عربي ودولي

الجمعة 29 مايو 2026 1:33 مساءً - بتوقيت القدس

سجن قرنادة في ليبيا: إفراجات 'حسن النية' وتساؤلات العدالة الغائبة

شهدت الأيام القليلة الماضية الإعلان عن إطلاق سراح 250 سجيناً من سجن قرنادة الواقع في شرق ليبيا، وهي خطوة جرى الترويج لها كبادرة 'حسن نية' تهدف إلى تعزيز المصالحة الوطنية. ورغم أن عودة أي معتقل إلى عائلته تعد حدثاً إيجابياً، إلا أن هذه الخطوة تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول شرعية الاحتجاز الأصلي والجهة التي تملك سلطة سلب الحرية ومنحها خارج إطار القانون.

إن المشهد الذي يتصدره العسكر وهم يمنحون 'صكوك الحرية' للمفرج عنهم يعكس خللاً بنيوياً في مفهوم الدولة والعدالة؛ حيث يتحول الإفراج من إجراء قانوني طبيعي إلى منحة كريمة من السلطة. هذا الواقع يفرض علينا النظر فيما وراء لحظة الإفراج، والبحث في آليات الاعتقال التي تتم غالباً دون مذكرات توقيف أو عرض على النيابات المدنية المختصة.

تشير المعطيات إلى أن الغالبية العظمى من هؤلاء السجناء لم يحصلوا على محاكمات عادلة، وبعضهم ظل مخفياً قسرياً لفترات طويلة بسبب آرائهم السياسية أو انتماءاتهم الفكرية. إن غياب القضاء المستقل عن هذه العمليات يجعل من السجن أداة لقمع المعارضين بدلاً من أن يكون مؤسسة للإصلاح والتأهيل تحت إشراف وزارة العدل.

من خلال تجربة شخصية سابقة داخل زنزانات سجن قرنادة، يتضح أن الاعتقال يتم بقرارات اعتباطية من جهات تابعة لما يعرف بـ 'القيادة العامة'. فقد قضى كاتب المقال 120 يوماً دون محامٍ أو إجراءات قانونية، ليخرج بقرار لا يقل غموضاً عن قرار الاعتقال، مما يؤكد أن المنظومة تعمل خارج نطاق الدستور والقانون.

إن صدور تعليمات الإفراج مباشرة من القائد العام خليفة حفتر ونائبه صدام حفتر يكرس هيمنة المؤسسة العسكرية على مفاصل الحياة المدنية والقضائية في البلاد. هذا التداخل الخطير يجعل من عائلة حفتر سلطة فوق كل السلطات، حيث تتولى مهام الاعتقال والإفراج وإدارة السجون، متجاوزة دور النائب العام والمحاكم المختصة.

الوظيفة الأساسية للجيوش في الدول الحديثة هي حماية الحدود والذود عن سيادة الوطن، وليس إدارة مراكز الاحتجاز والتحكم في مصائر المواطنين. لكن في الحالة الليبية الراهنة، نجد أن المؤسسة العسكرية باتت مهيمنة على المشهد الأمني والسياسي والاقتصادي، مما يفرغ مفهوم 'المصالحة الوطنية' من مضمونه الحقيقي القائم على العدالة.

لا يمكن اعتبار إطلاق سراح دفعات متفرقة من السجناء نجاحاً للمصالحة ما لم يقترن ذلك بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وتعويض الضحايا عن سنوات ضياعهم. العدالة الانتقالية تتطلب اعترافاً صريحاً بالانتهاكات وضمانات حقيقية بعدم تكرار الاعتقال التعسفي، بدلاً من استخدام ملف السجناء كأداة لتحسين الصورة أمام المجتمع الدولي.

تطرح الانتقائية في اختيار المفرج عنهم تساؤلات حول المعايير المستخدمة وغياب الشفافية في مراجعة الملفات القانونية للمحتجزين. فهناك مئات، وربما آلاف، ما يزالون يقبعون في سجون الشرق والغرب والجنوب الليبي في ظروف إنسانية كارثية، بعيداً عن أي رقابة حقوقية أو قضائية مستقلة.

إن أي خطوة جادة نحو الاستقرار يجب أن تبدأ بإنهاء الاعتقالات خارج القانون فوراً، وإحالة جميع المحتجزين إلى قضاء مدني يضمن لهم الحد الأدنى من حقوق الدفاع. كما يجب فتح أبواب السجون أمام المنظمات الدولية مثل الصليب الأحمر وبعثة الأمم المتحدة لتقييم الأوضاع بعيداً عن الزيارات التجميلية المصممة للكاميرات.

تعاني السجون الليبية من اكتظاظ شديد وانعدام للرعاية الطبية، فضلاً عن تقارير مستمرة حول ممارسات التعذيب وسوء المعاملة التي تجعل تسمية 'مؤسسات الإصلاح' بعيدة كل البعد عن الواقع. إن علاج هذا المرض يتطلب تفكيك المنظومة القمعية من جذورها، وليس الاكتفاء بمسكنات مؤقتة تتمثل في إفراجات موسمية.

يجب ألا يعتاد المجتمع الليبي على فكرة أن الحرية هي 'مكرمة' يهبها الحاكم لمن يشاء، بل هي حق أصيل لا يجوز المساس به إلا بحكم قضائي بات. إن تحويل حقوق الإنسان إلى أوراق مساومة سياسية يجهض أي فرصة لبناء دولة القانون التي طمح إليها الليبيون منذ سنوات طويلة.

رسالة المحاسبة الدولية تظل حاضرة، وقضية خالد الهيشري أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي تذكر الجميع بأن الإفلات من العقاب ليس قدراً محتوماً. فالنفوذ والسلاح قد يوفران حماية مؤقتة، لكن التاريخ يثبت أن يد العدالة قد تطول المتورطين في جرائم ضد الإنسانية مهما طال الزمن.

المصالحة الحقيقية تبدأ من استعادة القضاء لمكانته الطبيعية، وإنهاء تغول الأجهزة العسكرية والأمنية على حريات الناس وحقوقهم الأساسية. لا يمكن الحديث عن نوايا حسنة في ظل استمرار سياسة تكميم الأفواه والاعتقال على الهوية السياسية، وهو ما يتطلب إرادة سياسية وطنية شاملة.

في الختام، يظل خروج أي سجين مكسباً إنسانياً لا يقدر بثمن لعائلته، لكنه يظل منقوصاً ما لم يتبعه مسار قانوني يضمن جبر الضرر. إن مستقبل ليبيا مرهون بمدى قدرتها على الانتقال من حكم الفرد والعسكر إلى حكم المؤسسات والقانون، حيث تكون الحرية حقاً مصوناً للجميع دون استثناء.

دلالات

شارك برأيك

سجن قرنادة في ليبيا: إفراجات 'حسن النية' وتساؤلات العدالة الغائبة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.