كشفت مصادر صحفية عن حالة من الإحباط تسود البيت الأبيض بعد فشل الرئيس دونالد ترامب في تحقيق اختراق دبلوماسي مع إيران، رغم التوقعات المتفائلة التي روج لها أقطاب إدارته خلال الأيام الماضية. وأقر ترامب خلال اجتماع لمجلس الوزراء بأنه لا يملك نتائج ملموسة ليعلن عنها، مشيراً إلى أن الإيرانيين لم يصلوا بعد إلى نقطة التوافق المطلوبة لإتمام الصفقة.
وتتمحور النقاشات الحالية حول 'مذكرة تفاهم' مقتضبة تهدف إلى منح المفاوضين مهلة زمنية مدتها 60 يوماً للبحث عن حلول تقنية لمسألة تخصيب اليورانيوم، أو ما يصفه ترامب بـ 'الغبار النووي'. ويهدف هذا المسار المؤقت إلى تبريد الصراع وتجنب التصعيد العسكري الشامل الذي يخشى ترامب تداعياته على الاقتصاد العالمي.
وعلى الرغم من التصريحات المتكررة لوزير الخارجية ماركو روبيو حول قرب إبرام الاتفاق، إلا أن الواقع الميداني والسياسي أثبت تعقيد الملف. فقد تراجع روبيو عن تقديراته الزمنية عدة مرات، مما عكس وجود فجوات عميقة في التفاوض لم تنجح الضغوط الأمريكية المتصاعدة في ردمها حتى الآن.
ويرى مراقبون أن تردد ترامب في العودة إلى الخيار العسكري ينبع من إدراكه لحجم الاستنزاف في مخزون الذخائر الأمريكية. كما يبدي مساعدوه قلقاً بالغاً من قدرة إيران على استهداف منشآت الطاقة في دول الجوار الخليجي، وهو ما قد يؤدي إلى انفجار في أسعار الوقود العالمية التي تعاني أصلاً من الارتفاع.
وفي سياق الضغوط الداخلية، واجه ترامب انتقادات لاذعة من حلفائه الصقور في مجلس الشيوخ، حيث اعتبر السيناتور ليندسي غراهام أن أي اتفاق يمنح إيران نفوذاً دائماً في مضيق هرمز سيمثل كابوساً أمنياً لإسرائيل. وحذر غراهام من أن ميزان القوى في المنطقة يشهد تحولاً خطيراً لصالح طهران نتيجة قدرتها على تهديد الملاحة الدولية.
من جانبه، وصف السيناتور روجر ويكر، رئيس لجنة القوات المسلحة، شائعات وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً بأنها 'كارثة' محققة. وأكد ويكر أن المراهنة على حسن نية النظام الإيراني في هذه المرحلة تعد خطأً استراتيجياً، مما دفع ترامب إلى تغيير نبرته العلنية والتشديد على أنه لن يقبل إلا بـ 'فوز واضح'.
وتشير التقارير إلى أن ترامب حاول ربط الاتفاق النووي بتوسيع 'اتفاقيات إبراهيم' في محاولة لتسويق الصفقة كإنجاز تاريخي غير مسبوق. ومع ذلك، تبدو هذه الفكرة بعيدة المنال في ظل الإدانات الدولية الواسعة للعمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة والأضرار الجسيمة التي لحقت بدول المنطقة جراء النزاع المستمر.
إنهم يرغبون بشدة في إبرام اتفاق، لكنهم لم يتوصلوا إلى ذلك حتى الآن.
وتعاني الإدارة الأمريكية من صعوبات بالغة في دفع طهران للجلوس إلى طاولة المفاوضات المباشرة بشأن البرنامج النووي. ويستذكر المحللون تحذيرات وزير الخارجية الأسبق جون كيري، الذي أكد أن إقحام قضايا متعددة في ملف واحد سيجعل الأطراف عالقة في 'لعبة خداع' لا تنتهي، وهو المأزق الذي يبدو أن ترامب وقع فيه.
وتتضمن المسودة المقترحة، التي يتم تداولها عبر وسطاء قطريين، بنوداً لزيادة حركة الملاحة في مضيق هرمز تدريجياً لتصل إلى مستويات ما قبل الحرب. ومع ذلك، تبرز عقدة السيادة كعائق رئيسي، حيث تصر طهران على إبقاء المضيق تحت إشرافها المباشر، وهو ما ترفضه واشنطن جملة وتفصيلاً.
وفيما يتعلق بالجانب المالي، تطالب إيران بالإفراج عن أصولها المجمدة كنوع من 'التعويضات' عن الخسائر التي لحقت بها خلال الحرب. ورغم نفي ترامب العلني لمناقشة تخفيف العقوبات، إلا أن مصادر مطلعة تؤكد أن هذا الملف يمثل ركيزة أساسية في أي تفاهم محتمل لإنهاء حالة الانسداد الراهنة.
وعلى الصعيد اللبناني، يبقى مصير العمليات العسكرية ضد حزب الله غامضاً ضمن مقترحات وقف إطلاق النار. فبينما يكثف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضرباته البرية والجوية، لم يتضح بعد ما إذا كان الاتفاق الأمريكي الإيراني سيشمل تهدئة شاملة تغطي الجبهة الشمالية لإسرائيل.
وتواجه إدارة ترامب انتقادات بسبب غياب الشفافية في إدارة هذا الملف الحساس، حيث تقتصر المعلومات غالباً على منشورات مقتضبة للرئيس عبر منصات التواصل الاجتماعي. ويقود المفاوضات حالياً فريق غير تقليدي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اللذين يعملان بعيداً عن الأطر الدبلوماسية المعتادة لوزارة الخارجية.
ويرى الجانب الإيراني في التحركات الأمريكية الأخيرة، وخاصة الضربات الصاروخية التي استهدفت جنوب إيران مؤخراً، دليلاً على 'سوء النية'. وتعتبر طهران أن التهديدات المتزامنة مع عروض السلام تقوض مصداقية المفاوض الأمريكي وتجعل الوصول إلى حل دائم أمراً شبه مستحيل في الوقت الراهن.
ختاماً، يجد ترامب نفسه أمام اختبار صعب لمصداقيته أمام ناخبيه الذين يعانون من تدهور الوضع الاقتصادي وارتفاع أسعار البنزين. فبينما يسعى لإعلان 'نصر دبلوماسي' سريع، تظهر الحقائق على الأرض أن إيران باتت أكثر وعياً بنفوذها الجيوسياسي وقدرتها على استخدام سلاح الطاقة لانتزاع تنازلات أكبر من واشنطن.




