يعد وسام النعمان أحد أرفع الأوسمة التي تمنحها سلطنة عمان بتوجيهات سلطانية، حيث يخصص لكبار الشخصيات الدبلوماسية التي ساهمت في تعزيز الروابط الدولية مع مسقط. هذا الوسام الذي تأسس في ثمانينيات القرن الماضي، لا يزال يمثل رمزية السيادة والحكمة العمانية التي استمرت من عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد وصولاً إلى عهد السلطان هيثم بن طارق.
في الآونة الأخيرة، برزت تصريحات مثيرة للجدل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تضمنت تهديدات صريحة للسلطنة بسبب سياساتها المستقلة تجاه مضيق هرمز. هذه التهديدات التي وصلت إلى حد التلويح بالعنف، تعكس ضيق ذرع واشنطن بالنهج العماني الذي يرفض التبعية المطلقة في إدارة الممرات المائية الحيوية.
إن الموقف العماني الحالي ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الاستقلالية السياسية التي ميزت مسقط عن محيطها في الأزمات الكبرى. ففي عام 1979، وبينما أجمع العرب على مقاطعة مصر بعد اتفاقية كامب ديفيد، اختارت عمان الحفاظ على علاقاتها مع القاهرة، مؤمنة بأن الخلافات السياسية لا يجب أن تقطع أواصر الأشقاء.
تكرر هذا المشهد في عام 2015، حينما نأت السلطنة بنفسها عن الانخراط في التحالف العسكري باليمن، مفضلة القيام بدور الوسيط النزيه. وقد أثبتت الأيام صوابية هذه الرؤية، حيث تحولت مسقط إلى وجهة أساسية لكافة الأطراف المتنازعة للبحث عن حلول سياسية تنهي معاناة الشعب اليمني.
لعبت الدبلوماسية العمانية دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر بين القوى الدولية وإيران، خاصة في ملف البرنامج النووي الذي استضافت مسقط مفاوضاته الشاقة. هذه الجهود التي بدأت في عهد الرئيس باراك أوباما، أثمرت عن اتفاقيات تاريخية جنبت المنطقة ويلات مواجهات عسكرية مباشرة كانت وشيكة الوقوع.
لم تقتصر الوساطة العمانية على الملف النووي، بل امتدت لتشمل محادثات مباشرة بين المملكة العربية السعودية والحوثيين، مما جعل العاصمة مسقط ملتقى عالمياً للباحثين عن السلام. هذا الدور الإصلاحي غالباً ما يواجه بمعارضة من القوى التي ترى في النزاعات المسلحة وسيلة لتحقيق مكاسبها الجيوسياسية والاقتصادية.
إن الصمت الدولي والعربي تجاه التهديدات الموجهة لدولة عضو في المنظمات الإقليمية يثير تساؤلات عميقة حول جدوى هذه الكيانات في حماية أعضائها. فبينما تتعرض عمان لضغوط علنية، تغيب ردود الفعل الرسمية من جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون الخليجي، مما يضعف العمل العربي المشترك.
إن تهديد ترامب العلني للسلطنة يؤكد الاعتقاد السائد بأن عمان دولة لا تُقاد ولا تنحني أمام العواصف السياسية.
تتجلى قوة الموقف العماني أيضاً في الخطاب الديني والوطني الذي يمثله مفتي السلطنة، الشيخ أحمد الخليلي، الذي عرف بمواقفه الصلبة تجاه القضية الفلسطينية. حيث يعبر الخليلي بوضوح عن رفض الاحتلال الصهيوني والسياسات الاستعمارية، مما يمنح السياسة العمانية بعداً شعبياً وإسلامياً واسعاً.
تاريخياً، كانت عمان حاضرة في كافة المنعطفات المصيرية، من دعم دول المواجهة في حرب أكتوبر 1973 إلى المساهمة في تحرير الكويت عام 1990. هذا السجل الحافل يؤكد أن مسقط لا تنطلق من فراغ، بل من عقيدة سياسية راسخة تقوم على التوازن والود مع الأشقاء دون التفريط في السيادة.
إن التهديد الأمريكي الأخير، رغم خطورته، يمكن اعتباره بمثابة شهادة دولية على فاعلية الدور العماني وتأثيره في الملفات الحساسة. فالدول التي لا تملك قراراً مستقلاً لا تتعرض عادة لمثل هذه الضغوط العنيفة، مما يجعل من هذا التهديد 'وساماً' غير مقصود لصمود الدولة العمانية.
يبرز التناقض الصارخ في المشهد الإقليمي من خلال استقبال بعض القواعد العسكرية في المنطقة لمعدات وقوات تابعة للاحتلال، في وقت تتعرض فيه عمان للتهديد بسبب تمسكها بمبادئها. هذا الواقع يدفع الدول الساعية للقيادة الحقيقية في المنطقة إلى إعادة تقييم تحالفاتها والبحث عن تكتلات تضمن حماية مصالحها الوطنية.
إن العالم اليوم يبدو وكأنه يعود إلى عصور القوة الغاشمة، حيث تتوارى الشعارات الحقوقية خلف المصالح الضيقة وحروب الإبادة كما يحدث في غزة ولبنان. وفي ظل هذا التخبط العالمي، تبرز الحاجة إلى نماذج سياسية رصينة مثل النموذج العماني الذي يرفض الانجرار إلى سياسة المحاور والحروب بالوكالة.
ختاماً، تظل سلطنة عمان عصية على الانحناء أمام لغة التهديد، مستندة إلى إرث تاريخي عريق وشعب يلتف حول قيادته في الحفاظ على استقلال القرار الوطني. إن الحفاظ على أمن واستقرار عمان هو مصلحة إقليمية عليا، نظراً لدورها الفريد كصمام أمان في منطقة تعصف بها الأزمات.
يبقى الرهان على وعي الشعوب العربية والقيادات التي تدرك قيمة السلام المبني على العدل، وليس السلام المفروض بقوة التهديد والتفجير. وستظل مسقط، كما كانت دائماً، منارة للحوار والوئام، بعيدة عن أطماع التوسعيين والباحثين عن أدوار وهمية على حساب دماء الشعوب واستقرار الأوطان.




