عربي ودولي

السّبت 11 يوليو 2026 10:37 مساءً - بتوقيت القدس

احتجاجات غاضبة في واسط العراقية تنديداً بانقطاع الكهرباء ومواجهات مع الأمن

شهدت مدينة الكوت، المركز الإداري لمحافظة واسط شرقي العراق، موجة من الاحتجاجات الشعبية الغاضبة التي انطلقت تنديداً بالانقطاع المستمر للتيار الكهربائي. وتجمع مئات المواطنين في الشوارع الرئيسية للمطالبة بتحسين الخدمات الأساسية وزيادة ساعات التجهيز بالطاقة، تزامناً مع موجة حر شديدة تضرب البلاد.

تطورت التظاهرات مساء الجمعة إلى مواجهات ميدانية بين المحتجين وقوات الأمن، حيث استخدمت الأخيرة الغاز المسيل للدموع لتفريق الجموع. وأفادت مصادر محلية بأن عشرات المتظاهرين رشقوا القوات الأمنية بالحجارة تعبيراً عن سخطهم من تجاهل السلطات لمطالبهم المتكررة منذ أيام بزيادة ساعات التغذية الكهربائية.

وأسفرت هذه الصدامات التي استمرت حتى ساعات الفجر الأولى من يوم السبت عن إصابة أكثر من 50 عنصراً من الشرطة بجروح وصفت بالطفيفة. وفي المقابل، أكدت مصادر طبية إصابة نحو 30 متظاهراً، مشيرة إلى أن الكثير من المصابين فضلوا عدم مراجعة المستشفيات الحكومية خوفاً من التعرض للاعتقال والملاحقة القانونية.

وشنت الأجهزة الأمنية حملة اعتقالات واسعة في صفوف المشاركين في الاحتجاجات، طالت أكثر من 30 شخصاً بتهمة إثارة الشغب والاعتداء على الممتلكات العامة. وتأتي هذه التطورات في ظل احتقان شعبي متزايد بمحافظة واسط، حيث وصلت درجات الحرارة المسجلة إلى نحو 44 درجة مئوية، وسط توقعات بارتفاعها لمستويات قياسية.

وتعد قضية الكهرباء من أكثر الملفات حساسية في الشارع العراقي، لا سيما خلال فصل الصيف الذي يشهد ارتفاعاً حاداً في درجات الحرارة يقترب من 50 مئوية. ويعاني العراق من بنية تحتية متهالكة في قطاع الطاقة نتيجة عقود من الحروب والفساد الإداري، مما يجعل الاعتماد على المولدات الأهلية المكلفة أمراً واقعاً للمواطنين.

وعلى الرغم من كون العراق ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك وامتلاكه احتياطيات ضخمة من الغاز، إلا أنه لا يزال عاجزاً عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة. وتضطر الحكومة العراقية إلى استيراد الغاز والكهرباء من دول الجوار لسد العجز الحاصل، وهو ما يثير انتقادات واسعة حول جدوى إدارة الموارد الوطنية.

وتعكس هذه الاحتجاجات في مدينة الكوت حالة اليأس التي يعيشها سكان المحافظات العراقية جراء نقص الخدمات الأساسية وتفشي الفساد في مفاصل الدولة. ويحذر مراقبون من أن استمرار أزمة الكهرباء قد يؤدي إلى اتساع رقعة التظاهرات لتشمل محافظات أخرى، في ظل غياب الحلول الجذرية والمستدامة لأزمة الطاقة المزمنة.

عربي ودولي

السّبت 11 يوليو 2026 10:37 مساءً - بتوقيت القدس

مجتبى خامنئي يتوعد بالثأر لوالده: الانتقام سيطال المسؤولين داخل وخارج الحدود

وجه المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي، رسالة تهديد شديدة اللهجة اليوم السبت، توعد فيها بالثأر لمقتل والده المرشد الراحل علي خامنئي، ولضحايا الحربين الأخيرتين اللتين شهدتهما المنطقة. وأكد خامنئي في رسالته أن تنفيذ هذا الوعيد لن يكون مرتبطاً بوجوده الشخصي في السلطة أو وجود أي مسؤول آخر، بل هو التزام وطني وديني سيتحقق في كل الأحوال.

وأوضح المرشد الجديد في رسالة مكتوبة نشرت عبر حساباته الرسمية على منصات التواصل الاجتماعي أن الثأر لسلفه ووالده يمثل مطلباً شعبياً للأمة الإيرانية ولا يمكن التنازل عنه. وشدد على أن دماء القادة والشهداء لن تذهب سدى، وأن طهران تمتلك خيارات واسعة للرد تتجاوز الحدود الجغرافية للدولة الإيرانية عبر مؤيديها في العالم.

تأتي هذه التصريحات تزامناً مع مراسم تشييع جثمان آية الله علي خامنئي، التي أقيمت بعد مرور أشهر على مقتله في غارات جوية نفذتها القوات الإسرائيلية والأمريكية في الثامن والعشرين من فبراير الماضي. وقد أحدثت تلك الغارات هزة كبيرة في الهيكل القيادي الإيراني، مما دفع القيادة الجديدة لتبني خطاب أكثر راديكالية تجاه الخصوم الدوليين.

وتعهد مجتبى خامنئي بملاحقة من وصفهم بـ 'القتلة والمجرمين' المسؤولين عن إراقة دماء والده وشهداء الحرب، مؤكداً أن هويات هؤلاء المسؤولين معروفة بدقة لدى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإيرانية. وأشار إلى أن قائمة المستهدفين تشمل رتباً عسكرية وسياسية متفاوتة، ولن ينجو أي منهم من الملاحقة أو العقاب مهما طال الزمن.

وفي رسالة موجهة للداخل والخارج، قال خامنئي إن تنفيذ التهديد لا يعتمد عليه بصفته الشخصية، بل هو مسار مؤسسي ستسلكه الدولة. وأضاف أن شعوب العالم المحبة للحرية، حسب وصفه، ستشارك في تنفيذ جزء من هذه المهمة التي اعتبرها 'إلهية'، في إشارة إلى إمكانية تحريك أذرع خارجية للقيام بعمليات انتقامية.

من جانب آخر، شهدت الساحة السياسية الإيرانية تصعيداً موازياً في الخطاب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث صرح رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إجئي، بضرورة اتخاذ إجراءات قانونية دولية. وأكد إجئي أن طهران لن تكتفي بالرد العسكري، بل ستطالب بتعويضات مالية وقانونية عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبلاد جراء النزاعين الأخيرين.

النائب الأميركي رو خانا مع أحد سكان بلدة ترمس عيا الفلسطينية قرب رام الله، خلال زيارة قام بها إلى الضفة الغربية

النائب الأميركي رو خانا مع أحد سكان بلدة ترمس عيا الفلسطينية قرب رام الله، خلال زيارة قام بها إلى الضفة الغربية

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يصافح نظيره المصري بدر عبد العاطي في أنقرة

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يصافح نظيره المصري بدر عبد العاطي في أنقرة

سحابة من الدخان فوق بلدة كفر تبنيت جنوب لبنان عقب غارة جوية إسرائيلية

سحابة من الدخان فوق بلدة كفر تبنيت جنوب لبنان عقب غارة جوية إسرائيلية

فلسطيني يحمل جثمان ابنته التي ارتقت متأثرة بإصابتها جراء غارة جوية إسرائيلية على مخيم للنازحين في خان يونس جنوب قطاع غزة

فلسطيني يحمل جثمان ابنته التي ارتقت متأثرة بإصابتها جراء غارة جوية إسرائيلية على مخيم للنازحين في خان يونس جنوب قطاع غزة

وخلال اجتماع مع محامين دوليين، أوضح رئيس القضاء الإيراني أن مجرمي الحرب يجب أن ينالوا جزاءهم وفقاً للقوانين الدولية والشرعية، مشدداً على أن الإفلات من العقاب لم يعد خياراً مطروحاً. وأشار إلى أن الجهات القضائية بدأت بالفعل في توثيق الجرائم المرتكبة لتقديمها أمام المحافل الجنائية العالمية في القريب العاجل.

وكشف إجئي أن النائب العام الإيراني وإدارة الشؤون الدولية يجمعون حالياً أدلة دامغة تدين القيادات في واشنطن وتل أبيب، وتتضمن هذه الأدلة تفاصيل دقيقة حول عملية اغتيال علي خامنئي. كما تشمل الملفات القانونية توثيقاً للهجمات التي استهدفت منشآت مدنية، من بينها مدرسة في منطقة ميناب، والتي سقط فيها ضحايا من المدنيين.

يُذكر أن المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، قد غاب عن الظهور العلني خلال مراسم جنازة والده التي اختتمت يوم الخميس الماضي، وهو ما أثار تساؤلات حول الترتيبات الأمنية المحيطة به. وقد شملت مراسم التشييع محطات عدة في إيران والعراق، حيث شاركت حشود غفيرة في وداع المرشد الراحل وسط أجواء من التوتر السياسي.

وفي سياق متصل، أفادت مصادر مطلعة بأن التحركات الإيرانية الأخيرة تعكس رغبة في إعادة صياغة قواعد الاشتباك مع إسرائيل والولايات المتحدة بعد الضربات الموجعة التي تلقتها طهران. ويرى مراقبون أن خطاب مجتبى خامنئي يهدف إلى توحيد الجبهة الداخلية خلف القيادة الجديدة وضمان ولاء القوات المسلحة والحرس الثوري.

وعلى الصعيد الإقليمي، تترقب العواصم الكبرى تداعيات هذا التهديد، خاصة في ظل استمرار التوتر في ملفات الملاحة البحرية وأمن الطاقة في مضيق هرمز. وتخشى القوى الدولية من أن يؤدي أي رد إيراني مباشر أو عبر وكلاء إلى اندلاع مواجهة شاملة قد لا تحمد عقباها في منطقة تعاني أصلاً من ويلات الحروب المتلاحقة.

ختاماً، يبقى التساؤل حول توقيت وكيفية تنفيذ هذا الثأر قائماً، في ظل الضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تواجهها إيران. ومع ذلك، فإن نبرة التحدي التي ظهرت في رسالة مجتبى خامنئي تشير إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من التصعيد الميداني والدبلوماسي بين طهران وخصومها التقليديين في المنطقة والعالم.

فلسطين

السّبت 11 يوليو 2026 10:37 مساءً - بتوقيت القدس

مستوطنون يحتجزون نائباً أميركياً في الضفة وإصابة فتى برصاص الاحتلال في رام الله

كشف النائب الديمقراطي في الكونغرس الأميركي، رو خانا، عن تفاصيل حادثة خطيرة تعرض لها خلال زيارته الأخيرة إلى الضفة الغربية المحتلة. وأوضح خانا، الذي يمثل ولاية كاليفورنيا أن مجموعة من المستوطنين الإسرائيليين المسلحين ببنادق 'إم-4' أميركية الصنع قاموا باحتجازه ومحاصرة المركبة التي كان يستقلها.

ووقعت الحادثة في منطقة جنوب الضفة الغربية، وتحديداً بالقرب من قرية خربة زنوتة التي تعرض سكانها للتهجير القسري نتيجة اعتداءات المستوطنين المتكررة. وأشار النائب الأميركي إلى أن المستوطنين أغلقوا الطريق أمامهم واستدعوا قوات الجيش الإسرائيلي التي انحازت للمستوطنين بدلاً من حماية الوفد الأميركي.

من جانبه، أكد كاميرون كاسكي، مساعد النائب خانا أن المجموعة ظلت محتجزة لأكثر من ساعة كاملة تحت تهديد السلاح. وأوضح كاسكي أنهم اضطروا للتواصل مع السفارة الأميركية في القدس طلباً للمساعدة العاجلة، ولم يتم إطلاق سراحهم إلا بعد تدخل عناصر من الشرطة الإسرائيلية في وقت لاحق.

وفي سياق متصل، شهدت بلدة المغير شمال شرقي مدينة رام الله تصعيداً ميدانياً جديداً إثر اقتحام نفذه عشرات المستوطنين تحت حماية مشددة من جيش الاحتلال. واستهدف الهجوم منزل المواطن عبد اللطيف أبو عليا، حيث حاول المستوطنون فرض واقع جديد بإدخال مواشيهم إلى محيط المنزل بالقوة.

وأفادت مصادر ميدانية بأن قوات الاحتلال أطلقت الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع والصوت بكثافة تجاه المواطنين الذين حاولوا التصدي للمستوطنين. وأسفرت هذه المواجهات عن إصابة فتى يبلغ من العمر 17 عاماً برصاصة في القدم، جرى نقله على إثرها إلى المستشفى لتلقي العلاج اللازم.

وتسببت قنابل الغاز والصوت التي أطلقها جنود الاحتلال في اندلاع حرائق في الأراضي المحيطة بمنزل عائلة أبو عليا في بلدة المغير. وتأتي هذه الاعتداءات في وقت يعاني فيه سكان البلدة من فقدان مساحات شاسعة من أراضيهم الزراعية وأشجار الزيتون المعمرة لصالح البؤر الاستيطانية المحيطة.

وتشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى تصاعد مخيف في وتيرة اعتداءات المستوطنين، حيث سجلت نحو 3500 اعتداء خلال النصف الأول من العام الجاري. وتشمل هذه الاعتداءات هدم المدارس، واقتلاع الأشجار، والاعتداء الجسدي المباشر على المواطنين الفلسطينيين في مختلف المحافظات.

وفي تقارير إضافية، أصيب ثمانية فلسطينيين بجروح متفاوتة في مناطق متفرقة من الضفة الغربية نتيجة اعتداءات مشتركة بين المستوطنين وقوات الاحتلال. وشملت الإصابات طفلاً في قرية المغير أصيب بقنبلة صوت في الرأس، بالإضافة إلى أربعة مواطنين تعرضوا للضرب المبرح في منطقة مسافر يطا جنوب الخليل.

ولم تقتصر الاعتداءات على الأفراد، بل طالت البنية التحتية والممتلكات، حيث هاجم مستوطنون طواقم بلدية قبلان جنوب نابلس ودمروا مزرعة في منطقة المسعودية. كما سجلت عمليات إتلاف واسعة للمزروعات والأشجار في خربة مسعود القريبة من بلدة يعبد بمحافظة جنين، ضمن سياسة التضييق الاقتصادي على الفلسطينيين.

ويرى النائب رو خانا أن ما شاهده في الضفة الغربية يمثل 'اختباراً أخلاقياً' للحزب الديمقراطي والقيادة الأميركية تجاه قضايا فلسطين وغزة. وأكد خانا أن زيارته التي نسقها فلسطينيون هدفت إلى رؤية الواقع دون تجميل، مشدداً على ضرورة التنديد بنظام الفصل العنصري القائم في الأراضي المحتلة.

وتتزايد الضغوط داخل الكونغرس الأميركي للمطالبة بوقف أو تقييد المساعدات العسكرية المقدمة لإسرائيل، والتي تبلغ قيمتها السنوية 3.8 مليار دولار. ويطالب نواب ديمقراطيون بضمان عدم استخدام هذه الأسلحة، وخاصة الخفيفة منها، في الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون ضد المدنيين الفلسطينيين.

يُذكر أن الأوضاع في الضفة الغربية بلغت مستويات غير مسبوقة من العنف منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث ارتقى 1751 شهيداً وأصيب نحو 13 ألف آخرين. وتتزامن هذه الأرقام مع حملات اعتقال واسعة طالت نحو 24 ألف فلسطيني، في ظل توسع استيطاني يلتهم ما تبقى من أراضي الدولة الفلسطينية المستقبلية.

فلسطين

السّبت 11 يوليو 2026 10:37 مساءً - بتوقيت القدس

صحة غزة: خروج 70% من منظومة الإسعاف عن الخدمة والاحتلال يمنع الصيانة

كشفت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة عن تدهور خطير وغير مسبوق في قدرات النقل الطبي، حيث أكدت أن 70% من مركبات الإسعاف التابعة لها توقفت عن العمل بشكل نهائي. وأرجعت الوزارة هذا الانهيار المتسارع إلى الاستهداف المباشر الذي تعرضت له المركبات خلال العمليات العسكرية، إلى جانب تراكم الأعطال الميكانيكية التي تعذر إصلاحها نتيجة الحصار المفروض.

وأوضحت المصادر الطبية أن الأسطول المتبقي يعاني من حالة تهالك شديدة تجعله غير قادر على الاستجابة للنداءات الإنسانية المتزايدة أو سد الفجوة الكبيرة في احتياجات النقل اليومي. هذا الواقع الميداني جعل من عملية إجلاء المصابين أو تحريك الكوادر الطبية بين المرافق الصحية المختلفة مغامرة محفوفة بالمخاطر، في ظل غياب الحد الأدنى من شروط السلامة الفنية للمركبات.

وفيما يخص الكوادر البشرية، أشارت الوزارة إلى أن الحافلات المخصصة لنقل الأطباء والممرضين باتت تعمل في ظروف ميكانيكية وصفتها بـ 'الكارثية'. حيث توقفت عمليات الصيانة الدورية لهذه الحافلات منذ عدة أشهر، مما يهدد بتوقفها المفاجئ عن العمل وحرمان المستشفيات من وصول طواقمها في الأوقات الحرجة.

وحملت السلطات الصحية الاحتلال المسؤولية الكاملة عن هذا التردي، مشيرة إلى تعمده منع دخول المستلزمات الأساسية للإصلاح بما في ذلك الإطارات والزيوت وقطع الغيار الضرورية. واعتبرت الوزارة أن هذا المنع الممنهج يهدف إلى تضييق الخناق على القطاع الصحي ودفعه نحو حالة من الشلل التام التي ستؤدي حتماً إلى زيادة أعداد الوفيات بين الجرحى.

واختتمت الوزارة بيانها بالتحذير من أن استمرار هذا الوضع سيعطل تماماً وصول الإسعافات للمصابين في مناطق النزاع، ويحرم الطواقم الطبية من أداء مهامها الإنسانية. وناشدت الجهات الدولية بالتدخل الفوري للضغط من أجل إدخال معدات الصيانة اللازمة لإنقاذ ما تبقى من المنظومة الإسعافية قبل فوات الأوان.

تكنولوجيا

السّبت 11 يوليو 2026 10:37 مساءً - بتوقيت القدس

ميتا ترضخ لضغوط الخصوصية وتوقف أداة توليد الصور بالذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة ميتا، العملاق التكنولوجي المالك لمنصتي فيسبوك وإنستغرام، عن قرار مفاجئ بإيقاف أداة ذكاء اصطناعي متطورة كانت قد أطلقتها قبل أيام قليلة فقط. وجاءت هذه الخطوة عقب موجة عارمة من الانتقادات التي استهدفت سياسات الخصوصية المتبعة في الأداة الجديدة، خاصة فيما يتعلق باستخدام المحتوى الشخصي للمستخدمين دون إذن صريح.

وكانت الشركة قد كشفت الثلاثاء الماضي عن نموذج 'ميوز إيمدج'، وهو الابتكار الأول من نوعه الصادر عن مختبرات ميتا سوبر إنتليجنس لتوليد الصور. وتتيح هذه التقنية المدمجة في روبوت الدردشة الخاص بالشركة للمستخدمين إنشاء وتعديل الصور مباشرة عبر الرسم، معتمدة في مدخلاتها على الصور المتاحة في الحسابات المفتوحة للجمهور.

وأوضحت ميتا في بيان رسمي أن هدفها الأساسي كان توفير وسيلة إبداعية تمنح الناس القدرة على التحكم في محتواهم بطرق مبتكرة. ومع ذلك، أقرت الشركة بأن الأداة لم تلبِ التوقعات المطلوبة بناءً على التغذية الراجعة التي وصلت إليها من المستخدمين والخبراء، مما استدعى سحبها من الخدمة بشكل فوري.

وقد قادت الممثلة هانا أينبايندر، الحائزة على جائزة إيمي، حملة انتقادات واسعة ضد الميزة الجديدة عبر حسابها على إنستغرام. وأعربت أينبايندر عن استيائها من تفعيل الميزة تلقائياً دون استشارة المستخدمين، داعية متابعيها إلى ضرورة الدخول لإعدادات الحساب وإيقاف تشغيلها يدوياً لحماية خصوصيتهم الرقمية.

من جهتها، دخلت نقابة ممثلي الشاشة والاتحاد الأمريكي لفناني الراديو والتلفزيون (ساج أفترا) على خط الأزمة، حيث وصفت تفعيل الأداة بشكل تلقائي بأنه 'خطأ فادح'. وأكدت النقابة في بيان لها أن أي استخدام لصور الممثلين أو المستخدمين العاديين يجب أن يتم عبر اشتراك واضح وبارز، محذرة من الأضرار الكامنة في مثل هذه الممارسات.

وعقب صدور قرار الإيقاف، رحبت النقابة بهذه الخطوة واصفة إياها بالتصرف المسؤول من قبل إدارة ميتا. وأشار متحدث باسم النقابة إلى أن مخاطر النسخ الرقمي غير التوافقي أصبحت معروفة للجميع، وأن وجود أدوات تشجع على هذا السلوك يعد أمراً غير حكيم في ظل التطورات التقنية المتسارعة.

ويعكس هذا التراجع السريع من قبل ميتا حجم الضغوط المتزايدة التي تواجهها شركات التكنولوجيا الكبرى في وادي السيليكون. حيث بات المستخدمون والجهات التنظيمية يطالبون بسيادة كاملة على المحتوى الرقمي، ورفض استخدام البيانات الشخصية في تدريب أو تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي دون موافقة مسبقة وواضحة.

عربي ودولي

السّبت 11 يوليو 2026 10:37 مساءً - بتوقيت القدس

قبيل زيارة الزيدي لواشنطن: فصائل عراقية مسلحة تتمسك بسلاحها وترفض المساومة

أعلنت مجموعة من الفصائل العراقية المسلحة المنضوية تحت لواء 'المقاومة الإسلامية' عن تمسكها الكامل بترسانتها العسكرية، رافضة أي محاولات للمساومة على سلاحها في المرحلة المقبلة. ويأتي هذا الموقف التصعيدي في توقيت حساس، حيث يستعد رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي للتوجه إلى العاصمة الأمريكية واشنطن في زيارة رسمية، يُتوقع أن يتصدر ملف حصر السلاح بيد الدولة جدول أعمالها الرئيسي مع الإدارة الأمريكية.

وأكدت الفصائل في بيان رسمي صدر عنها أنها مستمرة في تنفيذ عملياتها الميدانية، إلى جانب مواصلة برامج التدريب المكثفة وتطوير القدرات القتالية لمقاتليها بشكل دوري. وأشارت مصادر مطلعة إلى أن هذا الموقف يعكس هوة واسعة بين تطلعات الحكومة العراقية في فرض هيبة القانون وبين رؤية الفصائل التي ترى في سلاحها ضمانة استراتيجية لا يمكن التخلي عنها تحت أي ضغوط سياسية أو دولية.

وتشمل قائمة القوى الرافضة لتسليم السلاح فصائل ذات ثقل عسكري وسياسي كبير، أبرزها كتائب حزب الله وحركة النجباء، بالإضافة إلى كتائب سيد الشهداء وأنصار الله الأوفياء. وتمتلك هذه المجموعات حضوراً مؤثراً في المشهد الأمني العراقي، كما ارتبطت أسماؤها بملفات إقليمية شائكة وتوترات حدودية، مما يجعل من عملية إقناعها بالتخلي عن السلاح تحدياً جسيماً أمام السلطة التنفيذية في بغداد.

من جانبها، تسعى الحكومة العراقية للالتزام بالجدول الزمني الذي وضعته لإنهاء مهام قوات التحالف الدولي في البلاد، والمقرر في الثلاثين من سبتمبر المقبل. وتهدف الخطة الحكومية إلى أن يتزامن هذا الانسحاب مع استكمال كافة الإجراءات القانونية والميدانية لحصر السلاح بيد المؤسسات العسكرية الرسمية فقط، وهو المسار الذي تعتبره الحكومة ركيزة أساسية لاستقرار الدولة وسيادتها الكاملة.

