أقلام وأراء

الأحد 12 يوليو 2026 11:38 صباحًا - بتوقيت القدس

مذكرة تصادم!

أقل الكلام


لم يكن العالم بحاجة للانتظار حتى نهاية الأيام الستين ليدرك أن "مذكرة التفاهم" لم تكن سوى "هدنة على دخن" وقعت بين الغريمين على نية النقض عندما يحين الوقت؛ بعد أن يقضي كل منهما وطره، ويحقق مأربه، ليعودا مجدداً إلى المواجهة، طالما أن جمرها ما زال يومض تحت رمادها.
كل هذا الذي يجري بين الغريمَين ما زال على السطح، ولم يلامس عمق الأزمة وجذورها التي تمتد لعقود، وأصلها وفصلها وهدفها الأهم الملف النووي الذي يحاول "حائك السجاد" تشتيث الكرات عنه؛ بإشغال الغريم بمواصلة المراوحة في المضيق الذي نجحت طهران في حشر الجميع فيه، فالمذكرة لم تكن لإحلال السلام بقدر ما كانت وصفةً لضبط الانفجار المقبل في المياه الدافئة، وعلى امتداد اليابسة الفارسية الشاسعة.
ليس من المستبعد أن يُصدّر نتنياهو أزمته بافتعال مواجهةٍ من شأنها أن تشكل طوق نجاة له، بعد أن اختنق بأرقام استطلاعات الرأي، التي توقعت هبوط شعبيته وارتفاع فرص خصومه لإطاحته.
الأجواء باتت مؤاتية لمثل هذا الاحتمال، تُضاعف من فرص وقوعه محاولات تأليب ترمب بتوظيف سرديةٍ بوجود مخططاتٍ لاغتياله، غذتها أمس تصريحات المرشد العائد بعد طول غيابٍ بالانتقام من قتلة والده، ما من شأنه أن يُسوّغ لترمب الذهاب لخيار الحرب دون الحصول على إذن المشرّعين.

فلسطين

الأحد 12 يوليو 2026 11:37 صباحًا - بتوقيت القدس

تعازٍ عربية ودولية واسعة بوفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

خيم الحزن على الأوساط العربية والدولية عقب إعلان الديوان الأميري في قطر وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي انتقل إلى جوار ربه صباح اليوم الأحد عن عمر ناهز 74 عاماً. وفور ذيوع الخبر، تدفقت برقيات التعازي والمواساة من مختلف العواصم، مشيدة بمسيرة الراحل الحافلة بالإنجازات التي نقلت دولة قطر إلى مصاف الدول المتقدمة.

وأعرب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن خالص تعازيه لدولة قطر أميراً وحكومة وشعباً، مؤكداً في بيان رسمي على عمق الروابط الأخوية. وتمنى السيسي للفقيد الرحمة والمغفرة، وللشعب القطري الشقيق دوام الاستقرار والأمن في ظل قيادة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

من جانبه، نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات وحاكم دبي، الفقيد الكبير واصفاً إياه بـ 'فقيد الجميع'. وتقدم بصادق المواساة للقيادة القطرية، سائلاً المولى عز وجل أن يلهم ذوي الراحل والشعب القطري الصبر والسلوان في هذا المصاب الأليم.

وفي بيروت، صدر بيان عن الرئاسة اللبنانية عبر فيه الرئيس جوزيف عون عن ألمه العميق لرحيل الشيخ حمد، معتبراً إياه خسارة فادحة للعالم العربي. واستذكر عون بوفاء المواقف التاريخية للراحل، لا سيما وقوفه الحاسم إلى جانب لبنان خلال العدوان الإسرائيلي في تموز 2006 ومساهمته الكبيرة في إعادة الإعمار.

كما أكد رئيس الوزراء اللبناني المكلف، نواف سلام أن ذكرى الأمير الوالد ستظل محفورة في وجدان اللبنانيين بفضل دعمه الإنساني والسياسي المستمر. وأشار سلام إلى أن جهود الراحل كانت ركيزة أساسية في تعزيز الاستقرار اللبناني خلال الأزمات المتعاقبة التي مرت بها البلاد.

وعلى الصعيد العراقي، بعث رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي برسالة تعزية رسمية، مشيداً بالعلاقات الثنائية التي تعززت في عهد الفقيد. كما شارك عمار الحكيم، رئيس تيار الحكمة الوطني، الشعب القطري أحزانه، مؤكداً أن رحيل الشيخ حمد يمثل فقدان قامة سياسية عربية بارزة.

وفي الخرطوم، تقدم الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، بالتعازي للقيادة القطرية، مثمناً الأدوار التي لعبتها قطر في دعم السودان. ودعا البرهان للفقيد بالرحمة، مشيداً بما حققه لبلاده وللأمة العربية من مكانة دولية مرموقة خلال سنوات حكمه.

دولياً، أشاد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بـ 'الأمير الوالد' كقائد عظيم ورجل دولة بارز اتسم بالحكمة وبعد النظر. وأكد شريف أن رؤية الشيخ حمد هي التي حولت قطر إلى دولة حديثة ومزدهرة تحظى باحترام عالمي واسع، مستذكراً علاقاته الوثيقة مع إسلام آباد.

يُذكر أن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، المولود في الدوحة عام 1952، كان قد تلقى تعليمه العسكري في بريطانيا قبل أن يتدرج في المناصب القيادية. وقد بويع ولياً للعهد في عام 1977، حيث تولى أيضاً حقيبة وزارة الدفاع، مساهماً في بناء القوات المسلحة القطرية وتطوير قدراتها.

تولى الراحل مقاليد الحكم في يونيو 1995، وشهدت البلاد في عهده طفرة اقتصادية غير مسبوقة بدأت بتصدير الغاز المسال عام 1996. هذه الخطوة الاستراتيجية جعلت من قطر واحدة من أغنى دول العالم وأهم مزودي الطاقة النظيفة على الصعيد الدولي.

وتميزت فترة حكمه بنشاط دبلوماسي مكثف، حيث لعبت قطر أدواراً محورية في الوساطة وحل النزاعات الإقليمية والدولية. كما شهدت البلاد نهضة تعليمية وثقافية ورياضية كبرى، توجت باستضافة فعاليات عالمية ووضع حجر الأساس لاستضافة مونديال 2022.

وفي خطوة وصفت بالتاريخية وغير المسبوقة في المنطقة، سلم الشيخ حمد مقاليد الحكم طواعية لنجله الشيخ تميم بن حمد في يونيو 2013. ومنذ ذلك الحين، لُقب بـ 'الأمير الوالد'، وظل يحظى بمكانة رمزية وتقدير كبير داخل قطر وخارجها حتى وفاته.

أفادت مصادر بأن برقيات التعازي لا تزال تتوافد على الديوان الأميري من مختلف قارات العالم، مما يعكس حجم التأثير الذي تركه الراحل. ومن المتوقع أن تشهد الدوحة مراسم تشييع رسمية يحضرها عدد كبير من القادة والمسؤولين العرب والأجانب تقديراً لمكانته.

تأتي هذه الوفاة في وقت تشهد فيه المنطقة تحديات أمنية وسياسية معقدة، حيث أكدت السلطات القطرية استمرار العمل في كافة مؤسسات الدولة بانتظام. وشددت المصادر على أن إرث الأمير الوالد سيظل نبراساً للسياسة القطرية القائمة على التنمية والبناء والتعاون الدولي.

فلسطين

الأحد 12 يوليو 2026 11:36 صباحًا - بتوقيت القدس

الانتخابات التشريعية ... رسالة تؤكد المضي بمسار الإصلاح رغم التحديات

د. طالب عوض: الانتخابات المقبلة ستواجه تحديات كبيرة في ظل مرور أكثر من 20 عاماً على آخر انتخابات للمجلس التشريعي ما يجعلها محطة استثنائية
عارف جفال: توقيت إصدار المرسوم قبيل اجتماع المانحين في بروكسل قد يحمل رسالة إلى الجهات المانحة بشأن استمرار مسار الإصلاح السياسي
جهاد حرب: عدم تزامن الانتخابات الرئاسية والتشريعية يحرم الرئيس و"التشريعي" من شرعية متجددة ويرفع الكلفة على خزينة السلطة والمرشحين
د. دلال عريقات: الانتخابات ليست خياراً سياسياً أو منحة بل حق دستوري وفرصة لتعزيز المشروع الوطني والارتقاء بمستوى التمثيل الفلسطيني
عوني المشني: صدور المرسوم بتحديد موعد الانتخابات التشريعية لا يشكل ضمانة لإجرائها كون التجارب السابقة أظهرت إمكانية التراجع عن قرارات مماثلة
نهاد أبو غوش: نجاح الانتخابات يتطلب إجراءها بأجواء تتوافر فيها النزاهة وتكافؤ الفرص وفي ظل قانون انتخاب يحظى بتوافق غالبية القوى السياسية والمجتمعية



رام الله - خاص بـ"القدس"-

بعد أكثر من عقدين على غياب الانتخابات التشريعية، أعاد المرسوم الرئاسي بتحديد الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، موعداً للاقتراع، ملف تجديد الشرعيات إلى واجهة المشهد السياسي، وسط إجماع على أهمية الاستحقاق باعتباره مدخلاً لإعادة تفعيل المؤسسات، وسط مخاوف بشأن فرص إنجاز الانتخابات في ظل تعقيدات القدس وقطاع غزة والواقعين السياسي والأمني.
وتتفق قراءات خبراء وباحثين ومحللين سياسيين، في أحاديث منفصلة مع "ے"، على أن اكتمال الإطار القانوني لا يكفي وحده لضمان إجراء الانتخابات، إذ تبقى معالجة التحديات السياسية واللوجستية، وإطلاق حوار وطني، وتأمين مشاركة القدس وغزة، عوامل حاسمة تحول دون تكرار سيناريو إلغاء انتخابات عام 2021، مع دعوات لتوفير بيئة ديمقراطية تكفل النزاهة وتكافؤ الفرص.
وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن المرسوم يعكس توجهاً لإحياء المسار الديمقراطي واستعادة الثقة بالمؤسسات، يثير آخرون تساؤلات حول الفصل بين الانتخابات التشريعية والرئاسية، ومدى ارتباط استكمال الاستحقاقات بالتطورات السياسية الداخلية والخارجية، مؤكدين أن نجاح العملية الانتخابية سيظل مرهوناً بالإرادة السياسية والتوافق الوطني وتذليل العقبات الميدانية.


اكتمال المنظومة القانونية الناظمة

يؤكد رئيس مجلس إدارة مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات والخبير الإقليمي في شؤون الانتخابات د.طالب عوض أن المرسوم الرئاسي القاضي بتحديد الثامن والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية يمثل استكمالاً للموعد الذي كان متفقاً عليه سابقاً لإجراء الانتخابات في بداية الشهر ذاته.
ويوضح أن صدور المرسوم يعني اكتمال المنظومة القانونية الناظمة للعملية الانتخابية، بعد اعتماد قانون الانتخابات الصادر بقرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 وتعديلاته في عامي 2021 و2026، وباتت الأنظار تتجه إلى لجنة الانتخابات المركزية لإعلان الجدول الزمني الذي يشمل مراحل الترشح والدعاية والإجراءات التنفيذية وصولاً إلى يوم الاقتراع.

تحديات سياسية ولوجستية كبيرة

ويشير عوض إلى أن الانتخابات المقبلة ستواجه تحديات سياسية ولوجستية كبيرة، في ظل مرور أكثر من 20 عاماً على آخر انتخابات للمجلس التشريعي، الأمر الذي يجعلها محطة استثنائية سيدخل خلالها جيل جديد من الفلسطينيين العملية الانتخابية للمرة الأولى.
ويوضح أن أكثر من 55% من الناخبين سيكونون من هذه الفئة، فيما يبلغ عدد المسجلين حالياً في الضفة الغربية وقطاع غزة بما فيها القدس نحو 2.6 مليون ناخب، مع توقع ارتفاع العدد إلى قرابة 2.9 مليون، مرجحاً أن تصل نسبة المشاركة إلى نحو مليوني ناخب إذا شاركت جميع القوى والفعاليات السياسية.
ويشير عوض إلى أن تعديل قانون الانتخابات وخفض نسبة الحسم إلى 1% يفتح المجال أمام القوائم التي تحصل على ما يعادل مقعدين في المجلس التشريعي المؤلف من 200 عضو للفوز بالتمثيل، معتبراً أن الأشهر الأربعة المقبلة تتطلب جهوداً مكثفة من الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام لإنجاح العملية الانتخابية بعد سنوات طويلة من الانقطاع.

المؤشرات الحالية وتعزيز فرص إجراء الانتخابات

ويرى عوض أن المؤشرات الحالية تعزز فرص إجراء الانتخابات، لافتاً إلى أن المرسوم الحالي هو "الثالث" بعد مرسومي عامي 2009 و2021 اللذين لم يفضيا إلى إجراء الانتخابات.
ويعتبر عوض أن الاستحقاق هذه المرة يختلف، لأن الجميع يؤكد أهمية المضي به، لافتاً إلى أن الانتخابات ليست مبكرة وإنما استحقاق دستوري وقانوني تأخر تنفيذه منذ عام 2010، أي لأكثر من ستة عشر عاماً.

تغييرات مهمة

وفي ما يتعلق بانتخابات المجلس الوطني، يوضح عوض أن أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين يصبحون بحكم القانون أعضاءً في المجلس الوطني الفلسطيني، مؤكداً أهمية المشاركة الواسعة، ولا سيما من الشباب والنساء.
ويشير عوض إلى أن القانون عزز تمثيل المرأة، فيما خفض سن الترشح للشباب، معرباً عن أمله بأن تخصص القوائم الانتخابية ما لا يقل عن ربع مرشحيها لفئة الشباب دون الخامسة والثلاثين لتعزيز حضورهم في الحياة السياسية.

إمكانية عقد "الرئاسية" في آذار المقبل

وفي ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية، يوضح عوض أن مؤسسات المجتمع المدني كانت تفضل إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بالتزامن أو بمرسوم واحد، إلا أن تحديد إجرائها خلال الربع الأول من عام 2027، يجعل نهاية شهر آذار المقبل، الموعد الأكثر ترجيحاً.
ويدعو عوض إلى إصدار مرسوم خاص بالانتخابات الرئاسية خلال شهري أيلول أو تشرين الأول المقبلين، وعدم الانتظار إلى ما بعد انتهاء الانتخابات التشريعية، تأكيداً على ترابط الاستحقاقين قانونياً وسياسياً.

أهمية معالجة أسباب إلغائها قبل 5 سنوات

يشدد مدير مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات عارف جفال على أن صدور المرسوم الرئاسي بتحديد الثامن والعشرين من تشرين الثاني المقبل، موعداً للانتخابات التشريعية يمثل خطوة قانونية تعيد الحق للمواطنين في التوجه إلى صناديق الاقتراع، إلا أن إجراء الانتخابات لا يرتبط بالمرسوم وحده، وإنما بمعالجة الأسباب التي حالت دون إجرائها عام 2021، وعلى رأسها ملفا القدس وقطاع غزة.
ويوضح أن الظروف التي أدت إلى إلغاء انتخابات عام 2021 ما زالت، في جانب كبير منها، قائمة، مشيراً إلى عدم وجود تأكيدات بشأن ضمان إجراء الانتخابات في القدس، فضلاً عن تعقيدات المشهد في قطاع غزة بعد الحرب، وما يفرضه من ضرورة إطلاق حوار وطني يضم القوى السياسية وأبناء القطاع لبحث آليات تنظيم العملية الانتخابية في ظل الواقع الجديد، بما يشمل القضايا الإدارية والأمنية والمناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والتحديات الميدانية المختلفة.

