسكري الإسرائيلي والأميركي لم ينجح في إنتاج منظومة أمن إقليمي مستقرة، بل إن الاعتماد المفرط على القوة ساهم في توسيع رقعة الأزمات وإدامتها. فمن غزة إلى لبنان وسوريا وإيران، تتكرر العمليات العسكرية دون أن تتمكن من إزالة الأسباب السياسية للصراعات. كما أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وتوسيع الاستيطان، وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم الوطنية، يبدد أي إمكانية لتحقيق استقرار دائم. لذلك تبدو الأزمة الحالية دليلاً إضافياً على أن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الردع العسكري وحده، بل على العدالة السياسية والتسويات المستدامة التي تعالج جذور النزاعات لا مظاهرها فقط.





شارك برأيك
مواجهة هرمز تكشف حدود الردع الأميركي وتعمّق الخلاف مع إسرائيل حول إيران