وفي سياق متصل، شدد رئيس الوزراء علي الزيدي في تصريحات أدلى بها مؤخراً على أن حكومته لن تتهاون مع وجود أي مظاهر مسلحة خارج إطار القانون والمؤسسات الشرعية. وأوضح الزيدي أن البرنامج الحكومي يضع مكافحة الفساد وبناء دولة المؤسسات في مقدمة الأولويات، مؤكداً أن العدالة والمساواة لا يمكن تحقيقهما في ظل وجود قوى مسلحة موازية للدولة.

وعلى الصعيد الإجرائي، كانت السلطات العراقية قد أعلنت في مطلع يونيو الماضي عن تشكيل لجنة عليا متخصصة بحصر السلاح، برئاسة الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة. وقد بدأت هذه اللجنة بالفعل في تنفيذ مهامها الميدانية والإدارية، في محاولة لترجمة الوعود الحكومية إلى واقع ملموس، رغم العقبات الكبيرة التي تفرضها المواقف المتصلبة للفصائل المسلحة.

ويرى مراقبون أن زيارة الزيدي المرتقبة إلى واشنطن ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على المناورة بين الضغوط الدولية المطالبة بنزع السلاح وبين الواقع الداخلي المعقد. فبينما تحاول بغداد طمأنة المجتمع الدولي بقدرتها على ضبط الأمن، تواصل الفصائل إرسال رسائل القوة التي تؤكد فيها أنها لن تكون جزءاً من أي اتفاق يقضي بتجريدها من إمكانياتها العسكرية التي تراها ضرورية لمواجهة التهديدات.

فلسطين

السّبت 11 يوليو 2026 5:25 مساءً - بتوقيت القدس

صحة غزة: ارتقاء 7 شهداء وارتفاع الحصيلة الإجمالية للعدوان إلى 73,221 شهيداً

أفادت مصادر طبية في قطاع غزة بارتقاء سبعة شهداء وإصابة ثمانية وعشرين آخرين خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، جراء تواصل الاعتداءات الإسرائيلية في مناطق متفرقة من القطاع. وأكدت المصادر أن طواقم الدفاع المدني والإسعاف تواجه تحديات جسيمة تمنعها من الوصول إلى المفقودين تحت أنقاض المنازل المدمرة وفي الطرقات الوعرة، مما ينذر بوجود ضحايا إضافيين لم يتم إدراجهم في الكشوفات الرسمية حتى اللحظة.

وفي سياق متصل، كشفت وزارة الصحة عن ارتفاع حصيلة الضحايا منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في الحادي عشر من أكتوبر الماضي، حيث بلغت أعداد الشهداء 1,098 شخصاً، فيما أصيب 3,535 آخرون. وأوضحت التقارير أن هذه الأرقام تأتي في ظل خروقات ميدانية مستمرة تشمل عمليات قصف ونسف للمربعات السكنية، حيث تمكنت الفرق المختصة من انتشال 800 حالة فقط منذ بدء سريان هذه التهدئة التي توصف بالهشة.

وعلى صعيد الإحصائيات الشاملة منذ اندلاع العدوان في السابع من أكتوبر 2023، وثقت السجلات الطبية ارتفاع الإجمالي التراكمي للشهداء ليصل إلى 73,221 شهيداً، بينما قفز عدد الجرحى والمصابين إلى 173,643 شخصاً. وأشارت الوزارة إلى أن هذه البيانات تعكس حجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها سكان القطاع في ظل استهداف المنظومة الصحية وعرقلة جهود الإنقاذ والتوثيق الميداني.

كما أعلنت فرق التوثيق عن إضافة 96 شهيداً جديداً إلى القوائم الرسمية بعد استكمال كافة بياناتهم واعتمادهم من قبل لجان الاختصاص منذ مطلع شهر يونيو الماضي. وحذرت الجهات الصحية من الشلل شبه الكامل الذي يضرب منظومة الإسعاف، وهو ما يعيق بشكل مباشر عمليات رصد الأعداد الحقيقية للضحايا الذين لا يزالون عالقين تحت الركام في مناطق التوغل والاشتباكات.

تحليل

السّبت 11 يوليو 2026 5:16 مساءً - بتوقيت القدس

مستوطنون مسلحون يحتجزون وفداً من الكونغرس في الضفة الغربية لمدة 90 دقيقة

رسالة واشنطن


واشنطن – سعيد عريقات – 11/7/2026

كشف النائب الديمقراطي في مجلس النواب الأميركي رو خانا أن مستوطنين إسرائيليين مسلحين احتجزوا وفداً أميركياً كان يزور جنوب الضفة الغربية المحتلة لمدة تقارب تسعين دقيقة، في حادثة وصفها بأنها تجسد بصورة مباشرة واقع الاحتلال والعنف الذي يتعرض له الفلسطينيون يومياً.

ووفقاً لما قاله خانا في تغريدة على موقع "إكس X، قإن مجموعة من المستوطنين المسلحين ببنادق من طراز M4 أميركية الصنع اعترضت طريق الوفد أثناء زيارته قرية خربة زنوتا الفلسطينية جنوب الخليل، ومنعت الحافلة التي تقل أعضاء الوفد من مغادرة المنطقة، قبل أن تصل قوات من الجيش والشرطة الإسرائيليين وتتدخل لإنهاء الحادثة.

وكان النائب الأميركي، الذي يمثل دائرة وادي السيليكون في ولاية كاليفورنيا ويُنظر إليه بوصفه أحد الوجوه الديمقراطية التي قد تنافس على الانتخابات الرئاسية عام 2028، يزور أنقاض قرية خربة زنوتا، وهي تجمع بدوي فلسطيني صغير اضطر سكانه إلى مغادرته بعد تصاعد هجمات المستوطنين، قبل أن تتعرض منازله للهدم.

ويروي خانا لوكالة "رويترز" أن سيارة تقل عدداً من المستوطنين المسلحين وصلت بشكل مفاجئ وأغلقت الطريق الضيق المؤدي إلى خارج القرية، قبل أن ينضم إليهم مستوطنون آخرون في مركبة ثانية. وبدأ أفراد المجموعة بتوجيه الشتائم إلى أعضاء الوفد باللغتين العبرية والعربية، كما عمدوا إلى ركل إطارات الحافلة ومحاصرتها، في مشهد وثقته صور ومقاطع فيديو التقطها أعضاء الوفد، إضافة إلى مصور صحفي كان يرافق الزيارة في مركبة أخرى.

وقال خانا إنه عندما وصلت مركبتان عسكريتان إسرائيليتان، اعتقد في البداية أن الجنود حضروا لتأمين مرور الوفد وإنهاء الاحتجاز، إلا أنه فوجئ، بحسب روايته، بأن الجنود وقفوا يتحدثون مع المستوطنين ويدخنون السجائر معهم، قبل أن يقوموا لاحقاً، وبعد مغادرة المستوطنين، بإغلاق الطريق مرة أخرى بواسطة إحدى المركبات العسكرية.

وأضاف أن الوفد لم يتمكن من مواصلة طريقه إلا بعد اتصالات أجريت مع السفارة الأميركية في القدس والشرطة الإسرائيلية، مشيراً إلى أن مساعده كاميرون كاسكي طلب تدخلاً عاجلاً من السفارة أثناء استمرار عملية الاحتجاز.

وقال خانا: "شعرت بالعجز الكامل في تلك اللحظة، رغم ما أتمتع به من امتيازات كنائب في الكونغرس الأميركي. وإذا كان بإمكان المستوطنين جعل عضو في الكونغرس يشعر بالعجز طوال تسعين دقيقة، فتخيلوا ما يعيشه الفلسطينيون تحت الاحتلال كل يوم".

وأكد أن هذه الحادثة كانت أكثر اللحظات إثارة للخوف خلال زيارته التي استمرت ثلاثة أيام للضفة الغربية، مضيفاً أنه أصبح يشعر بمسؤولية أكبر لنقل معاناة الفلسطينيين إلى الرأي العام الأميركي.

وقال: "أعتقد أن لدي مسؤولية خاصة في الحديث عن الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون، وسأجوب مختلف أنحاء الولايات المتحدة، سواء قررت الترشح للرئاسة أم لا، لأروي ما شاهدته بنفسي في الضفة الغربية، ولأنقل قصة الفلسطينيين كما هي".

من جانبها، قالت قوات أمن الاحتلال الإسرائيلي إنها تلقت بلاغات عن قيام مدنيين بإغلاق أحد الطرق، وإن عناصر الشرطة والجيش تدخلوا لتفريقهم وإعادة فتح الطريق، بما سمح للوفد الأميركي باستكمال زيارته.

وتكشف هذه الحادثة عن اتساع ظاهرة عنف المستوطنين في الضفة الغربية إلى مستوى لم يعد يقتصر على الفلسطينيين وحدهم، بل بات يطال أيضاً مسؤولين أجانب يتمتعون بحصانة سياسية ودبلوماسية. فاحتجاز عضو في الكونغرس الأميركي لمدة ساعة ونصف تقريباً يمثل سابقة سياسية لافتة، ويثير تساؤلات حول مدى قدرة السلطات الإسرائيلية على فرض القانون على المستوطنين، أو مدى استعدادها للقيام بذلك. كما يمنح المنتقدين داخل الولايات المتحدة دليلاً جديداً على أن الانفلات في الضفة الغربية أصبح قضية يصعب تجاهلها حتى من قبل أبرز حلفاء إسرائيل.

ويحمل الحادث بعداً سياسياً داخلياً في الولايات المتحدة، إذ يأتي في وقت تتزايد فيه الانقسامات داخل الحزب الديمقراطي بشأن الدعم غير المشروط لإسرائيل. فقد أصبح عدد متزايد من أعضاء الكونغرس يدعو إلى مراجعة السياسة الأميركية تجاه الاحتلال والاستيطان، وربط المساعدات العسكرية باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان. ومن شأن تجربة شخصية عاشها نائب بارز مثل رو خانا أن تضفي مصداقية أكبر على الأصوات المطالبة بإعادة تقييم طبيعة العلاقة الأميركية الإسرائيلية، خصوصاً أن شهادته تستند إلى تجربة ميدانية مباشرة لا إلى تقارير أو روايات منقولة.

كما تثير الواقعة أسئلة أوسع حول انعكاسات استمرار الاستيطان على صورة إسرائيل الدولية وعلاقاتها مع حلفائها الغربيين. فكلما ازدادت حوادث عنف المستوطنين، وتكررت الاتهامات بعجز السلطات عن ردعهم، ازدادت الضغوط السياسية والقانونية والدبلوماسية على الحكومة الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، تمنح مثل هذه الوقائع زخماً أكبر للجهود الدولية المطالبة بحماية المدنيين الفلسطينيين، وقد تؤدي إلى تنامي الدعوات داخل الولايات المتحدة وأوروبا لمراجعة آليات استخدام المساعدات العسكرية، وضمان عدم توظيفها بصورة تتعارض مع الالتزامات القانونية والإنسانية التي تعلنها الدول المانحة.

فلسطين

السّبت 11 يوليو 2026 5:00 مساءً - بتوقيت القدس

نائبة إسبانية تندد بـ'ازدواجية معايير' أوروبا تجاه غزة من داخل البرلمان الأوروبي

شهدت أروقة البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية واقعة لافتة، حيث اعتلت النائبة الإسبانية لورا بالارين المنصة وهي تحمل طفلها الرضيع. جاءت هذه الخطوة الرمزية خلال جلسة عامة خصصت لمناقشة التزامات الاتحاد الأوروبي تجاه إعادة إعمار قطاع غزة، وبحث المسؤوليات القانونية الملقاة على عاتق إسرائيل بموجب القانون الدولي.

ووجهت بالارين، العضو في حزب العمال الاشتراكي الإسباني، انتقادات لاذعة للسياسة الأوروبية الحالية، متهمة القارة بممارسة 'ازدواجية المعايير'. وأشارت إلى أن الاتحاد يستميت في المطالبة بتطبيق القانون الدولي في الأزمة الأوكرانية، بينما يغض الطرف عن الانتهاكات الصارخة التي ترتكب في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي خطاب عاطفي ومؤثر، أوضحت النائبة أنها أرادت من خلال اصطحاب طفلها إيصال رسالة للأجيال القادمة، مؤكدة رغبتها في إخبار ابنها مستقبلاً بأنها لم تقف صامتة تجاه ما وصفتها بـ'الإبادة الجماعية'. وشددت على أن كرامة أوروبا ومصداقيتها باتت على المحك بسبب هذا التخاذل في حماية المدنيين في غزة.

ووصفت بالارين التحول المأساوي في القطاع، معتبرة أن غزة التي كانت تُعرف بكونها 'سجناً مفتوحاً' قد تحولت بفعل الحرب المستمرة إلى 'مقبرة مفتوحة'. وطالبت بضرورة التحرك الفوري لفرض وقف إطلاق النار، وإنهاء الاحتلال الذي طال أمده، محذرة من أن الصمت الأوروبي يعني فقدان القارة لروحها وقيمها الإنسانية.

كما دعت النائبة الإسبانية، التي تمثل كتلة التحالف التقدمي للاشتراكيين والديمقراطيين، إلى اتخاذ إجراءات عقابية ملموسة، من بينها تعليق اتفاقية الشراكة القائمة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. واعتبرت أن استمرار العلاقات التجارية والدبلوماسية بشكل طبيعي في ظل هذه الظروف يعد مشاركة في تقويض العدالة الدولية.

وعلى الرغم من قوة المداخلة وتفاعل الحضور، إلا أن الجلسة كشفت عن انقسام حاد في الرؤى بين النواب الأوروبيين، حيث دافعت أطراف أخرى عن استمرار النهج الحالي للاتحاد. وانتهت المداولات دون التوصل إلى قرارات ملزمة، مما يعكس الصعوبة التي يواجهها البرلمان في صياغة موقف موحد تجاه الصراع الدائر.

عربي ودولي

السّبت 11 يوليو 2026 5:00 مساءً - بتوقيت القدس

شبهات تزوير وغسل أموال تلاحق مشروع كوشنر السياحي في ألبانيا

كشفت وثائق قضائية حديثة عن أزمة قانونية تلاحق مشروع المنتجع السياحي الفاخر الذي يشارك فيه جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي السابق، في ألبانيا. وتتمحور الشبهات حول رجل الأعمال الألباني أرتور شيهو، المقيم في مدينة ميامي الأمريكية، والذي يُشتبه في استخدامه وثائق ملكية مزورة لأرض بيعت لاحقًا للشركة المطورة للمشروع.

وتسعى السلطات الألبانية حاليًا لتوقيف شيهو بتهم تتعلق بضلوعه في عمليات غسل أموال واسعة النطاق مرتبطة بعائدات تجارة المخدرات الدولية. وتأتي هذه الملاحقة في إطار تحقيق موسع يتناول شبكة إجرامية يُعتقد أنها قامت بتهريب الكوكايين من أمريكا الجنوبية إلى الموانئ الأوروبية، ثم استثمرت تلك الأموال في مشاريع عقارية كبرى داخل ألبانيا.

وأوضحت النيابة العامة الألبانية أن هناك مؤشرات قوية على أن أصولاً عقارية على الساحل الألباني تم الاستحواذ عليها بطرق غير قانونية عبر التزوير. ومن بين هذه الأصول، الأرض التي انتقلت ملكيتها في شهر أبريل الماضي إلى شركة 'ألبانيا لاند ديفيلوبمنت'، وهي الذراع التنفيذية لشركة 'سازان ريل ستيت ديفيلوبمنت' التي يقودها كوشنر ومجموعة من المستثمرين.

من جانبه، نفى كوجتيم تشاكراني، محامي رجل الأعمال أرتور شيهو، كافة الاتهامات الموجهة لموكله جملة وتفصيلاً، معتبراً أن الوقائع التي تستند إليها النيابة لا تعكس الحقيقة. ورغم إقراره بصدور مذكرة توقيف بحق شيهو، إلا أنه شدد على عدم تورط موكله في أي نشاط يتعلق بتهريب المخدرات أو تزوير المحررات الرسمية.

وفي واشنطن، التزمت وزارة العدل الأمريكية الصمت حيال القضية، حيث امتنع متحدث باسمها عن التعليق على ما إذا كانت الوزارة قد تلقت طلباً رسمياً من تيرانا لتحديد مكان شيهو أو تسليمه. ويثير هذا الصمت تساؤلات حول مسار التعاون القضائي بين البلدين في قضية تمس مصالح استثمارية لشخصية مقربة من الدوائر السياسية الأمريكية.

وعلى صعيد الشركات المطورة، أكدت شركة 'سازان ريل ستيت ديفيلوبمنت' إيمانها بأن عملية شراء الأرض تمت وفق الإجراءات القانونية السليمة وبحسن نية. وفي الوقت الذي رفض فيه متحدث باسم جاريد كوشنر التعليق على تقارير مصادر صحفية، لم تصدر شركة 'ألبانيا لاند ديفيلوبمنت' أي تعقيب رسمي حول الشبهات التي تحيط بالبائع.

وأشارت تقارير إعلامية دولية إلى أن ملف التحقيق الحالي لا يتضمن أي اتهامات مباشرة ضد كوشنر أو شركائه أو الشركات المنفذة للمشروع. كما لم تظهر أي أدلة تثبت علم المستثمرين بالشبهات الجنائية التي تحيط بشيهو وقت إتمام الصفقة، مما يضع المشروع في منطقة رمادية قانونياً بانتظار نتائج التحقيقات النهائية.

وتتزامن هذه التطورات القضائية مع تصاعد الغضب الشعبي في ألبانيا، حيث انطلقت احتجاجات واسعة منذ نهاية مايو الماضي تحت شعار 'ألبانيا ليست للبيع'. ويعارض المحتجون المشروع الذي يمتد على جزيرة سازان ومنطقة فيوسا نارتا الساحلية، وقد تطورت هذه الاحتجاجات في عدة مناسبات إلى مواجهات مباشرة مع قوات الأمن.

عربي ودولي

السّبت 11 يوليو 2026 4:59 مساءً - بتوقيت القدس

عراقجي في مسقط لبحث أمن الملاحة وسط اتهامات لواشنطن بخرق التفاهمات

وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى العاصمة العُمانية مسقط اليوم السبت، في زيارة دبلوماسية تأتي وسط أجواء من التوتر المتصاعد في المنطقة. وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة لكونها تتبع مواجهات عسكرية محدودة وقعت قبل يومين بين القوات الأمريكية والإيرانية، والتي تم احتواؤها بجهود وساطة إقليمية مكثفة.

وأفادت مصادر مطلعة بأن طهران لا تزال متمسكة بموقفها المعلن بشأن عدم وجود أي مواعيد محددة لإجراء مفاوضات مباشرة مع الإدارة الأمريكية في الوقت الراهن. وتهدف الزيارة بشكل أساسي إلى التنسيق مع الجانب العماني، الذي يلعب دوراً محورياً كقناة اتصال رئيسية بين طهران وواشنطن منذ سنوات طويلة.

وتركزت المباحثات الرسمية في مسقط على البنود الفنية لمذكرة التفاهم المشتركة، وتحديداً المادة الخامسة التي تنظم آليات المرور الآمن للسفن في مضيق هرمز الاستراتيجي. وتسعى إيران من خلال هذه اللقاءات إلى تفعيل اللجنة المشتركة مع سلطنة عمان للتشاور حول الإدارة المستقبلية للممر الملاحي الدولي وضمان استقراره.

وفي سياق متصل، وجه وزير الخارجية الإيراني انتقادات حادة للولايات المتحدة، متهماً إياها بخرق المادة التاسعة من الاتفاقيات القائمة عبر الاستمرار في سياسة العقوبات. وأوضح عراقجي أن استهداف الشخصيات والكيانات الإيرانية بإجراءات عقابية جديدة يقوض أسس التفاهمات التي تم التوصل إليها برعاية دولية وإقليمية.

وتشير التقارير الواردة من طهران إلى وجود هواجس إيرانية من ضغوط تمارسها واشنطن على المنظمة الدولية للملاحة وعلى السلطات العمانية لابتكار مسارات بحرية بديلة. وترى الخارجية الإيرانية أن هذه المحاولات تخرج عن إطار المذكرة الموقعة، وتهدف إلى تغيير الواقع الملاحي في المنطقة دون توافق مسبق.

وتمتد الخلافات بين الطرفين لتشمل ملفات إقليمية واقتصادية أخرى، حيث تتهم إيران الجانب الأمريكي بالتنصل من التزاماته المتعلقة بالوضع في لبنان. كما تشكل قضية إعفاءات مبيعات النفط الإيراني نقطة تصادم رئيسية، حيث ترى طهران أن واشنطن تراجعت عن تفاهمات ضمنية كانت تضمن تدفق الصادرات النفطية.

من جانبه، دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على خط الأزمة عبر تصريحات أدلى بها على منصته 'تروث سوشال'، مشيراً إلى رغبة طهران في مواصلة الحوار. ومع ذلك، شدد ترمب على أن زمن 'وقف إطلاق النار' قد ولى، مما يشير إلى توجه أمريكي نحو تشديد الضغوط في المرحلة المقبلة رغم استمرار القنوات الدبلوماسية في مسقط.

فلسطين

السّبت 11 يوليو 2026 4:59 مساءً - بتوقيت القدس

وفد عسكري أميركي في بيروت لترتيب انسحاب إسرائيلي 'تجريبي' من جنوب لبنان

يدخل ملف الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان منعطفاً جديداً مع إعلان استعداد وفد أمني وعسكري أميركي لزيارة العاصمة بيروت خلال الأسبوع المقبل. وتأتي هذه الخطوة لاستكمال الترتيبات الفنية واللوجستية المتعلقة بانسحاب تجريبي لقوات الاحتلال من منطقتين حدوديتين، وذلك في سياق تنفيذ بنود الاتفاق الأمني المبرم بين الأطراف المعنية.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الوفد المرتقب يتبع للقيادة الوسطى الأميركية، حيث سيتولى مهمة الإشراف المباشر على المرحلة الأولى من تنفيذ الاتفاق. وتتضمن هذه المرحلة انسحاباً أولياً من أطراف المناطق التي توغلت فيها القوات الإسرائيلية خلال العمليات البرية الأخيرة، لضمان انتقال تدريجي للمسؤوليات الأمنية.

وتشير التقديرات الميدانية إلى أن عملية الإخلاء ستشمل بشكل رئيسي بلدتي زوطر الشرقية وزوطر الغربية، فيما تداولت النقاشات اسم بلدة فرون كخيار إضافي. ورغم هذه التسريبات، تشير تقارير ميدانية إلى أن قوات الاحتلال لا تتمركز بشكل فعلي داخل بلدة فرون، مما يجعل التركيز منصباً على القرى الحدودية المتاخمة.

من جانبها، ذكرت وسائل إعلام عبرية أن الجدول الزمني المتوقع لتنفيذ هذا الانسحاب قد يمتد خلال الأسبوعين القادمين، عقب انتهاء جولة الوفد الأميركي في لبنان. ومع ذلك، لا يزال الجانب اللبناني يطالب بجدول زمني رسمي وواضح يترجم التعهدات الشفهية إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع بعيداً عن التسويف.

وتضع إسرائيل شروطاً لتنفيذ هذه الخطوة، من أبرزها الحصول على ضوء أخضر نهائي من القيادة الوسطى الأميركية والتأكد من قدرة الجيش اللبناني على الانتشار الفوري. وترفض تل أبيب فكرة الانسحاب التدريجي غير المنسق، مشددة على ضرورة تسلم الجيش اللبناني للمواقع فور خروج قواتها لضمان عدم عودة المظاهر المسلحة.

وفي سياق الضغوط الدبلوماسية، نقلت مصادر إعلامية أن الإدارة الأميركية وجهت طلباً صريحاً للجانب الإسرائيلي بضرورة وقف العمليات العسكرية التي وصفتها بـ 'غير الاعتيادية'. وتهدف واشنطن من هذا الطلب إلى منع أي تصعيد ميداني قد يقوض مسار التفاهمات الجارية مع بيروت أو يؤثر سلباً على القنوات الدبلوماسية المفتوحة.