التحذير من تكرار تجربة عام 2021

ويشدد جفال على أن صدور المرسوم ينبغي التعامل معه باعتباره منطلقاً للتحضير الجاد للانتخابات، مع العمل على إزالة العقبات عبر توافق سياسي يحدد كيفية التعامل مع التحديات الأساسية، محذراً من تكرار تجربة عام 2021 إذا بقيت القرارات أحادية.
ويؤكد أن الاتفاق الجماعي على البدائل، خصوصاً إذا مُنع الاقتراع في القدس، يجعل جميع الأطراف شريكة في تحمل المسؤولية، مؤكداً أن الانتخابات تبقى ممكنة إذا توفرت إرادة حقيقية لإجرائها.
ويشير جفال إلى أن توقيت إصدار المرسوم، قبيل اجتماع المانحين في بروكسل، قد يحمل رسالة إلى الجهات المانحة بشأن استمرار مسار الإصلاح السياسي، لافتاً إلى أن الاتحاد الأوروبي واصل دعم إجراء الانتخابات حتى بعد إلغائها عام 2021، فيما لا يزال مستوى انخراط الولايات المتحدة بدعم الانتخابات حالياً غير واضح، رغم أن واشنطن كان لها دور في تهيئة الظروف لإجراء انتخابات عام 2006.
وفي ما يتعلق بإعلان إجراء الانتخابات الرئاسية خلال الربع الأول من عام 2027، يوضح جفال أن مؤسسات المجتمع المدني والائتلاف الأهلي للانتخابات طالبت بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بالتزامن، انسجاماً مع القانون، معتبراً أن الفصل بين الاستحقاقين وعدم تحديد موعد دقيق للرئاسية قد يُفهم على أنه انتظار لنتائج الانتخابات التشريعية قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
ويؤكد جفال أن الفلسطينيين غابوا عن الانتخابات أكثر من عشرين عاماً، وأن استعادة الثقة بالمؤسسات الوطنية لا يمكن أن تتحقق إلا عبر انتخابات شاملة يشارك فيها الجميع وتعبر عن الإرادة الشعبية.

ضرورة للحفاظ على وحدة النظام السياسي

يشدد مدير مركز "ثبات" للبحوث واستطلاعات الرأي، والباحث في قضايا الحكم والسياسة، جهاد حرب، على أن إجراء الانتخابات الفلسطينية يمثل استحقاقاً وطنياً ودستورياً، إلى جانب كونه ضرورة للحفاظ على وحدة النظام السياسي ومنع فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، في ظل التطورات المرتبطة بقرار مجلس الأمن رقم 2803 واحتمالات استمرار إدارة انتقالية دولية في قطاع غزة، إضافة إلى اشتراطات أميركية تتعلق بعودة القطاع إلى إدارة السلطة الفلسطينية بعد تنفيذ إصلاحات معاييرها ما تزال غير واضحة.
ويوضح حرب أن إمكانية إجراء الانتخابات ترتبط بإجابات واضحة من القيادة الفلسطينية بشأن آليات تنظيم الاقتراع في القدس وقطاع غزة، حتى لا تتكرر تجربة عام 2021، عندما ألغيت الانتخابات في مراحلها الأخيرة بسبب عدم التوصل إلى آلية لإجرائها في القدس وفق بروتوكول الانتخابات الموقع عام 1995، والذي ينص على اقتراع نحو ستة آلاف مقدسي في مكاتب البريد والسماح بالحملة الانتخابية داخل مدينة القدس.
ويوضح حرب أن هناك تساؤلات أساسية تتعلق بالوضع في قطاع غزة، وفي مقدمتها الجهة التي ستشرف على العملية الانتخابية، وما إذا كانت السلطة القائمة هناك، سواء لجنة تكنوقراط أو حركة حماس، ستوافق على تنظيم الانتخابات من دون تفاهمات سياسية واضحة بشأن آليات التنفيذ وحماية صناديق الاقتراع، إلى جانب التساؤل حول سماح إسرائيل بإدخال المواد الانتخابية، وقدرة لجنة الانتخابات المركزية على تحديث سجل الناخبين بعد الدمار الواسع وحركة النزوح داخل القطاع.

قضايا بحاجة لحسم مبكر

ويعتبر حرب أن هذه القضايا السياسية والفنية واللوجستية تحتاج إلى حسم مبكر، محذراً من تركها حتى المراحل الأخيرة، لأن ذلك قد يهدد بإفشال العملية الانتخابية.
ويرى حرب أن عدم إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن كان قراراً غير موفق، لأنه يحرم الرئيس والمجلس التشريعي من شرعية متجددة في الوقت نفسه، ويرفع الكلفة المالية على خزينة السلطة والمرشحين، فضلاً عن أن تزامن الاستحقاقين يعزز انسجام خيارات الناخبين.

عدم تحديد موعد واضح للرئاسية يثير شكوكاً

ويعتبر حرب أن عدم تحديد موعد دقيق للانتخابات الرئاسية، والاكتفاء بالإشارة إلى الربع الأول من عام 2027، يثير شكوكاً لدى الفلسطينيين، معتبراً أن تحديد التاريخ في المرسوم ذاته كان سيعزز الثقة بالعملية الانتخابية، رغم وجود التزام معلن من الرئيس محمود عباس بإجرائها خلال تلك الفترة.
ويشير إلى أن الرسالة بعدم تزامن الانتخابات الرئاسية والتشريعية هو أن مصير الانتخابات الرئاسية سيظل مرتبطاً بنجاح إجراء الانتخابات التشريعية وتجاوز تحديات القدس وقطاع غزة.

إحياء المسار الديمقراطي بعد نحو عقدين

تعتبر د. دلال عريقات، عضو المجلس الثوري لحركة فتح وأستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية، أن المرسوم الرئاسي القاضي بتحديد الثامن والعشرين من تشرين الثاني 2026، موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية يمثل خطوة سياسية ودستورية مهمة باتجاه الاحتكام إلى الشعب الفلسطيني باعتباره مصدر الشرعية، وإحياء المسار الديمقراطي بعد نحو عقدين من غياب الانتخابات التشريعية.
وتؤكد أن وجود مؤسسات تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية يشكل ضرورة وطنية في ظل أخطر المراحل التي تمر بها القضية الفلسطينية.

إعادة بناء الشرعية الفلسطينية

وتوضح عريقات أن المرسوم يندرج ضمن مسار أشمل يستهدف إعادة بناء الشرعية الفلسطينية، وضمان حق المواطنين في المشاركة السياسية واختيار ممثليهم، إلى جانب إعادة تفعيل السلطة التشريعية.
وتعتبر عريقات أن الانتخابات ليست خياراً سياسياً أو منحة من أي طرف، وإنما حق دستوري أصيل للشعب الفلسطيني، وفرصة لتعزيز المشروع الوطني التحرري والارتقاء بمستوى التمثيل الفلسطيني على أسس وحدوية ووطنية.

تحديات كبيرة

وترى عريقات أن الانتقال من إصدار المرسوم إلى إجراء الانتخابات على أرض الواقع يواجه تحديات كبيرة، موضحة أن نجاح العملية الانتخابية يرتبط بتوفر إرادة وطنية جامعة، وضمان مشاركة الفلسطينيين في القدس الشرقية، وإمكانية تنظيم الانتخابات في قطاع غزة، إضافة إلى عدم عرقلة الاحتلال الإسرائيلي للعملية الانتخابية كما حدث في محطات سابقة. وتشدد عريقات على أن المجتمع الدولي مطالب بتحمل مسؤولياته وممارسة الضغط على إسرائيل لضمان تمكين الفلسطينيين من ممارسة حقهم الديمقراطي، ولا سيما في مدينة القدس.
وتؤكد عريقات أنه إذا واجهت الانتخابات عراقيل، فإن ذلك يجب أن يتحول إلى معركة سياسية وشعبية وقانونية ودبلوماسية تُسخَّر فيها مختلف الأدوات لضمان إجرائها وكشف الجهة التي تعطل المسار الديمقراطي الفلسطيني.

أهمية تجديد جميع المؤسسات

وفي ما يتعلق بما تضمنه المرسوم من تحديد موعد لإجراء الانتخابات الرئاسية خلال الربع الأول من عام 2027، ترى عريقات أن هذه الخطوة تعكس وجود رؤية متكاملة لتجديد الشرعيات الدستورية وعدم الاكتفاء بانتخاب مجلس تشريعي.
وتشير عريقات إلى أن اكتمال الشرعية في أي نظام سياسي يتطلب تجديد جميع المؤسسات وفق أحكام القانون، بما يسهم في تعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الحكم.
وتعرب عريقات عن أملها في إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، معتبرة أن صناديق الاقتراع تمثل الطريق الطبيعي والديمقراطي لتجديد الشرعية وتداول السلطة وتعزيز صمود النظام السياسي الفلسطيني في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
وتؤكد عريقات أن تنفيذ هذا الاستحقاق يبقى مرتبطاً باستمرار الحرب، وموقف الاحتلال الإسرائيلي، وإمكانية إجراء الانتخابات في جميع الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس وقطاع غزة، إلى جانب قدرة القوى السياسية على إدارة التنافس ضمن قواعد ديمقراطية تحافظ على الوحدة الوطنية.
وتشدد عريقات على أن الحوار الوطني والانتخابات مساران متكاملان، وأن فلسطين تحتاج في هذه المرحلة إلى مؤسسات قوية وشرعية ديمقراطية ووحدة وطنية، لأن الاحتلال هو المستفيد الأول من استمرار الانقسام وتعطيل المسار الديمقراطي.

تحديد التشريعية لا يشكل ضمانة لإجرائها

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي عوني المشني أن صدور المرسوم الرئاسي بتحديد موعد الانتخابات التشريعية لا يشكل ضمانة لإجرائها، مؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت إمكانية التراجع عن قرارات مماثلة تبعاً للمتغيرات التي تؤثر في مصالح صانع القرار، وليس استناداً إلى ضوابط قانونية أو مؤسسية ملزمة.
ويشير المشني إلى أن إعلان موعد الانتخابات ثم التراجع عنه في مرات سابقة يجعل من الصعب الجزم بأن المرسوم الحالي سيصل إلى نهايته، في ظل غياب قانون أو محكمة دستورية أو معارضة قادرة على منع إلغاء الانتخابات إذا اتخذ قرار بذلك.
ويلفت إلى أن تأجيل الانتخابات السابقة تم تبريره بعدم ضمان مشاركة أهالي القدس، متسائلاً عما إذا كانت الظروف قد تغيرت فعلاً بما يسمح بمشاركتهم هذه المرة، أم أن ما تبدل هو مصالح صانع القرار أو وجود عوامل وضغوط خارجية لا يستطيع تجاوزها.
ويرى المشني أن العامل الحاسم في تحديد مسار الانتخابات ليس مصالح الشعب الفلسطيني، وإنما اعتبارات أخرى، معتبراً أن ما يجري يمثل استفراداً بالقرار السياسي وليَّاً للنصوص القانونية بما يتوافق مع المصالح أو الضغوط.

جميع السيناريوهات مفتوحة

ويشدد المشني على أن الانتخابات في الأنظمة الديمقراطية تقوم على قواعد قانونية مستقرة تحظى بالاحترام ولا تخضع للأمزجة أو الحسابات السياسية، معتبراً أن الحالة الفلسطينية تختلف عن ذلك، وهو ما يجعل جميع السيناريوهات مفتوحة، سواء من حيث إجراء الانتخابات أو تأجيلها، إلى جانب استمرار الغموض بشأن شكل الكتل الانتخابية وتحالفاتها وفرصها، وهي عوامل ستؤثر بصورة مباشرة في مصير العملية الانتخابية.

هل نحن أمام بالون اختبار؟

وفي ما يتعلق بالفصل بين الانتخابات التشريعية والرئاسية، يرى المشني أن تأجيل الانتخابات الرئاسية ثلاثة أو أربعة أشهر قد يكون مؤشراً إلى التعامل مع الانتخابات التشريعية باعتبارها "بالون اختبار" لقياس فرص الفوز في الانتخابات الرئاسية.
ويعتبر المشني أنه إذا أظهرت نتائج التشريعية مؤشرات إيجابية لصانع القرار فستستكمل العملية، أما إذا جاءت بعكس ذلك فقد يتم إلغاء الانتخابات الرئاسية والبحث عن بدائل أخرى.
ويتساءل المشني عن جدوى تنظيم عمليتي اقتراع منفصلتين خلال فترة قصيرة في ظل الأزمة المالية التي تعيشها السلطة الفلسطينية، معتبراً أن إجراء انتخابات واحدة كان سيجنب إنفاق عشرات الملايين من الدولارات.
ويرى أن آلية إدارة هذا الملف لا تعكس تداولاً ديمقراطياً للسلطة، بل استمراراً لنهج أدى إلى بقاء النظام السياسي لأكثر من عشرين عاماً من دون انتخابات.

واقع فلسطيني شديد الهشاشة

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش أن المرسوم الرئاسي الخاص بإجراء الانتخابات التشريعية يأتي في ظل واقع فلسطيني شديد الهشاشة، نتج عن تداخل عاملين رئيسيين يتمثلان في الاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته وحربه المستمرة على الشعب الفلسطيني، إلى جانب نمط الأداء الداخلي الذي رافقته مظاهر التفرد والفساد والتسلط.
ويعتبر أبو غوش أن ذلك أدى إلى تشويه بنية النظام السياسي وتعطيل مؤسساته، بما في ذلك المجلس التشريعي ومؤسسات منظمة التحرير التي يرى أنها تحولت إلى هياكل شكلية يجري استدعاؤها عند الحاجة.
ويشدد أبو غوش على أن الانتخابات الرئاسية والتشريعية يمكن أن تشكل مدخلاً للإصلاح وإعادة بناء الشراكة الوطنية وتفعيل المؤسسات، إلا أنها لا تكفي وحدها لتحقيق هذه الأهداف، مؤكداً أن نجاحها يتطلب إجراءها في أجواء تتوافر فيها النزاهة وتكافؤ الفرص، وفي ظل قانون انتخاب يحظى بتوافق غالبية القوى السياسية والمجتمعية، وهو ما اعتبر أنه لم يتحقق، إذ جرى إقرار مواعيد الانتخابات وقوانينها عبر مراسيم رئاسية وقرارات بقانون بعيداً عن مخرجات الحوارات الوطنية، وبالنهج ذاته الذي سبق انتخابات عام 2021 التي أُلغيت بحجة عدم سماح إسرائيل بإجرائها في القدس، متسائلاً عما إذا كانت إسرائيل وافقت هذه المرة على إجرائها في  تشرين الثاني 2026.

تحفظات حول الإطار القانوني للانتخابات

ويشير أبو غوش إلى أن إعداد الإطار القانوني للانتخابات شابه قدرٌ من التخبط، تمثل في الانتقال من الحديث عن انتخابات المجلس الوطني إلى الانتخابات التشريعية، وتغيير توزيع الحصص بين الداخل والخارج، إلى جانب استمرار النص الذي يشترط الالتزام بالبرنامج السياسي والوطني لمنظمة التحرير، معتبراً أن هذا الشرط، رغم تخفيف صياغته، يبقي الباب مفتوحاً أمام تفسيرات قد تؤدي إلى استبعاد قوى سياسية رئيسية من المشاركة.
ويرى أن تزامن الانتخابات الفلسطينية مع الانتخابات الإسرائيلية يثير تساؤلات في ظل استمرار الحرب والتهديدات الإسرائيلية بتوسيع العمليات العسكرية في غزة والضفة الغربية، متسائلاً عما إذا كانت هناك ضمانات حقيقية لإجرائها في ظروف طبيعية، ولا سيما في ظل الأوضاع الإنسانية الصعبة في قطاع غزة، حيث تستمر الخروقات الإسرائيلية والمجاعة والأوبئة وظروف النزوح.
ويعتبر أبو غوش أن الأزمة لا تقتصر على إدارة الشأن الداخلي، بل ترتبط أيضاً بكون الفلسطينيين شعباً يعيش تحت الاحتلال، ما يفرض الجمع بين النضال الوطني من أجل الحرية والاستقلال وبين بناء نظام ديمقراطي.
ويؤكد أبو غوش أن الضغوط الخارجية، ولا سيما الأميركية، كان لها دور في إعادة طرح ملف الإصلاح والانتخابات، لكنه يشكك في دوافعها، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية لا تُختزل بإجراء انتخابات لمرة واحدة، وإنما تتطلب حريات عامة، واستقلالاً للقضاء، وفصل السلطات، وحرية العمل السياسي، والتعددية، والرقابة والمساءلة والشفافية والمساواة، مؤكداً أن انتخابات بهذا السياق تبقى محل شك، كما أن قدرتها على إحداث تغيير حقيقي تظل موضع تساؤل.

