بين عناوين الأخبار المتلاحقة التي ترصد آلة الحرب، تتكشف قصص إنسانية عصية على النسيان، يختبرها الفلسطينيون في غزة والشتات بكل تفاصيلها المؤلمة. هذه التجارب تظهر الجانب الآخر للعدوان الإسرائيلي المستمر، حيث يواجه السكان فصولاً من التهجير والتجويع الممنهج بعيداً عن الرقابة الدولية الفاعلة.
سلطت تقارير صحفية دولية الضوء على قصة الشاب الفلسطيني صالح أبو شمالة المقيم في لندن، والذي تحولت حياته إلى سباق يومي مع الزمن لإنقاذ عائلته المحاصرة في القطاع. صالح الذي غادر غزة بحثاً عن مستقبل آمن، وجد نفسه غارقاً في ديون تجاوزت 125 ألف دولار بعد أن أنفق كل مدخراته لإبقاء والديه وإخوته على قيد الحياة.
تجسد مأساة عائلة أبو شمالة تاريخاً طويلاً من الفقد، بدأ بمقتل شقيقته شيماء بنيران دبابة إسرائيلية خلال طفولته في رفح، وصولاً إلى تدمير شقته في عام 2021. ومع اندلاع الحرب الحالية، تحولت حياة الشاب المغترب إلى غرفة عمليات دائمة يتابع فيها أخبار القصف ويحاول جمع الأموال لإرسالها عبر قنوات غير رسمية.
الواقع الاقتصادي في غزة وصل إلى مستويات غير مسبوقة من الكارثية نتيجة الحصار والقيود الإسرائيلية المشددة على دخول البضائع. وأفادت مصادر بأن تكلفة الشحنة الواحدة التي لا تتجاوز قيمتها الأصلية 28 دولاراً، قد تقفز إلى أكثر من 5700 دولار عند وصولها إلى القطاع بسبب الرسوم والوسطاء.
هذا الاحتكار والقيود أدت إلى نشوء سوق سوداء ضخمة، حيث ارتفع سعر كيلو الدقيق من نصف دولار قبل الحرب إلى 27 دولاراً، بينما وصل سعر غاز الطهي إلى 190 دولاراً للكيلوغرام الواحد. هذه الأرقام جعلت تأمين الغذاء الأساسي حلماً بعيد المنال لغالبية العائلات التي تعيش تحت خط الفقر المدقع.
لم تقتصر المعاناة على الجانب المالي، بل شملت عمولات باهظة يتقاضاها وسطاء تحويل الأموال وصلت إلى 60% من قيمة المبالغ المرسلة. وهذا يعني أن المساعدات التي يرسلها المغتربون تفقد أكثر من نصف قيمتها قبل أن تصل إلى أيدي ذويهم المحتاجين في مخيمات النزوح.
في يونيو 2025، تلقت عائلة أبو شمالة الضربة الأكثر إيلاماً باستشهاد نجلها راجي (27 عاماً) إثر غارة إسرائيلية مباشرة استهدفته أثناء إعداده الطعام أمام خيمته. وقعت الجريمة أمام أعين والدته التي دخلت في حالة انهيار نفسي شديد، في وقت لم تملك فيه العائلة ترف الوقت للحداد بسبب الخطر الوجودي المحدق بها.
أستطيع أن أفهم أن الشخص الذي يقف أمامي في المرآة هو أنا، لكن الوجه تغيّر تماما.
والد صالح، كمال أبو شمالة، يمثل نموذجاً لمعاناة المرضى في غزة، حيث يعاني من التصلب المتعدد وتعرض لسلسلة جلطات دماغية في ظل انعدام الأدوية. وحتى المستشفيات لم تكن ملاذاً آمناً، إذ تعرض مجمع ناصر الطبي للقصف أثناء تلقيه العلاج، مما أجبره على العودة إلى الخيمة في ظروف صحية بالغة الخطورة.
على صعيد آخر، كشفت مصادر صحفية عن انهيار بيئي شامل في مخيمات النزوح، حيث أدى تراكم الأنقاض والنفايات إلى انتشار مخيف للقوارض والحشرات. ويصف نازحون في منطقة المواصي ظهور جرذان بأحجام غير معتادة تهاجم الخيام وتمزق الملابس وتثير الرعب في نفوس الأطفال.
البيانات الأممية تشير إلى توقف 80% من محطات ضخ مياه الصرف الصحي عن العمل، مما أدى إلى تدفق المياه العادمة بين خيام النازحين. هذا الانهيار في البنية التحتية حول المخيمات إلى بيئة مثالية لتكاثر الآفات والأوبئة، في ظل نقص حاد في المياه النظيفة ومواد التنظيف الأساسية.
في شمال القطاع، وتحديداً في مخيم جباليا، يضطر السكان لاستخدام حفر بدائية كمراحيض نتيجة تدمير الشبكات العامة بالكامل. وأفادت مصادر محلية بأن الجرذان والبعوض أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، حيث تتقاسم مع النازحين مساحاتهم الضيقة وتفسد ما تبقى لديهم من طعام قليل.
الأزمة دخلت مرحلة جديدة من الحصار الكامل للمساعدات، حيث تم استبدال الأنظمة التقليدية بمؤسسات مدعومة أمريكياً لم تنجح في وقف المجاعة. ووفقاً لتقارير حقوقية، قُتل قرابة ألف شخص بنيران إسرائيلية أثناء محاولتهم الحصول على الطحين قرب نقاط التوزيع التي تحولت إلى مصائد للموت.
في لندن، يعيش صالح أبو شمالة حرباً نفسية طاحنة، حيث يطارده الشعور بالذنب تجاه عائلته التي تعاني الجوع والنزوح المتكرر. يصف صالح حالته بفقدان القدرة على النوم والتركيز، معتبراً أن نجاته الجسدية تحولت إلى عبء ثقيل يذكره في كل لحظة بمأساة من تركهم خلفه.
ترسم هذه التفاصيل صورة لمجتمع فلسطيني يتعرض للإبادة بوسائل متعددة، تتجاوز القصف المباشر لتشمل الاستنزاف المادي والنفسي والبيئي. إنها قصة شعب يقاتل من أجل البقاء في ظل صمت دولي، حيث تصبح أبسط مقومات الحياة تجارة مربحة للبعض وكلفة يومية باهظة يدفعها الضحايا.





شارك برأيك
غزة.. حين يصبح البقاء تجارة والموت كلفة يومية تلاحق المغتربين والنازحين