وعلى الرغم من هذه الطلبات الأميركية، إلا أن الواقع الميداني لا يزال يشهد توترات مستمرة، حيث تواصل قوات الاحتلال عمليات تفجير ونسف المباني في المناطق الخاضعة لسيطرتها. كما استمرت الغارات الجوية والاستهدافات في مناطق خارج نطاق التوغل البري، وكان آخرها هجوم استهدف مركبة مدنية في بلدة كفررمان.

وفي بيروت، تسود حالة من الحذر تجاه الطروحات الإسرائيلية، حيث يشدد المسؤولون اللبنانيون على ضرورة التعامل مع المناطق الحدودية كوحدة جغرافية متكاملة. ويرفض لبنان الصيغ الجزئية للانسحاب، مطالباً بأن تشمل الخطوة كامل منطقة زوطر الشرقية والغربية لضمان سيادة فعلية للدولة اللبنانية على أراضيها.

ويرى مراقبون أن إسرائيل تحاول تحويل هذه المرحلة إلى 'اختبار' لمدى جدية الدولة اللبنانية في بسط سلطتها وسحب السلاح من منطقة جنوب الليطاني. وتستخدم تل أبيب هذه الذرائع كأوراق ضغط سياسية أمام المجتمع الدولي، مدعية أن الالتزامات الأمنية السابقة لم تنفذ بشكل كامل، وهو ما يضع عبئاً إضافياً على الوساطة الأميركية.

تحليل

السّبت 11 يوليو 2026 11:17 صباحًا - بتوقيت القدس

الجنوب اللبناني بين التصعيد الإسرائيلي وضغوط التسوية: لبنان أمام مفترق طرق حاسم

رسالة واشنطن


واشنطن – سعيد عريقات-11/7/2026

تحليل إخباري

يدخل الجنوب اللبناني مرحلة جديدة من التوتر، في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية واتساع الضغوط الدبلوماسية الأميركية الرامية إلى فرض ترتيبات أمنية جديدة على طول الحدود، بينما يجد لبنان نفسه أمام معادلة معقدة تجمع بين الحفاظ على سيادته، وتنفيذ التزاماته الدولية، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة.

وشهدت الأيام الأخيرة تصعيدًا ميدانيًا تمثل في سلسلة غارات إسرائيلية استهدفت بلدات في الجنوب اللبناني، بذريعة استهداف مواقع وعناصر تابعة لحزب الله. وأسفرت الغارات عن سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار بالممتلكات والبنية التحتية، في وقت تؤكد فيه إسرائيل أنها ستواصل عملياتها العسكرية ما دامت تعتبر أن التهديدات على حدودها الشمالية قائمة.

في المقابل، كثف الجيش اللبناني انتشاره في عدد من المناطق الجنوبية بالتنسيق مع قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، في محاولة لإثبات قدرة الدولة على بسط سلطتها جنوب نهر الليطاني، وهو مطلب يحظى بدعم دولي واسع، لكنه يواجه تحديات سياسية وأمنية معقدة على الأرض.

وتزامنت التطورات العسكرية مع حراك سياسي داخلي وخارجي، حيث أجرى الرئيس اللبناني جوزيف عون سلسلة اجتماعات مع القيادات الأمنية والعسكرية لمتابعة التطورات، فيما تواصل واشنطن اتصالاتها مع المسؤولين اللبنانيين والإسرائيليين في محاولة لمنع تدهور الأوضاع، والدفع نحو ترتيبات أمنية أكثر استقرارًا.

إلا أن هذه الجهود لا تزال تصطدم بعقدة أساسية تتمثل في إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بحرية تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، مقابل تمسك لبنان بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي التي لا تزال تحتلها، ووقف انتهاكاتها اليومية للسيادة اللبنانية.

الضغوط الأميركية

تبدو الولايات المتحدة اليوم اللاعب الخارجي الأكثر تأثيرًا في الملف اللبناني. فواشنطن لا تكتفي بالوساطة بين بيروت وتل أبيب، بل تسعى أيضًا إلى إعادة صياغة الواقع الأمني في الجنوب بما يتجاوز مجرد تثبيت وقف إطلاق النار، ليشمل ترتيبات طويلة الأمد تتعلق بانتشار الجيش اللبناني، وتعزيز دور اليونيفيل، والحد من النشاط العسكري لحزب الله في المناطق الحدودية.

ويرى مراقبون أن الإدارة الأميركية تعتبر نجاح هذه الترتيبات جزءًا من مشروع أوسع لإعادة رسم التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط بعد الحرب الأخيرة، وربط الساحة اللبنانية بمنظومة أمنية إقليمية جديدة تشمل عددًا من الدول العربية.

غير أن هذا الطرح يواجه اعتراضات داخلية واسعة، إذ تخشى قوى سياسية لبنانية أن تتحول الضغوط الدولية إلى وسيلة لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة من دون معالجة جذور الأزمة، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية، والانتهاكات الجوية والبرية المتكررة.

معضلة حزب الله

يبقى مستقبل حزب الله القضية الأكثر حساسية في أي نقاش يتعلق بجنوب لبنان. فإسرائيل تعتبر أن أي اتفاق لا يؤدي إلى إبعاد الحزب عن الحدود وتجريده من قدراته العسكرية سيبقى اتفاقًا ناقصًا، بينما يرفض الحزب أي ترتيبات تمس دوره العسكري ما دام الاحتلال الإسرائيلي قائمًا.

أما الدولة اللبنانية، فتحاول التوفيق بين التزاماتها الدولية وبين الواقع الداخلي المعقد، إدراكًا منها أن أي محاولة لفرض حلول بالقوة قد تؤدي إلى انقسامات داخلية خطيرة، في وقت يعاني فيه لبنان أصلًا من أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة.

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول يتمثل في نجاح الوساطة الأميركية في تثبيت تفاهمات أمنية محدودة، تسمح باستمرار انتشار الجيش اللبناني وتخفيف حدة الضربات الإسرائيلية، من دون التوصل إلى اتفاق سياسي شامل.

أما السيناريو الثاني، فهو استمرار الوضع الحالي، حيث تتواصل الغارات الإسرائيلية والردود المحدودة، بما يبقي الجنوب في حالة توتر مزمن تستنزف جميع الأطراف.

ويبقى السيناريو الثالث، وهو الأخطر، احتمال انهيار الجهود الدبلوماسية بالكامل نتيجة حادث ميداني كبير أو خطأ في الحسابات، بما قد يؤدي إلى اندلاع مواجهة واسعة ستكون تداعياتها كارثية على لبنان والمنطقة بأسرها.

وتكشف التطورات الأخيرة أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع الجنوب اللبناني باعتباره جبهة لاحتواء التهديدات فحسب، بل باعتباره مساحة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك بما يمنحها هامشًا أوسع للعمل العسكري داخل لبنان. ويثير هذا التوجه مخاوف من تكريس واقع تصبح فيه الضربات الإسرائيلية أمرًا اعتياديًا، بما يضعف فعليًا مفهوم السيادة اللبنانية، ويخلق حالة من عدم الاستقرار الدائم، حتى في غياب حرب شاملة.

في المقابل، تدرك واشنطن أن استمرار التصعيد قد ينسف الجهود التي تبذلها لإعادة ترتيب ملفات المنطقة بعد الحرب مع إيران. ولذلك تسعى الإدارة الأميركية إلى احتواء الأزمة اللبنانية بسرعة، ليس فقط لحماية أمن إسرائيل، بل أيضًا لمنع فتح جبهة جديدة قد تعرقل أولوياتها الإقليمية، وتؤثر في مشاريعها الاقتصادية والاستراتيجية في شرق المتوسط والخليج.

أما لبنان، فيواجه معضلة مركبة. فمن جهة، يحتاج إلى دعم المجتمع الدولي لإعادة إنعاش اقتصاده وتعزيز مؤسسات الدولة، ومن جهة أخرى يرفض قطاع واسع من اللبنانيين أي تسوية تُفهم على أنها تأتي على حساب السيادة الوطنية أو تمنح إسرائيل امتيازات أمنية دائمة. ولذلك فإن نجاح أي اتفاق مستقبلي سيظل مرتبطًا بقدرته على تحقيق توازن حقيقي بين الأمن والسيادة، لا أن يكون مجرد استجابة لموازين القوى العسكرية.

وفي المحصلة، يبدو أن الجنوب اللبناني يقف اليوم عند مفترق طرق دقيق. فإما أن تنجح الجهود السياسية في تحويل الهدوء الهش إلى استقرار مستدام، وإما أن تبقى المنطقة رهينة معادلة الردع المتبادل، حيث يكفي أي تطور ميداني محدود لإعادة إشعال واحدة من أكثر جبهات الشرق الأوسط حساسية وتعقيدًا.

أقلام وأراء

السّبت 11 يوليو 2026 10:18 صباحًا - بتوقيت القدس

في ضرورات ملئ فراغ الحوكمة في قطاع غزة


بعد ان أعلنت حركة حماس عن حل لجنة الطوارئ التي كانت تدير قطاع غزة علي المستويات الإدارية والمدنية فقد أصبح القطاع رسميا يعيش في حالة من غياب الحوكمة  الرسمية. 

صحيح ان حماس قد ابقت علي المدراء والعاملين بالوزارات  و بأن السلطة الفلسطينية مازال لها بعض الفاعليات والبرامج الهامة بالقطاع وخاصة في مجالي الصحة والتعليم الا ان الصحيح كذلك يظهر بأن القطاع الان يعيش حالة من غياب الحكومة الرسمية التي تسير امورة .

يشار هنا الي ان السلطة كانت هي جهة الحوكمة الرسمية قبل منتصف حزيران من العام 2007 وبان حماس هي التي أصبحت بعد أحداث الانقسام هي الجهة الرسمية التي تدير شؤون الحكم بالقطاع .

يشار هنا الي ان الجهة الرسمية التي من المفترض أن تتولي شؤون الحكم في قطاع غزة مهنيا وفنيا  في هذة المرحلة هي لجنة التكنوقراط وفق احد بنود خطة ترامب التي أصبحت تحمل قرار مجلس الأمن رقم 2803 .

واضح ان نتياهو وحكومتة اليمينية يعملان  علي إعاقة دخول اللجنة الي قطاع غزة لانة يركز علي أولوية نزع سلاح حماس بدلا من تنفيذ الخطة كرزمة واحدة بما يشمل دخول لجنة التكنوقراط والبدء بتنفيذ عملية التعافي المبكر وإعادة الاعمار والسماح بإدخال الخيام والكرفانات .

تكمن أولوية نتياهو بنزع السلاح بينما تكمن أولوية القوي الوطنية بدخول لجنة التكنوقراط وما يتبعها من مهمات علي ان يتزامن ذلك مع انسحابات تدريجية من قبل جيش الاحتلال من قطاع غزة وذلك بدلا من زيادة مساحة السيطرة الاحتلالية بحيث انها قد وصلت الي 70% حسب تصريحات نتياهو .

الي جانب استمرارية التقدم غرب الخط الأصفر  بمساحة القطاع يستمر جيش الاحتلال بشن الهجمات علي خيام النازحين بما يشمل عمليات اغتيال محددة .

ظهرت بعض المؤشرات من مجلس السلام التي تشي بخطورتها علي القضية الوطنية وعلي مستقبل القطاع منها الإعلان عن الغاء عمليات الاونروا والتي ترمز الي قضية اللاجئين ومنها منح حصانة لاعضاء المجلس بكل مستوياتة  بما يلغي آليات المسائلة والرقابة ويعرض الأصول والأراضي لمخاطر السيطرة الدائمة  ومنها التحضير لإنشاء منطقة خضراء شرق مدينة رفح كمشروع تجريبي الي جانب اقتطاع مساحات من الاراضي لصالح قوات الاستقرار .

وعلية فهناك تحديات سياسية يواجهها شعبنا بالقطاع الي جانب التحديات المعيشية ذات الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية. 

ان شح الغذاء والدواء وغلاء الأسعار وظهور ظاهرة تجار الحرب وبعض الأحداث التي تشي بتزايد الاضطراب بالنسيج الاجتماعي مثل الصراعات الداخلية  ذات الطابع العنيف الامر الذي يتطلب تدخلا منسقا بين القوي المجتمعية الفاعلةبالمجتمع .

ان التحديات التي يواجهها شعبنا بالقطاع تتطلب التقدم بمبادرات مجتمعية واليات عمل تعمل علي سد الفراغ .

يتوفر بالمجتمع الفلسطيني خبرة مهنية وادارية واسعة وهياكل واطر تعبر عن منظمات العمل الاهلي والقطاع الخاص والنقابات .

اننا بحاجة الي تعاضد هذة الهياكل والمكونات بهذة الظروف الاستثنائية التي يمر بها شعبنا من أجل سد فراغ الحوكمة السائد .

بالتأكيد فإن هذا المقترح ذو طبيعة مؤقتة وانتقالية ريثما يتم دخول لجنة التكنوقراط للمباشرة بتنفيذ مهماتها .

اننا بحاجة الي تشكيل هيئة لمنظمات المجتمع المدني تعمل علي تقديم الخدمات والإشراف عليها ومراقبة بعض الظواهر مثل غلاء الأسعار وهشاشة حالة السلم الأهلي. 

ان الهيئة المنشودة من الهام ان تعمل علي صيانة السلم الاهلي والتماسك الاجتماعي. 

ومن المناسب للهيئة أيضا ان تحظي بمرجعية وطنية من القوي الوطنية الفلسطينية وكذلك من السلطة والمنظمة كما يجب أن تدفع الهيئة الي  مناهضة مخططات التهجير مثل فكرة المدن الخضراء وتفضح أهدافها وكذلك مناهضة محاولات فصل القطاع عن الضفة عبر الدفع باتجاة المشاركة بالانتخابات  العامة التي يجب أن تشمل القطاع والقدس والضفة كاراضي فلسطينية موحدة سياسيا وقانونيا وجغرافيا وفق القانون الدولي ووفق البرنامج الوطني الفلسطيني. 

وعلية فليس من المناسب ترك القطاع بدون منظومة حوكمة علما بأن الاحتلال يهدف الي استغلال الفراغ لبث الفوضي بالبنية المجتمعية لجعل القطاع مكان غير مناسب للعيش بهدف تنفيذ مخطط التهجير والتطهير العرقي. 

أقلام وأراء

السّبت 11 يوليو 2026 10:16 صباحًا - بتوقيت القدس

أسرى الحرّية في مصر الكنانة؛ مقابلات الصحفيّ محمد الجزّار، التي تؤصّل التاريخ، وتفتح البابَ للضوء


إنها مصر؛ أُمّ الدنيا، وكنانة الأمّة، وعاصمة العروبة، التي فتحت ذراعيها لأبناء فلسطين الأسرى الأحرار، الذين لم يجدوا أرضا راسخة إلا مصر.

وكان طبيعيا أن يهبّ الأشقاء المصريون، وهم يحتضنون المحرّرين، بكلّ كيفية، وعلى كلّ المستويات، أن يبحثوا، صحفيين وإعلاميين، في دفاتر الوجع الفلسطيني، ليساهموا في إضاءة ما حدث، وليواجهوا العدميّة القوميّة والنسيان، وأن يردّوا على آليات "تهويد المعرفة" في العالَم أجمع. وهنا بين دفتي هذا الكتاب؛ غير مقابلة نشرتها مجلة "روز اليوسف " الأشهر والأبهى، التاريخية، بقلم الصحفي الكاتب القمين بالمجد الأستاذ محمد الجزّار، والذي جمعها في كتاب"حكايات الأسير"، وقد فكّك المشهد المخبّأ في العتمة وأظهره، ليكشفه للدنيا، لتعرف الحقيقة، وتطلّ على عذابات مستحيلة واجهها المعتقلون في الأسر، وليحفظ معانياتهم، إجلالا لهذه التضحيات الباهظة المجيدة. فكلّ الشكر الجميل، من فلسطين، للأستاذ الأجمل محمد الجزّار، على ما اجترحه عبر هذه المقابلات، لتنتصر الحقيقة، وليثبت التاريخ على أقدام الحقيقة. إن هؤلاء الأسرى الذين تنفّسوا الحرية، إنما يمثّلون قطاعا أكثر سعة وتعدادا، من المعتقلين، الذين واجهوا فظاعات ممضّة فاشيّة، ما يكشف جزءا من تجربة الحركة الأسيرة الفلسطينية، عبر تاريخها الرجراج الثقيل..فكلّ شيء معتقلٌ في فلسطين؛ المحراب والجَرس والبرتقالة والأجنّة والطيور، ومسرى النبيّ الإمام، وقبر مَنْ قام من الموت إلى الحياة.

وليس لهذا النصّ الموجع أنْ يتوقّف، حتى يتخثّر دمُنا، ونغادر بيت الأحزان، لتليق بنا الحياة الجليلة.

إنّ الأخ محمد الجزّار، في هذا الكتاب يدقّ جرس الصلاة للكبش العاري، الذي خرج لتوّه من المسلخ، ونجا، نسبيّاً، في صحراء الماء! إنه ينفي منطق اللامنطق وهو يعي عبثية السؤال والجواب، وكيف سيداوي جرحه الأخضر المخبّأ في عينيه الواضحتين..وهل يستطيع أن يجعل من عشب الحوار أرضاً لغير بساطير البروتوكولات والأقنعة؟

كان الأسير، قبل حرّيته الناقصة، يتسابق مع سجّانه على جسده، الذي يعتقد أنه نقطة ضعفه، فيما كان الأسيرُ يفرد بساط الشّعر الطائر، ويعلو ويكبر ويمتدّ، ويطير ليرى أيامه القادمة، وأبناءه الذين سينجبهم، وكتبه التي سينشرها، والمدن التي سيزورها، والعربات التي ستحمل المحتل بعيداً عن وطنه. كان السجّان يضغط على ما يعتقد أنه ضعف الإنسان السجين، بالضرب مرّة، وبالحبس الإنفرادي مرّة، بالغاز أو بالجوع أو بالتخويف. أما الأسير، فيذهب إلى قصيدته وأغنيته وحلمه، وإلى الجَنين الذي يتكوّر في رحم أُمّه، ويسمّي أشياءه ويرتّبها، ويكتشف أن له ذخراً لا ينتهى من النماذج العظيمة التي لا تتكرر. كان النصّ يتحدّر منّه ليكتشف أَنه يبني قصيدته وروايته، على ملايين القصائد والروايات التى قيلت..فيفرح بأنه أعلى من سجّانه ومن سجنه، وأن قصيدته مثل البلاد والفضاء والموسيقى، أكبر من أن تُمتلك، وأكبر من أن تُدرك أو يُسبر غورها العميق.

فاللأسير الحرّ غناء القرى، وأمسيات الحجل على المشارف، وعَرق الفَرس العسليّ، حتى تدخل الزفّةُ الرانخةُ فضاءَ الأكتاف، دون الحواجز والتلال المُثقلة بإسمنت المملكة اللاتينية الجديدة.

وللأسير ورفاقه لغةٌ تتّسع لسنوات أعمارهم المقدودة وراء القضبان، وفي حمأة الغاز المسيل للعار، والتفتيش المباغت، والجوع الفارم للأمعاء، ولزهرة الجمرة المتّقدة من قلوبهم، وفناجين قهوتهم البلاستيكية المتأمّلة، ورعدة نبضهم التوّاق، والذكرى المُطفأة وراء ضباب الابتعاد، ورطوبة القيظ اللّزج، وبرد الأسداف، والعزل على حافة الجنون..حتى تجعل منهم تلك السنوات أنبياء جدداً يجترحون سرديّة لكتبهم الصعبة الفريدة.

وللعالم أن يخشع قليلا، أمام كهولة صعدت من فتوّتها، إلى احتمال الرُمّانة الناضجة فوق فوهة البئر، وهي تمرّ على شفرات الأمل، لتبلغ أرضاً يقترحها الحُلم، والواجب الذي تخلّى عنه أصحابه الشرعيون، ونسيوا أجمل أخوتهم في الجُبّ الغويط.

وليس لهذه الرداءة في خِطاب المرجعية الرسمية، إلاّ الخجل أو الخَرس، حيث لا ذريعة ولا تبرير ولا مرافعة تُقنع أحداً، بأن تلك المَظْلَمة ما كان لها أن تتوقّف قبل أن تبلغ شهقتها الذابحة في مكابدات الجوع، أو شيخوختها في العتمات.

والأسير القابع في أصفاده، منذ عقود، يمثّل صورة ضعفنا الكابية، وتجلّيات هزيمتنا في ارتداد الذات وهي تمزّق ذاتها، وفي تقمّصها لقاتلها، وفي فوضاها الهشّة العشائرية، وهي تقطّع منظومتها الأخلاقية وتلعن كلماتها ورموزها، التي كانت تسطع كفراشات النار، وفي قبولها لنقيضها وارتمائها في حضنه الغارق بدم صغارنا، وفي معانقة سيّاف السنابل والحبق الطريّ، وفي انعدام ثقتها بنفسها وبتاريخها وحضارتها وغدها، وفي آليات البحث عمّا يعوّضها، من كذب وَوَهْمٍ وخطابات ملعونة خادعة.

باختصار؛ الأسير اختصار لمعادلة الإقليم، وانطباق الفخاخ على عنق الغزال البريء. والأسير الفلسطيني الذي كسر إحتكار "اليهودي" لصورة الضحيّة، فَصار هو ضحية الضحية المُدّعية، وبات العالم بفضل دم غزّة، والفلسطيني السجين والمقاتل والمبدع والمرابط..يُدرك أن المعادلة كانت مُختلّة، وينبغي تصحيحها ووضع الإحتلال في إطار الجلاد، ووضع الفلسطيني في صورة الضحية، وما يعنيه ذلك من إستحقاقات لصالح القوة السلبية التي تتمتع بها الضحيّة.

والأسير هو البرهان المشعّ المدوّي والشاهد على تكاذب "السلام". وهو الرمز الأعلى واللّازمة التي نكرّرها، بمحبةٍ وكبرياء مجروح، كلما دهمتنا الكآبة، وحاول النسيان أن ينال من وردتنا الوحيدة الباقية، وأعني الشهداء مع وقف التنفيذ، الذين يخاتلون الرمل والرغبات والأحلام واليقظة المُلحفة في سعيها إلى الخلاص.

وهو طابع بريدنا الذي نختم به رسائلنا العاشقة، إلى ذلك المأمول الذي ننتظر ولادته، وسيجيء، أو ننتظر خروجه من خلف الأبواب الغليظة الثقيلة الصدئة، وسيكون حضوره ملء الشمس وفوق الكلمات، التي نبحث عنها، فتهرب من ضعفنا وعجزنا وبحثنا عن خلاصنا الشخصي الممقوت، وستلد معه الأناشيد، وستخرج الحقائب المعبأة بالألوان، ونهتف من جديد، رغم صبيان الفقه الأمني المشبوه، والروبيضة الذي صعد على حبال الشيطان إلى سطح الكلام، وتشاوَف بملامحه الاسخريوطية.

وإن احتمال دولة الإحتلال بإبقاء سجين في زنازينها، وهو يحتمل آلام الجوع والعزل سنوات لا تنتهي..ولا يحتمل آلام الركوع، هو دليل آخر على عقليتها التي طوّرت كلّ أشكال القمع عبر التاريخ، وأعادت إنتاجه على جلودنا، والتي  تزّج بالجثث في ثلاجات السجن، وبالأطفال في أتون المعسكرات الإعتقالية المرعبة، وهو دليل مكرور بأن هذا الكيان لا يعرف سوى الموت ثقافةً ولغةً، ولا تردعه سوى القوة والكوابح المُقاوِمة. وثمة طابور من الهالوك والرماد المتّصل بجحيم السجّان، الذي يلمّع وجهه بالشعارات المصقولة، ولا إرث له سوى الترنّح والهمسات المشبوهة وركوب الموجات والإلتباس وهدم نوافذ الآباء.