أقلام وأراء

الأحد 12 يوليو 2026 11:35 صباحًا - بتوقيت القدس

عداء المستعمرة نحو تركيا



تحدي تركي لأمن المستعمرة الإسرائيلية، هذا ما يقوله آرئيل كهانا يوم (8/ 7/ 2026) في صحيفة "إسرائيل اليوم" العبرية، ويحدد شكل التحدي، وعناوين الاستفزاز التركي نحو المستعمرة بالوقائع التالية:
"سفن من الأسطول التركي شوشت على مناورة لسلاح البحرية الإسرائيلية، صحافيون إسرائيليون لم يسمح لهم بتغطية قمة الناتو في أنقرة، الجيش التركي حاول نصب منظومات سلاح مختلفة في سوريا سواء في دمشق أو قرب الحدود المشتركة (مع فلسطين)، صناعة السلاح التركية اتسعت بوتيرة مدوية سواء بالكمية أو بالنوعية، أردوغان يضغط كي يتلقى طائرات F35 الأمريكية والمحركات النفاثة المتطورة، القوات التركية أجرت مناورات مشتركة في البحر والجو مع الجيش المصري، الرئيس التركي القديم رضع كراهية إسرائيل (المستعمرة) من ثدي أمه، ويعود مقته لنا بصفته من الإخوان المسلمين السنة، وهو لا يقل عن مقت نظيره الشيعي علي خامنئي".
ويذكر المقارنة بما تم فعله مع إيران وعن  "الجهد الهائل، والأثمان الباهظة التي دفعتها المستعمرة مقابل اسقاط المحور الإيراني، واحتلت أراضي من جارتيها (يقصد سوريا ولبنان) دون أن تفقد تأييد العالم لها"، ويخلص آرئيل كهانا إلى القول:
"تركيا تتعاظم، فموافقة دول الناتو على عقد القمة السنوية في أنقرة لأول مرة منذ 22 سنة بحضور الرئيس الأمريكي هي رسالة صادمة".
مقابل ذلك يقول: هذه الميول المتراكمة تقلق وتشغل بال قيادات المستعمرة كثيراً، ولذلك لم يكن صدفة أن زار نتنياهو رئيس حكومة المستعمرة قاعدة سلاح البحرية في حيفا، ولم تكن مجرد زيارة، بل كانت رسالة "موجهة لآذان وعيون الأتراك" كما يقول كاهانا، ومعناها "لا تتحدونا".
وإلى جانب ذلك قام سفير المستعمرة لدى واشنطن يحيئيل ليتر وطاقمه في العمل "لمنع بيع الطائرات والمحركات المتطورة للأتراك، ما سيثير أعصاب أردوغان أكثر فأكثر".
ويقول الوزير المتطرف سموترتش: "نعمل على  التصدي إلى تركيا أولاً من خلال عدم حصولها على طائرات  F35 الأمريكية، وإجراءات أخرى لا أريد أن أكشف عنها الآن".
ليس مقال كهانا من ذات رأسه فحسب، بل هو تحديد العناوين، ورسالة استيقاظ، وجواب تحذيري أن المستعمرة لن تسكت على أفعال الرئيس التركي ومواقف أنقرة، وأراد أن يقول مثلما كانت إيران الشيعية استفزازية، وتمت معالجتها وكبح جماحها وتقليص قدراتها، ها هي تركيا السنية تحتاج لما هو كذلك، تحتاج لما سبق أن تم فعله مع إيران، ولا يزال.
المستعمرة تتوسع، احتلت كامل أرض فلسطين، وتفرض الاستيطان التدميري لحياة ومواقع وجغرافية الشعب الفلسطيني، وعززت من الانقسام بين طرفي المعادلة، بين فتح وحماس، واحتلت أراضي في سوريا ولبنان، وتمكنت من إسقاط نظامي بغداد ودمشق، بفترات متباعدة وأداء مركز وهدف مركزي واحد، وهو إزالة من يعترض سيطرة المستعمرة على الشرق العربي، أو يقف في مواجهتها، أو يمنع  تفردها به.
 كانت العقبة إيران ومن يتبعها، وعملت من وجهة نظرها ما تمكنت من عمله، وعالجت إيران بالتنسيق والعمل المشتركين مع واشنطن، وهي تفكر وتخطط وستعمل على معالجة القوة والنفوذ والمكانة التركية بوسائل وأساليب مختلفة، ولكن للهدف نفسه، وهو الحفاظ على تفوقها النوعي، وهيمنتها الأحادية، على الشرق العربي.


أقلام وأراء

الأحد 12 يوليو 2026 11:35 صباحًا - بتوقيت القدس

الخليل… هل تحتاج إلى خطة إنقاذ وطنية؟


حين يُذكر اسم الخليل، يتبادر إلى الأذهان أنها أكبر محافظات فلسطين سكانًا، وعاصمتها الاقتصادية، ومدينة الصناعة والتجارة، وحاضنة الإرث التاريخي والوطني. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم بجرأة هو: هل تعاملت السياسات الوطنية مع الخليل بما يتناسب مع مكانتها وأهميتها؟
لقد اعتدنا أن ننظر إلى الخليل باعتبارها مدينة قادرة على الاعتماد على نفسها، وأن اقتصادها كفيل بتجاوز الأزمات. لكن الواقع يقول إن المدينة تواجه تحديات متراكمة، لم تعد تحتمل الحلول الجزئية أو المعالجات المؤقتة، بل تحتاج إلى رؤية وطنية شاملة تعيد تعريف دورها في المشروع الفلسطيني.
الخليل ليست مجرد بلدية تقدم خدمات، وليست مؤسسة مسؤولة عن تعبيد شارع أو جمع النفايات أو إصدار رخص البناء فقط. إنها مدينة تحمل على عاتقها مسؤوليات اقتصادية ووطنية واجتماعية تتجاوز حدودها الجغرافية، وتؤثر في الاقتصاد الفلسطيني بأكمله.
فكيف يمكن لمدينة بهذا الحجم أن تواجه وحدها تحديات الاحتلال، والإغلاقات، والحواجز، والاعتداءات على البلدة القديمة، والتوسع الاستيطاني، والضغوط الاقتصادية، وارتفاع نسب البطالة بين الشباب، وتراجع الاستثمار، بينما تقتصر الخطط غالبًا على إدارة الأزمات اليومية؟
إن الخليل اليوم بحاجة إلى خطة إنقاذ وطنية، لا باعتبارها مدينة منكوبة، وإنما باعتبارها ركيزة أساسية لصمود الشعب الفلسطيني.
هذه الخطة يجب أن تقوم على عدة محاور رئيسية.
أولًا: إطلاق مشروع اقتصادي وطني يعيد تحفيز الاستثمار في المدينة، ويدعم القطاع الصناعي، ويوفر بيئة جاذبة لرؤوس الأموال الفلسطينية في الداخل والخارج.
ثانيًا: برنامج شامل لتطوير البنية التحتية، من الطرق وشبكات المياه والصرف الصحي والمواصلات والطاقة، بما يواكب النمو السكاني المتسارع ويستعد لاحتياجات العقود المقبلة.
ثالثًا: إنقاذ البلدة القديمة، ليس فقط عبر الترميم، بل بإعادتها إلى مركز الحياة الاقتصادية والسياحية والثقافية، ودعم سكانها وتجّارها، وتعزيز صمودهم في مواجهة سياسات الاحتلال.
رابعًا: الاستثمار في التعليم والجامعات والتدريب المهني والبحث العلمي، وربطها مباشرة بسوق العمل، حتى تتحول الخليل إلى مركز للإبداع والإنتاج، لا مجرد مدينة يهاجر منها أصحاب الكفاءات.
خامسًا: بناء شراكة حقيقية بين الحكومة، وبلدية الخليل، والقطاع الخاص، والجامعات، والغرف التجارية، والمؤسسات الأهلية، بحيث يصبح التخطيط للمستقبل مسؤولية جماعية لا عملاً منفردًا.
إن المدن الكبرى لا تُدار بمنطق ردود الأفعال، بل تُبنى بالرؤى والاستراتيجيات. والخليل ليست استثناءً. فهي تستحق خطة تمتد لعشر سنوات على الأقل، بخطوات واضحة، ومؤشرات أداء، وتمويل مستدام، ومساءلة حقيقية.
الخليل ليست عبئًا على الوطن، بل هي إحدى ركائزه الأساسية. وكل استثمار فيها هو استثمار في الاقتصاد الوطني، وفي صمود الإنسان الفلسطيني، وفي مستقبل الدولة الفلسطينية.
لقد آن الأوان أن ننتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن التفكير في احتياجات اليوم إلى التخطيط لأجيال الغد.
ولعل ما يدعو إلى التفاؤل أن هذا الطرح لم يعد مجرد فكرة تُكتب في مقال، بل أصبح جزءًا من نقاش وطني حول مستقبل مدينة الخليل.
ففي اجتماعنا الأخير مع الرئيس محمود عباس، وبصفتنا مجلس بلدية الخليل، أكدنا أن المدينة، بما تمثله من ثقل سكاني واقتصادي ووطني، لم تعد بحاجة إلى حلول متفرقة، بل إلى خطة إنقاذ وطنية شاملة، تقوم على رؤية استراتيجية طويلة الأمد، وتجمع بين التنمية الاقتصادية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز صمود البلدة القديمة، والارتقاء بالتعليم، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص العمل.
كما طرحنا فكرة إنشاء صندوق استدامة واستثمار لمدينة الخليل، يكون إطارًا وطنيًا يجمع مساهمات الحكومة والقطاع الخاص ورجال الأعمال والمؤسسات الوطنية والداعمين، لتمويل المشاريع الاستراتيجية التي تحتاجها المدينة، بعيدًا عن الحلول المؤقتة وردود الأفعال.
وقد لقي هذا الطرح اهتمامًا وتفاعلًا إيجابيًا خلال اللقاء، وطُلب منا العمل على إعداد رؤية وخطة متكاملة، تُرفع إلى سيادة الرئيس لتكون أساسًا للنقاش والاعتماد، بما يليق بمكانة الخليل ودورها المحوري في المشروع الوطني الفلسطيني.
إن الخليل لا تطلب امتيازًا على حساب أحد، ولا تبحث عن استثناء، وإنما تطالب بما تستحقه مدينة تحمل على عاتقها جزءًا كبيرًا من الاقتصاد الوطني، وتدفع يوميًا ثمن صمودها في مواجهة الاحتلال وتحدياته.
وأؤمن أن اليوم الذي تصبح فيه للخليل خطة وطنية واضحة، وصندوق استدامة واستثمار، وشراكة حقيقية بين القيادة والحكومة والبلدية والقطاع الخاص والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني، سيكون بداية مرحلة جديدة، لا تنهض فيها الخليل وحدها، بل ينهض معها جزء مهم من فلسطين.

أقلام وأراء

الأحد 12 يوليو 2026 11:33 صباحًا - بتوقيت القدس

حين يتحول الثوب الفلسطيني إلى وثيقة وطن



تأتي المناسبات الوطنية لتوقظ فينا أسئلة تتجاوز الاحتفال، وتدفعنا إلى إعادة قراءة ما نملكه من إرث ثقافي بوعي أعمق. ويوم الثوب الفلسطيني واحد من تلك المناسبات التي تستدعي الوقوف أمام رمزٍ ظل حاضرًا في وجدان الفلسطينيين جيلاً بعد جيل، يحمل في تفاصيله تاريخ المكان، ويجسد ذاكرة الإنسان، ويختصر علاقة شعب بأرضه. فالثوب الفلسطيني لم يكن يومًا قطعة قماش مزينة بالتطريز، وإنما سجل حضاري متكامل، حفظ ملامح المجتمع الفلسطيني، ووثق تنوعه الثقافي، ونقل قصص النساء اللواتي كتبن بالخيط ما عجزت الكتب أحيانًا عن تدوينه.
من هذه القناعة ولدت فكرة كتابي "الثوب الفلسطيني حكاية هوية نسيج وطن "لم يكن مشروعًا لتجميع صور الأثواب أو استعراض زخارفها، وإنما رحلة بحث علمية وثقافية هدفت إلى قراءة الثوب بوصفه وثيقة تاريخية وهوية بصرية ومصدرًا أصيلًا لفهم المجتمع الفلسطيني. وكلما تعمقت في المصادر والأثواب نفسها، ازددت يقينًا بأن هذا الموروث يستحق أن يقدم للأجيال في كتاب يوثق حكايته ويكشف ما تختزنه تطريزاته من دلالات ومعانٍ.
الثوب الفلسطيني يمثل أحد أبرز الشواهد على قدرة الإنسان الفلسطيني على تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى فن راقٍ يحمل رسالة وهوية. فقد استطاعت المرأة الفلسطينية، عبر قرون طويلة، أن تجعل من الإبرة وسيلة للتعبير عن الانتماء، وأن تمنح الخيط وظيفة تتجاوز الحياكة ليصبح لغة كاملة تقرأ كما تقرأ النصوص. كانت كل غرزة تحمل أثر البيئة التي خرجت منها، وتعكس طبيعة المكان، وتترجم الذائقة الجمالية للمجتمع، حتى أصبح بالإمكان التعرف إلى المدينة أو القرية التي ينتمي إليها الثوب من خلال ألوانه وزخارفه وطريقة تنفيذه.
لقد أظهرت دراسة الأثواب الفلسطينية أن التطريز لم يكن عنصرًا زخرفيًا فحسب، وإنما نظامًا بصريًا متكاملًا تشكل عبر تراكمات حضارية امتدت مئات السنين. فلكل منطقة شخصيتها الفنية التي انعكست على أثوابها، ولكل بيئة خصوصيتها التي فرضتها طبيعة الحياة والموارد والعلاقات الاجتماعية. لذلك احتفظت القدس، والخليل، وبيت لحم، ورام الله، وغزة، ونابلس، ويافا، وصفد، وبئر السبع، وسائر المدن والقرى الفلسطينية، بملامح مميزة صنعت فسيفساء ثقافية نادرة يصعب العثور على مثيل لها في أي مكان آخر.
هذا التنوع لم يكن سببًا للتباعد، وإنما كان أحد أهم عناصر الوحدة الوطنية؛ لأن جميع هذه الأثواب اجتمعت تحت هوية فلسطينية واحدة. اختلفت الألوان والرسوم، وتنوعت الغرز، وتبدلت أشكال الأقمشة، بينما بقيت الروح واحدة، وظلت الأرض هي المرجع الأول الذي استلهمت منه المرأة الفلسطينية إبداعها، فحضرت السنابل، وأغصان الزيتون، وأوراق العنب، والورود، والنجوم، والأشكال الهندسية، في تطريزات اختزلت علاقة الإنسان الفلسطيني بطبيعته ومحيطه.
أثناء إعداد هذا الكتاب لم يكن هدفي تقديم معلومات تاريخية مجردة، وإنما إعادة الاعتبار للثوب الفلسطيني بوصفه مصدرًا معرفيًا يمكن من خلاله فهم التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي لفلسطين. فالأثواب تكشف أنماط الحياة، ومستويات الازدهار، وتأثير طرق التجارة، وحركة الأسواق، والعلاقات بين المدن والقرى، كما تعكس مكانة المرأة ودورها في الإنتاج الثقافي والاقتصادي داخل المجتمع. ومن يقرأ الثوب قراءة واعية، يكتشف أنه يقرأ صفحات كاملة من تاريخ فلسطين.
وتزداد أهمية هذا التوثيق في المرحلة الراهنة، حيث تتعرض الموروثات الثقافية لمحاولات متكررة تستهدف طمس هويتها أو إعادة تقديمها بعيدًا عن سياقها الحقيقي. وأمام هذا الواقع، تتحول الكتابة العلمية إلى مسؤولية وطنية، لأن حماية التراث تبدأ بتوثيقه وفق منهجية دقيقة تعتمد المصادر الموثوقة والشواهد التاريخية والمقارنات العلمية. فكل معلومة صحيحة تنشر، تمثل إضافة إلى الذاكرة الوطنية، وكل مرجع جديد يسهم في توثيق الحقيقة التاريخية الفلسطينية بالاستناد إلى الأدلة والوثائق.
   لقد حرصت في هذا الكتاب على أن أجمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب الذي يقترب من القارئ، حتى يجد الباحث مادته العلمية، ويجد القارئ العام متعة المعرفة، ويجد المهتم بالتراث نافذة واسعة لفهم هذا الإرث الإنساني العظيم. فالكتاب لا يخاطب المختصين وحدهم، وإنما يتوجه إلى كل من يؤمن بأن الهوية الثقافية تبنى بالوعي، وأن حماية التراث مسؤولية جماعية تبدأ من المعرفة الصحيحة.
ولأنني أؤمن بأن الثقافة لا تكتمل بالحفظ داخل المتاحف أو خزائن المقتنيات، فقد سعيت إلى تقديم الثوب الفلسطيني بوصفه تراثًا حيًا قادرًا على مواصلة حضوره في حياة الناس. فكلما تعرفت الأجيال الجديدة إلى معاني التطريز، وأصول الأثواب، والفروق بين مدارسها الفنية، ازدادت قدرتها على حمل هذا الإرث إلى المستقبل، وتحولت العلاقة مع الثوب من علاقة مناسبة واحتفال إلى علاقة معرفة وانتماء واعتزاز.
وقد كشفت رحلة البحث أن المرأة الفلسطينية كانت المؤرخ الأول لذاكرة المكان. لم تكن تكتب الكتب، لكنها كانت تحفظ التاريخ بطريقتها الخاصة. كانت تغرس في الثوب تفاصيل بيئتها، وتعكس من خلاله أفراح المجتمع وأحزانه، وترسم ملامح الحياة اليومية بإبداع فطري تحول مع الزمن إلى مدرسة فنية متكاملة. ولهذا فإن قراءة الثوب تعني أيضًا قراءة سيرة المرأة الفلسطينية التي أسهمت بصمتها وإبداعها في حماية الهوية الوطنية عبر العقود.
إن التراث لا يعيش بالحنين وحده، وإنما يستمر عندما يتحول إلى معرفة موثقة، وإلى مراجع علمية، وإلى مشاريع ثقافية وتعليمية تعيد تقديمه للأجيال بلغتها وأساليبها. ومن هنا جاءت رغبتي في أن يكون هذا الكتاب أكثر من إصدار في مجال التراث، وأن يشكل مرجعًا يسهم في توثيق أحد أهم رموز الهوية الفلسطينية، ويفتح الباب أمام دراسات جديدة تتناول الأثواب الفلسطينية من زوايا تاريخية وفنية واجتماعية واقتصادية.
ويحمل الكتاب رسالة تتجاوز حدود التطريز والأقمشة، لأنها رسالة تؤكد أن الهوية الوطنية تتجسد في تفاصيل الحياة اليومية كما تتجسد في الأحداث الكبرى. فالتراث الشعبي هو الوعاء الذي حفظ شخصية المجتمع الفلسطيني، والثوب أحد أكثر عناصره قدرة على الصمود والاستمرار، لأنه ارتبط بالإنسان منذ الميلاد، ورافقه في المناسبات الاجتماعية والوطنية، وظل حاضرًا في الذاكرة حتى في سنوات اللجوء والتهجير، فحملته النساء معهن أينما ذهبن، ليبقى الوطن حاضرًا في الخيط كما هو حاضر في القلب.
وفي يوم الثوب الفلسطيني تتجدد القناعة بأن مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث لا تقع على المؤسسات وحدها، وإنما تبدأ من كل باحث يكتب، وكل معلم يعرف طلبته بقيمة التراث، وكل أم تعلم ابنتها معنى التطريز، وكل شاب يدرك أن الهوية الثقافية جزء من قوة المجتمع وقدرته على حماية هويته . فالذاكرة التي تكتب تبقى، والتراث الذي يوثق يصبح أكثر قدرة على مواجهة النسيان ومحاولات التزييف.
يحمل هذا الكتاب دعوة لرؤية الثوب الفلسطيني بوصفه وثيقة ثقافية تختزن تاريخ الإنسان والمكان، وتكشف جمال الهوية المتجذرة في تفاصيله. فقد أثبتت رحلة البحث أن كل غرزة تحمل معنى، وكل تطريزة تحفظ جانبًا من الذاكرة الفلسطينية. ويأتي هذا العمل إسهامًا في توثيق هذا الإرث وتقديمه للأجيال القادمة، ليبقى الثوب شاهدًا على إبداع المرأة الفلسطينية وارتباط الإنسان بأرضه. فحين يحفظ التراث بالعلم والمعرفة، تبقى الحكاية حاضرة، وتظل الهوية راسخة عبر الزمن.


