سلطت تقارير صحفية دولية الضوء على كواليس اجتماع الحكومة الأمريكية الأخير الذي ترأسه دونالد ترامب، واصفة المشهد بأنه كان أقرب إلى عرض فوضوي منه إلى جلسة رسمية لصنع القرار. وذكرت المصادر أن الاجتماع الذي ضم كبار المسؤولين، شهد تداخلاً غريباً بين التهديدات العسكرية الجسيمة والنكات الجانبية غير المألوفة.
واعتبرت الكاتبة هولي باكستر في تحليل نشرته صحيفة 'إندبندنت' أن الأجواء التي سادت الغرفة، بوجود شخصيات مثل وزير الدفاع بيت هيغسيث ونائب الرئيس جيه دي فانس، بدت وكأنها حلقة تلفزيونية خارجة عن السيطرة. وأشارت إلى أن التوتر كان ملموساً في نبرة ترامب، رغم محاولاته المتكررة لإظهار عدم اكتراثه بالتحديات السياسية الراهنة.
وفي سياق الحديث عن السياسة الخارجية، أطلق ترامب تصريحاً صادماً تجاه سلطنة عمان، حيث هدد بـ 'نسفها' في حال عدم انصياعها لتوجهاته، وهي جملة مرت بسرعة مخيفة وسط ذهول الحاضرين. هذا التهديد العابر يعكس، بحسب مراقبين، نمطاً جديداً من الدبلوماسية الأمريكية القائمة على الضغط المباشر واللغة العسكرية الحادة.
ولم يقتصر الاجتماع على التهديدات، بل تحول في أجزاء منه إلى ما يشبه جلسة نقاش لمشاريع بناء خاصة، حيث استغرق ترامب في شرح تفاصيل هندسية دقيقة. وتحدث الرئيس بإسهاب عن أنواع الغرانيت والألوان وجودة المطاط التي يرغب في استخدامها ضمن مشاريع ترميم وبناء في واشنطن، بما في ذلك فكرة إنشاء 'قوس النصر'.
ووصفت باكستر هذا التحول المفاجئ في أجندة الاجتماع بسخرية، مشبهة إياه باجتماع لمجمع متقاعدين يناقشون ميزانية الصيانة الدورية. وبدا الرئيس وكأنه غارق في تفاصيل إنشائية لا علاقة لها بمهام الإدارة العليا، بينما كان المسؤولون يستمعون بصمت لهذه الشروحات الطويلة والمملة.
وعلى صعيد العلاقات الداخلية، برزت خلال الاجتماع ديناميكية غريبة بين ترامب ووزير دفاعه الجديد بيت هيغسيث، حيث قام الرئيس بالتربيت على عضلات الوزير أمام الكاميرات. وقال ترامب مخاطباً الحضور: 'إنه يحب الحرب.. أنا لا أحبها، لكنه يحبها'، في إشارة تعكس طبيعة العلاقة الشخصية التي تربطهما.
من جانبه، حاول هيغسيث الحفاظ على وقاره العسكري، لكنه بدا في موقف محرج وهو يتلقى مداعبات الرئيس التي وصفت بأنها تشبه تعامل الجد مع حفيده. وعندما أتيحت له فرصة الحديث، اندفع الوزير في خطاب حماسي ركز فيه على القوة التدميرية والفتك العسكري، مستعرضاً تفاصيل عملية 'الغضب الملحمي' في إيران.
سلطنة عمان ستتصرف مثل الجميع وإلا سنضطر إلى نسفها.
رد فعل ترامب على خطاب وزير دفاعه الحماسي كان مقتضباً وهادئاً، حيث اكتفى بقول 'عمل جيد'، بأسلوب يوحي بالاستخفاف أو بتهنئة طفل على استعراض مبالغ فيه. هذا التباين في المواقف أظهر فجوة في الرؤية بين الرئيس الذي يميل للاستعراض الشخصي ووزيره الذي يتبنى خطاباً هجومياً متطرفاً.
أما نائب الرئيس جيه دي فانس، فقد ظهر خلال الاجتماع بمظهر الرجل الذي يحمل على عاتقه مهمة إنقاذ الأخلاق والنظام العام في الولايات المتحدة. وانخرط فانس مع مسؤولين آخرين في مهاجمة المحتجين والمهاجرين، مستخدمين لغة مشحونة بالغضب والتحريض، مما أضفى طابعاً أيديولوجياً حاداً على الجلسة.
وتطرق ترامب خلال الاجتماع إلى وضعه السياسي الداخلي، مؤكداً مراراً أنه لا يهتم بالانتخابات النصفية المقبلة للكونغرس. ويرى محللون أن هذا الإصرار المتكرر على عدم الاهتمام يخفي وراءه قلقاً حقيقياً من تراجع شعبيته، خاصة بعد استطلاعات الرأي الأخيرة التي أظهرت تململاً حتى داخل القواعد الجمهورية.
اللافت في الاجتماع كان قدرة ترامب على كشف مخاوفه السياسية من خلال نفيها المستمر، وهو أسلوب بات معروفاً في خطاباته العامة. فبينما كان يتحدث عن استقرار إدارته، كانت التقارير تشير إلى وجود تصدعات ناتجة عن سياساته المثيرة للجدل تجاه ملفات دولية شائكة مثل الملف الإيراني.
وخلصت القراءة التحليلية للاجتماع إلى أن الولايات المتحدة باتت تُدار وفق إيقاع شخصي متقلب للرئيس، يتأرجح بين متابعة نشرات الأخبار والاهتمام بمواقع البناء. هذا النمط من الإدارة يثير قلقاً دولياً واسعاً، كونه يجر القوى العظمى نحو مسارات غير متوقعة تتسم بالارتجالية والعدائية المفاجئة.
إن تحول هذه المشاهد الغريبة إلى روتين يومي داخل البيت الأبيض هو ما يثير الرعب الحقيقي لدى الدوائر السياسية في واشنطن وخارجها. فالاجتماع الذي كان من المفترض أن يناقش استراتيجيات كبرى، انتهى بتهديد دولة صديقة والحديث عن جودة المطاط، مما يعكس حالة من التخبط في هرم السلطة الأمريكية.