وإن العتمة المختزنة والمكثفة في باستيلات الاحتلال كافية لأن تفور وتُغرق نصف الكرة الأرضية بسوادها الثقيل، غير أن إرادة الأسير الفلسطيني والعربي استطاعت أن تحيل تلك المخازن الخانقة إلى قلاع تضجّ بالإرادة والثبات والحياة والضوء، وأن تفتح البراري، ثانيةً، للخيول. وإن الاحتلال الفاشي بجنوده ومستوطنيه وسجّانيه ملطّخ بالعار والدم الثقيل، وأما الأسير الحُرّ وإخوته، فإنهم يدافعون عن شرفهم وكرامتهم ومقدساتهم ومستقبل أبنائهم المأمول.

وقد يكون الحُرّ المُحرّر هو الثروة الحاضرة الأكبر، الآن، في فلسطين. وإن هذه الثروة النضالية والإنسانية والوطنية كفيلة لأن تؤصّل لبداية مختلفة لوحدة الحراك والعمل الفلسطيني، لقادة الفصائل والحركات والأحزاب، الذين قطعوا شرايينهم بأيديهم ودخلوا إلى غرفة الإعدام، أو تحلّلوا ضعفاً ومصالح، وغسلوا يدَ الإحتلال من دم الأجنّة والأشجار والبيوت، بقصد أو بغير قصد، لتصل اللحظة إلى مواجهة حاسمة ستقع عمّا قريب، ستودي بنا إلى الغياب الكامل، إن بقينا على حالتنا المرتكسة المتشظية الخائبة، أو سنحقق انطلاقة جديدة، واجبة الوجود، إذا احتسبنا واحترمنا سنوات السجين وجوعه، ودماء الشهداء، ودموع الأيامي والأيتام، ولهفة المنتظرين خلف السياج.

ونسأل أنفسنا، هل استطعنا أن نجعل من زهرة عذابنا شمساً تشرق على العالم ليرى نفسه ويرانا؟ هل يدرك العالم معنى أن يُمضي إنسانٌ عمره وراء القضبان، أو يقضي جوعاً، ويظلّ هذا العالم سادراً في حروفه وخطواته، ويهنأ في حياته، وعلى مرمى نظرة منه، آلاف وآلاف خلف قضبان الموت البطيء، عشرات منهم بلغوا عقدهم الخامس في الأقبية وعلى "الأبراش"، في سجون لا تشبه إلاّ صورة الهلع الفاشي ومعسكرات الإبادة والجينوسايد؟

يا أسيرنا الأجمل! يا اسمنا السريّ الحَسَن، الذي فضحه التاجر في عتمة التخلّي العربي عن اسمه وحقوله! سيكون سجنك مدرسة لأبنائك، وفضاءات لعب عميق لأحفادك.

يا تمثال الضوء على كل مفرق ودرب! يا روح الأوائل المتبقّية، لتعيد إلينا ملامح الطهارة والإلتزام! ويا لمسة الأمّ البتول على نبض جنينها الآتي عمّا قريب! يكفيك أنك حُرّ على هذه الأرض، ويكفينا أننا نجد زاداً، من لحم عمرك، لنواصل الخطو إلى الشمس، وأننا على يقين بأن القيود تتغضّن على معصميك أيها المصاب بالحريّة والحياة.

وهل نخرج من رتابة الخطاب الجاهز التبريريّ، ونلج إلى هذه الحالة الإنسانية الفريدة المميزة، ونبحث عن أشياء الأسير، التي تركها قبل سنين، ويشتاق إليها، وعن أُمّه التي لم تحضنه منذ سنوات الإغتصاب العجاف، وعن تفاصيل يومه ومقاطع لياليه الطوال، وعن هواياته المقتولة، ورغباته المطمورة، وعن أمنياته الصغيرة التي ستظل ثابتة مثل سيف البحر، وسارية العاصفة العنيدة، وعن خيول ضلوعه التي تتفلّت من حبسها، لتكشف عن النهر الصاخب الفتيّ، الذي ينبع من سويداء صدره، وسيصبّ في جبل الزيتون، أو في الساحل الأرجوانيّ الكنعاني، وحتى لا تجد امرأة ضرورةً لترداد ما قالته أمّ المصلوب الثاني، بأن الوقت آن وأزف لهذا الفارس كي يترجّل.

يا أيها الحُرّ! أنتَ الأن البلاد، وشعبك يتنفّس في ظهرك، أما الباقون فهم جوقة لكربلاء العتمة. فاصمد حتى ينتصر الموسم، وأكمل زينتك إلى أن نقيم السامر الكبير، وإنْ قطعوا نهرَك، وتآمروا على أن تجوع في غربتك الجديدة الثانية.

فلسطين

السّبت 11 يوليو 2026 10:14 صباحًا - بتوقيت القدس

مباراة مصر والأرجنتين :مافيا الفيفا.. سيرة طويلة من شبهات الفساد



د.أحمد رفيق عوض: ما جرى مع الفريق المصري يكشف عمق العلاقة بين الرياضة وتوظيفها في استعراض القوة وفرض النفوذ وتمرير الرسائل الثقافية

نبهان خريشة: تحيز الحكم لصالح الأرجنتين أثبت أن الفيفا لا يرى في كرة القدم سوى استثمار مالي ونفوذ سياسي يتجاوز حدود اللعب النظيف

سامر عنبتاوي: الحملة ضد المنتخب المصري ارتبطت أيضاً بمواقف مدربه حسام حسن الداعمة للقضية الفلسطينية ورفعه العلم الفلسطيني

د.أمجد بشكار: يجب تشكيل موقف موحد يطالب بإصلاحات حقيقية تشمل تغيير قيادة الفيفا الحالية بما يضمن تحقيق العدالة والمساواة

فادي أبو بكر: العدالة الرياضية تمثل جزءاً أساسياً من منظومة العدالة الدولية واحترام حقوق جميع المنتخبات والشعوب شرط للحفاظ على المصداقية

محمد الرجوب: البطولات الكبرى لم تعد مجرد منافسات بل أصبحت ساحات تتقاطع فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية والإعلامية والمصالح الدولية



رام الله - خاص بـ"القدس"-

لم تعد الرياضة العالمية، وتحديداً كرة القدم، بمنأى عن التجاذبات السياسية والاقتصادية، وتحولت إلى ساحات تتقاطع فيها حسابات النفوذ والقوة وصناعة الصورة، بعدما تجاوزت المنافسات حدود الترفيه لتصبح أداة لتمرير رسائل سياسية وثقافية.

وتتصاعد الانتقادات عقب الجدل الذي رافق مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026، حيث اعتبر كتاب ومحللون سياسيون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أن القرارات التحكيمية التي أثرت على مسار اللقاء المصري الأرجنتيني فتحت نقاشاً واسعاً حول حياد الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، ومدى الفصل الحقيقي بين الرياضة والسياسة.

ويرون أن ما جرى مع المنتخب المصري يعكس، بحسب تقديرهم، إشكالية أوسع تتعلق بازدواجية المعايير داخل المؤسسات الرياضية الدولية، داعين إلى تعزيز الشفافية، وتوسيع مشاركة الدول العربية والأفريقية في مراكز صنع القرار، بما يضمن تطبيق القواعد بصورة متساوية على جميع المنتخبات بعيداً عن اعتبارات النفوذ السياسي والاقتصادي.






الرياضة وسيلة لإظهار القوة والنفوذ

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د.أحمد رفيق عوض أن العلاقة بين الرياضة والسياسة ليست وليدة العصر الحديث، بل تمتد جذورها إلى العصور القديمة، مشدداً على أن الرياضة كانت على الدوام وسيلة للاستعراض وإظهار القوة والنفوذ وتمرير الرسائل السياسية والثقافية، ولم تكن في أي مرحلة منفصلة عن الصراع على السلطة أو التأثير في الجماهير.


الرياضة جزء من منظومة اقتصادية

ويوضح عوض أن هذه العلاقة تطورت في العصر الحديث لتتجاوز البعد السياسي، إذ أصبحت الرياضة جزءاً من منظومة اقتصادية عالمية ضخمة تقوم على تعزيز الاستهلاك والعولمة وتحقيق الأرباح، ما جعلها محمّلة برسائل سياسية وثقافية واقتصادية في آن واحد.


أدوات لتشكيل الرأي

ويشير عوض إلى أنّ المؤسسات الرياضية الكبرى لم تعد مجرد ساحات للتنافس، وإنما أدوات لتشكيل الرأي العام وتوجيه الجماهير وصناعة أنماط موحدة من السلوك والاستهلاك.

ويوضح عوض أنّ ما كان يحدث في روما القديمة من استخدام العروض الرياضية لإظهار عظمة الإمبراطور وترسيخ هيبته وتوجيه الرأي العام، لا يختلف في جوهره عما يجري اليوم، حيث تُستخدم الرياضة لتعبئة الجماهير، وإبراز النفوذ، وتكريس موازين القوى على المستوى الدولي.


هيمنة الدول الغربية


ويشير عوض إلى أن صناعة الرياضة العالمية ورموزها وقوانينها ومعاييرها تخضع بصورة كبيرة لهيمنة الدول الغربية، وهو ما ينعكس في تطبيق معايير مختلفة بين الدول القوية ودول العالم الثالث، لافتاً إلى أن الغرب يرفع شعارات الحياد والاحترافية، لكنه يوظف الرياضة عملياً لتمرير رسائل ومواقف سياسية تخدم مصالحه، في الوقت الذي يُمنع فيه الآخرون من التعبير عن قضاياهم الوطنية أو الإنسانية داخل الملاعب.


مباراة مصر والأرجنتين نموذجاً للمعايير المزدوجة

ويرى عوض أنّ ما جرى في مباراة مصر والأرجنتين مثّل دليلاً واضحاً على هذه المعايير المزدوجة، قائلاً إن استبعاد المنتخب المصري جاء بصورة علنية ومنحازة لأنه كان سيمنح القضية الفلسطينية حضوراً أكبر عبر رفع العلم الفلسطيني والتعبير عن معاناة الشعب الفلسطيني، معتبراً أنّ القرار كان سياسياً أكثر منه رياضياً. ويؤكد عوض أنّ ما جرى مع الفريق المصري يكشف عمق العلاقة بين الرياضة وتوظيفها في استعراض القوة وفرض النفوذ وتمرير الرسائل الثقافية.


أهمية امتلاك عناصر القوة بمختلف أشكالها

ويدعو عوض إلى مواجهة هذه السياسات عبر امتلاك عناصر القوة بمختلف أشكالها، بما يشمل القوة الثقافية والنفسية والإعلامية، إلى جانب التحرك القانوني أمام الجهات والمحاكم المختصة لكشف ازدواجية المعايير.


أهمية إصلاح تركيبة اللجنة الأولمبية الدولية

ويطالب عوض بالعمل على إصلاح تركيبة اللجنة الأولمبية الدولية بما يضمن تمثيلاً أوسع للعرب والمسلمين ودول الجنوب، مقترحاً إنشاء ألعاب أولمبية خاصة بدول الجنوب تكسر احتكار الدول الغربية لمنظومة الرياضة العالمية ومعاييرها.


تجاوز حدود التنافس الرياضي

يؤكد الصحفي والكاتب نبهان خريشة أن المباراة التي جمعت منتخبي مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026 تجاوزت حدود التنافس الرياضي، معتبراً أنها كشفت بصورة واضحة تداخل الاعتبارات السياسية والاقتصادية في إدارة كرة القدم الدولية، وأثارت تساؤلات حول مدى التزام الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بمبادئ العدالة والحياد التي يعلنها. ويرى خريشة أنّ تحيز الحكم لصالح الارجنتين ضد مصر في مباريات كأس العالم 2026 أثبت أن الفيفا لا يرى في كرة القدم سوى استثمار مالي ونفوذ سياسي يتجاوز حدود اللعب النظيف.


سقوط شعار الفصل بين الرياضة والسياسة

ويوضح خريشة أنّ مجريات المباراة، والتحيز التحكيمي لصالح المنتخب الأرجنتيني، أسقطت شعار الفصل بين الرياضة والسياسة، مشيراً إلى أن الأداء التحكيمي لم يقتصر على أخطاء تقديرية، وإنما عكس طبيعة موازين القوى التي تتحكم بالمؤسسات الرياضية الدولية، والتي تهيمن عليها الدول الغربية، الأمر الذي يجعل القرارات الرياضية تتأثر أحياناً باعتبارات تتجاوز الملعب.

ويؤكد خريشة أن البعد السياسي لا يمكن فصله عن سياق المباراة، معتبراً أن مصر تمثل دولة ذات ثقل سياسي في المنطقة، في حين ترتبط الأرجنتين، في ظل قيادتها الحالية، بمواقف داعمة لإسرائيل، وهو ما أوجد بيئة مواتية لانحياز انعكس على سير اللقاء، الأمر الذي أدى إلى المساس بمبدأ تكافؤ الفرص والنزاهة الرياضية.

ويشير خريشة إلى أن الاعتبارات الاقتصادية شكلت عاملاً لا يقل أهمية عن البعد السياسي، موضحاً أن خروج المنتخب الأرجنتيني مبكراً من البطولة كان سيحرم الفيفا من الاستفادة التجارية والإعلامية المرتبطة باستمرار النجم ليونيل ميسي في المنافسات، باعتباره أحد أبرز عوامل الجذب الجماهيري والتسويقي، بما ينعكس على نسب المشاهدة العالمية، وحقوق البث التلفزيوني، وعقود الرعاية والإعلانات التي تدر مليارات الدولارات على البطولة.

ويؤكد خريشة أن القيمة التسويقية المرتفعة لاسم ميسي وعلامته التجارية، والتي تقدر بنحو 140 مليون دولار، تعكس حجم المصالح الاقتصادية المرتبطة باستمراره في الأدوار المتقدمة، معتبراً أن الفيفا بات ينظر إلى البطولة بوصفها مشروعاً استثمارياً ضخماً بقدر ما هي منافسة رياضية، الأمر الذي يمنح المنتخبات التي تضم نجوماً عالميين أفضلية غير مباشرة على حساب منتخبات أخرى.


ضرورة الضغط لإلزام الفيفا بتطبيق المبادئ

ويدعو خريشة اتحادات كرة القدم في دول "العالم الثالث" إلى تنسيق جهودها وممارسة ضغوط جماعية وقانونية وسياسية على الاتحاد الدولي لكرة القدم، بهدف إلزامه بتطبيق مبادئ العدالة والحياد بصورة فعلية، وضمان عدم خضوع القرارات الرياضية لموازين النفوذ السياسي أو المصالح الاقتصادية، بما يعيد الثقة بنزاهة المنافسات الدولية ويحفظ مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المنتخبات.


حضور مرتبط بالتحديات السياسية

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي أنّ القضية الفلسطينية فرضت نفسها على مختلف جوانب الحياة، بما فيها الرياضة، معتبراً أن الشعب الفلسطيني، رغم محاولاته اللجوء إلى الرياضة والفن والأدب كمساحات طبيعية للتعبير والابتعاد عن ضغوط الاحتلال، يجد نفسه أمام واقع يجعل هذه المجالات بدورها خاضعة للتجاذبات السياسية، شأنها شأن قضاياه الوطنية.

ويوضح عنبتاوي أن الشعوب العربية تواجه، هي الأخرى، ظروفاً تجعل حضورها في المحافل الدولية مرتبطاً بتحديات سياسية وإرادات خارجية، مشيراً إلى أن الرياضة العالمية، كما غيرها من المجالات، لم تعد بمنأى عن موازين القوى الدولية.  ويؤكد عنبتاوي أن المنتخبات العربية حققت إنجازاتها رغم محدودية الإمكانات، لافتاً إلى أن المنتخب المصري يمثل نموذجاً لذلك، نظراً للمكانة التي تحظى بها كرة القدم داخل المجتمع المصري والدعم الجماهيري الواسع الذي يحظى به من المصريين والعرب، باعتباره أحد أبرز ممثلي الكرة العربية على الساحة الدولية.


شكوك حول استقلالية الفيفا

ويرى عنبتاوي أن ما شهدته مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026 أثار شكوكاً حول استقلالية الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" وحياده، مؤكداً أن المسألة لا ترتبط بالقرارات التحكيمية خلال المباراة فقط، بل تأتي ضمن سياق أوسع من التداخل بين السياسة والرياضة، مستشهداً بتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للمطالبة بإعادة لاعب أمريكي تعرض للطرد، معتبراً أن ذلك يمثل سابقة تعكس حجم التأثير السياسي في الشأن الرياضي.


موقف مدرّب المنتخب المصري

ويلفت عنبتاوي إلى أن الحملة ضد المنتخب المصري ارتبطت أيضاً بمواقف مدربه حسام حسن الداعمة للقضية الفلسطينية، ورفعه العلم الفلسطيني، إلى جانب تصريحاته التي أكدت تضامن الشعب المصري مع الشعب الفلسطيني، مؤكداً أنّ القضية الفلسطينية تمثل قضية إنسانية تتجاوز الأبعاد السياسية والإقليمية، وأن التضامن معها ينبغي ألا يكون سبباً لاتخاذ مواقف ضد أي فريق.

ويشير عنتباوي إلى أن الحَكَم الفرنسي اتخذ عدداً من القرارات التي أثرت بصورة مباشرة في مجريات المباراة ونتيجتها، وأسهمت في حرمان المنتخب المصري من مواصلة مشواره في البطولة. ويلفت عنتباوي إلى أنّ المطالبات المصرية بمراجعة أحداث اللقاء والتحقيق فيها تعكس حجم الجدل الذي رافقها، خاصة في ظل وجود تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) التي يفترض أن تقلل من الأخطاء التحكيمية.

ويرى عنبتاوي أن ما أثير حول وجود مراهنات مالية ضخمة على فوز المنتخب الأرجنتيني عزّز الشكوك بشأن نزاهة المشهد، معتبراً أنّ المنتخبات العربية تستحق فرصاً متكافئة للوصول إلى المراحل المتقدمة في البطولات الدولية، وأنّ ضمان الحياد الكامل في التحكيم وتطبيق المعايير بصورة متساوية على جميع المنتخبات يمثلان شرطاً أساسياً للحفاظ على مصداقية المنافسات الرياضية الدولية.


معايير مختلفة تبعاً لهوية المنتخبات المتنافسة

يؤكد أستاذ العلوم السياسية د.أمجد بشكار أنّ كرة القدم لم تعد مجرد لعبة للتسلية والترفيه، بل أصبحت ساحة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع الرياضية، معتبراً أن الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" بات يتعامل بمعايير مختلفة تبعاً لهوية المنتخبات المتنافسة، الأمر الذي انعكس بصورة واضحة في الجدل الذي رافق مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026.

ويوضح بشكار أن العلاقة بين الرياضة والسياسة أصبحت أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أن مطالبات عشرات النواب الأوروبيين بفتح تحقيق مع رئيس الفيفا والدعوة إلى استقالته، جاءت نتيجة عدم قدرة المؤسسة الرياضية الدولية على إبعاد السياسة عن كرة القدم.  ويعتقد بشكار أن الجدل تعزز بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن تدخله في قضية البطاقة الحمراء التي تلقاها لاعب أمريكي، وإعلانه أنه تواصل مع رئيس الفيفا، وهو ما أثار تساؤلات حول حجم التدخلات السياسية في القرارات الرياضية.


المنتخب المصري كان الأحق بالفوز

ويرى بشكار أن ما شهدته مباراة مصر والأرجنتين يمثل واحدة من أبرز القضايا المثيرة للجدل في تاريخ كرة القدم الحديث، معتبراً أن المنتخب المصري كان الأحق بالفوز، وأن القرارات التي اتخذت خلال اللقاء أثارت شكوكاً واسعة بشأن حياد التحكيم وعدالة إدارة المباراة.

ويؤكد بشكار أن الجدل المحيط بالمباراة تجاوز الجوانب الفنية، ليرتبط بخلفيات سياسية، في ظل تباين مواقف طرفي المباراة من القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن المنتخب المصري عُرف بدعمه للقضية الفلسطينية، في حين ارتبط المنتخب الأرجنتيني بمواقف داعمة لإسرائيل، معتبراً أن هذه المعطيات دفعت كثيراً من السياسيين والمراقبين حول العالم إلى المطالبة بالتحقيق في ما إذا كانت الاعتبارات السياسية قد أثرت في مجريات اللقاء.


تشكيل موقف موحد

ويؤكد بشكار أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب تحركاً جماعياً من الدول الآسيوية والأفريقية داخل الفيفا، معتبراً أن هاتين القارتين تتعرضان لتهميش واضح داخل المنظومة الرياضية الدولية. ويدعو بشكار إلى تشكيل موقف موحد يطالب بإصلاحات حقيقية، تشمل الاعتراض على استمرار قيادة الفيفا الحالية، والعمل خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة على الدفع نحو تغيير في إدارة الاتحاد، بما يضمن تحقيق قدر أكبر من العدالة والمساواة بين جميع المنتخبات، مشدداً على أن مواجهة ازدواجية المعايير لن تتحقق بالاعتراضات الفردية أو البيانات، وإنما عبر موقف جماعي منظم يمتلك القدرة على التأثير في صناعة القرار الرياضي الدولي.


الأبارتهايد الرياضي

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي فادي أبو بكر أنّ ما شهدته مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026 لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد أخطاء تحكيمية، بل يعكس ما وصفه بـ"الأبارتهايد الرياضي" الناتج عن ازدواجية المعايير في تعامل الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" مع المنتخبات، ولا سيما العربية، الأمر الذي أثار نقاشاً واسعاً حول حيادية المؤسسة الرياضية الأكبر في العالم. ويوضح أبو بكر أن القرارات التحكيمية التي رافقت المباراة، وفي مقدمتها إلغاء هدف المنتخب المصري بعد الرجوع إلى تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، حرمت مصر من فرصة عادلة لمواصلة المنافسة، وأثارت موجة تضامن تجاوزت الإطار العربي لتشمل شخصيات رياضية وسياسية ودبلوماسية من دول مختلفة، رأت أن ما حدث يستحق التوقف عنده وإعادة تقييمه.


سرقة في وضح النهار

ويشير أبو بكر إلى أن من أبرز المواقف التي لفتت الانتباه تعليق المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو، الذي وصف ما جرى بأنه "سرقة في وضح النهار"، معتبراً أن تقنية حكم الفيديو المساعد أُوجدت لتحقيق العدالة وتصحيح الأخطاء التحكيمية، وليس لتبرير قرارات مثيرة للجدل أو تطبيق المعايير بصورة غير متساوية، ويعتبر أبو بكر ذلك مؤشراً على وجود أزمة ثقة متنامية في آليات إدارة المنافسات الدولية. ويرى أبو بكر أن القضية تتجاوز حدود مباراة واحدة، إذ تعكس إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة إدارة المنظومة الرياضية الدولية، في ظل التداخل المتزايد بين الرياضة والسياسة والاقتصاد، لافتاً إلى أن الشعور بعدم المساواة في تطبيق قواعد العدالة الرياضية يفتح الباب أمام تساؤلات تتعلق بتوازنات القوة والنفوذ داخل المؤسسات الدولية، وليس فقط بصحة القرارات التحكيمية.


إطلاق نقاش مؤسسي وسياسي

ويدعو أبو بكر إلى عدم الاكتفاء بمراجعة أحداث المباراة، وإنما إطلاق نقاش مؤسسي وسياسي أوسع حول آليات صنع القرار داخل الفيفا، بما يعزز مبادئ الشفافية والمساءلة ويضمن تحييد الرياضة عن أي اعتبارات سياسية أو تجارية. ويطالب أبو بكر الاتحادات العربية والأفريقية بالانتقال من ردود الفعل الفردية إلى بناء موقف جماعي يطالب بإصلاحات حقيقية داخل المنظومة الرياضية الدولية، مؤكداً أنّ العدالة الرياضية تمثل جزءاً أساسياً من منظومة العدالة الدولية، وأنّ احترام حقوق جميع المنتخبات والشعوب على قدم المساواة يُعد شرطاً للحفاظ على مصداقية المنافسات العالمية.