أقلام وأراء

الأحد 12 يوليو 2026 11:32 صباحًا - بتوقيت القدس

"على ضفاف الذاكرة" : غسان كنفاني: من أدب المنفى إلى ذاكرة الثقافة


 في ذاكرة الشعوب محطات لا تقاس بما مضى عليها من سنوات، بل بما تركته من أثر في الوعي الإنساني. ومن بين تلك المحطات، يقف الثامن من تموز 1972 علامةً فارقة في التاريخ الثقافي الفلسطيني؛ ففي ذلك اليوم اغتيـل الأديب والصحفي والمفكر الفلسطيني غسان كنفاني، لكن الرصاص الذي استهدف جسده لم يستطع أن يطال الفكرة التي آمن بها، ولا الكلمة التي جعل منها مشروعاً لبناء الوعي وصون الهوية.
لم يكن اغتيال غسان كنفاني استهدافاً لكاتب روائي فحسب، بل كان استهدافاً لدور المثقف في تشكيل الوعي الجمعي. فمن يقرأ سيرته يدرك أن حضوره تجاوز حدود الأدب إلى فضاء أوسع، حيث التقت الثقافة بالتاريخ، والكتابة بالهوية، والسرد بالدفاع عن الحق الإنساني في الذاكرة والانتماء. لقد أدرك كنفاني مبكراً أن الصراع لا يدور حول الأرض وحدها، بل حول الرواية التي تُكتب عنها، وأن من يمتلك القدرة على رواية قصته يمتلك جزءاً مهماً من حقه في الوجود.
ولهذا لم يكن غريباً أن يبقى حاضراً في الدراسات الأدبية، والأبحاث التاريخية، والنقاشات الفكرية، بعد أكثر من خمسة عقود على رحيله. فالأفكار التي تنطلق من الحقيقة لا تخضع لعمر أصحابها، بل تواصل رحلتها عبر الأجيال، لتصبح جزءاً من الذاكرة الثقافية للأمم.
لقد كتب غسان كنفاني ذات مرة: “إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين.” ولعل هذه العبارة تختزل مسؤوليتنا اليوم؛ فالسؤال لم يعد متعلقاً بكيفية رحيل المثقف، بل بكيفية الحفاظ على إرثه الفكري، وصيانة ما تركه من معرفة، وتحويل الذاكرة إلى مشروع ثقافي مستدام، لا إلى مناسبة موسمية عابرة.
لقد أثبت التاريخ أن "الكلمة الحرة" قد تؤدي دوراً بالغ التأثير في تشكيل الوعي، وأن الكتابة ليست فعلاً هامشياً، بل ممارسة حضارية قادرة على حماية الهوية من التزييف، وصون الذاكرة من النسيان. فالرصاصة قد تُنهي حياة إنسان، لكنها لا تستطيع إخماد فكرة استقرت في العقول، ولا محو نص أصبح شاهداً على عصره.
ومن هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ”المقاومة الثقافية”، وهي ليست خطاباً انفعالياً أو دعوة إلى المواجهة، بل فعلاً معرفياً وأخلاقياً يقوم على البحث العلمي، والتوثيق الدقيق، وحفظ الأرشيف، وكتابة التاريخ بأدوات المنهج الرصين، وإنتاج الأدب والفكر القادرين على حماية الحقيقة من التحريف. إنها مقاومة معرفية تبني الإنسان قبل أن تخاطب العالم، وتؤمن بأن الثقافة ليست ترفاً، وإنما إحدى ركائز الصمود الحضاري.
واليوم، في ظل التحولات الرقمية الهائلة، لم تعد معركة الوعي تُخاض في (الكتب) وحدها، بل امتدت إلى (المنصات الرقمية)، ووسائل الإعلام، والأرشيف الإلكتروني، والفضاء الأكاديمي العالمي. ولهذا أصبحت مسؤولية الباحثين والكتّاب والمؤرخين أكثر تعقيداً وأشد إلحاحاً؛ إذ تقع على عاتقهم مهمة توثيق الوقائع، وحماية الرواية التاريخية من التشويه، وتقديم المعرفة بلغة علمية رصينة قادرة على مخاطبة العالم.
وإذا كانت رسالة المثقف هي الانحياز إلى الحقيقة، فإن مسؤوليته لا تتوقف عند حدود التعبير، بل تبدأ بإنتاج المعرفة، وتتعمق بالبحث العلمي، وتترسخ بالتوثيق الرصين، لتغدو الكتابة فعلاً أخلاقياً يحفظ الذاكرة، ويصون الهوية، وينقل الوقائع إلى الأجيال القادمة بعيدًا عن النسيان أو التشويه.
إن إحياء ذكرى غسان كنفاني ينبغي ألا يقتصر على استذكار سيرته أو إعادة نشر صوره واقتباساته، بل يجب أن يكون مناسبة لإعادة الاعتبار إلى الثقافة بوصفها ركيزة من ركائز بناء المجتمعات، وإلى الكاتب بوصفه شاهداً على عصره، وإلى الباحث بوصفه حارساً للوثيقة، وإلى المؤرخ بوصفه أميناً على الذاكرة.
ومن هنا، فإن حماية أصحاب الفكر والقلم ليست دفاعاً عن أفراد، بل دفاع عن حق المجتمعات في المعرفة، وعن حق الأجيال القادمة في الوصول إلى رواية موثقة، وعن حق الإنسانية في أن يبقى التاريخ ملكاً للحقيقة، لا ضحية للتزييف أو النسيان.
إن أفضل وفاء لغسان كنفاني في ذكراه الرابعة والخمسين لا يكون بالرثاء وحده، وإنما (باستكمال الرسالة) التي آمن بها؛ رسالة القراءة، والكتابة، والبحث، والتوثيق، وإنتاج المعرفة. فكل كتاب يُؤلَّف، وكل وثيقة تُحفَظ، وكل دراسة علمية تُنجَز، وكل رواية تُكتب بصدق، هي إسهام في حماية الذاكرة الإنسانية من المحو.
ويبقى غسان كنفاني، بعد أربعة وخمسين عاماً على رحيله، شاهدا على أن الكلمة الصادقة قد تعيش (أكثر) من صاحبها، وأن الثقافة قادرة على عبور الزمن، وأن الذاكرة، إذا وجدت من يصونها، تصبح إحدى أقوى صور البقاء.

أقلام وأراء

الأحد 12 يوليو 2026 11:31 صباحًا - بتوقيت القدس

حين يصبح الهاتف مُعلِّماً.. مَن يُربّي أبناءنا؟


في إحدى الجلسات الحوارية مع مجموعة من الطلبة، طرحت سؤالاً بدا بسيطاً: من منكم قرأ كتاباً كاملاً خلال الأشهر الثلاثة الماضية؟ ساد الصمت، وارتفعت أيدٍ قليلة على استحياء. ثم سألتهم سؤالاً آخر: كم ساعة تقضون يومياً أمام الهاتف؟ هذه المرة لم يحتج أحد إلى التفكير، وجاءت الإجابات تلقائية: خمس ساعات، سبع ساعات، وبعضهم قال: "لا أعرف... لكنه لا يفارقني".
خرجت من ذلك اللقاء وأنا لا أفكر في الهواتف بقدر ما كنت أفكر في التربية. فمن الواضح أننا لم نعد أمام أدوات جديدة للتعلم، بل أمام بيئة جديدة تعيد تشكيل الإنسان منذ طفولته.
ليست الشاشات اختراعاً شريراً، كما أنها ليست المنقذ الذي سيحل جميع مشكلات التعليم. إنها وسيلة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى مرجع، وعندما تنتقل وظيفة التربية من الأسرة والمدرسة إلى الخوارزميات التي تحدد للطفل ما يشاهده، وما يقرأه، وما يضحك له، وما يغضب منه، بل وما يعتقد أنه حقيقة.
لقد اعتدنا أن نقول إن الأسرة هي المدرسة الأولى، وإن المدرسة هي المؤسسة التي تبني شخصية الإنسان. غير أن الواقع الرقمي يفرض سؤالاً مختلفاً: ماذا يحدث عندما يقضي الطفل مع هاتفه وقتاً أطول مما يقضيه مع والديه أو معلميه؟ ومن الذي يشكل منظومة قيمه في هذه الحالة؟
من منظور تربوي، لا يحدث التعلم الحقيقي بمجرد استقبال المعلومات. فالتعلم هو عملية بناء للمعنى، يربط فيها الإنسان بين المعرفة الجديدة وخبراته السابقة، ويختبر الأفكار، ويناقشها، ويعيد إنتاجها. لذلك فإن التعليم الذي يصنع الإنسان ليس التعليم الذي يملأ الذاكرة بالمعلومات، بل الذي يدرّب العقل على التفكير.
وهنا تكمن المفارقة. نحن نعيش في أكثر العصور وفرة في المعلومات، لكننا في الوقت نفسه نواجه أزمة متزايدة في القدرة على الفهم العميق والتحليل والتمييز بين الحقيقة والزيف. الوصول إلى المعرفة أصبح أسهل من أي وقت مضى، لكن امتلاكها أصبح أكثر صعوبة.
توضح أبحاث التربية وعلم الأعصاب أن دماغ الطفل يتشكل باستمرار تبعاً لنوعية الخبرات التي يعيشها. فالقراءة المتأنية، والحوار، واللعب، وحل المشكلات، كلها تبني شبكات معرفية تساعد على التركيز والاستنتاج. أما التدفق المتواصل للمقاطع القصيرة والتنبيهات والإثارة السريعة، فيدرب الدماغ على الانتقال المستمر بين المثيرات، ويجعل المحافظة على الانتباه لفترات طويلة أكثر صعوبة. ولهذا لا ينبغي أن يكون اهتمامنا منصباً على عدد ساعات استخدام الشاشة وحده، بل على نوعية الخبرة التي تقدمها تلك الشاشة.
لقد قادتني سنوات البحث في التربية، ودراسة التعلم في البيئات القسرية، إلى قناعة راسخة بأن التعلم لا تصنعه الأدوات وحدها. فقد شهدت تجارب إنسانية استطاع فيها أشخاص حُرموا من أبسط الوسائل التعليمية أن يحافظوا على شغفهم بالمعرفة من خلال الحوار، والتعاون، والانضباط الذاتي، والإيمان بأن العلم طريق للحرية. وفي المقابل، قد يمتلك طفل اليوم مكتبة العالم كلها في هاتفه، لكنه لا يخرج منها إلا بفتات من المعرفة، لأن البيئة التي يتعلم داخلها تشجعه على الاستهلاك أكثر مما تشجعه على التفكير.
من هنا، فإن القضية ليست معركة بين الورق والشاشة، ولا بين الماضي والمستقبل. إنها معركة بين نموذجين للتعلم: نموذج يجعل الإنسان قائداً للمعرفة، ونموذج يجعل الخوارزمية تقود اهتماماته وخياراته دون أن يشعر.
وتزداد حساسية هذه القضية في مجتمعاتنا العربية، لأن الشاشات لا تنقل معلومات فحسب، بل تنقل أيضاً لغةً، ورموزاً، وقيماً، وروايات عن التاريخ، وصوراً عن الذات والآخر. وإذا لم يمتلك الطفل أساساً قوياً في لغته وثقافته وتاريخه، فإنه قد يتلقى هذه السرديات باعتبارها حقائق نهائية، لا بوصفها رؤى تحتاج إلى نقاش وتمحيص.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى الانغلاق أو الخوف من التكنولوجيا. فالمجتمعات التي تتقدم لا تعادي أدوات العصر، بل تحسن استخدامها. والتعليم الحديث لا يستطيع أن يستغني عن التقنيات الرقمية، لكن نجاحه يتوقف على أن تبقى التكنولوجيا في خدمة المشروع التربوي، لا أن يصبح المشروع التربوي تابعاً لها.
إن مسؤولية الأسرة اليوم لم تعد تقتصر على تحديد وقت استخدام الهاتف، بل أصبحت تتمثل في بناء الحوار مع الأبناء، ومشاركتهم ما يشاهدون، وتعليمهم كيف يسألون قبل أن يصدقوا، وكيف يتحققون قبل أن ينشروا، وكيف يميزون بين الرأي والمعلومة، وبين الشهرة والقيمة.
أما المدرسة، فلم يعد يكفي أن تعلم القراءة والكتابة والحساب. إن من أهم أدوارها في القرن الحادي والعشرين أن تربي على التفكير النقدي، وعلى الثقافة الرقمية، وعلى أخلاقيات استخدام المعرفة. فالمتعلم الذي يعرف كيف يفكر سيكون قادراً على التعامل مع أي تقنية جديدة، أما الذي اعتاد تلقي الأفكار جاهزة، فسوف يبقى تابعاً مهما تطورت الأدوات بين يديه.
كما تقع على المثقفين والكتاب والفنانين مسؤولية لا تقل أهمية. فإذا كانت الشاشات أصبحت ساحة التنافس على وعي الأطفال، فإن إنتاج محتوى عربي رصين وجذاب لم يعد خياراً ثقافياً، بل أصبح ضرورة تربوية وحضارية. فالأجيال الجديدة لن تكتفي بالنصوص التي تطلب منها حماية الهوية، بل تحتاج إلى أعمال إبداعية تجعل هذه الهوية حية وقادرة على المنافسة.
ربما لن نستطيع تقليل حضور الشاشات في حياة أطفالنا، لكننا نستطيع أن نغير طبيعة العلاقة معها. فبدل أن تكون نافذة يتلقى الطفل منها كل شيء، يمكن أن تصبح أداة للبحث والاكتشاف والإبداع، إذا أحسنّا توجيهها.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل تربي الشاشات أبناءنا؟ بل: هل تركنا لها مساحة جعلتها تقوم بدور لم يكن ينبغي أن تتولاه أصلاً؟
فالتربية كانت وستبقى مسؤولية الإنسان. وإذا أردنا أن نبني جيلاً قادراً على التفكير، معتزاً بلغته وثقافته، ومنفتحاً على العالم في الوقت نفسه، فعلينا أن نستعيد المبادرة، وأن نعيد للتعليم معناه الحقيقي: بناء العقل، لا ملء الشاشة، وصناعة الإنسان، لا مجرد صناعة المستخدم.

