عربي ودولي

الجمعة 29 مايو 2026 12:47 مساءً - بتوقيت القدس

فرنسا توسع مظلتها النووية لتشمل النرويج وتؤسس لردع أوروبي مستقل

تشهد القارة الأوروبية إعادة صياغة شاملة لعقيدتها الأمنية في ظل تآكل التوازن النووي التقليدي والقلق المتزايد من التحركات الروسية. وأعلنت فرنسا رسمياً توسيع مظلتها النووية لتشمل دولاً أوروبية أخرى، بدأت بانضمام النرويج إلى هذا النظام الدفاعي المعزز.

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه أن هذه الخطوة تمثل رسالة واضحة حول سعي أوروبا لامتلاك قوة ردع مستقلة. وأشار ماكرون إلى أن باريس لم تعد تكتفي بحماية أراضيها فقط، بل تسعى لإعادة صياغة مفهوم الردع على مستوى القارة بالكامل.

خلال استقباله لرئيس الوزراء النرويجي، أوضح ماكرون أن الموافقة على انضمام أوسلو لما يسمى 'الردع النووي المعزز' تعد خطوة بالغة الأهمية في الشراكة الثنائية. وشدد على أن هذا التعاون الطموح يهدف لضمان حماية أراضي الحلفاء من أي تهديدات خارجية محتملة.

تعتمد العقيدة الفرنسية الجديدة، المعروفة بـ 'الردع المتقدم'، على السماح للحلفاء الأوروبيين بالمشاركة في المناورات النووية الفرنسية. ويهدف هذا التوجه إلى تعزيز التنسيق العسكري والإستراتيجي خارج الأطر التقليدية التي يوفرها حلف شمال الأطلسي (ناتو).

تأتي هذه التحركات الفرنسية مدفوعة بثلاثة متغيرات كبرى، أبرزها تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي أعادت شبح المواجهة النووية. كما تلعب حالة عدم اليقين تجاه المظلة الأمريكية وتصاعد الخطاب الانعزالي في واشنطن دوراً محورياً في هذا التحول.

ساهم انهيار منظومة ضبط التسلح الدولي، وتعطل معاهدة 'نيو ستارت' بين واشنطن وموسكو، في فتح الباب أمام سباق تسلح جديد. وأدى توقف عمليات التفتيش المتبادلة إلى عودة منطق الشك والتنافس النووي إلى واجهة الأحداث الدولية بقوة.

تسعى باريس، بصفتها القوة النووية الرئيسية في الاتحاد الأوروبي، لاستثمار اللحظة الراهنة لتقديم نفسها كقائد إستراتيجي للقارة. وفي هذا السياق، أمر ماكرون بزيادة الرؤوس النووية وتطوير جيل جديد من الغواصات لتعزيز القدرات الهجومية والدفاعية.

لا يقتصر الطموح الفرنسي على النرويج، بل يمتد ليشمل تعاوناً وثيقاً مع ألمانيا وبولندا ودول الشمال الأوروبي. وقد أبدى المستشار الألماني فريدريتش ميرتس استعداد بلاده للمشاركة في المناورات النووية الفرنسية لتعزيز الأمن الجماعي.

من جانبه، رحب رئيس الوزراء البولندي بهذا التوجه، مؤكداً على ضرورة 'التسلح مع الأصدقاء' لضمان عدم جرأة الأعداء على الهجوم. وتعكس هذه التصريحات رغبة أوروبية جماعية في بناء حائط صد دفاعي أكثر صلابة واستقلالية.

في المقابل، تنظر موسكو إلى هذه التطورات باعتبارها تصعيداً مباشراً يهدد أمنها القومي واستقرار المنطقة. وقد قامت روسيا بالفعل بتعديل عقيدتها النووية ونشرت أنظمة صاروخية قادرة على حمل رؤوس نووية في أراضي بيلاروسيا المجاورة.

أفادت مصادر مطلعة بأن ثماني دول أوروبية، من بينها بريطانيا، انضمت بالفعل إلى المبادرة الفرنسية الجديدة للضمانات الأمنية. ويعكس هذا الانضمام الواسع حجم القلق الأوروبي من الفراغ الأمني الذي قد يخلّفه تراجع الدور الأمريكي المستقبلي.

أشار مسؤولون سابقون في حلف الناتو إلى أن فرنسا قادرة على تأدية دور محوري في توفير ضمانات نووية بديلة للقارة. وأوضحوا أن باريس تعمل بصمت على زيادة ترسانتها الحربية دون الإفصاح عن الكميات النهائية التي تسعى للوصول إليها.

ورغم تأكيدات الإليزيه بأن هذه العقيدة الجديدة تكمل دور الناتو ولا تستبدله، إلا أن الواقع يشير إلى رغبة في تقليل الاعتماد على واشنطن. وتحاول الدول الأوروبية موازنة هذا التوجه دون إرسال إشارات قد تفهمها الولايات المتحدة كفقدان كامل للثقة.

يمثل الإعلان الفرنسي بداية تشكل حلف ردع أوروبي جديد قد يغير موازين القوى في القارة العجوز لسنوات طويلة. ومع استمرار التوتر مع روسيا، تظل المظلة النووية الفرنسية هي الرهان الأبرز للأوروبيين الباحثين عن سيادة أمنية مستقلة.

دلالات

شارك برأيك

فرنسا توسع مظلتها النووية لتشمل النرويج وتؤسس لردع أوروبي مستقل

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.