الرياضة أبرز أدوات القوة الناعمة

يؤكد الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن الخطأ الأساسي في قراءة ما جرى خلال مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026 يتمثل في الانطلاق من فرضية أن الرياضة منفصلة عن السياسة، مبيناً أنّ هذا الفصل لم يكن قائماً في العلاقات الدولية، وأن الرياضة، ولا سيما كرة القدم، تحولت إلى إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول في تعزيز نفوذها وصياغة صورتها على المستوى الدولي.

ويوضح الرجوب أن البطولات الرياضية الكبرى لم تعد مجرد منافسات داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت ساحات تتقاطع فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية والإعلامية والمصالح الدولية، الأمر الذي يجعل أيّ حدث رياضي كبير محكوماً بسياق أوسع من النتائج الفنية، ويستدعي قراءة ما يجري في ضوء البيئة السياسية التي تُدار فيها المنظومة الرياضية العالمية.

ويلفت الرجوب إلى أن شعار الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" القاضي بإبعاد السياسة عن كرة القدم يُثير تساؤلات تتعلق بمدى اتساق تطبيقه، مشيراً إلى أن تجارب السنوات الماضية أظهرت تفاوتاً في التعامل مع القضايا السياسية داخل الملاعب، حيث تُتخذ إجراءات حازمة وسريعة في بعض الحالات، بينما تُقابل حالات أخرى بالصمت أو التبرير أو التفسير المرن، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول حياد المؤسسة الرياضية الدولية.

ويرى الرجوب أن الجدل الذي رافق مباراة مصر والأرجنتين لا ينبغي عزله عن هذه البيئة، موضحاً أن القضية لا تتعلق بالمباراة في حد ذاتها، وإنما بطريقة إدارة الأزمات، وصناعة الرواية الإعلامية، وحجم الاهتمام الدولي ببعض الملفات مقارنة بغيرها، بما يعكس أن كرة القدم أصبحت جزءاً من منظومة النفوذ العالمي، وليست بمنأى عن موازين القوى السياسية والاقتصادية والإعلامية.


أهمية شمول الجميع دون تمييز

ويؤكد الرجوب أن المشكلة الأساسية لا تكمن في وجود السياسة داخل الرياضة، باعتبارها واقعاً قائماً، وإنما في ازدواجية المعايير عند تطبيق القواعد، مشدداً على أنه إذا كانت قاعدة منع التسييس تُطبّق، فيجب أن تشمل جميع الأطراف دون استثناء، أما إذا كانت بعض الدول أو الاتحادات قادرة على تجاوزها بفعل نفوذها السياسي أو الاقتصادي أو الإعلامي، فإن ذلك يعني، بحسب رأيه، أن إدارة المنظومة الرياضية أصبحت انتقائية وليست محايدة. ويشير الرجوب إلى أن الفيفا، رغم إعلان استقلاليتها، تعمل ضمن نظام عالمي يتأثر بموازين القوى الدولية ومصالح الرعاة وشبكات النفوذ داخل المؤسسة الرياضية، ما يجعل كثيراً من القرارات تُقرأ في ضوء البيئة التي تنتج اللوائح وتفسرها وتطبقها، وليس من زاوية النصوص القانونية وحدها.


ضعف الحضور العربي في دوائر صنع القرار

ويلفت الرجوب إلى أن الإشكالية العربية لا تقتصر على الشكوى من احتمال وجود معايير مزدوجة، بل تمتد إلى ضعف الحضور العربي في دوائر صنع القرار الرياضي الدولي، موضحاً أن الدور العربي غالباً ما يقتصر على ردود الفعل بعد وقوع الأزمات، بينما تُصاغ السياسات وتُحسم التوازنات داخل اللجان التنفيذية والهيئات القانونية ومراكز النفوذ بعيداً عن الأضواء.


 تبني استراتيجية عربية طويلة المدى

ويدعو الرجوب إلى تبني استراتيجية عربية طويلة المدى تقوم على التحرك الجماعي داخل الفيفا والاتحادات القارية، والاستثمار في الكفاءات القانونية والرياضية، وبناء خطاب حقوقي يستند إلى الأدلة واللوائح، إلى جانب تعزيز الوجود العربي في مواقع اتخاذ القرار، وتطوير القوة الناعمة الإعلامية عبر إنتاج محتوى احترافي بلغات متعددة يخاطب الرأي العام العالمي.

ويؤكد الرجوب أن تحقيق العدالة في النظام الرياضي الدولي يرتبط بامتلاك أدوات التأثير داخل المؤسسات، لأن الحقوق، كما في العلاقات الدولية، تحتاج إلى نفوذ يحميها، وإلا ستظل الدول الأقل تأثيراً تواجه تحديات مرتبطة بازدواجية المعايير.

أقلام وأراء

السّبت 11 يوليو 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس

الحكومة وإدارة الحكم الانتقالي في قطاع غزة

مما لا شك فيه أن الحكومة الفلسطينية تساهم بشكل هام في إدارة المساعدات أو تقديم الخدمات للمواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة في إطار مرحلة التعافي باستمرار التنسيق مع المؤسسات الأممية والدولية الشريكة والدول والجهات المانحة في تنفيذ تدخلات منسقة ومتكاملة؛ وذلك من خلال غرفة العمليات الحكومية لإنقاذ آلاف العائلات النازحة وتأمين مراكز إيواء بديلة وآمنة، وتوفير المستلزمات الأساسية للحيلولة دون تفاقم الكارثة الإنسانية التي يعاني منها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

إن المساهمة في تخفيف الأعباء في هذه الظروف، إثر جريمة الإبادة المتركبة بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، مهمة مقدسة لا نقاش فيها؛ مهما بلغ حجم المساهمة ونوعها أو المشاركة في إدارة هذه المساهمات أو تنظيمها أو ايصالها، وهو جهد مقدر للاستمرار في الحياة للسكان. لكن هذا الجهد يبقى آنيا، ويتعلق بخدمات يمكن تقديمها من جهات حكومية ومجتمعية متعددة، لا يعالج مستقبل قطاع غزة بعودة قطاع غزة لإدارة الحكومة الفلسطينية وإنهاء الانقسام المؤسساتي.

إنّ هذا الأمر يطرح سؤالاً جوهرياً حول سياسة الحكومة/ السلطة الوطنية المعتمدة للتعامل مع إدارة الحكم الانتقالية في قطاع غزة والتعامل مع الأجسام المنشأة بموجب قرار الأمن 2803 والعلاقة معها، والتخطيط لما بعد المرحلة الانتقالية التي يفترض أن تنتهي مع نهاية العام 2027؛ فالتخطيط هنا أمر استباقي بهدف فرض أمر واقع في قطاع غزة تمتلك فيه الحكومة زمام المبادرة والقدرة على تثبيت أجهزة الحكم المستقبلية لتوحيد الضفة والقطاع معاً، ومنع تحكم مجلس السلام أو أي جسم آخر من استمرار إدارة الحكم الانتقالية بحيث تجعل من إمكانية تمديدها غير حاضرة.

في ظني أن العمل في السياق الأوسع يأخذ منحنيين؛ الأول: يتعلق بإعمال القضايا الشرطية الموجودة في قرار مجلس الأمن 2803 المتعلقة بالإصلاح المطلوب من السلطة الفلسطينية، التي هي ذاتها قدمت وعوداً والتزاماتٍ مكتوبة فيه، "إلى أن تُتمّ السلطة الفلسطينية برنامج إصلاحها على نحو مُرضٍ كما ورد في مقترحات مختلفة، بما فيها خطة السلام للرئيس ترمب لعام 2020 والمقترح السعودي الفرنسي، وبما يمكّنها من استعادة السيطرة على غزة بشكل آمن وفعّال".

والثاني: تبني استراتيجية حكومية للتعاطي مع الإدارة الانتقالية توضح فيها تدخلاتها والاستفادة من موظفي السلطة الفلسطينية الموجودين في قطاع غزة، وطبيعة العلاقة القائمة على التنسيق بين أجسام الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية من جهة، واللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة "لجنة التكنوقراط" من جهة ثانية؛ بما في ذلك حجم المعلومات والسجلات والتخطيط المكاني والمساعدات الدولية وخطة أو خطط إعادة الإعمار للمساهمة في إنعاش الحياة في قطاع غزة والتعافي المطلوب، وتمكين الحكومة من استلام منهجي وفعّال لإدارة الحكم في قطاع غزة مع انتهاء المرحلة الانتقالية، ومنع إمكانية تمديد هذه الإدارة بعد انتهاء التفويض الدولي نهاية عام 2027.

أقلام وأراء

السّبت 11 يوليو 2026 10:12 صباحًا - بتوقيت القدس

الانتخابات الفلسطينية المقبلة .. استحقاق وطني ورسالة سياسية أراد الرئيس ايصالها للعالم


تمر القضية الفلسطينية اليوم بواحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا منذ عقود، في ظل حرب مدمرة على قطاع غزة، وتصاعد غير مسبوق للاستيطان والضم في الضفة الغربية بما فيها القدس، واستمرار محاولات الاحتلال فرض وقائع جديدة تستهدف تصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية، وعلى رأسها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي خضم هذه التحولات الخطيرة، لم يعد الحديث عن إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية ترفًا سياسيًا أو استحقاقًا مؤجلًا، وإنما أصبح ضرورة وطنية وسياسية ودستورية، ورسالة واضحة إلى العالم تؤكد أن الشعب الفلسطيني، رغم الاحتلال والعدوان، ما زال متمسكًا بخيار الدولة، وبقيم الديمقراطية، وبحقه في اختيار ممثليه عبر صناديق الاقتراع.

إن الاحتلال الإسرائيلي يسعى بصورة متواصلة إلى تصوير الحالة الفلسطينية باعتبارها كيانًا عاجزًا عن إدارة نفسه أو بناء مؤسساته، ويستثمر حالة الانقسام وتعطل الحياة الديمقراطية لترويج روايته أمام المجتمع الدولي، مدعيًا غياب الشريك الفلسطيني القادر على تمثيل شعبه. ومن هنا، فإن استعادة العملية الديمقراطية تمثل ردًا عمليًا وسياسيًا على هذه الادعاءات، وتؤكد أن فلسطين، رغم الاحتلال، تمتلك مؤسسات دستورية وشعبًا يؤمن بالتداول السلمي للسلطة وسيادة القانون.

لقد أثبت الشعب الفلسطيني عبر تاريخه الطويل أنه من أكثر شعوب المنطقة تمسكًا بالممارسة الديمقراطية، فقد شهدت فلسطين انتخابات رئاسية وتشريعية ومحلية ونقابية في أصعب الظروف، وكان الإقبال الشعبي دائمًا تعبيرًا عن الإيمان بأن الديمقراطية جزء أصيل من المشروع الوطني، وليست ترفًا مرتبطًا بظروف الاستقرار.

واليوم، وبعد سنوات طويلة من تعطل الانتخابات بفعل الانقسام السياسي والظروف التي فرضها الاحتلال، ثم الحرب الإسرائيلية التي فاقمت من حجم التحديات، بات من الضروري إعادة بناء الشرعية الشعبية للمؤسسات الوطنية، وتجديد الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وفتح المجال أمام مشاركة جميع القوى الوطنية في إطار النظام السياسي الفلسطيني.

وفي هذا الإطار، فإن قرار الرئيس محمود عباس المضي نحو إصدار مرسوم بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، رغم التعقيدات السياسية والأمنية والظروف الاستثنائية، يعكس رؤية وطنية بعيدة المدى تؤكد أن بناء المؤسسات وتجديد الشرعيات لا يمكن أن يبقيا رهينة للأزمات. فهذا القرار يحمل رسالة واضحة بأن القيادة الفلسطينية تؤمن بأن قوة النظام السياسي تستمد شرعيتها أولًا من إرادة الشعب، وأن مواجهة التحديات الوجودية التي يفرضها الاحتلال تستوجب تعزيز الجبهة الداخلية، وتحصين المؤسسات الدستورية، وتجديد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، بما يرسخ أسس الحكم الرشيد ويعزز صمود الشعب الفلسطيني في مواجهة المشاريع التي تستهدف حقوقه الوطنية.

كما أن إصرار الرئيس عباس على إجراء الانتخابات، حتى في ظل الحرب والعدوان واستمرار الاحتلال ومحاولاته تعطيل الحياة السياسية الفلسطينية، يؤكد أن المشروع الوطني الفلسطيني لا يتوقف عند إدارة الأزمات، بل يتطلع إلى المستقبل وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة على أسس دستورية وديمقراطية راسخة. فالقيادة الفلسطينية تدرك أن العالم ينظر إلى مدى قدرة الشعوب على ترسيخ قيم الديمقراطية وسيادة القانون، ولذلك فإن هذا القرار لا يخاطب الداخل الفلسطيني فحسب، وإنما يوجه رسالة إلى المجتمع الدولي بأن فلسطين، رغم كونها دولة تحت الاحتلال، ماضية في ترسيخ نموذج الدولة الحديثة التي تؤمن بالتعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، واحترام إرادة الناخب، وأن الاحتلال وحده هو العقبة الحقيقية أمام استكمال هذا المسار الديمقراطي، وليس الإرادة الفلسطينية.

إن إجراء الانتخابات لا يعني فقط اختيار رئيس أو أعضاء مجلس تشريعي، وإنما يمثل خطوة استراتيجية نحو إعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، وتعزيز الوحدة الوطنية، وإعادة تفعيل المؤسسات الدستورية التي تشكل أساس أي نظام سياسي حديث. كما أن وجود مجلس تشريعي منتخب وقادر على ممارسة دوره الرقابي والتشريعي يعزز من قدرة النظام السياسي الفلسطيني على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

ومن الناحية السياسية، فإن الانتخابات تمثل رسالة مباشرة إلى الرأي العام العالمي، وإلى الحكومات والمؤسسات الدولية، بأن الدولة الفلسطينية التي يناضل شعبها من أجل الاعتراف الكامل بها ليست مجرد شعار سياسي، وإنما مشروع دولة حديثة تقوم على المؤسسات والدستور واحترام الإرادة الشعبية.

إن المجتمع الدولي، الذي يدعو باستمرار إلى الإصلاح وتعزيز الحوكمة الرشيدة، لا يمكنه أن يتجاهل أهمية دعم إجراء الانتخابات الفلسطينية، بل ينبغي أن يمارس الضغوط على إسرائيل لعدم عرقلة هذا الاستحقاق الوطني، خاصة في مدينة القدس المحتلة، التي يجب أن يشارك أهلها فيها كما شاركوا في الاستحقاقات السابقة، باعتبار القدس جزءًا لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة وعاصمة الدولة الفلسطينية.

كما أن الانتخابات ستوجه رسالة مهمة إلى الرأي العام العربي والإسلامي، مفادها أن الشعب الفلسطيني، رغم حجم التضحيات والدمار، ما زال يبني مؤسساته الوطنية ويتمسك بالمشروع الوطني الجامع، وأن معركته ليست فقط معركة تحرر من الاحتلال، بل أيضًا معركة بناء دولة ديمقراطية حديثة تقوم على المشاركة السياسية وسيادة القانون.

على ضوء ذلك ن فإن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسساته الوطنية، وإشراك الشباب والمرأة والنخب الأكاديمية والمجتمعية في صناعة القرار، لأن مستقبل القضية الفلسطينية لن يبنى إلا من خلال شراكة وطنية واسعة تستند إلى الإرادة الشعبية الحرة.

وفي الوقت ذاته، ينبغي أن تكون الانتخابات جزءًا من رؤية وطنية شاملة لإنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة والتعددية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع باعتبارها الوسيلة الحضارية الوحيدة لتداول السلطة.

ولا يمكن إغفال أن الاحتلال سيحاول، كما فعل في السابق، تعطيل هذا المسار أو فرض قيود عليه، خاصة في القدس المحتلة. إلا أن التمسك بحق إجراء الانتخابات في القدس يمثل بحد ذاته معركة سياسية وقانونية تؤكد السيادة الفلسطينية على المدينة، وترفض أي محاولة إسرائيلية لفرض الأمر الواقع.

إن الانتخابات ليست نهاية الطريق، وإنما بداية مرحلة جديدة من تجديد المشروع الوطني، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، وترسيخ صورة فلسطين أمام العالم باعتبارها دولة تحت الاحتلال، لكنها تؤمن بالديمقراطية والتعددية واحترام الإرادة الشعبية، وتسعى إلى بناء مؤسسات قوية قادرة على قيادة مرحلة التحرر والاستقلال.

لقد آن الأوان لأن تستعيد الديمقراطية الفلسطينية دورها الطبيعي، وأن تتحول الانتخابات إلى محطة جامعة لكل أبناء الشعب الفلسطيني، تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الوحدة، والشرعية، والشراكة الوطنية، بما يعزز مكانة فلسطين على المستويات العربية والإسلامية والدولية، ويؤكد أن الاحتلال، مهما طال، لن يحول دون إصرار الشعب الفلسطيني على بناء دولته الحرة، الديمقراطية، والمستقلة.


أقلام وأراء

السّبت 11 يوليو 2026 10:11 صباحًا - بتوقيت القدس

"فى كوريا نعجة .. وعلينا جاي عامل مارد"


 تأتي الضربات الأمريكية الأخيرة على إيران (170 موقعا) في ظل ما أسمي باتفاقية التفاهم التي وقعها ترمب في قصر فرساي الفرنسي قبل موعدها المعلن بيومين في سويسرا-17 حزيران الماضي من 14 بندا, وعندما تقول إيران ان هذه الاعتداءات مخلة بالاتفاقية, وتحدد البندين الأول والخامس, يأتي الرد الأمريكي بأنهم – الأمريكيين - لا يعيروا اهتماما بالاتفاقيات, يذكرنا هذا بقولة رابين الشهيرة عن بعض بنود اتفاقية أوسلو بأن المواعيد ليست مقدسة, والمواعيد هنا تجاوزت الأيام والأشهر والسنوات والعقود, حتى وصل عددها الى 33 سنة.

 لم يقتصر الأمر على قصف عسكري قوي وموسع, مناقض للاتفاقيات الموقعة فحسب, بل في ظل تصريحات غير مسؤولة صادرة عن هرم المسؤولين وعلى رأسهم الرئيس نفسه, الذي قال بما معناه انه قادر خلال جنازة المرشد, الذي قتله في اول أيام الحرب قبل نحو خمسة أشهر, قال إنه قادر على قتل بقية المسؤولين الإيرانيين, لكن بعدها لن يجد من يفاوضهم, وهي لغة تهديدية تحقيرية لا تستقيم مع ما يمكن تسميته باتفاقيات التفاهم, فكيف ستتعامل إيران مع مثل هذه العقلية؟

 لم يبقِ ترمب أمام إيران الا امتلاك ما ظلت ترفض امتلاكه منذ انتصار ثورتها قبل نحوخمسين سنة, وهوالسلاح النووي, وقد كان وما يزال امتلاك مثل هذا السلاح التدميري الشامل محرّم من الناحية العقدية الدينية الاسلامية استنادا لقوله تعالى "ولا تزر وازرة وزر أخرى" . لا يتعامل ترمب مثل هذه المعاملة الاجرامية - يقتل المرشد وكل من معه, زوجته وحفيدته, علماء الذرة, تلامذة في المدرسة (حوالي مئتي تلميذة لجأن الى المسجد لأداء الصلاة علها تنجيهن من قصف ترمب) – ولا اللغة التهديدية التحقيرية التي عايشناها قبل الحرب واثناءها وبعدها والتي اخترقت بعد "التفاهم" للمرة الثالثة, لو كان لدى إيران أسلحة شمولية. هل يستخدم شيئا من هذا القبيل مع الصين أو روسيا أو حتى كوريا الشمالية, هل كان ليتجرأ على احتلال العراق وأفغانستان لو كان لديهما أسلحة شمولية, وهل كان يتردد في احتلال إيران لو كان بإمكانه فعل ذلك على مدار خمسة أشهر.

 عندما اجتاح جورج بوش الابن العراق, كتب الشاعر المصري الكبير عبد الرحمن الابنودي قصيدة بالعامية المصرية, جاء فيها : يا دي الرئيس اللي على قول الضلال.. أدمن / مطلوق علينا.. كأنك ديب جعان شارد / وجاي علينا.. بتتمطع قوي... وفارد / فى كوريا نعجة, وعلينا جاي عامل مارد.



أقلام وأراء

السّبت 11 يوليو 2026 10:11 صباحًا - بتوقيت القدس

الانتخابات التشريعية استحقاق وضرورة

أصدر الرئيس الفلسطيني مرسومًا رئاسيًا بتحديد موعد الانتخابات التشريعية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني، الأمر الذي قطع الطريق أمام المشككين بعقد الانتخابات التي غابت لسنوات طويلة، بل طويلة جدًا. فمنذ عشرين عامًا كانت آخر انتخابات، ومن بعدها تعطلت لأسباب عديدة، أبرزها الاحتلال والانقسام اللذان كانا يحولان دون عقد الانتخابات، مما أثر على السياسة الفلسطينية، والتشريعات الفلسطينية، والقضايا الحياتية من جهة، والمصيرية من جهة أخرى، فغابت الديمقراطية كل هذه السنوات، وحلت مكانها قوانين مؤقتة ومراسيم وقرارات، ولم يكن هناك نواب وبرلمان يمارسون دورهم المناط بهم، كحال شعوب العالم.

إن لغياب الانتخابات التشريعية في المشهد الفلسطيني بالغ الأثر في تعطل أهم مؤسسة تشريعية برلمانية للشعب، وأهم أداة رقابة على المؤسسة التنفيذية والقضائية، وفي غيابها بات المشهد ناقصًا، ممتلئًا بالاجتهاد الذي يصيب حينًا ويخطئ أحيانًا، الأمر الذي أدخل المجتمع الفلسطيني في تناقضات بالغة الخطورة، وتفسيرات لنصوص قديمة لا تتماشى مع واقعنا الذي طرأ عليه العديد من المتغيرات والتطورات.

تحديد موعد الانتخابات يقطع الطريق أمام المشككين بعدم إمكانية عقدها، وصدور المرسوم الرئاسي يعني ألا تراجع عن عقدها، وسوف يليها الانتخابات الرئاسية مع مطلع العام القادم، وبالتوازي سوف تجري انتخابات المجلس الوطني لمنظمة التحرير، ليكتمل المشهد الديمقراطي بجميع أركانه على قاعدة المرجعية للشعب، فهو مصدر السلطات وصاحب الحق في اختيار ممثليه.

إن الظرف السياسي الهام والمفترق الخطير الذي تمر به قضيتنا الوطنية، وسياسات الاحتلال الرامية إلى شطب قضية شعبنا والاستمرار بحرب الإبادة والتهجير، تستوجب إعادة وتجديد الروح في كل المؤسسات التي تمثل شعبنا، أملًا في تجاوز هذه المحطة الصعبة والمكائد الخطيرة التي تُحاك ضد شعبنا وقضيته، وهذا يستدعي تمتين جبهتنا الداخلية من خلال صناديق الاقتراع التي تكفل للجميع المشاركة، وتضمن التداول الديمقراطي للسلطة، وتعزز الوحدة الوطنية بدلًا من التشرذم واستمرار الانقسام، وتمنح المؤسسات الشرعية المستمدة من إرادة الشعب، بما يسهم في مواجهة التحديات الراهنة والدفاع عن حقوق شعبنا وثوابته الوطنية.

إن الانتخابات القادمة محطة عبور هامة لقضيتنا، وهي ركيزة ضرورية وحاجة ملحة في الوقت الذي تتعرض فيه فلسطين كلها لجمله من الأخطار ليس آخرها حرب الإبادة وسياسات الاستيطان والتهويد، ولهذا فإن تجديد الشرعيات يعني استنهاض لكل مفاعيل العمل، سواء كانت حزبية أو جماهيرية ومؤسساتية وغيرها، وهذا أيضًا يدفع بالمجتمع الفلسطيني لاستنهاض طاقاته في كل المجالات، لكن السؤال الأخطر هنا هو، هل يسمح الاحتلال بإجراء الانتخابات في القدس؟ وهل سيوافق على إجرائها في الضفة وغزة؟ وما هي الأدوات التي نمتلكها لكي تجري الانتخابات غصبًا عن الاحتلال وسياساته؟ صحيح أن المجتمع الدولي يدعمنا في ذلك، ولكن الكل يعلم قدرة المجتمع الدولي في التأثير على الاحتلال، فما هي البدائل في حال لم يوافق الاحتلال على إجراء الانتخابات؟


أقلام وأراء

السّبت 11 يوليو 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

حروب الجاهلية وحروبنا اليوم!