أقلام وأراء

الأحد 12 يوليو 2026 11:30 صباحًا - بتوقيت القدس

غسان كنفاني.. الكلمة التي لم تُغتل


في الثامن من تموز من كل عام تستحضر الذاكرة الوطنية الفلسطينية قامة أدبية وإنسانية استثنائية، وما زال حضورها يتجاوز حدود الزمن ويقاوم محاولات الغياب.
ففي هذا اليوم من عام 1972، اغتالت يدُ الاحتلال الأديب والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني ظنّا منها أن الرصاص قادر على إسكات الكلمة غير أن ما حدث كان على النقيض تماما؛ إذ تحوّل كنفاني إلى رمز خالد وأصبحت كتاباته جزءا أصيلا من الضمير الثقافي الفلسطيني والعربي والإنساني.
وكان كنفاني روائيا ومشروعا ثقافيا متكاملا جمع بين الإبداع والنقد والصحافة والفكر وأعاد صياغة الحكاية الفلسطينية التي تعد قضية إنسانية كبرى وجعل من الأدب منبرا للمقاومة ومن الرواية وثيقة تحفظ الذاكرة ومن القصة القصيرة مرآة تعكس وجع الإنسان الفلسطيني وآماله.
ولقد أسهم كنفاني في ترسيخ مكانة الأدب الفلسطيني على خارطة الأدب العالمي إذ خرج بالنص الفلسطيني من حدوده المحلية إلى فضائه الإنساني الرحب، وصارت أعماله تُقرأ بلغاتٍ عدة وتُدرّس في جامعات ومراكز بحث في مختلف أنحاء العالم وتعد نماذج رفيعة في أدب المقاومة ودراسات ما بعد الاستعمار والسرد الحديث وقضايا الهوية واللجوء والمنفى.
وقد حظي أدبه باهتمام أكاديمي واسع فأُنجزت حوله مئات الدراسات والرسائل الجامعية والأبحاث المحكمة وعُقدت المؤتمرات والندوات العلمية التي تناولت منجزه الروائي والقصصي والنقدي وأفردت له الجامعات العربية والعالمية مساحات بحثية واسعة لما تميزت به أعماله من عمق فكري وبنية فنية متماسكة، وقدرة استثنائية على تحويل التجربة الفلسطينية إلى خطاب إنساني يتجاوز الجغرافيا والزمان.
ومن أبرز أعماله الخالدة: (رجال في الشمس) التي غدت علامة فارقة في الرواية العربية الحديثة، و(عائد إلى حيفا) التي قدّمت واحدة من أعمق المقاربات الروائية لمعنى الوطن والهوية والانتماء، و(أم سعد) التي جسّدت صورة المرأة الفلسطينية بوصفها حاضنة للمقاومة، و(ما تبقّى لكم)، و(أرض البرتقال الحزين)، و(عالم ليس لنا)، إلى جانب دراساته النقدية الرائدة، وفي مقدمتها كتابه المرجعي (في الأدب الصهيوني)، الذي كشف البنية الفكرية والأيديولوجية للأدب الصهيوني بمنهج نقدي رصين.
وإن القيمة الكبرى لغسان كنفاني  تكمن في غزارة إنتاجه وفي قدرته على تحويل الكلمة إلى فعل مقاومة والسرد إلى ذاكرة والشخصية الروائية إلى شاهد على التاريخ، ولقد كتب فلسطين وطناً لا يُختزل في حدود ولا تُلغيه المنافي، ولا تنال منه محاولات الطمس، فكان صوته صوت شعب بأكمله وكانت شخصياته تنبض بحياة الفلسطيني أينما كان.
وفي ذكرى استشهاده تؤكد وزارة الثقافة أن الوفاء لغسان كنفاني يكون باستذكار سيرته وبقراءة أعماله وتشجيع الأجيال الجديدة على اكتشاف إرثه الفكري والإبداعي، وصون حضوره في الوعي الوطني والثقافي فهو أحد أبرز البنّائين الكبار للهوية الأدبية الفلسطينية الحديثة، وأحد الأصوات التي جعلت من الأدب جبهة متقدمة للدفاع عن الحقيقة والحرية والكرامة.
رحل غسان كنفاني جسداً وبقي نصّه حيّاً؛ لأن الكلمة التي تنحاز إلى الإنسان لا تموت ولأن الأدب الصادق يظل قادرا على عبور الأزمنة حاملا ذاكرة الوطن، وحارسا لروايته ومنيرا طريق الأجيال نحو الحرية.
 
* مدير عام الآداب والنشر والمكتبات في وزارة الثقافة.

أقلام وأراء

الأحد 12 يوليو 2026 11:30 صباحًا - بتوقيت القدس

كم من الوقت تأخرنا لنفهم؟


في رحلة الحياة نمضي مسرعين... نحسب الأيام بالأرقام، والإنجازات بالألقاب، والنجاح بما نملك، حتى تأتي لحظة هدوء نسأل فيها أنفسنا سؤالًا بسيطًا لكنه موجع: كم من الوقت تأخرنا لنفهم؟
تأخرنا لنفهم أن بعض المعارك التي خضناها لم تكن تستحق كل ذلك العناء، وأن بعض الكلمات التي قلناها كان الصمت عنها أجمل، وأن بعض الأشخاص الذين حاولنا تغييرهم كان الأجدر أن نتقبل حقيقتهم أو نترك لهم طريقهم.
تأخرنا لنفهم أن الأب الذي كنا نرى حرصه تشددًا، كان يرى من الطريق ما لم نكن نراه... وأن الأم التي كانت تسأل كثيرًا لم تكن تبحث عن إجابات، بل كانت تبحث عن الاطمئنان علينا.
تأخرنا لنفهم أن العلاقات لا تقاس بطول السنين، بل بصدق المواقف... فهناك من عاش معنا عمرًا وغاب وقت الحاجة، وهناك من ظهر لحظة واحدة فترك أثرًا لا يُنسى.
تأخرنا لنفهم أن الكرامة ليست في أن نرد على كل إساءة، ولا القوة في أن ننتصر في كل نقاش... فبعض الانسحابات انتصار، وبعض الصمت رسالة لا يستطيع الكلام شرحها.
تأخرنا لنفهم أن العمر ليس مجرد سنوات نضيفها إلى أعمارنا، بل دروس تضيفها الحياة إلى أرواحنا.
في شبابنا نركض لنثبت للعالم من نحن... وبعد سنوات نكتشف أن السلام الحقيقي يبدأ عندما لا نحتاج أن نثبت شيئًا لأحد.
وربما تكون أقسى حقيقة نتعلمها متأخرين... أن الوقت لا يعود، وأن اللحظات البسيطة التي أجلناها بانتظار الظروف المناسبة، كانت هي الحياة نفسها.
لهذا، قبل أن يفوتنا المزيد من العمر... سامح من يستحق، اقترب ممن تحب، قل الكلمة الطيبة في وقتها، ولا تؤجل إنسانيتك إلى الغد.
فالحياة لا تعطينا دائمًا فرصة ثانية... والحكيم ليس من فهم كل شيء في النهاية، بل من استطاع أن يفهم قبل أن يفوت الأوان.

أقلام وأراء

الأحد 12 يوليو 2026 11:29 صباحًا - بتوقيت القدس

الانتخابات وإعادة بناء المشروع الوطني التحرري

مع صدور المرسوم الرئاسي الذي حدد موعد الانتخابات التشريعية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني المقبل، تدخل الحياة السياسية الفلسطينية مرحلة جديدة طال انتظارها. غير أن أهمية هذا الاستحقاق لا تكمن في موعده أو إجراءاته بقدر ما تكمن في السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وهو ما العلاقة بين هذا الاستحقاق الديمقراطي وبين مهمة إعادة بناء المشروع الوطني التحرري الفلسطيني؟ وهل يمكن أن تصبح الانتخابات جزءاً من هذه العملية، أم أنها ستبقى مجرد استحقاق دستوري يعيد إنتاج الأزمة في ظروف أكثر تعقيداً؟
لا خلاف على أن الانتخابات حق ديمقراطي أصيل، وأن تجديد الشرعيات ضرورة وطنية لا يجوز أن تبقى رهينة التأجيل أو الحسابات السياسية. فلا يمكن بناء نظام سياسي قادر على مواجهة التحديات، أو استعادة ثقة المواطنين بمؤسساته، من دون العودة إلى إرادة الشعب واحترام حقه في اختيار ممثليه باعتباره مصدر السلطات وصاحب الشرعيات.
لكن التجربة الفلسطينية أكدت أن الانتخابات، مهما بلغت نزاهتها، لا تكفي وحدها لمعالجة أزمة سياسية ووطنية بهذا الحجم، إذا غاب الاتفاق على طبيعة المرحلة، وأولوياتها، وقواعد الشراكة الوطنية، واحترام التعددية السياسية، والالتزام بالمرجعيات السياسية التمثيلية.
فالانتخابات ليست مشروعاً وطنياً بحد ذاتها، وإنما إحدى أدوات العمل السياسي. أما قيمتها الحقيقية فتقاس بقدرتها على الإسهام في إعادة بناء النظام السياسي، وتعزيز وحدة المؤسسات الوطنية، وتجديد الثقة بين المواطن ومؤسساته، ووضع المشروع الوطني التحرري مجددا في مركز الفعل السياسي.
وتكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية في ظل ما تواجهه القضية الفلسطينية من محاولات لإعادة تشكيل واقعها السياسي والجغرافي. فاستمرار حرب الإبادة والتجويع والتهجير في قطاع غزة وتشكيل الإدارات البديلة فيها، وتصاعد الاستيطان والضم في الضفة الغربية بل والتهجير بحق مخيماتنا، لا يستهدفان الأرض والإنسان فحسب، بل يهدفان إلى فرض واقع سياسي جديد، يُختزل فيه الشعب الفلسطيني إلى تجمعات سكانية تُدار تحت الاحتلال من خلال إعادة هندسة المنطقة، بدل الاعتراف به شعباً صاحب حق في الحرية وتقرير المصير والاستقلال الوطني.
وفي المقابل، يشهد النظام الدولي والإقليم تحولات عميقة، كشفتها الحرب على غزة وما رافقها من اتساع غير مسبوق في التضامن الشعبي العالمي، وتزايد الاعترافات بدولة فلسطين رغم رمزية بعضها دون تبعات، واتساع دائرة الانتقادات للسياسات الإسرائيلية، خاصة بالغرب، ومنها بالولايات المتحدة، بشكل غير مسبوق، إلى جانب التحولات المتسارعة في موازين القوى الدولية. ورغم أن هذه المتغيرات لم تتحول بعد إلى سياسات دولية حاسمة، فإنها تفتح أمامنا نحن الفلسطينيين فرصاً جديدة، بقدر ما تفرض علينا تحديات جديدة أيضاً.
غير أن الرهان لا ينبغي أن يكون على هذه التحولات وحدها، ولا على انتظار ما ستسفر عنه المتغيرات الإقليمية والدولية، وإنما على امتلاك رؤية وإرادة سياسية وطنية مستقلة، قادرة على استثمار الفرص ومواجهة المخاطر. فالمتغيرات الخارجية قد تتيح هوامش جديدة للحركة، لكنها لا تستطيع أن تعوض غياب ضرورات اعادة بناء المشروع الوطني التحرري، ولا استمرار الانقسام، ولا ضعف المؤسسات.
ولعل الخطأ الأكبر هو اختزال الانتخابات في كونها وسيلة لتجديد السلطة، فيما التحدي الحقيقي يكمن في إعادة بناء المشروع الوطني التحرري الفلسطيني، وتجديد أدواته وآليات عمله وأشكال نضاله، بما ينسجم مع التحولات التي فرضتها الحرب، ويعيد الاعتبار لقضيتنا باعتبارها قضية تحرر وطني لشعب يسعى إلى الحرية والاستقلال، لا قضية إدارة سكان تحت الاحتلال.
فالمطلوب اليوم ليس فقط إعادة بناء النظام السياسي، بل إعادة تعريف العلاقة بين مؤسساته وأهدافه، بحيث تعود السلطة الوطنية أداة في خدمة المشروع الوطني التحرري، لا أن يتحول المشروع الوطني إلى أداة في خدمة السلطة.
ومن هذا المنطلق، فإن التعديلات التي أُدخلت على قانون الانتخابات، سواء ما يتعلق بعدد أعضاء المجلس التشريعي أو نسبة الحسم أو غيرها، تستحق نقاشاً وطنياً هادئاً ومسؤولاً واسعاً، ليس من زاوية التأييد أو الرفض المسبق، وإنما من زاوية أثرها في الحياة السياسية. فالتحدي لا يكمن فقط في توسيع التمثيل، بل أيضا في الحفاظ على التنافس البرامجي، وتعزيز دور القوى السياسية والمجتمعية، والحد من التشظي، ومن تغليب الاعتبارات المحلية أو الشخصية أو العشائرية أو تأثير المال السياسي على الخيارات الوطنية.
ومن هنا، فإن الانتخابات ينبغي أن تُدرج ضمن عملية سياسية ووطنية أشمل، تبدأ بحوار وطني مسؤول، لا يقوم على المحاصصة أو تقاسم المواقع، بل على الاتفاق حول طبيعة المرحلة وأولوياتها، وبرنامج الحد الأدنى الوطني، وأسس الشراكة الوطنية، واحترام نتائج الانتخابات، وتعزيز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، والعمل على تطويرها وتفعيل مؤسساتها على أسس ديمقراطية كجبهة وطنية عريضة، بما يضمن مشاركة جميع مكونات شعبنا في الوطن والشتات.
إن الشرعية التي يحتاجها شعبنا اليوم ليست شرعية انتخابية فحسب، بل شرعية وطنية أيضا، تُقاس بقدرة المؤسسات المنتخبة على حماية المشروع الوطني التحرري، وصون وحدة الشعب والأرض والقضية، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة.
لقد أصبح الاستحقاق الانتخابي واقعاً سياسياً اليوم، لكن نجاحه لن يتوقف على يوم الاقتراع وحده، بل على ما يسبقه من قدرة القوى الوطنية والمجتمع المدني والمستقلين الوطنين على استعادة ثقة الناس، وبناء خطاب سياسي وطني جامع، وحماية الإرادة الوطنية من المال السياسي ومراكز النفوذ ومن كل أشكال التأثير الخارجي، وتعزيز الشراكة الوطنية في مواجهة أخطر مشروع يستهدف قضيتنا.
فالانتخابات وان كان يتوجب أن تشمل موقع الرئاسة في الوقت ذاته دون تأجيل الى وقت اخر من العام القادم، وتضمن مشاركة شعبنا في كل محافظات الوطن بما فيها غزة والقدس، فهي ليست معركة على السلطة، بل ينبغي أن تكون جزءً من معركة إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية، وتجديد مؤسساتها، واستعادة المبادرة السياسية، وتوحيد طاقات شعبنا في مواجهة الاحتلال ومخططاته.
فإذا أحسنا نحن الفلسطينيين توظيف هذا الاستحقاق، فقد يصبح خطوة مهمة في مسار إعادة بناء المشروع الوطني التحرري على أسس الشراكة والديمقراطية والاستقلالية. أما إذا اختُزل في منافسة على السلطة أو في إعادة إنتاج الانقسام، فسيبقى مجرد محطة أخرى في إدارة الأزمة، فيما المطلوب هو تجاوزها، والانطلاق نحو مرحلة جديدة يكون فيها المشروع الوطني التحرري، بكل أبعاده السياسية والديمقراطية والكفاحية، هو البوصلة التي تهدي العمل الوطني الفلسطيني.
* عضو المجلس الاستشاري لحركة "فتح".

