أقلام وأراء

الجمعة 29 مايو 2026 2:32 مساءً - بتوقيت القدس

اللغة والنهضة: لماذا لا يكفي التعريب وحده لبناء الحضارة؟

تثير نقاشات المجالس الثقافية والأكاديمية حول التعريب تساؤلات جوهرية تتجاوز مجرد البحث عن مفردات بديلة للمخترعات الغربية. فبينما يجتهد اللغويون في نحت مصطلحات مثل 'كظامة' بدلاً من 'ترمس'، يبرز السؤال الأهم حول قيمة التسمية لمنتجات لم نشارك في ابتكارها أو تطويرها أصلاً.

إن الانشغال بالجانب اللغوي الصرف قد يتحول أحياناً إلى شعور زائف بالإنجاز الحضاري، بينما تظل الفجوة العلمية قائمة. فاللغة العربية، رغم ثرائها وقدرتها الفائقة على الاشتقاق، تظل وعاءً يحتاج إلى محتوى معرفي وعلمي حديث يملؤه ليكون فعالاً في العصر الراهن.

تشير القراءات التحليلية إلى أن الحماس للتعريب، رغم مشروعيته كحماية للهوية، قد يصطدم بواقع مرير إذا لم يُدعم بمنظومة علمية متكاملة. فالقرار اللغوي المعزول عن شروط النهضة الحقيقية قد يؤدي إلى نتائج عكسية تعيق التواصل مع حركة العلم العالمية.

في التجربة السودانية، اتجهت الدولة نحو تعريب التعليم الجامعي في التخصصات العلمية والطبية بنوايا وطنية واضحة. ومع ذلك، يرى أكاديميون أن غياب مؤسسات الترجمة والمراجع المحدثة خلق فجوة معرفية لدى الخريجين في ملاحقة المصادر العلمية الدولية.

أما النموذج الموريتاني، فيقدم مثالاً آخراً على التميز اللغوي والأدبي الرفيع الذي لم يترجم بالضرورة إلى نهضة صناعية أو تقنية. وهذا يؤكد أن التمكن من الفصحى، رغم أهميته الثقافية، لا يضمن تلقائياً التفوق في مجالات البحث العلمي أو المنافسة الاقتصادية.

بالمقابل، نجد أن تجارب دول مثل اليابان والصين لم تكن مجرد قرارات عاطفية بالتدريس باللغة الوطنية. لقد بنت هذه الأمم دول علم حقيقية، وربطت الجامعات بقطاعات الصناعة، وأنشأت منظومات ترجمة عملاقة تنقل المعرفة العالمية فور صدورها.

فيتنام أيضاً استثمرت بكثافة في إنتاج المعرفة محلياً مع الحفاظ على لغتها الوطنية في التعليم العالي. السر يكمن في القدرة على ملاحقة الانفجار المعرفي العالمي واستيعابه، ثم إعادة إنتاجه داخل البيئة الوطنية دون انغلاق أو عزلة.

تعاني الجامعات العربية في كثير من الأحيان من ضعف الإنفاق على الابتكار وغياب الترجمة المؤسسية السريعة. هذا الواقع يجعل من إغلاق الأبواب أمام اللغات الأجنبية خطوة قد تعزل الأجيال الجديدة عن التطورات المتسارعة في العلوم والتقنية.

إن بناء مشروع وطني للعلم والمعرفة هو الحجر الأساس لأي تحول لغوي ناجح في التعليم. لا يبدأ النجاح من تغيير لغة المحاضرة فحسب، بل من جعل البحث العلمي أولوية استراتيجية تتبناها الدولة والمجتمع بشكل مؤسسي.

يتطلب التحول نحو العربية إنشاء مؤسسات ترجمة احترافية تضمن نقل أحدث الدوريات العلمية بشكل مستمر. الهدف هو ألا يشعر الباحث العربي بالانفصال عن العالم، بل يجد في لغته أداة طيعة للوصول إلى أرقى مستويات المعرفة.

يجب النظر إلى اللغات الأجنبية، وخاصة الإنجليزية، كأدوات تواصل ضرورية لا كتهديد للهوية الوطنية. الأمم القوية هي التي تجمع بين الاعتزاز بجذورها اللغوية والقدرة على الانفتاح وفهم لغات الآخرين لتعزيز مكانتها الدولية.

التدرج الذكي في التعريب يعد ضرورة حتمية، خاصة في العلوم الطبية والهندسية التي تتطلب مراحل انتقالية مدروسة. فالحفاظ على جودة التعليم وفرص الخريجين المهنية يجب أن يسبق أي قرارات سياسية أو عاطفية متعجلة في هذا الملف.

صناعة بيئة ثقافية تحترم العربية تتطلب تشجيع النشر العلمي بها وإطلاق مجلات محكمة ذات ثقل دولي. هكذا تتحول اللغة من مجرد إرث تاريخي إلى لغة إنتاج معرفي حي يتفاعل مع معطيات العصر وتحدياته التقنية.

في الختام، النهضة لا تُبنى بالانغلاق اللغوي بل بالعمل والإبداع والقدرة على استيعاب منجزات العصر. إن الأمم التي تمتلك مشروعاً حضارياً حقيقياً لا تخشى التفاعل مع العالم، بل تحول لغتها إلى جسر يعبر عليه العلم والتقدم.

دلالات

شارك برأيك

اللغة والنهضة: لماذا لا يكفي التعريب وحده لبناء الحضارة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.