نعيب في زماننا على العرب في الجاهلية الحروبَ التي كانوا يخوضونها فيما بينهم، لدرجة السخرية والاستخفاف بعقولهم وطريقة تصرفهم ومعالجتهم للأمور، معللين ذلك بأن أسباب تلك الحروب سخيفة لدرجة لا يرتضيها ذو عقل سليم. وللحقيقة والإنصاف، لا بد من تفكيك أسباب تلك الحروب، وعدم وضع الأمور كلها في سلة واحدة، وعدم الحكم المطلق عليها أو التعميم الشامل تجاهها.

فحروب العرب في الجاهلية - أياً كانت أسبابها- هي نتاج مفاهيمَ متجذرةٍ في أعماقهم، سواء كانت هذه المفاهيم سخيفة تافهة أم راقية وذات قيمة، وهنا الحديث عن "الأيام المشهورة" لتلك الحروب والنزاعات والصراعات. فحرب البسوس التي استمرت قرابة الأربعين سنة بين بني بكر وتغلب لم تكن بسبب قتل ناقة كما يتوهم البعض، بل كانت من أجل مفهوم راقٍ عند العرب، وهو حماية من يستجير بهم ومن في ذمتهم، وهذا جزء من كرامة العربي في الجاهلية، فلذلك لم تكن تلك الحرب من أجل ناقة قُتلت، بل من أجل كرامة دِيسَت ومشاعر أُهينت، وإن كان مقتل ناقة البسوس هو القشة التي قصمت ظهر البعير، والشرارة التي أشعلت نيران الحرب وفتيلها.

في المقابل، وعند إمعان النظر، لا نجد أن حروبنا الداخلية (التي تحصل بين أبناء الأمة) في العصر الحديث هي نتاج مفاهيم - راقية أو منحطة- بل هي في واقعها خدمة للدول الاستعمارية، فدماء أبنائنا تسيل أنهاراً، ومجتمعاتنا تُحطَّم وتُدمَّر، وثرواتنا تذهب سدىً، والمستعمر يقطف ثمرة حروبنا وصراعنا ونحن نتجرع المرارة والحنظل. فأيُّ تلك الحروب - حروب الجاهلية أم حروبنا اليوم- تكون في موضع سخرية وتندُّر واستحقار أكثر؟! وأيهما أسخف وأنذل: القتال لمفاهيم - ولو تافهة- أم القتال بتوجيه العدو ولمصالحه؟! رغم أن القتال بين أبناء الأمة قديماً وحديثاً شيء مرفوض وجريمة نكراء.

إن حروب العرب في الجاهلية طُويت صفحتها ببعثة رسالة الإسلام، فالإسلام جمعهم على فكر واحد في دولة واحدة، فأصبحوا بذلك أسياد الدنيا، وتحولوا من قبائل مشتتة ومتنازعة متناحرة إلى أمة واحدة ذات يد واحدة تحمل رسالة أممية سامية، ومن رعاة إبل وغنم إلى رعاية أمم وشعوب، فحملوا مشعل الحضارة والنور للناس كافة. وهكذا ستدور الدائرة، فهذه الأمة التي تحترب ويقتل بعضها بعضاً اليوم، وتدور في فلك خدمة المستعمر ومخططاته، وجب عليها أن تُغيِّر مفاهيمها ومن ثم يلتئم شملها، فتنهض وتتحد في كيان سياسي واحد يقوم على أساس فكرها ومبدئها، فتكون حزمة قوية متينة تعود لتسود الدنيا، وتحمل مشعل النور والرحمة للعالم أجمع، فتخرجه من جور وظلم الفكر الرأسمالي الظلامي المتوحش إلى عدل ورحمة فكر الأمة الحق.


أقلام وأراء

السّبت 11 يوليو 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل... بين استحقاقات السيادة واختبار الوحدة الوطنية

لا تكمن أهمية الاتفاقات الدولية في بنودها الإجرائية فحسب، بل في الفلسفة التي تحكمها، وفي الطريقة التي تعيد بها تعريف طبيعة الصراعات وأولويات معالجتها. ومن هذا المنطلق، فإن "اتفاق الإطار" الموقّع بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة لا يستدعي قراءة تقنية تقتصر على تفسير مواده، بقدر ما يستدعي قراءة سياسية وقانونية تبحث في ما قد يترتب عليه من تحولات في مفهوم السيادة، وموقع الاحتلال الإسرائيلي في معادلة الصراع، ومستقبل الدولة اللبنانية ووحدتها الوطنية.

فالقراءة المتأنية لبنود الاتفاق توحي بأن مقاربته لا تنطلق من الاحتلال الإسرائيلي بوصفه القضية المركزية التي تستوجب إنهاءً غير مشروط وفق قواعد القانون الدولي، وإنما تربط التقدم في التنفيذ بجملة من الالتزامات الأمنية الداخلية، وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل أصبح إنهاء الاحتلال مرتبطًا باستكمال ترتيبات الداخل اللبناني، أم أن الاحتلال ما يزال، قانونًا وسياسة، السبب الأصلي للنزاع الذي يوجب إنهاءه بصرف النظر عن التعقيدات الداخلية؟

تكمن أهمية هذا السؤال في أنه يمس فلسفة الصراع ذاتها. فمن المبادئ المستقرة في القانون الدولي أن الاحتلال وضع غير مشروع، وأن إنهاءه التزام قانوني مستقل لا يجوز تعليقه على شروط تفرضها القوة القائمة بالاحتلال أو ترتبط بأوضاع الدولة الواقعة تحت الاحتلال. أما إذا أصبح الانسحاب مرتبطًا بآليات تحقق أو بتقدير مدى تنفيذ لبنان لالتزاماته الأمنية، فإن الاحتلال يتحول، عمليًا، من مخالفة قانونية واجبة الإزالة إلى عنصر في معادلة تفاوضية قابلة للتأجيل وإعادة التفسير.

ولعل ما يعزز هذا الانطباع هو اعتماد الاتفاق لغة تتحدث عن "إعادة الانتشار" أو "إعادة التموضع" أكثر مما تتحدث عن الانسحاب الكامل وغير المشروط، فضلًا عن منح آليات المتابعة والتحقق دورًا محوريًا في تحديد مسار التنفيذ. فاللغة القانونية ليست مجرد ألفاظ، وإنما هي التي ترسم حدود الالتزامات وتحدد آثارها، كما أن طريقة تنفيذ الاتفاق قد لا تقل أهمية عن نصوصه ذاتها.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمتد إلى الدور الأمريكي الذي يبدو، وفق هذه الآليات، متجاوزًا حدود الوساطة التقليدية إلى المشاركة الفعلية في المتابعة والتقييم والتنسيق، مع ما قد يرافق ذلك من ربط بين المساعدات الاقتصادية وإعادة الإعمار وبين مدى التقدم في تنفيذ الالتزامات الأمنية. ومهما كانت المبررات العملية لهذا الربط، فإنه يثير تساؤلات مشروعة حول حدود تأثيره في استقلال القرار الوطني اللبناني.

ومن زاوية القانون الدولي، تبرز مسألة لا تقل أهمية، وهي حق لبنان في اللجوء إلى الأمم المتحدة والهيئات القضائية الدولية للدفاع عن حقوقه وملاحقة الانتهاكات الإسرائيلية. فإذا كان بعض نصوص الاتفاق قابلاً لتفسير قد يحد من فعالية هذا الحق أو يضعه ضمن قيود سياسية، فإن الأمر يستحق نقاشًا جادًا، لأن الاحتكام إلى الشرعية الدولية يظل أحد أهم عناصر القوة القانونية للدولة اللبنانية.

وتزداد أهمية هذه القراءة عند مقارنتها باتفاقية الهدنة اللبنانية–الإسرائيلية لعام 1949، التي انطلقت من احترام الحدود الدولية، ووقف الأعمال العسكرية، وإنشاء لجنة مختلطة برئاسة الأمم المتحدة، مع التأكيد على أن أحكامها لا تمس الحقوق السياسية والقانونية لأي من الطرفين. كما أن المقارنة مع اتفاق 17 أيار 1983، رغم اختلاف السياق التاريخي والسياسي، تذكر بأن الإشكالية في أي اتفاق لا تكمن في عنوانه، بل في مدى تأثيره في استقلال القرار الوطني وفي التوازن بين مقتضيات الأمن ومتطلبات السيادة.

غير أن أخطر ما يثيره اتفاق الإطار، إذا صح هذا الفهم لبنوده وآليات تنفيذه، لا يتعلق فقط بالعلاقة بين لبنان وإسرائيل، بل بما قد ينعكس به على الداخل اللبناني. فلبنان ليس دولة تقوم على أغلبية سياسية واحدة، وإنما على توازنات وطنية ودستورية دقيقة، وأي اتفاق يجعل مستقبل الانسحاب أو إعادة الإعمار أو الاستقرار مرتبطًا بحسم خلافات داخلية شديدة الحساسية، قد ينقل مركز الصراع من الحدود إلى الداخل، ويحوّل قضية وطنية جامعة إلى محور انقسام سياسي دائم.

وهنا تكمن المفارقة. فالاحتلال، في الأصل، هو الذي يفترض أن يوحد الإرادة الوطنية لإنهائه، لا أن يصبح استمرارُه أو إنهاؤه مرتبطًا بمدى قدرة اللبنانيين على تجاوز خلافاتهم الداخلية. وإذا حدث ذلك، فإن الخلاف لن يبقى حول الوسائل، بل قد يمتد إلى تعريف أولويات الدولة نفسها، وهو تطور بالغ الخطورة على وحدة المجتمع واستقرار المؤسسات.

إن بناء الدولة اللبنانية لا يتحقق بالاستقرار الأمني وحده، كما أن السيادة لا تكتمل باحتكار الدولة لاستخدام القوة وحده، وإنما تقوم على معادلة متوازنة تجمع بين إنهاء أي احتلال، وترسيخ سلطة الدولة، وصون الوحدة الوطنية. فهذه العناصر ليست متعارضة، بل متكاملة، وأي مقاربة تقدم أحدها على حساب الآخر قد تفتح الباب أمام أزمات جديدة بدل أن تقدم حلولًا دائمة.

لذلك، فإن القيمة الحقيقية لاتفاق الإطار لن تُقاس بقدرته على وقف إطلاق النار أو تخفيف التوتر فحسب، وإنما بمدى التزامه بقواعد الشرعية الدولية، واحترامه لسيادة لبنان، وعدم تحويل الاحتلال إلى ورقة تفاوض مفتوحة، أو تحويل الانقسام الداخلي إلى شرط سابق لاستعادة الحقوق الوطنية.

ويبقى السؤال الذي سيحكم مستقبل هذا الاتفاق: هل سيكون خطوة نحو استقرار قائم على القانون والسيادة، أم مدخلًا إلى إعادة تعريف الصراع بحيث يصبح الداخل اللبناني هو ساحة الاختبار الأولى؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد مصير الاتفاق وحده، بل تحدد أيضًا مستقبل الدولة اللبنانية. فالدول لا تُبنى على معادلات تربط سيادتها بشروط الآخرين، وإنما على وحدة وطنية راسخة، ومؤسسات دستورية قوية، وحق ثابت في إنهاء الاحتلال وفق أحكام القانون الدولي. وعندما تجتمع هذه العناصر، يصبح السلام ثمرةً للعدالة، لا بديلًا عنها.


أقلام وأراء

السّبت 11 يوليو 2026 10:08 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تصبح الانتخابات غاية لا وسيلة!

أخيرا أعلن عن موعد إجراء الانتخابات التشريعية، ما يعيد فتح النقاش القديم الذي صاحب كل إعلان سابق، ليس بسبب اهمية الانتخابات كأداة ديمقراطية، بل بسبب الفجوة بين فكرة الانتخابات وشروطها، فالمشهد اليوم لا يختلف كثيرا عن المشهد الذي سبق إعلانات انتهت بالإلغاء، فما زالت القدس محتلة والاحتلال يفرض سيطرته على أجزاء واسعة من الضفة، ويضاف لها غزة هذه المرة، بل قد تكون الوقائع الميدانية أكثر تعقيدا مما كانت عليه من قبل، مع اتساع عمليات جيش الاحتلال وتراجع قدرة السلطة على بسط نفوذها حتى داخل المناطق المصنفة "أ".

السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس متى ستجري الانتخابات، بل متى ستؤجل؟ وما الذي تغير حتى بات إجراؤها ممكنا؟ والإجابة ودون كثير تفكير، هي ان شيئا لم يتغير، بل ان البيئة السياسية والأمنية اصبحت أكثر تعقيدا، وذات الذرائع سيقت لتبرير الغاء سالفاتها ما زالت قائمة، بل قد يمنع الاحتلال إجراءها في بعض مناطق غزة والضفة هذه المرة، وخاصة بعض مناطق "ج" او الخط الاصفر.

فلسطين ربما الحالة الوحيدة عالميا التي تطالب بإجراء انتخابات تحت الاحتلال، او على مقاسات معينة، ويتعامل الاحتلال معها باعتبارها امتيازا يمنحه او يمنعه وفق حساباته، الا انها تكشف خللا في بنية النظام السياسي الفلسطيني منذ أوسلو، حيث اصبحت الممارسة الديمقراطية رهينة لإرادة القوة القائمة بالاحتلال او الممولين، لا الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات، وهنا تتحول الانتخابات من حق الى ملف تفاوضي يخضع لموازين القوة والمال، لا القانون او القيم الديمقراطية.

الاشهر الماضية شهدت سلسلة من التعديلات طالت قوانين الانتخابات، الى جانب مسودة قانون جديد للأحزاب السياسية يفترض ان يصدر قريبا، وهي بالمجمل تعديلات لا توسع دائرة المشاركة بقدر ما تعيد تنظيمها داخل حدود وتحت سقوف محددة مسبقا، تجعل المنافسة محكومة بشروط النظام القائم وبعيدة عن التعددية الحقيقية، ما يجعلها مساحة لإعادة انتاج التوازنات نفسها مع بعض التغييرات الشكلية، لا مساحة مفتوحة للتغيير.

السلطة ما زالت تدور داخل حلقة اوسلو الذي تجاوزته الوقائع السياسية، حتى ان الاحتلال يعمل على التخلص من بقاياه يوميا، وذلك بصورة منهجية عبر الاستيطان والضم ودفن حل الدولتين، ورغم ذلك تعلن السلطة تمسكها بالبنية القانونية والمؤسسية التي انتجها باعتبارها المرجعية الوحيدة لتنظيم الحياة السياسية، وهو الامر الذي يصعب تبريره.

الانتخابات في ظل الانقسام وتراجع الحريات وتغييب الحياة الحزبية وغياب التوافق الوطني يجعل نتائجها موضع جدل، لأنها ليست مجرد اجراء فني، بل لأنها يجب ان تكون الحلقة الاخيرة في عملية سياسية متكاملة تسبقها ضمانات للحريات واستقلال للقضاء وتكافؤ في الفرص والاتفاق على قواعد اللعبة السياسية، وبدون ذلك تصبح رقما جديدا يضاف الى سجل الازمات، لا مدخلا للخروج منها.

هذا لا يعني ان تأجيل الانتخابات هو الحل، او انتظار زوال الاحتلال، لكنها يجب ان تكون رافدا لمشروع التحرر الوطني عبر تجديد قيادته وتعزيز وحدته وتماسكه، وبالتالي فان المدخل الحقيقي يبدأ بحوار وطني يعيد بناء المرجعية السياسية، يحدد وظيفة السلطة وحدودها في ظل التحولات الكبرى، وإعادة النظر في القوانين الناظمة للحياة السياسية بما يضمن توسيع المشاركة، لا تقييدها، وتوفير ضمانات حقيقية للحريات العامة، لا كبتها، وصياغة خطة وطنية لمواجهة محاولات الاحتلال لتعطيلها، لا ترك القرار الحاسم بيده.

أقلام وأراء

السّبت 11 يوليو 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس

عندما يصبح استخدام الذكاء الاصطناعي تهمة!

كلما أخبرت أحدًا أنك استخدمت الذكاء الاصطناعي في كتابة مقال، أو تحليل بيانات، أو تصميم فكرة، أو حتى تنظيم عملك، ستجد من ينظر إليك وكأنك ارتكبت خطأً مهنيًا أو أخلاقيًا. فجأة تتحول من شخص مجتهد إلى شخص "لا يفهم"، ومن باحث إلى "ينسخ ويلصق"، ومن مبدع إلى شخص يعتمد على آلة لا أكثر.

المثير للاهتمام أن كثيرًا من هؤلاء لا يسألون ماذا استخدمت، ولا كيف استخدمته، ولا ما الذي أضفته أنت إلى النتيجة. كل ما يهمهم أنك استخدمت الذكاء الاصطناعي، وكأن الأداة وحدها هي التي أنجزت العمل، بينما العقل البشري غاب تمامًا.

برأيي، المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي، بل في الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى كل تقنية جديدة. هذه ليست المرة الأولى في التاريخ التي يحدث فيها ذلك. عندما ظهر الإنترنت قيل إنه سيقتل القراءة، وعندما انتشرت محركات البحث قيل إنها ستجعل الناس لا يحفظون المعلومات، وعندما ظهرت الهواتف الذكية قيل إنها ستنهي التواصل الحقيقي. واليوم جاء الدور على الذكاء الاصطناعي.

في كل مرحلة من مراحل التطور التقني، تظهر فئة ترفض الجديد لأنها لا تعرفه بعد، أو لأنها لم تتعلم كيف تستفيد منه، أو لأنها تشعر أن المهارات التي بنت عليها مكانتها أصبحت مهددة. وهذا رد فعل إنساني أكثر منه موقفًا علميًا.

لا أعتقد أن استخدام الذكاء الاصطناعي يلغي الإبداع، بل أرى أن سوء استخدامه هو الذي يلغي الإبداع. هناك فرق كبير بين شخص يطلب من الذكاء الاصطناعي أن يفكر بدلًا عنه، وشخص يستخدمه ليختصر الوقت، ويختبر الأفكار، ويحلل البيانات، ويطوّر إنتاجه. الأول يعتمد على الأداة اعتمادًا كاملًا، أما الثاني فيستخدمها كما يستخدم المهندس برامجه، والطبيب أجهزته، والمصور كاميرته، والمحاسب برامجه المالية.

المفارقة أن كثيرًا ممن ينتقدون استخدام الذكاء الاصطناعي يستفيدون يوميًا من تقنيات قائمة عليه دون أن يشعروا. يستخدمونه في محركات البحث، وفي الترجمة، وفي اقتراحات الفيديوهات، وفي الخرائط، وفي تصفية البريد الإلكتروني، وفي هواتفهم الذكية، لكنهم يرفضونه عندما يصبح ظاهرًا أمامهم.

أعتقد أيضًا أن جزءًا من النظرة الدونية تجاه مستخدمي الذكاء الاصطناعي يعود إلى الخوف. الخوف من المنافسة، والخوف من سرعة الإنجاز، والخوف من أن تتغير معايير سوق العمل. فمن الطبيعي أن يشعر بعض الأشخاص بالقلق عندما يرون أن شخصًا يمتلك أدوات حديثة يستطيع إنجاز ما كانوا يحتاجون إليه أيامًا أو أسابيع.

لكن الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي لا يصنع الخبرة من العدم، ولا يمنح شخصًا جاهلًا القدرة على إنتاج عمل احترافي باستمرار. فهو قد يساعد في كتابة نص، لكنه لا يمنح صاحبه سنوات الخبرة. وقد يقترح تحليلًا، لكنه لا يتحمل مسؤولية دقته. وقد يولد تصميمًا، لكنه لا يعرف هوية العلامة التجارية كما يعرفها صاحبها. الإنسان ما زال هو من يطرح السؤال الصحيح، ويقيّم الإجابة، ويصحح الأخطاء، ويتحمل المسؤولية عن النتيجة النهائية.

علينا أيضًا أن نعترف بأن كل تقنية تحمل فرصًا ومخاطر في الوقت نفسه. نعم، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة سطحية تؤدي إلى انتشار محتوى ضعيف، ويمكن أن يُساء استخدامه في التضليل أو الغش أو إنتاج معلومات غير دقيقة. لكن هذا لا يجعل التقنية سيئة بحد ذاتها، تمامًا كما أن وجود حوادث السير لا يجعل السيارات اختراعًا فاشلًا، ووجود الاحتيال الإلكتروني لا يعني أن الإنترنت كان خطأ.

أنا مع استخدام الذكاء الاصطناعي بكل الطرق المشروعة التي تزيد من جودة العمل، وترفع الإنتاجية، وتوفر الوقت، وتساعد الإنسان على التفكير بصورة أفضل، لا أن تلغي دوره. أراه أداة يجب أن يتعلمها الجميع، لا أن يخافوا منها. وأعتقد أن من يرفض تعلمها اليوم سيجد نفسه بعد سنوات مضطرًا للحاق بالركب، كما حدث مع كثير من التقنيات التي سبقتها.

في النهاية، لن يكون السؤال في المستقبل: "هل استخدمت الذكاء الاصطناعي؟"، بل سيكون: "هل عرفت كيف تستخدمه بذكاء؟". فالفارق الحقيقي لن يصنعه امتلاك الأداة، وإنما امتلاك العقل القادر على توجيهها، ونقد نتائجها، وتحويلها إلى قيمة حقيقية للناس. وهذا، في رأيي، هو المعيار الذي سيحدد المبدعين في المرحلة القادمة، وليس مجرد الادعاء بأن كل شيء كُتب أو صُمم أو حُلّل بالاعتماد على الجهد البشري وحده.

* باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي


أقلام وأراء

السّبت 11 يوليو 2026 10:06 صباحًا - بتوقيت القدس

صباح الغد... بلا ذكاء اصطناعي


دعونا نتخيّل أن تستيقظ صباح الغد، نمد يدنا إلى هواتفنا كالمعتاد، وفجأة كل أدوات الذكاء الاصطناعي قد تعطلّت لسبب ما، لا مساعدين رقميين، ولا تطبيقات تكتب، ولا برامج تلخص، ولا نماذج تجيب عن الأسئلة، للحظة سنشعر وكأننا (على الأقل من هم مثلي) بأن مصيبةً كبيرةً قد وقعت، لكن السؤال هو: هل فقدنا الأداة فقط، أم فقدنا معها شيئاً من عادتنا على التفكير؟

نتذكر أننا نحن البشر، لم نكن يوماً أعداء للذكاء الاصطناعي وللتقنية بشكل عام، فمنذ أن صنع الإنسان العجلة مثلا، وهو يبحث عن وسيلة تختصر الجهد وتمنحه وقتاً أكبر للحياة والإبداع والراحة، ولم يعترض أحد لأن الكهرباء حلّت محل مولدات الفحم، أو لأن الحاسوب اختصر ساعات من العمليات الحسابية، بل كان التقدم دائماً يعني أن ننجز أكثر بجهد أقل، والذكاء الاصطناعي ليس استثناءً من هذه القاعدة، بل هو امتداد طبيعي لمسيرة الإنسان في تطوير أدواته.

الفرق الوحيد هذه المرة، فالأدوات السابقة اختصرت جهد العضلات، أما الذكاء الاصطناعي فيختصر جزء من الجهد الذهني، أي إنه يساعدنا على الكتابة، والبحث، والتحليل، والتخطيط، وحتى توليد الأفكار الأولية، ووهنا لا تكمن المشكلة، بل تبدأ المسؤولية، لأن العقل، مثل أي قدرة إنسانية أخرى، ينمو بالاستخدام، لا بالاستعاضة عنه.