أقلام وأراء

الأحد 12 يوليو 2026 11:28 صباحًا - بتوقيت القدس

سباق التطرف


تصريحات سموتيرتش حول دعوته لإشعال الحرب في الضفة تأتي ضمن الدعاية الانتخابية التي بدأها مبكرًا عن أسلافه في سباق الوصول إلى الكنيست مرة أخرى وكسب ثقة الناخب الذي تدغدغه الشعارات الرنانة، مثلما تطربه الدعوات لقتل الفلسطينيين وخنق حياتهم، لهذا نجد لغة التهديد ترتفع، وهذا ما جاء على لسان المتطرف سموتيرتش، الذي أضاف إلى تصريحه أن خطر فلسطينيي الداخل أكبر من الخطر الإيراني، وهذه لغة متصاعدة في التطرف والعداء ونهج عنصري قديم جديد معروف لدى كل أحزاب اليمين التي تعادي كل ما هو فلسطيني، سواء كان في غزة والضفة أو في القدس والناصرة وحيفا، وكل فلسطيني يعلم ذلك، فلا يترك المتطرفون منبرًا إلا وتوعدوا وهددوا بالقتل والحرب والتهجير، وأمام هذه العقيدة المتطرفة يحاول الفلسطيني البقاء فوق أرضه، يربي الأمل، ويمسك الصبر، ويحرس حقله وبيارته ومتجره، ويواصل دورة حياته في الزمن الذي يزداد فيه الاحتلال تطرفًا، وتنحسر أحزاب الاعتدال، بل تكاد تتلاشى وتغيب عن المشهد.
منذ سنوات عديدة يمد الفلسطيني يده للسلام، فلا يجد في المقابل يدًا تمتد لتصافحه، وإن وجد فهي أيدٍ قليلة لا تعبر عن أغلبية المجتمع الذي نمت فيه أصوات التطرف، وبلغ أشد أنواع العنصرية التي جعلت من عملية السلام مجرد وهم، بعد أن تبرأت منها وأسقطت تفاهمات حل الدولتين، واتخذت من الاستيطان والتهويد والضم والحصار والقتل استراتيجيةً لكل حكومات نتنياهو التي قام بتشكيلها وفق تحالفات عنصرية تتفق فيما بينها على التطرف لا الاعتدال، وعلى العنصرية لا السلام.
يمكن القول إن الكيان قد بلغ قمة التطرف والإرهاب، وإنه بذلك وصل إلى هذا الشكل من البشاعة التي يراها العالم وهو يشاهد سياساته وممارساته، والتي ليس آخرها ما قاله سموتيرتش وهو يهاجم الجزء الأصيل من شعبنا، وهم فلسطينيو الداخل، ويتهمهم بالخطر الأكبر، إلى جانب رغبته في مواصلة الحرب في غزة والضفة، ولا غرابة أن تقابل مثل هذه التصريحات العدائية بالتصفيق والترحيب داخل الأوساط المتطرفة التي تنمو على مثل هذه الأفكار، وتتغذى على مفاهيم الكراهية، ولا تؤمن بالشرعية الدولية والقرارات الصادرة عنها، وتقطع الطريق أمام كل يد تمتد بالسلام العادل والشامل.
الأمر المريب هنا أن استطلاعات الرأي جميعها تعطي التقدم لتلك الأصوات التي تنادي بالحرب وبث الكراهية، وأن الأحزاب الأكثر تقدمًا في النتائج هي الأحزاب الأكثر تطرفًا، وهذا يجعل سموتيرتش وغيره يرفعون وتيرة التهديد والوعيد، وأن يلوحوا بالمزيد، فشهوة الحصول على أصوات الناخبين تجعلهم يتخذون من دم الفلسطيني دعاية لضمان نجاحهم وفوزهم وعودتهم إلى الحكومة.
أما الأمر الأكثر غرابة، فهو تراجع أصوات اليسار، أو ما كان يعرف باليسار داخل الكيان، هذا التراجع الذي وصل إلى درجة التلاشي، فغاب عن المشهد وفشل في مواجهة قوى اليمين، وأمام هذا كله تبقى أمريكا منحازة بسياساتها، تتهم الفلسطيني وتحرض عليه، وترفض النظر إلى الصورة الواضحة بين من يمد يده للسلام وبين من يركض خلف شهوة الحرب.

أقلام وأراء

الأحد 12 يوليو 2026 11:27 صباحًا - بتوقيت القدس

المرأة الفلسطينية تقود نهجًا جديدًا للدبلوماسية... الدبلوماسية المجتمعية الفلسطينية



اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2022 قرارًا بإعلان الرابع والعشرين من حزيران/يونيو يومًا دوليًا للمرأة في الدبلوماسية، تقديرًا للدور المتنامي الذي تؤديه النساء في العلاقات الدولية، وإيمانًا بأهمية مشاركتهن في صنع القرار، وتعزيز السلام، وبناء الشراكات بين الشعوب.
وتأتي هذه المناسبة لتطرح، في الحالة الفلسطينية، سؤالًا يتجاوز الاحتفاء بالدور التقليدي للمرأة في السلك الدبلوماسي: هل تقود المرأة الفلسطينية اليوم نهجًا جديدًا للدبلوماسية؟
لقد أفرزت التجربة الفلسطينية، بفعل تعقيدات الواقع السياسي والإنساني، نهجًا جديدًا في العمل الدبلوماسي أقترح تسميته "الدبلوماسية المجتمعية الفلسطينية"؛ نهج لا يقتصر على قاعات التفاوض والاجتماعات الرسمية، وإنما ينطلق من الناس، ويستند إلى الاستماع لهم، ونقل أصواتهم، وبناء التحالفات، والتأثير في مواقف صناع القرار. إنها دبلوماسية تجعل الإنسان والقضية في قلب العمل الدبلوماسي، وتمنح المجتمع المدني، ولا سيما النساء، دورًا فاعلًا في نقل الرواية الفلسطينية والدفاع عنها في المحافل الدولية.
ارتبط مفهوم الدبلوماسية لعقود طويلة بقاعات الاجتماعات المغلقة، والمفاوضات الرسمية، والبروتوكولات السياسية، والسفراء والممثلين الرسميين للدول. لكن التحولات التي شهدها العالم، وما فرضه الواقع الفلسطيني من تحديات غير مسبوقة، أعادت تشكيل هذا المفهوم بصورة أوسع وأكثر ارتباطًا بالإنسان.
فالمرأة الفلسطينية، رغم أنها لم تكن دائمًا تحمل صفة "دبلوماسية" أو تشغل منصبًا رسميًا، مارست الدبلوماسية بأشكال متعددة. فقد أصبحت حاضرة في المؤتمرات الدولية، واللقاءات مع البرلمانيين والدبلوماسيين، واجتماعات الأمم المتحدة، ومنصات المجتمع المدني العالمي، حيث نقلت الرواية الفلسطينية، ودافعت عن حقوق شعبها، وطرحت قضايا المرأة والعدالة والاحتلال أمام صناع القرار.
لقد خرجت الدبلوماسية، بفضل مساهمة النساء، من الغرف المغلقة إلى الميدان؛ إلى القرى والمخيمات، وإلى النساء اللواتي يعشن تفاصيل الاحتلال يوميًا. فلم تعد الدبلوماسية مجرد تبادل للمواقف السياسية، بل أصبحت عملية تبدأ بالاستماع إلى الناس، وفهم احتياجاتهم، ثم تحويل تلك الأصوات إلى رسائل ومواقف تُعرض أمام المجتمع الدولي.
وفي المقابل، بدأنا نشهد تحولًا لافتًا في ممارسة الدبلوماسية الرسمية نفسها، حيث أصبحت العديد من السفيرات وممثلات الحكومات والبعثات الدبلوماسية الغربية العاملة في فلسطين أكثر حضورًا بين الناس، يزرن التجمعات المحلية، ويلتقين النساء والمؤسسات المجتمعية، ويستمعن مباشرة إلى احتياجات المواطنين وتحدياتهم. وهذا يعكس تحولًا نحو دبلوماسية أكثر قربًا من المجتمع، تؤمن بأن فهم الواقع يبدأ من الميدان، وأن نجاح العمل الدبلوماسي لا يتحقق فقط عبر الاجتماعات الرسمية، بل أيضًا من خلال التواصل المباشر مع الناس.
وفي السنوات الأخيرة، برزت الدبلوماسية المجتمعية الفلسطينية بوصفها مساحة جديدة للتأثير، حيث تؤدي ناشطات المجتمع المدني، والباحثات، والقياديات في المؤسسات، دورًا مؤثرًا في بناء العلاقات الدولية، وكسب التأييد، والتأثير في السياسات، رغم أنهن لا يحملن صفات دبلوماسية رسمية.
فالمرأة الفلسطينية التي تلتقي سفراء، ووزراء، وأعضاء برلمانات، ومسؤولي الأمم المتحدة، وتقدم لهم الأدلة والشهادات، وتدافع عن حقوق النساء الفلسطينيات، وتمارس المناصرة والضغط من أجل المساءلة والعدالة، تقوم في جوهر عملها بممارسة فعل دبلوماسي متكامل. فهي لا تمثل مؤسسة بعينها فحسب، بل تحمل معها صوت النساء الفلسطينيات، وقصص صمودهن، وتطلعات مجتمعاتهن، لتضعها أمام صناع القرار في مختلف المحافل الدولية.
ولعل ما منح المرأة الفلسطينية هذه القدرة هو طبيعة أدوارها المجتمعية؛ فهي الأقرب إلى تفاصيل الحياة اليومية، وإلى معاناة الأسر والنساء والأطفال، والأقدر على نقل هذه التجربة الإنسانية إلى لغة يفهمها العالم. ولهذا، لم تعد مساهمتها تقتصر على عرض الوقائع، بل أصبحت تبني جسورًا من الثقة والحوار مع صناع القرار، مستندة إلى المصداقية، والخبرة الميدانية، والرواية الإنسانية التي يصعب تجاهلها.
لقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن الدبلوماسية لم تعد حكرًا على المؤسسات الرسمية، بل أصبحت مسؤولية جماعية يشارك فيها كل من يمتلك القدرة على التأثير، وبناء الجسور، ونقل الحقيقة، والدفاع عن الحقوق.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الدبلوماسية الرسمية التي تقودها وزارة الخارجية والبعثات الفلسطينية، بل إن الدبلوماسية المجتمعية الفلسطينية أصبحت تشكل رافدًا مكملًا لها، يعزز حضور القضية الفلسطينية في المحافل الدولية من خلال الوصول إلى البرلمانات، والجامعات، ومراكز الفكر، ووسائل الإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني، بما يوسع دوائر التأثير ويمنح الرواية الفلسطينية حضورًا أكثر عمقًا وإنسانية. فالدبلوماسية الرسمية تظل تمثل دولة فلسطين في المحافل الدولية، فيما تسهم الدبلوماسية المجتمعية في بناء جسور الثقة والتأثير مع المجتمعات وصناع القرار، ليشكل النهجان معًا منظومة متكاملة للدفاع عن الحقوق الفلسطينية.
وفي ظل انتهاكات الاحتلال المستمرة، والنزوح الواسع، وتصاعد هجمات المستوطنين، اكتسبت المرأة الفلسطينية دورًا أكثر أهمية في المحافل الدولية. فهي لا تنقل أرقامًا وإحصاءات فحسب، بل تحمل معها قصص النساء والأطفال، ومعاناة الأسر، وصمود المجتمعات المحلية، لتُحوّل التجربة الإنسانية إلى قضية رأي عام دولي، وإلى مطالب سياسية وقانونية وأخلاقية.
إن هذا التحول يدعونا إلى إعادة النظر في مفهوم الدبلوماسية ذاته. فهل أصبحت الدبلوماسية هي فقط ما يدور في الاجتماعات الرسمية؟ أم أنها أيضًا ذلك الجهد اليومي الذي تبذله النساء في بناء التحالفات، والتأثير في الرأي العام، والدفاع عن العدالة، والوصول إلى صناع القرار؟
إن التجربة الفلسطينية تدفعنا إلى توسيع مفهوم الدبلوماسية ليشمل كل جهد منظم يسهم في التأثير في السياسات الدولية، ونقل صوت المجتمع، وبناء الشراكات، والدفاع عن الحقوق. وفي هذا السياق، لم تعد المرأة الفلسطينية مجرد مشاركة في العمل الدبلوماسي، بل أصبحت من أبرز الفاعلين في تطوير أدواته وتوسيع فضاءاته.
وربما ستكتب الدراسات مستقبلًا أن المرأة الفلسطينية لم تكتفِ بالمطالبة بمكان لها في الدبلوماسية، بل أسهمت في تطوير أحد أهم تحولاتها؛ دبلوماسية تنطلق من الإنسان، وتعود إليه، وتجعل المجتمع شريكًا في صناعة التأثير. تلك هي الدبلوماسية المجتمعية الفلسطينية التي باتت اليوم رافدًا أساسيًا للدبلوماسية الرسمية، وإحدى أدوات فلسطين في مخاطبة العالم، وإيصال روايتها، وحشد الدعم الدولي لقضيتها العادلة.

