تحليل

الجمعة 10 يوليو 2026 6:44 مساءً - بتوقيت القدس

إسرائيل تدفع واشنطن نحو حافة الحرب بتقرير استخباراتي مثير للجدل

رسالة واشنطن


واشنطن – سعيد عريقات-10/7/2026

أثار تقرير استخباراتي إسرائيلي جديد، يتحدث عن مخطط إيراني مزعوم لاغتيال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، موجة من التساؤلات داخل الأوساط السياسية والاستخباراتية في واشنطن، ليس فقط بشأن صحة المعلومات الواردة فيه، وإنما أيضاً حول توقيته، وما إذا كان يمثل محاولة جديدة للتأثير في عملية صنع القرار الأميركي، ودفع الولايات المتحدة نحو تصعيد عسكري أوسع ضد إيران، في وقت لا تزال فيه قنوات التفاوض بين البلدين مفتوحة رغم تصاعد التوترات.

ونقلت شبكة "سي إن إن" عن مصدرين مطلعين أن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة هذا الأسبوع بمعلومات استخباراتية تزعم أن إيران وضعت خطة جديدة لاستهداف ترمب، مضيفة أن هذا التحذير جاء في ظل اهتزاز وقف إطلاق النار وتبادل التهديدات والضربات بين واشنطن وطهران.

وقال أحد المصدرين إن التحذير الإسرائيلي تضمن معلومات عن مخطط محدد، بينما أوضح مصدر آخر أن أجهزة الاستخبارات الأميركية كانت ترصد منذ أسابيع مؤشرات عامة إلى تهديدات محتملة ضد ترمب، إلا أن التقرير الإسرائيلي أضاف رواية جديدة تتحدث عن عملية بعينها.

غير أن اللافت، بحسب مسؤولين أميركيين، أن واشنطن لم تتمكن حتى الآن من التحقق بصورة مستقلة من صحة المعلومات الإسرائيلية، كما أن أجهزة الاستخبارات الأميركية لم تكن تتابع هذا السيناريو قبل تلقي التحذير، الأمر الذي دفع عدداً من المسؤولين إلى التعامل معه بحذر شديد.

وذهب بعض المسؤولين الأميركيين إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن التقرير الإسرائيلي قد يكون جزءاً من محاولة للتأثير في حسابات الرئيس ترمب، بينما يدرس خياراته بين توسيع العمليات العسكرية ضد إيران، أو منح الجهود الدبلوماسية فرصة أخيرة للتوصل إلى اتفاق جديد.

ورغم أن الولايات المتحدة لطالما حذرت من احتمال سعي إيران للانتقام من ترمب بسبب قراره عام 2020 باغتيال قائد “فيلق القدس” الإيراني قاسم سليماني، فإن مسؤولين أكدوا أن المعلومات الجديدة لم تستوف بعد إجراءات التحقق الاستخباراتي الأميركية المعتادة.

وعندما سُئل البيت الأبيض عن التحذير الإسرائيلي، أحال إلى تصريحات أدلى بها ترمب قال فيها إن إيران تسعى إلى اغتياله، مضيفاً: "إنهم يريدون التخلص من قائد الولايات المتحدة… أنا على كل قوائمهم"، واصفاً الإيرانيين بأنهم "بساق، وأشخاص أشرار ومرضى".

كما قال ترمب لاحقاً إنه اطلع على قائمة جديدة تضعه في صدارة الشخصيات المستهدفة من جانب إيران، من دون أن يوضح ما إذا كان يقصد المعلومات التي نقلتها إسرائيل.

وجاءت هذه التطورات بعد أيام من هتافات رددها مشاركون في مراسم تشييع المرشد الإيراني الأعلى الراحل علي خامنئي دعوا فيها إلى قتل ترمب، في وقت تؤكد فيه أجهزة الاستخبارات الأميركية أنها تراقب عدداً من الأشخاص والجهات الذين ناقشوا تنفيذ هجمات محتملة، لكنها لم ترصد حتى الآن خطوات تنفيذية فعلية.

وفي موازاة ذلك، تستمر الخلافات بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن كيفية التعامل مع إيران. ففي حين يدفع نتنياهو نحو تشديد الخيار العسكري، لا تزال الإدارة الأميركية تبقي الباب مفتوحاً أمام المفاوضات، رغم إعلان ترمب انتهاء العمل بمذكرة التفاهم مع طهران.

وأكد مسؤولون أميركيون أن الاتصالات غير المعلنة بين واشنطن وطهران لا تزال مستمرة بهدف التوصل إلى اتفاق نووي جديد قبل منتصف أغسطس، فيما وضعت القوات الأميركية خططاً لضربات محتملة، لكنها أرجأت تنفيذها لإفساح المجال أمام الحلول الدبلوماسية.

يثير التقرير الإسرائيلي تساؤلات تتجاوز مضمون المعلومات الاستخباراتية نفسها، لتطال طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب وحدود تأثير الأخيرة في صناعة القرار الأميركي. فداخل المؤسسات الأميركية يتزايد إدراك مفاده أن المعلومات الواردة من أي حليف، مهما بلغت أهمية هذا الحليف، لا يمكن أن تتحول إلى أساس لقرار بالحرب قبل التحقق منها بصورة مستقلة. ويبدو أن الشكوك التي أحاطت بالتقرير الإسرائيلي تعكس هذا التوجه، خاصة مع اعتراف مسؤولين أميركيين بأنهم لم يمتلكوا أدلة مستقلة تؤكد صحة المزاعم الإسرائيلية قبل وصول التحذير.

وعلى امتداد العقود الماضية، واجهت إسرائيل انتقادات داخل الولايات المتحدة بسبب محاولاتها المستمرة لدفع الإدارات الأميركية نحو تبني سياسات أكثر تشدداً في الشرق الأوسط. ويستحضر هذا الجدل ملفات عديدة، من بينها الترويج لخطر أسلحة الدمار الشامل العراقية قبل غزو عام 2003، فضلاً عن حملات الضغط المتكررة لتوجيه ضربات عسكرية إلى إيران. ومن هذا المنطلق، يرى عدد من المحللين الأميركيين أن التقرير الأخير قد يندرج ضمن سياق أوسع يتمثل في استخدام المعلومات الاستخباراتية وسيلة للتأثير في خيارات البيت الأبيض، بما يخدم الأولويات الأمنية للحكومة الإسرائيلية، حتى وإن ترتب على ذلك انخراط الولايات المتحدة في صراعات تتحمل هي كلفتها السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وتعيد هذه التطورات إحياء نقاش قديم داخل الولايات المتحدة حول ما إذا كانت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط تُصاغ وفقاً للمصالح القومية الأميركية، أم أنها تتأثر أحياناً بحسابات الحلفاء، وفي مقدمتهم إسرائيل. وقد دفعت تجارب الحروب السابقة، ولا سيما حرب العراق، قطاعات واسعة من الساسة والخبراء إلى الدعوة لعدم الانجرار وراء معلومات أو تقديرات غير مدققة قد تُستخدم لتبرير تدخلات عسكرية جديدة. ولذلك، فإن الحذر الذي تبديه مؤسسات الاستخبارات الأميركية إزاء التقرير الإسرائيلي يعكس توجهاً متنامياً نحو استقلالية أكبر في تقييم المعلومات، وتغليب المصالح الأميركية المباشرة على الضغوط السياسية والإقليمية، مهما كان مصدرها.

دلالات

شارك برأيك

إسرائيل تدفع واشنطن نحو حافة الحرب بتقرير استخباراتي مثير للجدل

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.