هناك سؤال داخلي يلح علينا: ماذا سنفعل لو طُلب منا غداً أن ننجز عملاً اعتدنا انجازه بمساعدة الذكاء الاصطناعي دون مساعدة وبالاعتماد على خبرتنا وحدها؟ ربما ستنجح، لكننا سنشعر أن المهمة أصبحت أصعب مما كانت قبل سنوات، ليس لأننا بتنا أقل ذكاءً، بل لأنك اعتدنا أن يكون بحانبنا مساعد لا يكل ولا يمل.

هي التكنولوجيا تكرر قصصها، حيث مررنا بتجارب مشابهة قبل ذلك، فمنذ ظهور الالة الحاسبة مثلاً، تراجعت قدرتنا على الحساب، ومنذ انتشار الهواتف الذكية، توقف كثيرون عن حفظ أرقام الهواتف، لم نفقد هذه المهارات تماماً، لكننا تركناها تنام لأن هناك من يؤديها نيابة عنا، واليوم يطرح الذكاء الاصطناعي السؤال نفسه، ولكن على مستوى التفكير والتحليل والإبداع.

هل الحل الأنسب هو الابتعاد عن الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته وأدواته؟ أو التسليم له بالكامل، فالحدّ الفاصل ليس في هذا ولا ذاك، الحكمة أن نستخدمه بإدراكنا ووعينا، فالأداة تمنح الثقة، لكنها لا ينبغي أن تلغي المهارة.

لنستثمر الوقت الذي يوفره الذكاء الاصطناعي فيما لا تستطيع الآلة أن تقوم به بدلاً منا، لنقرأ أكثر، ونتامل أكثر، ونناقش أكثر، ونجرّب أكثر، إذا وفر لنا ساعة من العمل، فلا نجعلها ساعة من الفراغ، بل ساعة من التعلم والتفكير خارج الصندوق، هنا فقط تتحول التقنية من وسيلة للراحة إلى وسيلة للنمو.

لنساعد أبناءنا أن يسألوا الذكاء الاصطناعي بعد أن يفكروا، لا قبل أن يفكروا، ندعهم يكتبون افكارهم مشاريعهم طموحهم الأولى بأقلامهم، ثم يطلبون من الآلة تطويرها، ندعهم يحاولون الوصول إلى الحل، ثم يقارنون بينه وبين ما تقترحه التقنية.

فالعقول لا تُبنى بالإجابات الجاهزة، بل بالمحاولة، وبالخطأ، وبالأسئلة التي تسبق كل اكتشاف.

بتّ مؤمناً بأن المستقبل لن يكون من نصيب من يستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر، بل من يستخدمه بطريقة أفضل، فكلما أصبحت الأدوات متاحة للجميع، أصبحت القيمة الحقيقية في الإنسان نفسه: في حكمته، وخبرته، وخياله، وقدرته على الربط بين الأفكار، ورؤية ما لا تراه الخوارزميات.

نجد أنفسنا الان، وأمام هذه الرحلة الفكرية لا نملك  جواباً اليوم لسؤال يقول: لو استيقظت البشرية صباح الغد بلا ذكاء اصطناعي، هل ستتوقف الحياة؟ بالتأكيد لا، لكنها ستمنحنا فرصة نادرة لنتذكر أن أعظم ابتكار في التاريخ لم يكن الآلة، بل العقل الذي صنعها، ولذلك، فإن أفضل طريقة للرقي بالذكاء الاصطناعي ليست أن نجعله يفكر بدلاً منا، بل أن نجعله يمنحنا وقتاً لنفكر بصورة أعمق، ونبدع بصورة أجمل، ونبقى، بشراً يملكون أعظم أداة عرفها الكون... العقل.

أقلام وأراء

السّبت 11 يوليو 2026 10:05 صباحًا - بتوقيت القدس

فائض القيمة واستغلال الرغبة في "البرستيج"

قبل أيام دعيت إلى العشاء في مطعم ما على تخوم مدينة رام الله، وبعد الانتهاء من تناول الوجبة المتواضعة بالمقارنة مع مطاعم في الخليل وجنين على وجه الخصوص، تفاجأنا بأن الرقم المذيل في نهاية " الفاتورة" كان مذهلاً حد فتح الأفواه، فما تم تقديمه من طعام بالكاد تصل تكلفته على صاحب المطعم  "70 شيكلاً"، في حين كانت الفاتورة ثمانية أضعاف هذه التكلفة، الأمر الذي اثار الدهشة والذهول حول الغلو في الابتزاز مقابل برستيج كاذب يصل حد الخديعة.

هذا الأمر ينسحب على غالبية المطاعم التي تتخذ لنفسها اسماء غربية او تركية أو ما شاكل ذلك، في حين أن المحتوى المقدم للزبون لا يجافي الطبيعية الفلسطينية المحلية، فمثلا " لايوجد مسخن تركي أو فرنسي.. ولا توجد مقلوبة أمريكية، ولا يوجد منسف صيني "على سبيل المثال. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتم التعامل مع مرتادي المطاعم غير الشعبية سواء كانوا مدعوين أو داعين بنظرة طبقية مقيتة هدفها الابتزاز والاستغلال؟


تحليل من منظور ماركسي

تُعد المطاعم الفاخرة جزءاً من آليات إعادة إنتاج التراتبية الطبقية. وكما يوضح ماركس في "العمل المأجور والرأسمال"، فإن الأجر ليس ثمناً للعمل، بل لقوة العمل، والأجر الحقيقي هو ما يمكن شراؤه به، وليس المبلغ الاسمي. في هذا السياق، تُبقي المطاعم أسعارها مرتفعة لتخلق انقساماً طبقياً عبر بوابة الاستهلاك: من يستطيع الدخول ومن لا يستطيع. وهذا هو جوهر "خديعة البرستيج": دفع المواطن ثمناً باهظاً لشراء إحساس وهمي بالانتماء إلى طبقة أعلى، بينما هو في الحقيقة يدفع من قوته الحياتية .

كما يوضح التحليل الماركسي أن فائض القيمة هو الفرق بين ما ينتجه العامل وما يحصل عليه كأجر . وفي حالة المطاعم الفاخرة، فإن "فائض القيمة" المستخلص من المواطن لا ينتج عن إنتاج حقيقي، بل عن تضخيم سعر الخدمة عبر وهم الرفاهية. إنها رأسمالية استهلاكية طفيلية تستغل حاجة الطبقة الوسطى للتماهي مع صورة البرجوازية، وتستنزف ما تبقى من مدخراتها في ظل تآكل قوتها الشرائية الفعلية.

يقول أحد المعلقين على منشور حول فاتورة مطعم في رام الله: "المطاعم كتيره وأسعارهم لا تطاق سواء في رام الله او غيرها، لا مبرر للأسعار الغاليه" . وهذا التعليق يعكس وعياً متنامياً بالاستغلال، وإن لم يصاغ بمصطلحات ماركسية".


التكافل الاجتماعي بين النظرية والممارسة

إذا كان المفهوم الإسلامي للتكافل الاجتماعي يدعو إلى التراحم والتضامن، فإن واقع رام الله اليوم يشهد انكساراً لهذا المبدأ. في مجتمع يعاني من بطالة مرتفعة، وانقطاع الرواتب، وانهيار القطاع العام، يصبح وجود مطاعم تقدم وجبة إفطار بـ 300 شيقل لـ5 أشخاص أشبه بإهانة للضمير الجمعي.

يلاحظ أن الطبقة الوسطى، التي يفترض أن تكون نواة التكافل الاجتماعي، أصبحت مسحوقة بين متطلبات البقاء وضغوط المحاكاة الطبقية. كما يشير تحليل الطبقة الوسطى الفلسطينية إلى أنها "طبقة ليس لها هوية مشتركة، ودورها السياسي ضعيف، ومرجعيتها منظمات دولية مانحة عوضا عن مؤسسات الدولة". هذا التفكك يجعلها غير قادرة على المقاومة الجماعية للاستغلال، أو حتى على خلق بدائل استهلاكية قائمة على التضامن.


خديعة البرستيج: الترف كآلية للسيطرة

تتجلى الخديعة الكبرى في تسويق المطاعم الفاخرة نفسها كرمز للتحضر والنجاح، بينما هي في الحقيقة أداة لإفقار الطبقة الوسطى وسحب سيولتها النقدية المحدودة. كما توضح بعض المصادر، فإن الطبقة العليا في فلسطين (البرجوازية) قد أدخلت إلى المجتمع "سلوكيات وأنماط استهلاكية لا تنسجم مع الواقع الاحتلالي الذي يعيش، وسهّلت على باقي الطبقات محاكاة أنماطها الاستهلاكية (من سيارات فارهة وقصور وفنادق ومطاعم وماركات)" .

هذه المحاكاة ليست بريئة؛ إنها تخدم مصالح البرجوازية التي "لا تأبه على الأغلب بمدى مشروعية الكسب، وقد تستحل المال العام" . إنها صورة من صور الصراع الطبقي الرمزي، حيث يُستخدم الاستهلاك كسلاح لإعادة إنتاج الهيمنة.


نحو رقابة شعبية وتدخل حكومي

انطلاقاً من هذا التحليل، تبرز مجموعة من التوصيات العملية التي تتجاوز الشجب الأخلاقي إلى الفعل السياسي والاقتصادي:

أولاً: تفعيل الرقابة على الأسعار. المطالبة الحكومية بالرقابة على الأسعار ليست جديدة، كما يوضح أحد المعلقين: "الأهم ان الحكومة تملك حق الرقابه على الأسعار في كل أنحاء الوطن من بيع وشراء وتأجير وغيره.. ليه ما بتقوم بواجبها؟". يجب أن تتجاوز الرقابة مجرد المراقبة إلى وضع ضوابط سعرية عادلة للسلع والخدمات الأساسية، بما فيها المطاعم، على أن تكون هذه الضوابط متصلة بمؤشرات حقيقية للدخل والقدرة الشرائية.

ثانياً: تشجيع المقاطعة الواعية، اذ يجب توعية المواطنين بأن المقاطعة ليست مجرد فعل استهلاكي، بل هي شكل من أشكال الصراع الطبقي السلمي.يمكن للمواطنين عبر خياراتهم الاستهلاكية أن يرسلوا رسالة قوية: إما أسعار عادلة أو مقاطعة شعبية. وقد لاحظنا أن بعض التعليقات على منشورات الفواتير المرتفعة تعكس بالفعل هذا الوعي.

ثالثاً: إعادة تعريف البرستيج، حيث ان هناك حاجة لحراك ثقافي يعيد تعريف النجاح والمكانة الاجتماعية بما يتجاوز الاستهلاك. البرستيج الحقيقي ليس في تناول القهوة بمطعم فاخر، بل في الصمود والتكافل في وجه الأزمات. ويمكن للمؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية أن تلعب دوراً في هذا التحول.

رابعاً: تفعيل المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص، فبدلاً من التهرب من المسؤولية الاجتماعية، يمكن للمطاعم الفاخرة أن تتبنى سياسات تخفيض الأسعار أو تقديم وجبات مدعومة للفئات المتضررة، كجزء من التضامن المجتمعي، بدلاً من الانكفاء وراء هوامش الربح الفاحشة. وهنا نشير الى ان بعض المبادرات المجتمعية يمكن أن تشجع القطاع الخاص على تبني "ممارسات مسؤولة تتجاوز العمل التجاري التقليدي نحو أهداف شاملة تخدم البيئة وتدعم الكفاءات" .


النضال من أجل الأسعار العادلة

في تحليل ماركسي خالص، فإن المعركة ضد أسعار المطاعم الفاخرة ليست معركة أخلاقية فقط، بل هي معركة طبقية بامتياز. إنها جزء من صراع أوسع ضد استغلال الطبقة الوسطى لصالح البرجوازية القابضة، في ظل ظروف احتلالية تجعل الاقتصاد الفلسطيني هشاً ومعتمداً على عوامل خارجية.

الطبقة الوسطى في رام الله، هذه الطبقة المسحوقة، يمكنها أن تجد في وعيها الطبقي الجديد قوة لمقاومة وهم البرستيج. المقاطعة، المطالبة بالرقابة، وإعادة تعريف القيم، كلها أدوات نضال يمكن أن تعيد تعريف العلاقة بين الاستهلاك والعدالة الاجتماعية. وبينما يصرخ البعض بأن الأسعار في رام الله مرتفعة، فإن الحقيقة الأعمق هي أن هذه المدينة هي رمز للخديعة، وأن الوقت قد حان لنزعها، ليس بقوانين حكومية فقط، بل بإرادة شعبية واعية تعيد إلى الاستهلاك معناه الحقيقي بعيداً عن فخاخ البرستيج.

* مسؤول ملف الإعلام في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس

أقلام وأراء

السّبت 11 يوليو 2026 10:03 صباحًا - بتوقيت القدس

الفيفا اذ تدعى لامريكا ... وتجيب الدعوة

بقلم: إياد عودة الله


لا يختلف اثنان على أنه لو أقدم بلد مستضيف لكأس العالم على منع حكم رسمي من دخول أراضيه، أو أخضع منتخبات بعينها لإجراءات تفتيش مهينة، أو منع أعدادا كبيرة من جماهير بعض المنتخبات من الحضور، لأقامت الفيفا الدنيا ولم تقعدها، ولاتخذت إجراءات حازمة مسبقا لمنع حدوث ذلك، ولاشترطت ذلك سلفا. لكن عندما يكون المستضيف طرفا ذا نفوذ كبير، يبدو أن المعايير تتغير، ويصبح الصمت المريب سيد الموقف.


وحدثت الواقعة  التي هزت مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص، عندما شكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الفيفا على تعليق تنفيذ عقوبة الإيقاف لمهاجم المنتخب الأمريكي “فلورين بالوغون”، بعد تلقيه بطاقة حمراء، ليشارك في المباراة التالية، في واقعة نادرة عدها كثير من المنتقدين محاباة واضحة للدولة المستضيفة، ووصفوها بأنها رضوخ لضغوط سياسية. وقد أثار القرار موجة واسعة من الجدل والانتقادات واستنكار مشاهير الكرة والمحللين، إذ خلا، في نظر منتقديه، من أبسط قواعد المنافسة الشريفة، عبر لي أعناق القوانين، وكأن كرة القدم قد ذبحت، ولكن دون سكين.


ولم يقتصر الاعتراض على الجماهير والمحللين، بل امتد إلى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، الذي انتقد القرار بشدة، معتبرا أنه تجاوز “خطا أحمر”، ومحذرا من أنه يهدد نزاهة اللعبة ويقوض الثقة في عدالة المنافسة، ويؤسس لسابقة خطيرة في تطبيق اللوائح التأديبية.


والمفارقة أن ترامب، الذي يتبنى مواقف متشددة تجاه الهجرة وحق الجنسية بالولادة، تدخل هذه المرة دفاعا عن المهاجم بالوغون، وهو لاعب ولد في الولايات المتحدة لأبوين نيجيريين أثناء سفرهما إليها، ونال الجنسية بموجب حق الولادة. لكنه، ومن مواقفه المعلنة والداعية إلى تقييد هذا الحق، يسعى إلى سن قوانين تستهدف أمثال بالوغون  ممن يولدون في الولايات المتحدة لأبوين لا يحملان جنسيتها، بما يؤدي إلى إسقاط حقهم في الجنسية، في موقف يبدو متناقضا تماما.


ثم جاء لقاء مصر والأرجنتين في الدور ربع النهائي، الذي أثار جدلا تحكيميا واسعا بشأن آلية اللجوء إلى تقنية حكم الفيديو المساعد ( فار )، وانتقائية العودة إليها تبعا للمنتخب المستفيد أو حتى لنجم كروي بعينه. وبرزت تساؤلات حول مدى حرص الفيفا على بقاء المنتخبات الكبرى في البطولة حتى أدوارها المتقدمة، خاصة بعد خروج الدول الثلاث المنظمة مبكرا، إلى جانب بعض أقطاب اللعبة مثل البرازيل وألمانيا وهولندا في أدوار مبكرة، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات بشأن ما إذا كانت الاعتبارات التجارية والإعلامية تؤثر في بعض القرارات والتعيينات ، بما يضمن نجاح البطولة وتحقيق أعلى نسب من الحضور والإيرادات والزخم الإعلامي المرافق لذلك.


وليس هذا الجدل جديدا على ذاكرة جمهور كرة القدم، فما زالت أحداث كأس العالم 2002 حاضرة، حين رأى كثيرون أن المنظومة التحكيمية خدمت منتخب كوريا الجنوبية المضيف بصورة أثارت ردود فعل واسعة آنذاك، خصوصا بعد تخطيه إيطاليا وإسبانيا بقرارات تحكيمية مثيرة للجدل، لا تزال محل نقاش حتى اليوم.


في الحقيقة، إن رأس الهرم الكروي العالمي، الفيفا، أصبح جزءا من منظومة دولية تتأثر بموازين القوى والنفوذ. وقد مرت عبر تاريخها بفضائح فساد مالي واتهامات بالمحاباة والتمييز، وهي تمزج بين الرياضة والسياسة حين يخدم ذلك مصالحها، وتفصل بينهما عندما تقتضي الضرورة. وفي نهاية المطاف، تحولت إلى مؤسسة اقتصادية ضخمة، أصبح الربح والعوائد المالية أحد أبرز محركات قراراتها، حتى وإن كان الثمن اهتزاز ثقة الجماهير بعدالة اللعبة، وهو ما أكده كثير من المراقبين خلال هذه البطولة.

فلسطين

الجمعة 10 يوليو 2026 9:30 مساءً - بتوقيت القدس

الجمعية الفلسطينية للغدد الصم والسكري تنظم فعالية علمية

رام الله - القدس دوت كوم - من أحمد جلاجل- نظّمت الجمعية الفلسطينية للغدد الصم والسكري، بالتعاون مع شركة القدس للمستحضرات الطبية⁠، وبمشاركة جمعية القلب الفلسطينية وجمعية الباطني وجمعية طب الأسرة، فعالية علمية للإعلان عن إطلاق المستحضر الدوائي الجديد Empa L لعلاج مرض السكري.


وشهدت الفعالية حضور وكيل وزارة الصحة الدكتور وائل الشيخ، الذي استعرض الواقع الصحي والتحديات الاستثنائية التي يواجهها القطاع الصحي في فلسطين في ظل الظروف الراهنة، وما فرضته من ضغوط كبيرة على الإمكانات والموارد الصحية. وأكد أن هذه التحديات تتجاوز قدرات المؤسسات الصحية منفردة، مما يستدعي تكاتف الجهود للحفاظ على استمرارية الخدمات الصحية وضمان سلامة المرضى وجودة الرعاية المقدمة لهم بأفضل صورة ممكنة رغم الظروف الصعبة، إلى جانب مشاركة عدد كبير من اختصاصيي الغدد الصم والسكري وأطباء الباطنية وطب الأسرة ومقدمي الرعاية الصحية.


وتناولت الفعالية أحدث المستجدات العلمية في إدارة وعلاج مرض السكري وأمراض السمنة، كما تضمن البرنامج عرضاً علمياً حول الخصائص الدوائية للمستحضر الجديد وآلية عمله والأدلة السريرية التي تدعم فعاليته وسلامته، بما يتوافق مع الإرشادات العلاجية المعتمدة.


وأكد الدكتور سفيان بسيط، رئيس الجمعية الفلسطينية للغدد الصم والسكري، أهمية تعزيز التعاون بين الجمعيات العلمية وشركات الأدوية الوطنية لدعم التعليم الطبي المستمر وتمكين الأطباء ومقدمي الرعاية الصحية من الاطلاع على أحدث التطورات العلاجية المبنية على الدليل العلمي، مشيراً إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تطوراً كبيراً في فهم مرض السكري ووسائل علاجه وتقنيات مراقبته، الأمر الذي يفرض مسؤولية مستمرة لتحديث المعرفة وتسخير هذه التطورات لخدمة المرضى وتحسين نوعية حياتهم.


كما توجه الدكتور بسيط بالشكر والتقدير للمحاضرين والمشاركين والمنظمين الذين ساهموا في إنجاح هذا اليوم العلمي، معرباً عن تطلعه إلى المزيد من الفعاليات العلمية التي تعزز تبادل المعرفة والخبرات.


من جانبه، أعرب الأستاذ رامي قطب، المدير العام لشركة القدس للمستحضرات الطبية، عن اعتزازه بالتعاون مع الجمعية الفلسطينية للغدد الصم والسكري، مؤكداً التزام الشركة بتطوير وتوفير مستحضرات دوائية عالية الجودة تلبي احتياجات المرضى وتدعم الكوادر الطبية وتسهم في الارتقاء بمستوى الرعاية الصحية في فلسطين، والعمل على توفير أحدث العلاجات التي تساهم في تعزيز صحة المجتمع.


واختُتمت الفعالية بنقاش علمي تفاعلي تناول أحدث التوجهات في علاج مرض السكري وأمراض السمنة، وأكد أهمية مواصلة عقد الفعاليات العلمية التي تسهم في تبادل الخبرات وتعزيز الممارسة الطبية المبنية على الدليل

تحسين ما ذكرة وقالة الدكتور وائل الشيخ وكيل وزارة الصحة يكون المعنى الحديث الوضع الصحي السيء ومن السبب ليس الوزارة بل الظروف الحالية وان من مهمتنا العمل على الحفاظ قدر الإمكان على سلامة المريض.

أقلام وأراء

الجمعة 10 يوليو 2026 7:24 مساءً - بتوقيت القدس

الشعب... غربال القيادة

الشعب... غربال القيادة

لا يتجدد المشروع الوطني بتغيير الأشخاص وحدهم، بل باستعادة الشعب لدوره في قلب السياسة، ليصبح قادرًا على فرز القيادات والبرامج التي تحمل رؤية قادرة على مواكبة تحديات المرحلة.

في لحظات التحول الكبرى، لا يكون السؤال الأهم: من يقود؟ بل: كيف يصبح الشعب قادرًا على اختيار من يقوده؟ ومن يحدد اتجاه المشروع الوطني؟ فالشعوب التي تواجه تحديات تاريخية لا تستطيع أن تبقى أسيرة معادلات سياسية صيغت لظروف مضت، لأن تغير الواقع يفرض مراجعة الأدوات، وتجديد الرؤية، وأحيانًا إعادة النظر في البنية القيادية نفسها.

وفي جوهر هذه المراجعة تبرز حقيقة أساسية: أن الشعب ليس مجرد مصدر للشرعية، بل هو غربال القيادة. فمن خلال وعيه، ومشاركته، وقدرته على التقييم والمساءلة، تُفرز القيادات القادرة على حمل المشروع الوطني، وتُراجع الأفكار التي لم تعد قادرة على الاستجابة لتحولات الواقع. فالقيادة لا تنشأ فقط من داخل المؤسسات السياسية، بل تتشكل أيضًا من طبيعة المجتمع الذي ينتجها، ومن مستوى وعيه، ومن قدرته على الاختيار والمحاسبة.

ومن هنا، فإن تجديد المشروع الوطني لا يبدأ فقط بالسؤال عن الأشخاص الذين يتولون المسؤولية، بل بالسؤال الأعمق: كيف نعيد بناء العلاقة بين الشعب والسياسة؟ وكيف ننتقل من مجتمع يتلقى القرارات إلى مجتمع يشارك في صناعتها؟ فالمشروع الوطني الذي ينفصل عن شعبه يفقد جزءًا من حيويته، أما المشروع الذي يجعل الشعب شريكًا حقيقيًا فيه، فإنه يمتلك القدرة على التجدد والصمود.

إن القضية الفلسطينية تقف اليوم أمام مرحلة تختلف في طبيعتها عن مراحل سابقة. فالمشهد السياسي يتغير بسرعة، وطبيعة الصراع نفسها تشهد تحولات عميقة. فالاحتلال يراكم الوقائع على الأرض، والإقليم يعيد تشكيل توازناته، والمجتمع الدولي يعيد ترتيب أولوياته، بينما تتسع لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين مشاعر الفجوة بين تطلعات الناس وأداء المؤسسات السياسية.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح تجديد المشروع الوطني ضرورة سياسية لا مجرد مطلب إصلاحي. لكن هذا التجديد لا يبدأ بالسؤال عن اسم القائد القادم، ولا عن شكل الترتيبات السياسية المقبلة، وإنما يبدأ بسؤال أكثر عمقًا: من أين تستمد القيادة شرعيتها؟ ومن يملك حق تحديد الأولويات ورسم اتجاه المشروع الوطني؟

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن المشاريع الوطنية الكبرى لا تُولد في الغرف المغلقة، ولا تُصاغ داخل دوائر النخب وحدها، ولا تُفرض من أعلى إلى أسفل. إنها تنشأ عندما يعود الشعب إلى موقعه الطبيعي بوصفه صاحب الحق في تقييم التجربة، ومراجعة المسار، والمشاركة في صياغة المستقبل.