أقلام وأراء

الأحد 12 يوليو 2026 11:26 صباحًا - بتوقيت القدس

البيت الفلسطيني.. الجبهة الجديدة للاستيطان



في غضون أيام قليلة، لم تعد أخبار استيلاء المستوطنين على منازل الفلسطينيين حوادث معزولة تتصدر العناوين، بل أصبحت نمطا متكررا؛ منزل قيد الإنشاء في جالود، ومنازل في تجمعات ريفية مُنع أصحابها من العودة إليها، واعتداءات دفعت عائلات إلى مغادرة بيوتها تحت وطأة الخوف. وبرغم اختلاف المواقع، فإن المشهد يكاد يتكرر بالتفاصيل ذاتها، بما يكشف أن ما يجري يتجاوز الاعتداءات الفردية إلى سياسة متعمدة لفرض وقائع جديدة على الأرض.
فالقضية هنا لا تتعلق بمنزل أو قرية بعينها، وإنما بطريقة يجري بها تحويل البيت الفلسطيني من فضاء للحياة والاستقرار إلى ساحة للصراع على الأرض والسيادة. وما إن تُقرأ هذه الحوادث مجتمعة، حتى يتضح أنها ليست مجرد انتهاكات متكررة، بل تعبير عن سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، عبر السيطرة على المنازل، وإفراغ التجمعات السكانية، وفرض وقائع جديدة تجعل الاستيطان يتمدد من داخل البيوت، لا من أطراف المستوطنات فقط.
فالمنزل في التجربة الفلسطينية ليس وحدة سكنية فحسب، بل يمثل عنوان الملكية، واستمرار العائلة، والذاكرة الجماعية، والدليل المادي على الوجود التاريخي. ولهذا، فإن استهدافه يحقق للاحتلال ما لا تحققه السيطرة على الأرض وحدها؛ إذ ينال من الإنسان والذاكرة والهوية، ويقوض الإحساس بالأمان والانتماء، وهما الركيزتان اللتان تقوم عليهما أي جماعة بشرية.
وخلال الأشهر الأخيرة، تكررت أنماط متشابهة في مناطق متعددة من الضفة الغربية. تبدأ العملية بالترهيب المنظم، أو منع أصحاب المنزل من الوصول إليه، أو استغلال ظروف الحرب والتهجير، أو فرض واقع أمني يحول دون عودة السكان، ثم يظهر المستوطن باعتباره "الساكن الجديد" وما يبدو انتقالا في الإقامة ليس سوى انتقالٍ للسيادة الفعلية على المكان، حيث يتحول السكن إلى أداة لإعادة تعريف الملكية ورسم حدود السيطرة.
ولا تعتمد هذه السياسة على القوة المباشرة وحدها، بل على إدارة الزمن أيضا؛ فكل يوم يمر دون عودة أصحاب المنزل يمنح الاحتلال فرصة لترسيخ "الأمر الواقع"، حتى يتحول الاستيلاء المؤقت إلى واقع دائم.
 والأخطر أن استهداف المنازل لا يقتصر على الحجر، بل يمتد إلى المجتمع نفسه. فعندما تُهجَّر العائلات، تتفكك شبكات الجوار، وتضعف العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، وتتراجع قدرة المجتمع المحلي على الصمود. ومع مرور الوقت، لا يغيب السكان عن المكان فحسب، بل تغيب معه المدارس والأسواق والحياة اليومية التي تمنح الجغرافيا معناها الإنساني.
وفي هذا السياق، تؤدي مجموعات المستوطنين دورا يتجاوز كونها تجمعات مدنية. فهي تتحرك باعتبارها أداة لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة، توسع نطاق السيطرة تدريجيا، وتجعل من كل منزل تتم السيطرة عليه نقطة انطلاق لتغيير أوسع في محيطه، بما يفتح الطريق أمام توسعات لاحقة. ولذلك، فإن استهداف المنازل لا يمكن فصله عن المشروع الاستيطاني الأشمل؛ فالسيطرة على البيت تُمهّد للسيطرة على الحي، والسيطرة على الحي تُغيّر ملامح القرية، ثم تتحول القرية نفسها إلى جزء من واقع جغرافي وسياسي جديد يُراد له أن يبدو دائماً وغير قابل للتراجع.
ومن الخطأ النظر إلى هذه الوقائع باعتبارها اعتداءات فردية أو أحداثا متفرقة. فالتكرار المنهجي، والتوزيع الجغرافي للحوادث، وتزامنها مع ظروف الحرب والتهجير، كلها تشير إلى نمط سياسي واضح يهدف إلى تحويل النزوح القسري إلى تغيير ديموغرافي دائم، وإعادة تشكيل المجال الفلسطيني بما يخدم المشروع الاستيطاني. ولعل أخطر ما في هذه السياسة أنها تراهن على الزمن، فكل يوم يمضي دون عودة أصحاب المنازل يعزز الرواية التي يسعى الاحتلال إلى فرضها، ومفادها أن السيطرة الجديدة أصبحت أمرا طبيعيا، وأن الحق التاريخي يمكن أن يتآكل بفعل مرور الوقت وفرض الأمر الواقع.
إن المعركة اليوم لم تعد تدور فقط حول الحدود أو المستوطنات، بل حول البيت الفلسطيني نفسه. فالمنزل لم يعد مجرد مكان للسكن، بل أصبح ساحة صراع على السيادة والهوية والذاكرة. ولذلك، فإن الدفاع عن البيت هو دفاع عن الحق في البقاء، وعن استمرارية الوجود الفلسطيني على أرضه. ولهذا، فإن مواجهة هذه السياسة لا تبدأ بإحصاء عدد المنازل التي تمت السيطرة عليها، بل بفهم المشروع الذي يربط بينها جميعاً. فكل منزل يُنتزع من أصحابه ليس رقما جديدا في سجل الانتهاكات، بل حلقة في مشروع استعماري يسعى إلى إعادة تشكيل الأرض والسكان معا، وإحلال واقع جديد محل التاريخ الأصلي.
وحين يصبح الاستيلاء على منزل قيد الإنشاء حدثا عاديا في نشرات الأخبار، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في المنزل المفقود وحده، بل في اعتياد العالم على فقدانه. فالمعركة ليست على جدران من حجر، وإنما على حق شعب في أن يبني بيته، ويحمي ذاكرته، ويورث أبناءه وطنا لا يتحول فيه كل منزل جديد إلى هدف، ولا يتحول المفتاح الذي احتفظ به الفلسطيني، جيلا بعد جيل، من رمز للحق والعودة إلى شاهد صامت على عجز المجتمع الدولي عن حماية أبسط الحقوق الإنسانية: الحق في البيت، والحق في الأرض، والحق في البقاء.

أقلام وأراء

الأحد 12 يوليو 2026 11:25 صباحًا - بتوقيت القدس

رسالة للمانحين: فلسطين ليست مشروعاً إنسانياً ولا خيرياً

يوم جديد

تنعقد هذا الأسبوع مجموعة المانحين لفلسطين (Palestine Donor Group) في بروكسل، وهنا تبرز فرصة مهمة لإعادة تقييم العلاقة بين المجتمع الدولي والقضية الفلسطينية. فبعد عقود من المساعدات والمنح، أصبح من المشروع طرح سؤال جوهري: هل ساهمت المساعدات الدولية في بناء الدولة الفلسطينية، أم أنها أسهمت، من حيث لا تدري، في إدارة الأزمة وإطالة أمدها؟
الفلسطينيون لا يرفضون الدعم الدولي، بل يثمّنونه. لكنهم يرفضون أن تتحول قضيتهم إلى ملف إنساني دائم، بينما يبقى الاحتلال والاستيطان والضم والإفلات من العقاب خارج إطار المعالجة السياسية. فالمساعدات الإنسانية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الإرادة السياسية، ولا عن تطبيق القانون الدولي، ولا عن الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
لقد أصبح واضحاً أن النجاح لا يقاس بحجم الأموال التي تُنفق، بل بمدى مساهمتها في توفير حاجات المواطنين وحماية فرص الامن والسلام، وتعزيز صمود المؤسسات الفلسطينية، وترسيخ الحكم الرشيد، وتوفير مقومات الدولة المستقلة. أما إذا بقيت المساعدات تُدار بمعزل عن الأفق السياسي، فإنها ستتحول إلى آلية لإدارة الاحتلال بدلاً من إنهائه.
وفي هذا السياق، لا بد من مراجعة نقدية لنموذج التمويل الدولي ذاته. فقد تحولت بعض المؤسسات، بعد عقود من التمويل، إلى هياكل تعيش على استدامة المشاريع أكثر من استدامة التنمية، بينما بقي الاقتصاد الفلسطيني رهينة القيود الإسرائيلية، واستمرت البطالة والفقر والتبعية الاقتصادية في الاتساع. المطلوب اليوم ليس مزيداً من المشاريع قصيرة ومتوسطة الأجل، بل الاستثمار في اقتصاد فلسطيني قادر على الإنتاج والتصدير، وفي مؤسسات وطنية قادرة على الاستمرار باستقلالية.
كما أن مسألة ربط التمويل بالإصلاح الفلسطيني تحتاج مراجعة، فالإصلاح بكل أبعاده، يجب أن ينطلق من حاجة وطنية داخلية، وليس استجابة لشروط خارجية. وتجديد الشرعية عبر الانتخابات يمثل ضرورة وطنية لتعزيز المشاركة السياسية، وتطوير المؤسسات، وتجديد العقد بين المواطن ومؤسساته، في إطار النضال من أجل الحرية والاستقلال. فالديمقراطية ليست مطلباً دولياً فحسب، بل هي أحد مقومات بناء الدولة الفلسطينية الحديثة.
أما إعادة إعمار غزة، فلا يجوز أن تُختزل في مشاريع إسمنتية أو ترتيبات إدارية مؤقتة. فالإعمار الحقيقي يبدأ بإنهاء أسباب الدمار، وضمان وحدة غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية ضمن إطار سياسي واحد، وقيادة فلسطينية وطنية تمتلك القرار والمسؤولية. ولا يمكن لأي خطة تنموية أن تنجح إذا استمرت سياسات الاحتلال في تقويض أسس الحياة الطبيعية.
وفي الوقت ذاته، يتحمل الاتحاد الأوروبي مسؤولية خاصة، ليس فقط بوصفه أكبر المانحين، بل أيضاً باعتباره شريكاً اقتصادياً رئيسياً لإسرائيل، وصاحب مشروع سياسي يقوم على احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان. ومن هنا، فإن الاتساق بين القيم الأوروبية والسياسات العملية أصبح ضرورة أخلاقية وسياسية. فلا يمكن الاستمرار في منح امتيازات اقتصادية لدولة تنتهك بصورة ممنهجة قواعد القانون الدولي، بينما يُطلب من الفلسطينيين الاكتفاء بالمساعدات الإنسانية.
إن القضية الفلسطينية ليست قضية فقر، بل قضية حرمان من الحرية. وليست أزمة تنموية، بل قضية شعب يعيش تحت احتلال عسكري منذ عقود. ولذلك فإن المطلوب من المجتمع الدولي ليس إدارة الواقع القائم، بل المساهمة في تغييره، عبر ربط الدعم المالي بأفق سياسي واضح، يحمي حل الدولتين، ويصون وحدة الأرض الفلسطينية، ويضمن كرامة الانسان والمساءلة واحترام القانون الدولي.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق حلها، ومن فلسفة المانح والمتلقي إلى فلسفة الشراكة من أجل بناء الدولة. فالفلسطينيون لا يطلبون صدقات، ولا يبحثون عن إدارة إنسانية دائمة لمعاناتهم؛ إنهم يطالبون بما كفلته الشرعية الدولية منذ عقود: الحرية، والكرامة، والدولة المستقلة.
فحين تصبح السياسة حاضرة، تتراجع الحاجة إلى الإغاثة. وحين تتحقق العدالة، يصبح السلام أكثر من مجرد شعار.


أقلام وأراء

الأحد 12 يوليو 2026 11:24 صباحًا - بتوقيت القدس

حوار أم استعراض؟



شعارات.. شعارات.. شعارات، هو أقل ما يقال عن حدث العام الذي نظمته الأمم المتحدة قبل أيام في مدينة جنيف، الذي حمل اسم: حوار الأمم المتحدة الأول للذكاء الاصطناعي، وذلك خلال الفترة الممتدة من السادس وحتى السابع من الشهر الحالي، حيث هدف الحوار، حسب منظميه، إلى متابعة التسارع المتواتر، وبصورة غير مسبوقة، في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وصياغة توافق دولي يضبط إيقاع هذه الثورة التقنية، ويحمي البشرية من مخاطرها، وذلك عبر ضوابط عالمية شاملة حسب ما قيل، تضمن استخدام هذه التقنية لصالح الإنسانية قاطبة.
وركزت مخرجات الحوار المنشودة على السعي لدمج أولويات الدول النامية، وزيادة التنسيق العالمي لوضع وتعزيز الميثاق الرقمي العالمي للذكاء الاصطناعي، وتطوير قدرة البشرية على مواكبة التسارع الكبير في ثورة الذكاء الاصطناعي التي يشهدها العالم، خاصة في ظل غياب حوكمة شاملة، وضعف قدرة حكومات العالم الثالث، على مجاراة هذا التطور.
لكن هذه الأجندة الطموحة إنما قوبلت بالخروج عملياً ببعض الخطوات الخجولة، كإنشاء وحدة دولية للحوكمة الإجرائية، التي تساهم في توحيد المعايير، وتطوير استخدامات الذكاء الاصطناعي عالمياً، ولأغراض إنسانية مفيدة. كما اشتملت التوصيات على أهمية أن لا تعكس أطر الحوكمة أولويات الدول المتقدمة تكنولوجياً فحسب، بل قيل إنها يجب أن تحمي جميع الأصوات والثقافات المتنوعة، وتضمن إشراك العالم الثالث في هذا المضمار. كما أكد الحوار أهمية دمج المبادرات السابقة التي ولدت خلال السنوات الثلاث الماضية، وجاءت نتاج العمل الأممي المكثف، بما فيها الميثاق الرقمي العالمي، وتوصيات اليونسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى متابعة عمل اللجنة العلمية الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، التي تتابع رصد المخاطر وتقديم التوصيات المستمرة.
غير أن ما كان مأمولاً أن يشكل محطة لصياغة رؤية عالمية مشتركة، بدا بوجهة نظري كمشارك عن بُعد في مجريات المؤتمر أقرب، في كثيرٍ من جوانبه، إلى مهرجان خطابي، ومنصة لاستعراض الإنجازات الوطنية لكل دولة بعينها، دون وجود حوار حقيقي أممي يصنع قرارات للمستقبل، إلا ما تم حبكه مسبقاً، وفي غرف ضيقة جداً حسب المخرجات.
وفي إطار مهرجانٍ كهذا، قدّمَ رؤساء وفود معظم دول العالم مرافعاتهم وكلماتهم الرسمية، لكن معظمهم انشغل بعرض ما حققته دولته من إنجازات، واستعراض ما أقرته من استراتيجيات ومنظومات قانونية، والتأكيد على البعد الأخلاقي لاستخدامات الذكاء الاصطناعي. ورغم أهمية تلك المحاور، فإنها بدت وكأنها سباق لإظهار العضلات التقنية والتشريعية، فيما اقتصر الحديث عن العمل المشترك على عبارات عامة وأمنيات يائسة، وشعارات فضفاضة لم ترتقِ إلى مستوى التحديات التي يفرضها هذا القطاع المتسارع.
وقد غابَ، في المقابل، أي تصور عملي واضح لآليات التعاون الدولي. فلم تُطرح خطة أممية ملزمة، ولم يُعلن عن إطار زمني لتنفيذ مبادرات مشتركة، ولم تتبلور مؤسسات أو آليات متابعة تضمن تحويل الأقوال إلى أفعال سوى إطار الحوكمة سالف الذكر، وكأن المجتمع الدولي لا يزال يناقش أهمية الذكاء الاصطناعي، بينما تجاوزته التكنولوجيا بخطوات واسعة نحو واقع ماراثوني جديد يفرض نفسه كل يوم.
لقد افتقدَت جلسات الحوار إلى الجرأة المنشودة في إنتاج توصيات جادة تُرفع إلى الجهات المختصة في الأمم المتحدة لإقرارها واعتمادها. فالعالم، وبصراحة، لم يعد بحاجة إلى بيانات ختامية تعيد التأكيد على أهمية التعاون، بل إلى قرارات دولية ملزمة تحدد المسؤوليات، وتنظم العلاقة بين الحكومات والشركات المطورة، وتضع حدوداً واضحة لاستخدامات الذكاء الاصطناعي في المجالات المدنية والعسكرية والاقتصادية والإنسانية.
لقد تجاهلَ المشاركون تماماً الحاجة الملحة إلى مراجعة القانون الدولي بما يواكب التحولات المتسارعة. فالمنظومة القانونية الحالية صيغت في زمن لم يكن فيه الذكاء الاصطناعي لاعباً رئيسياً في الاقتصاد أو الأمن أو التسليح أو الصراعات الدولية، أما اليوم فقد أصبح شريكاً في اتخاذ القرار، وصناعة المعرفة، وإدارة الحروب، والتأثير في الرأي العام، وصولاً إلى فبركته الاحترافية للتصاميم والنصوص والصوت والصورة.
إن غياب الرؤية المستقبلية، التي تعزز سرعة مواءمة التشريعات المحلية مع تطور الذكاء الاصطناعي، بات أمراً غير مقبول، إذ لا يمكن أن تستمر ثورة بهذا الحجم دون إطار قانوني دولي جديد يضبط إيقاعها ويحاسب من يسيء استخدامها.
لقد أغفلَت الخطابات الرنانة والمتتابعة في الحوار المذكور أيضاً الفجوة الرقمية المتسعة بين دول شمال العالم وجنوبه، إذ لا يمكن الحديث عن عدالة رقمية، فيما تفتقر عشرات الدول إلى البنى التحتية والقدرات البشرية والتمويل اللازم للدخول إلى عصر الذكاء الاصطناعي، مهما كابر بعض ممثليها في الادعاء بأنهم قد قطعوا أشواطاً عدة.
لقد كان الأجدر بالمؤتمر أن يقر إنشاء موازنات وصندوق دولي مخصص لدعم الدول النامية في دخولها عالم الذكاء الاصطناعي، وتمويل البحث العلمي فيه، وبناء قدراتها التقنية، حتى لا يتحول هذا النوع من الذكاء إلى أداة جديدة لتعميق الفجوة العالمية بدلاً من ردمها.
لقد آنَ الأوان لأن تتحول المؤتمرات الدولية من منصات للاستعراض أو استنفاد بواقي الموازنات، إلى ورش حقيقية لصناعة القرار. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مشروعاً وطنياً تتباهى به الدول، بل قضية إنسانية أيضاً تتطلب شجاعة سياسية، وتشريعات عابرة للحدود، واستثمارات عادلة، وإرادة جماعية تتجاوز المصالح الضيقة.
وما لم يغادر العالم مرحلة استعراض العضلات التقنية نحو بناء منظومة دولية مشتركة، فإن الحوارات المقبلة ستبقى تتكرر بالعناوين نفسها، فيما يواصل الذكاء الاصطناعي في مواقع ازدهاره رسم مستقبل العالم بعيداً عن أي حوكمة حقيقية أو ضوابط فعلية، وفي إطار تتسع فيه الهوة بين ذات الدول التي عانت مطولاً مع انتشار الإنترنت من الفارق الرقمي العالمي.  
ما أخشاه هو من نوازع الدول التي تريد لنفسها احتكار التطور في مجال الذكاء الاصطناعي، فيما تبقى بقية دول العالم غارقة في بحر من الشعارات والأمنيات والأحلام التي لا تمتلك أي رصيد فعلي يُحولها إلى حقائق، ما يُحوّل أولئك المحرومين في الأرض، ومن جديد، إلى جمهور استهلاكي لمخرجات الذكاء الاصطناعي وابتكاراته ليس إلا. للحديث بقية!