فالقيادات، مهما كان تاريخها وحجم تضحياتها، ليست غاية في ذاتها، وإنما أدوات لتحقيق أهداف وطنية تتجاوز الأشخاص. وعندما تتغير المرحلة وتتبدل طبيعة التحديات، يصبح من الطبيعي طرح السؤال حول قدرة البنية القيادية القائمة على مواكبة التحولات الجديدة، لا بهدف إنكار الماضي، بل بهدف البناء عليه.

إن إعادة الدفة إلى الشعب لا تعني إسقاط التاريخ أو تجاهل التضحيات أو التقليل من قيمة ما قدمته الأجيال السابقة. بل تعني احترام هذا التاريخ عبر تحويله إلى خبرة حية تساعد على صناعة المستقبل. فالأمم لا تتقدم عندما تنكر تجاربها، ولا عندما تبقى أسيرة لها، وإنما عندما تستخلص منها الدروس وتعيد توظيفها بما يناسب المرحلة الجديدة.

ولهذا، فإن الحاجة اليوم ليست إلى تغيير أسماء فقط، بل إلى إعادة بناء الوعي السياسي نفسه. فالتحديات الحالية لم تعد تشبه تحديات العقود الماضية. والمواجهة لم تعد تقتصر على الميدان أو الدبلوماسية، بل تمتد إلى الاقتصاد، والتكنولوجيا، والتعليم، والإعلام، والرواية التاريخية، وبناء المؤسسات القادرة على الصمود والاستمرار.

فالمرحلة تحتاج إلى وعي سياسي جديد يدرك أن القيادة ليست امتيازًا دائمًا، وإنما مسؤولية تخضع للتقييم والمساءلة والتجديد. كما تحتاج إلى ثقافة سياسية ترى أن الاختلاف ليس تهديدًا للوحدة الوطنية، بل فرصة لتطوير القرار، ما دام يجري ضمن إطار يحترم المؤسسات والقانون ويضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة.

إن الغربال الحقيقي لأي قيادة ليس الخطاب وحده، ولا الشعارات، ولا التاريخ فقط، وإنما ثقة الناس وقدرتها على تقييم الأداء. فالشعب هو القادر على التمييز بين من يمتلك رؤية للمستقبل ومن يكتفي بإدارة الأزمات، وبين من يقدم حلولًا قابلة للتنفيذ ومن يكرر لغة الماضي بأدوات لم تعد تناسب الحاضر.

ومن هنا، فإن التحدي الأساسي ليس فقط إنتاج قيادة جديدة، بل بناء البيئة السياسية التي تسمح بظهور هذه القيادة وفرزها. فالشعب الواعي لا يكتفي بمنح الشرعية، بل يشارك في صناعتها، ولا يكتفي بانتظار القرار، بل يساهم في تشكيله.

من الشراكة السياسية إلى حالة التلقي

لكن الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الشعب غربالًا حقيقيًا للقيادة يقتضي أولًا الاعتراف بمشكلة عميقة تراكمت عبر سنوات طويلة: وهي تراجع العلاقة المباشرة بين المجتمع والسياسة.

فمع مرور العقود، نشأت فجوة متزايدة بين المواطن ومراكز صناعة القرار. ولم يعد الفلسطيني، في كثير من الأحيان، شريكًا يوميًا في إنتاج الخيارات الوطنية، بل أصبح متلقيًا لنتائجها. وأصبحت القيادة، سواء داخل مؤسسات السلطة أو في الفصائل السياسية، الطرف الأكثر احتكاكًا بالتفاعلات الإقليمية والدولية، والأكثر انخراطًا في تفاصيل القرار السياسي، والأكثر اطلاعًا على تعقيدات موازين القوى والظروف المحيطة.

هذا التحول لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء نتيجة تراكمات متعددة؛ منها ظروف الاحتلال التي فرضت واقعًا سياسيًا وأمنيًا معقدًا، وتعقيدات الانقسام الداخلي، وطبيعة العمل السياسي الذي مال في مراحل كثيرة إلى المركزية، إضافة إلى تراجع المساحات التي تسمح بالمشاركة العامة المنظمة، وانشغال الناس بتحديات الحياة اليومية.

ومع مرور الوقت، بدأت السياسة تبدو وكأنها مجال خاص بالنخب والقيادات، بينما تراجع دور المجتمع إلى مساحة التأييد أو الاعتراض بعد اتخاذ القرار، بدل أن يكون شريكًا في النقاش وصناعة البدائل.

وهنا ظهرت إحدى أخطر النتائج: ضعف قدرة الرأي العام على تقييم الأداء السياسي تقييمًا موضوعيًا. فالحكم على السياسات لا يعتمد فقط على المواقف العاطفية أو النوايا، بل يحتاج إلى معرفة بالخيارات المتاحة، والقيود المفروضة، وموازين القوى، والبدائل الممكنة، وكيفية إدارة الصراع في بيئة شديدة التعقيد.

وعندما تغيب هذه المعرفة عن المجال العام، يصبح النقاش السياسي أسير الانطباعات والشعارات، أكثر من كونه نقاشًا قائمًا على الفهم والتحليل. وعندها يصبح من الصعب على المجتمع أن يمارس دوره الطبيعي بوصفه غربالًا للقيادة، لأن الغربال يحتاج إلى معرفة ومعايير، لا إلى ردود فعل فقط.

لذلك، فإن تجديد المشروع الوطني لا يبدأ فقط بإفراز قيادة جديدة، بل بإعادة بناء العلاقة بين المجتمع والسياسة. فالانتخابات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لصناعة مجتمع سياسي حي. إنها تمنح الشرعية، لكنها لا تصنع الوعي السياسي المطلوب لممارسة الرقابة والمشاركة وصناعة البدائل.

فالعملية السياسية الحقيقية تبدأ قبل صناديق الاقتراع، وتستمر بعدها. تبدأ عندما يصبح المواطن قادرًا على فهم القرار العام، ومناقشة الخيارات الوطنية، ومراقبة الأداء، والمطالبة بالمحاسبة، والمساهمة في تقديم الحلول.

استعادة الشعب لدوره كفاعل سياسي

لقد اختزلت السياسة، خلال سنوات طويلة، في السلطة، واختُزلت المشاركة أحيانًا في لحظة الانتخاب، واختُزل الانتماء الوطني في الاصطفاف خلف هذا الطرف أو ذاك. بينما السياسة، في معناها الأوسع، هي ممارسة يومية تتعلق بكيفية إدارة المجتمع لشؤونه، وكيفية إنتاج الأفكار، وكيفية مراقبة من يتولى المسؤولية.

فالشعب الفاعل سياسيًا ليس هو الشعب الذي يشارك فقط في اختيار القيادة، بل الشعب الذي يمتلك القدرة على فهم الواقع، ومناقشة الخيارات، وتقديم البدائل، وتصحيح المسار عندما تقتضي الحاجة.

وكلما اتسعت مشاركة المجتمع، أصبحت القيادة أكثر التصاقًا بالناس، وأكثر خضوعًا للمساءلة، وأكثر قدرة على مراجعة أخطائها. فالقيادة التي تعمل داخل مجتمع سياسي حي تختلف عن قيادة تعمل في فراغ؛ لأن المجتمع الواعي لا يكتفي بتأييد القرار أو رفضه، بل يسأل عن أسبابه ونتائجه، ويقترح مسارات بديلة، ويشارك في تطوير المشروع الذي ينتمي إليه.

ومن هنا، فإن السؤال الأعمق ليس فقط: كيف ننتج قيادة جديدة؟ بل: كيف نستعيد الشعب بوصفه فاعلًا سياسيًا، لا مجرد ناخب يُستدعى إلى صناديق الاقتراع كل بضع سنوات، ولا متلقٍ ينتظر القرارات ليؤيدها أو يعارضها بعد صدورها؟

إن المجتمعات القوية لا تُقاس فقط بعدد الانتخابات التي تجريها، بل بمدى حيوية المجال العام فيها، وقدرة الناس على النقاش والمساءلة والمبادرة. فالشعوب التي تترك التفكير السياسي للنخب وحدها تفقد تدريجيًا قدرتها على إنتاج الأفكار وفرز القيادات، بينما الشعوب التي تجعل السياسة جزءًا من حياتها العامة تمتلك قدرة أكبر على حماية مشاريعها الوطنية من الجمود والاحتكار.

ولهذا، فإن استعادة الدور السياسي للشعب تبدأ قبل صناديق الاقتراع بوقت طويل. تبدأ من المدرسة التي تعلم التفكير النقدي لا الحفظ، والحوار لا التلقين، والمسؤولية العامة لا النجاح الفردي فقط. وتبدأ من الجامعة التي تكون مساحة لإنتاج المعرفة والنقاش الحر، لا مجرد مؤسسة تمنح الشهادات.

كما تبدأ من الإعلام الذي لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يساعد المواطن على فهم خلفياتها وتحليل خياراتها. وتبدأ من مراكز الأبحاث التي تقدم المعرفة والبدائل، ومن النقابات والمؤسسات الأهلية التي تعيد للمجتمع دوره الطبيعي في التأثير على القرار العام.

فالمجتمع السياسي لا يُبنى فقط من خلال المؤسسات الرسمية، بل من خلال شبكة واسعة من المعرفة والمشاركة والثقة المتبادلة بين الناس ومؤسساتهم.

الشعب... غربال المشاريع قبل القيادات

إن استعادة الشعب لدوره السياسي لا تعني فقط أن يختار من يقوده، بل أن يمتلك القدرة على تقييم ما يُعرض عليه من مشاريع ورؤى. فالمشكلة ليست دائمًا في الأشخاص وحدهم، وإنما في غياب البيئة القادرة على فرز الأفكار والبرامج قبل فرز الأسماء.

فالقيادات لا تظهر من فراغ، بل هي انعكاس للمجتمع الذي تنتجها. وكلما كان المجتمع أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على النقاش والمساءلة، أصبحت فرص ظهور قيادة تمتلك رؤية حقيقية أكبر. أما عندما يغيب الدور الشعبي، تصبح الساحة أكثر قابلية لصعود الخطابات التي تعتمد على العاطفة أو التاريخ أو الشعارات، بدل البرامج القادرة على التعامل مع تحديات الواقع.

إن الغربال الحقيقي لأي قيادة ليس حجم حضورها الإعلامي، ولا قدرتها على استخدام الخطاب المؤثر، ولا تاريخها وحده، بل قدرتها على تقديم مشروع قابل للحياة، وعلى بناء الثقة، وتحويل الرؤية إلى سياسات ومؤسسات وإنجازات.

ومن هنا، فإن الانتقال المطلوب ليس من قيادة قديمة إلى قيادة جديدة فقط، بل من ثقافة سياسية تركز على الأشخاص إلى ثقافة تركز على المشاريع. فالسؤال الذي ينبغي أن يتقدم على كل الأسئلة ليس: "من يمثلني؟"، وإنما: "ما المشروع الذي يحمي مستقبلي ويستجيب لتحديات المرحلة؟"

وهذا التحول يتطلب أن يصبح معيار التقييم قائمًا على الكفاءة، والقدرة على الإنجاز، والوضوح في الرؤية، والنزاهة، والقدرة على العمل ضمن مؤسسات، لا على الولاءات الشخصية أو التنظيمية أو على إرث الماضي وحده.

لكن مسؤولية بناء هذا النوع من الحياة السياسية لا تقع على المجتمع وحده، كما لا تقع على القيادة وحدها. فهي مسؤولية مشتركة. فالقيادة مطالبة بفتح المجال للمشاركة، وتعزيز الشفافية، وقبول النقد والمساءلة، بينما المجتمع مطالب بالخروج من موقع المتلقي، واستعادة دوره في إنتاج المعرفة السياسية، ومراقبة الأداء، والمشاركة في صناعة البدائل.

فالقيادة القوية لا تخشى المجتمع الواعي، بل تحتاج إليه. والمجتمع الواعي لا يبحث عن قيادة معصومة من الخطأ، بل عن قيادة قادرة على الاستماع، والتعلم، والتصحيح، وتحمل المسؤولية.

إن ترسيخ هذه الثقافة يحتاج إلى بناء وعي سياسي جديد يعتبر الاختلاف مصدر قوة لا مصدر انقسام. فالنقاش الوطني الجاد لا يضعف القضية، بل يحميها من الجمود. والنقد المسؤول لا يخدم الخصوم، بل يساعد على تصحيح المسار. والمجتمعات التي تحاور نفسها بصدق تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات من المجتمعات التي تؤجل الأسئلة الصعبة خوفًا من الخلاف.

نحو مشروع وطني يعيد الشعب إلى مركز القرار

إن المشروع الوطني لا يتجدد بتغيير الأشخاص وحدهم، بل بتوسيع دائرة المشاركة في إنتاج الأفكار والبرامج والقيادات. فالشعب الذي يشارك في صياغة الرؤية الوطنية يكون أكثر استعدادًا للدفاع عنها، وأكثر قدرة على تحمل كلفتها، وأكثر حرصًا على متابعة من يتولى تنفيذها.

أما عندما يُختزل المشروع الوطني في مجموعة محدودة من الفاعلين السياسيين، فإن المجتمع يفقد تدريجيًا إحساسه بالملكية المشتركة للقضية، ويتحول التفاعل معها إلى حالة موسمية أو عاطفية، بدل أن تكون ممارسة وطنية مستمرة.

ولهذا، فإن إعادة الدفة إلى الشعب لا تعني فقط منحه حق اختيار القيادة، بل تمكينه من أن يكون شريكًا دائمًا في صناعة السياسة، ورقابتها، وتجديدها. فالشعب الذي يمتلك المعرفة والقدرة على النقاش والمساءلة يصبح قادرًا على ممارسة دوره الحقيقي بوصفه غربال القيادة.

وعندما يصبح المجتمع قادرًا على فرز القيادات عبر الكفاءة والرؤية والنزاهة، لا عبر الولاءات والشعارات وإرث الماضي وحده، فإن العلاقة بين الشعب والقيادة تتغير جذريًا. لا تعود القيادة سلطة منفصلة عن المجتمع، ولا يعود الشعب مجرد جمهور ينتظر النتائج، بل يصبح الطرفان جزءًا من عملية وطنية واحدة.

الخاتمة: من قيادة الشعب إلى شعب يقود مشروعه

إن القضية الفلسطينية، بما تحمله من خصوصية وتعقيد، تحتاج اليوم إلى هذا التحول أكثر من أي وقت مضى. فهي تواجه واقعًا يعمل على استثمار الزمن، وتثبيت الوقائع، وإعادة تشكيل الجغرافيا والرواية. ومواجهة هذا الواقع لا تكون فقط بإدارة الأزمات اليومية، بل ببناء مجتمع سياسي قادر على التفكير للمستقبل، وعلى إنتاج الأدوات التي تناسب تحديات العقود القادمة.

فالرهان الحقيقي ليس فقط على تبديل الوجوه، وإنما على إعادة بناء العلاقة بين الشعب والسياسة، وبين المجتمع والقيادة، وبين الشرعية والمشاركة.

فالشعب الذي لا يشارك في صناعة مستقبله يترك الآخرين يصنعونه نيابة عنه، أما الشعب الذي يستعيد دوره السياسي فإنه لا يكتفي باختيار القيادة، بل يشارك في تشكيلها، ويحاسبها، ويجددها عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك.

وهكذا، فإن الشعب... غربال القيادة ليست مجرد عبارة رمزية، بل قاعدة سياسية: فكل قيادة قوية تحتاج إلى مجتمع قوي، وكل مشروع وطني حي يحتاج إلى شعب حاضر في صناعته، لا حاضر فقط في الدفاع عنه.

فالمستقبل لا تصنعه قيادة منفصلة عن شعبها، ولا شعب ينتظر من يصنع مستقبله نيابة عنه، بل تصنعه علاقة جديدة يصبح فيها الشعب هو مصدر الشرعية، وميزان التقييم، والغربال الذي يفرز القيادات والمشاريع القادرة على حمل مسؤولية المرحلة.

وعندما يستعيد الشعب موقعه الطبيعي في السياسة، لن يكون السؤال فقط: من يقود؟بل سيصبح السؤال الأهم: كيف أصبح الشعب الفلسطيني قادرًا على قيادة مشروعه الوطني من خلال قيادات يختارها، ويراقبها، ويشارك في صناعتها؟


تحليل

الجمعة 10 يوليو 2026 6:44 مساءً - بتوقيت القدس

إسرائيل تدفع واشنطن نحو حافة الحرب بتقرير استخباراتي مثير للجدل

رسالة واشنطن


واشنطن – سعيد عريقات-10/7/2026

أثار تقرير استخباراتي إسرائيلي جديد، يتحدث عن مخطط إيراني مزعوم لاغتيال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، موجة من التساؤلات داخل الأوساط السياسية والاستخباراتية في واشنطن، ليس فقط بشأن صحة المعلومات الواردة فيه، وإنما أيضاً حول توقيته، وما إذا كان يمثل محاولة جديدة للتأثير في عملية صنع القرار الأميركي، ودفع الولايات المتحدة نحو تصعيد عسكري أوسع ضد إيران، في وقت لا تزال فيه قنوات التفاوض بين البلدين مفتوحة رغم تصاعد التوترات.

ونقلت شبكة "سي إن إن" عن مصدرين مطلعين أن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة هذا الأسبوع بمعلومات استخباراتية تزعم أن إيران وضعت خطة جديدة لاستهداف ترمب، مضيفة أن هذا التحذير جاء في ظل اهتزاز وقف إطلاق النار وتبادل التهديدات والضربات بين واشنطن وطهران.

وقال أحد المصدرين إن التحذير الإسرائيلي تضمن معلومات عن مخطط محدد، بينما أوضح مصدر آخر أن أجهزة الاستخبارات الأميركية كانت ترصد منذ أسابيع مؤشرات عامة إلى تهديدات محتملة ضد ترمب، إلا أن التقرير الإسرائيلي أضاف رواية جديدة تتحدث عن عملية بعينها.

غير أن اللافت، بحسب مسؤولين أميركيين، أن واشنطن لم تتمكن حتى الآن من التحقق بصورة مستقلة من صحة المعلومات الإسرائيلية، كما أن أجهزة الاستخبارات الأميركية لم تكن تتابع هذا السيناريو قبل تلقي التحذير، الأمر الذي دفع عدداً من المسؤولين إلى التعامل معه بحذر شديد.

وذهب بعض المسؤولين الأميركيين إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن التقرير الإسرائيلي قد يكون جزءاً من محاولة للتأثير في حسابات الرئيس ترمب، بينما يدرس خياراته بين توسيع العمليات العسكرية ضد إيران، أو منح الجهود الدبلوماسية فرصة أخيرة للتوصل إلى اتفاق جديد.

ورغم أن الولايات المتحدة لطالما حذرت من احتمال سعي إيران للانتقام من ترمب بسبب قراره عام 2020 باغتيال قائد “فيلق القدس” الإيراني قاسم سليماني، فإن مسؤولين أكدوا أن المعلومات الجديدة لم تستوف بعد إجراءات التحقق الاستخباراتي الأميركية المعتادة.

وعندما سُئل البيت الأبيض عن التحذير الإسرائيلي، أحال إلى تصريحات أدلى بها ترمب قال فيها إن إيران تسعى إلى اغتياله، مضيفاً: "إنهم يريدون التخلص من قائد الولايات المتحدة… أنا على كل قوائمهم"، واصفاً الإيرانيين بأنهم "بساق، وأشخاص أشرار ومرضى".

كما قال ترمب لاحقاً إنه اطلع على قائمة جديدة تضعه في صدارة الشخصيات المستهدفة من جانب إيران، من دون أن يوضح ما إذا كان يقصد المعلومات التي نقلتها إسرائيل.

وجاءت هذه التطورات بعد أيام من هتافات رددها مشاركون في مراسم تشييع المرشد الإيراني الأعلى الراحل علي خامنئي دعوا فيها إلى قتل ترمب، في وقت تؤكد فيه أجهزة الاستخبارات الأميركية أنها تراقب عدداً من الأشخاص والجهات الذين ناقشوا تنفيذ هجمات محتملة، لكنها لم ترصد حتى الآن خطوات تنفيذية فعلية.

وفي موازاة ذلك، تستمر الخلافات بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن كيفية التعامل مع إيران. ففي حين يدفع نتنياهو نحو تشديد الخيار العسكري، لا تزال الإدارة الأميركية تبقي الباب مفتوحاً أمام المفاوضات، رغم إعلان ترمب انتهاء العمل بمذكرة التفاهم مع طهران.

وأكد مسؤولون أميركيون أن الاتصالات غير المعلنة بين واشنطن وطهران لا تزال مستمرة بهدف التوصل إلى اتفاق نووي جديد قبل منتصف أغسطس، فيما وضعت القوات الأميركية خططاً لضربات محتملة، لكنها أرجأت تنفيذها لإفساح المجال أمام الحلول الدبلوماسية.

يثير التقرير الإسرائيلي تساؤلات تتجاوز مضمون المعلومات الاستخباراتية نفسها، لتطال طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب وحدود تأثير الأخيرة في صناعة القرار الأميركي. فداخل المؤسسات الأميركية يتزايد إدراك مفاده أن المعلومات الواردة من أي حليف، مهما بلغت أهمية هذا الحليف، لا يمكن أن تتحول إلى أساس لقرار بالحرب قبل التحقق منها بصورة مستقلة. ويبدو أن الشكوك التي أحاطت بالتقرير الإسرائيلي تعكس هذا التوجه، خاصة مع اعتراف مسؤولين أميركيين بأنهم لم يمتلكوا أدلة مستقلة تؤكد صحة المزاعم الإسرائيلية قبل وصول التحذير.

وعلى امتداد العقود الماضية، واجهت إسرائيل انتقادات داخل الولايات المتحدة بسبب محاولاتها المستمرة لدفع الإدارات الأميركية نحو تبني سياسات أكثر تشدداً في الشرق الأوسط. ويستحضر هذا الجدل ملفات عديدة، من بينها الترويج لخطر أسلحة الدمار الشامل العراقية قبل غزو عام 2003، فضلاً عن حملات الضغط المتكررة لتوجيه ضربات عسكرية إلى إيران. ومن هذا المنطلق، يرى عدد من المحللين الأميركيين أن التقرير الأخير قد يندرج ضمن سياق أوسع يتمثل في استخدام المعلومات الاستخباراتية وسيلة للتأثير في خيارات البيت الأبيض، بما يخدم الأولويات الأمنية للحكومة الإسرائيلية، حتى وإن ترتب على ذلك انخراط الولايات المتحدة في صراعات تتحمل هي كلفتها السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وتعيد هذه التطورات إحياء نقاش قديم داخل الولايات المتحدة حول ما إذا كانت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط تُصاغ وفقاً للمصالح القومية الأميركية، أم أنها تتأثر أحياناً بحسابات الحلفاء، وفي مقدمتهم إسرائيل. وقد دفعت تجارب الحروب السابقة، ولا سيما حرب العراق، قطاعات واسعة من الساسة والخبراء إلى الدعوة لعدم الانجرار وراء معلومات أو تقديرات غير مدققة قد تُستخدم لتبرير تدخلات عسكرية جديدة. ولذلك، فإن الحذر الذي تبديه مؤسسات الاستخبارات الأميركية إزاء التقرير الإسرائيلي يعكس توجهاً متنامياً نحو استقلالية أكبر في تقييم المعلومات، وتغليب المصالح الأميركية المباشرة على الضغوط السياسية والإقليمية، مهما كان مصدرها.