[email protected]

فلسطين

الأحد 12 يوليو 2026 10:52 صباحًا - بتوقيت القدس

رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني: مسيرة قائد أرسى دعائم نهضة قطر الحديثة

ودعت دولة قطر والأمتان العربية والإسلامية، صباح اليوم الأحد، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي انتقل إلى جوار ربه عن عمر ناهز 74 عاماً. وأعلن الديوان الأميري القطري النبأ في بيان رسمي، نعى فيه القائد الذي ارتبط اسمه بتحولات جذرية جعلت من قطر رقماً صعباً في المعادلة الدولية.

وُلد الفقيد في مدينة الدوحة مطلع عام 1952، حيث نشأ في بيئة كانت تعتمد على موارد محدودة قبل اكتشافات الغاز الكبرى. تلقى تعليمه الأولي في قطر، ثم التحق بأكاديمية 'ساندهيرست' العسكرية الملكية في المملكة المتحدة، وتخرج منها عام 1971، ليعود إلى بلاده ويبدأ مسيرته في بناء المؤسسة العسكرية القطرية.

في الحادي والثلاثين من مايو عام 1977، بويع الشيخ حمد ولياً للعهد وعُين وزيراً للدفاع، وهي المرحلة التي شهدت وضع اللبنات الأولى لتطوير القوات المسلحة. وقد اتسمت رؤيته منذ البداية بالرغبة في التغيير الجذري ونقل البلاد من حالة الاعتماد التقليدي إلى آفاق الدولة العصرية المتكاملة.

تولى الشيخ حمد مقاليد الحكم في السابع والعشرين من يونيو عام 1995، ليبدأ مرحلة وصفت بأنها 'الانطلاقة الكبرى'. واجهت البلاد في تلك الفترة تحديات اقتصادية صعبة وخزينة شبه فارغة، إلا أن إرادته كانت تتجه نحو استغلال الموارد الطبيعية بشكل غير مسبوق لتأمين مستقبل الأجيال القادمة.

يُعد الشيخ حمد المهندس الحقيقي لصناعة الغاز في قطر، حيث قرر الاستثمار الضخم في حقل الشمال رغم المخاطر المالية آنذاك. وبحلول عام 1996، بدأت قطر تصدير أولى شحنات الغاز الطبيعي المسال، لتصبح في عهده أكبر مصدر لهذه الطاقة النظيفة في العالم، مما وفر تدفقات مالية هائلة استُخدمت في التنمية.

لم تكن النهضة في عهد الأمير الوالد مادية فحسب، بل شملت بناء الإنسان والمؤسسات، حيث أطلق مشروع 'المدينة التعليمية' التي استقطبت أعرق الجامعات العالمية. كما شهد عهده صدور أول دستور دائم للبلاد في عام 2003، مما أرسى قواعد العمل المؤسسي والمشاركة الشعبية في صنع القرار.

على الصعيد السياسي، تبنى الشيخ حمد سياسة خارجية مستقلة وفاعلة، جعلت من الدوحة مركزاً للوساطات الدولية وحل النزاعات. وسعى إلى أن تكون قطر شريكاً فاعلاً على الطاولة الدولية، وليس مجرد موضوع للبحث، مما عزز من حضورها في المحافل الأممية والمنظمات العالمية.

ارتبط اسم الأمير الوالد بدعم القضايا العربية العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث كان من أوائل الزعماء الذين كسروا الحصار عن قطاع غزة. كما كان لقطر في عهده دور محوري في إعادة إعمار جنوب لبنان عقب عدوان عام 2006، وتقديم المساعدات الإنسانية في مختلف الأزمات.

شهدت سنوات حكمه طفرة رياضية وثقافية غير مسبوقة، توجت بفوز قطر التاريخي بحق استضافة نهائيات كأس العالم 2022. واعتبر هذا الإنجاز امتداداً لرؤيته في وضع قطر في قلب الاهتمام العالمي، وكسر الصور النمطية عن المنطقة العربية وقدراتها التنظيمية.

في خطوة وُصفت بأنها تاريخية وغير مسبوقة في المنطقة العربية، أعلن الشيخ حمد في 25 يونيو 2013 تنازله عن الحكم لنجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. وأكد في خطاب التنحي أن الوقت قد حان لفتح المجال أمام جيل جديد يقود مسيرة البناء بروح شابة ورؤية متجددة.

بعد تسليم السلطة، حمل لقب 'الأمير الوالد' وظل رمزاً وطنياً يحظى باحترام واسع داخل قطر وخارجها، متابعاً مسيرة النماء التي بدأها. وقد اتسمت سنواته الأخيرة بالهدوء والحضور في المناسبات الوطنية الكبرى، مراقباً ثمار غراسه التي أينعت في كافة المجالات.

تميزت رؤية الشيخ حمد بالقدرة على الموازنة بين الحداثة والأصالة، حيث حافظ على الهوية القطرية والعربية في ظل الانفتاح العالمي. وسعى طوال فترة حكمه إلى رفع مستوى دخل المواطن القطري ليكون الأعلى عالمياً، مع التركيز على جودة التعليم والرعاية الصحية.

تؤكد مصادر مقربة أن الفقيد كان يؤمن بأن الثروة يجب أن تكون وسيلة للتحرر الوطني وبناء الإرادة المستقلة، وليس مجرد أرقام في البنوك. وهذا ما تفسره المواقف القطرية الجريئة في ملفات إقليمية ودولية شائكة، حيث كان الحوار وتغليب صوت العقل هما المنهج المتبع.

برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تطوى صفحة مشرقة من تاريخ قطر الحديث، لكن أثره سيبقى محفوراً في المؤسسات والمدن والمشاريع التي شيدها. وستظل ذكراه مرتبطة بصورة القائد الذي تجرأ على الحلم وحول الصحراء إلى منارة عالمية للغاز والعلم والرياضة.

عربي ودولي

الأحد 12 يوليو 2026 10:52 صباحًا - بتوقيت القدس

وفاة السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام.. رحيل أحد أبرز صقور واشنطن الداعمين للاحتلال

أعلن مكتب السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، اليوم الأحد، عن وفاة عضو مجلس الشيوخ البارز عن ولاية ساوث كارولاينا، وذلك عقب تعرضه لوعكة صحية مفاجئة ألمت به مساء السبت. وأكد مدير الاتصالات في مكتبه عبر منصة 'إكس' أن عائلة الراحل تطلب احترام خصوصيتها في هذا الوقت العصيب، دون تقديم تفاصيل دقيقة حول طبيعة المرض الذي أدى إلى وفاته بشكل سريع.

ويعتبر غراهام، الذي مثل ولايته في مجلس الشيوخ منذ عام 2003، واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً في دوائر صنع القرار بواشنطن، لا سيما في ملفات الأمن القومي والسياسة الخارجية. وقد تولى خلال مسيرته الطويلة رئاسة لجان سيادية هامة، منها اللجنة القضائية، وكان يشغل حتى وفاته منصب رئيس لجنة الموازنة في مجلس الشيوخ، مما منحه نفوذاً واسعاً في توجيه التمويل الفيدرالي.

اشتهر السيناتور الراحل بمواقفه المتشددة التي تصنفه ضمن 'صقور' الحزب الجمهوري، حيث كان من أشد الداعين لزيادة الإنفاق الدفاعي الأمريكي وتعزيز الوجود العسكري في الخارج. كما تبنى سياسات هجومية تجاه قوى دولية مثل روسيا والصين، وكان يرى في استخدام القوة العسكرية خياراً ضرورياً للتعامل مع التهديدات الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط.

وفيما يخص القضية الفلسطينية، سجل غراهام مواقف انحياز كامل للاحتلال الإسرائيلي، خاصة خلال حرب الإبادة الجماعية المستمرة على قطاع غزة. فقد طالب مراراً بمنح الجيش الإسرائيلي تفويضاً مطلقاً للقضاء على حركة حماس، ورفض بشدة أي محاولات من الإدارة الأمريكية لفرض قيود على إمدادات الأسلحة والذخائر الموجهة لتل أبيب.

ولم يقتصر دعم غراهام على الجانب العسكري التقليدي، بل أيد رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتطوير شكل الدعم الأمريكي. ودعا إلى تحويل المساعدات المالية المباشرة التي تتجاوز ثلاثة مليارات دولار إلى استثمارات مشتركة في التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، معتبراً أن إسرائيل تمثل المختبر الأول لابتكار أسلحة المستقبل التي تضمن التفوق النوعي.

وعلى الصعيد الحزبي، شهدت علاقة غراهام بالرئيس السابق دونالد ترامب تحولاً دراماتيكياً على مر السنين؛ فبعد أن كان من أشرس منتقديه خلال انتخابات 2016، أصبح لاحقاً من أوثق حلفائه داخل الكونغرس. ولعب دوراً محورياً في الدفاع عن أجندة ترامب، خاصة في ملفات التعيينات القضائية وتعديل قوانين الهجرة، مما عزز مكانته كقائد للجناح التقليدي المتحالف مع الترامبية.

أثار نبأ رحيله صدمة واسعة في الأوساط السياسية بمدينة واشنطن، حيث توالت بيانات النعي من زملائه في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مشيدين بمسيرته التي امتدت لأكثر من عقدين. ورغم هذا الثقل السياسي، لم تصدر حتى اللحظة أي تفاصيل بشأن ترتيبات الجنازة أو موعد مراسم التشييع الرسمية التي من المتوقع أن يحضرها كبار قادة الدولة.

ومع شغور مقعده في مجلس الشيوخ، تتجه الأنظار الآن نحو ولاية ساوث كارولاينا والآليات الدستورية المتبعة لتعيين بديل له. وسيكون لهذا الغياب تأثير ملموس على توازنات القوى داخل المجلس، خاصة في ظل الانقسام الحاد حول ملفات المساعدات الخارجية والحروب الإقليمية التي كان غراهام أحد أبرز مهندسي السياسات المتعلقة بها.

عربي ودولي

الأحد 12 يوليو 2026 10:36 صباحًا - بتوقيت القدس

فاجعة في دير الزور: وفاة طفلين وفقدان آخرين إثر غرق عبارة بنهر الفرات

استيقظت مدينة دير الزور شرقي سوريا على فاجعة إنسانية إثر وقوع حادث غرق مأساوي في مياه نهر الفرات، أسفر عن وقوع ضحايا وإصابات بين المدنيين. وأفادت مصادر محلية بأن عبارة نهرية كانت تنقل عشرات المواطنين تعرضت للاصطدام بجسر حربي، مما أدى إلى انقلابها وسقوط جميع من كان على متنها في مياه النهر الجارية.

وأكدت فرق الدفاع المدني أن الحادثة تسببت في وفاة طفلين على الأقل كحصيلة أولية، في حين تمكنت فرق الإنقاذ بمساعدة الأهالي من انتشال ونجاة أكثر من 15 شخصاً. وكانت العبارة البدائية تقل ما يزيد عن 35 مدنياً، من بينهم نساء وأطفال، لحظة وقوع الاصطدام العنيف بالجسر المعروف محلياً بالجسر التركي.

ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن محافظة دير الزور، فإن الحادث وقع في وقت متأخر من ليل أمس، وتحديداً عند الساعة الحادية عشرة والنصف تقريباً. وفور وقوع الارتطام، استنفرت كافة الأجهزة المعنية في المحافظة للتعامل مع الموقف الطارئ ومحاولة إنقاذ العالقين في المياه قبل أن تجرفهم التيارات النهرية.

وباشرت وحدات من الجيش بالتعاون مع مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث عمليات بحث واسعة النطاق في محيط موقع الغرق، مستخدمة كافة الإمكانيات المتاحة. كما شارك متطوعون من أهالي المنطقة في جهود التمشيط النهري، في محاولة للعثور على أي ناجين أو مفقودين لا يزال مصيرهم مجهولاً حتى هذه اللحظة.

من جانبها، أوضحت التقارير الطبية الصادرة عن مديرية الصحة في المدينة أنها استقبلت عشر حالات ناتجة عن الحادثة الأليمة. وتوزعت هذه الحالات بين حالتي وفاة لطفلين، وثماني إصابات متفاوتة الخطورة يتلقى أصحابها الرعاية الطبية اللازمة في المستشفيات المحلية، وسط حالة من الحزن والترقب بين ذوي المفقودين.

وأعربت السلطات المحلية في دير الزور عن تعازيها الحارة لأسر الضحايا الذين قضوا في هذا الحادث، مؤكدة وقوفها إلى جانب المصابين وعائلاتهم. وشددت المحافظة في بيانها على أن كافة الجهات الطبية والإسعافية في حالة استنفار قصوى لتقديم الدعم اللازم للمتضررين ومتابعة الحالة الصحية للناجين.

ولا تزال فرق الغوص والإنقاذ تواصل عملها في مياه نهر الفرات لضمان عدم وجود مفقودين آخرين تحت حطام العبارة أو في المناطق المجاورة لمكان الحادث. وتواجه الفرق تحديات ميدانية تتعلق بضعف الإضاءة الليلية وسرعة جريان المياه في بعض المقاطع النهرية، إلا أن العمليات مستمرة دون توقف.

وتسلط هذه الحادثة الضوء من جديد على مخاطر استخدام وسائل النقل النهرية البدائية في التنقل بين ضفتي الفرات، خاصة في ظل تضرر البنية التحتية والجسور. ويطالب الأهالي بضرورة توفير وسائل نقل أكثر أماناً وإصلاح الجسور الحيوية لتفادي تكرار مثل هذه الكوارث التي تودي بحياة المدنيين والأطفال.

عربي ودولي

الأحد 12 يوليو 2026 9:52 صباحًا - بتوقيت القدس

روبيو «حاكماً فعلياً».. كيف تدار فنزويلا من مكاتب واشنطن بعد الإطاحة بمادورو؟

كشفت مصادر صحفية دولية عن تصاعد النفوذ الأمريكي في فنزويلا إلى مستويات غير مسبوقة، حيث بات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يوصف بأنه الحاكم الفعلي للبلاد من مكتبه في واشنطن. ويأتي هذا التطور في أعقاب العملية العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة وأسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في يناير الماضي، مما فتح الباب أمام مرحلة انتقالية تحت إشراف مباشر من الإدارة الأمريكية.

وتشير التقارير إلى أن نفوذ روبيو امتد ليشمل إدارة الموارد الطبيعية والقرارات المالية للحكومة المؤقتة التي تقودها ديلسي رودريغيز. وقد نقلت مصادر إعلامية عن مسؤولين مقربين من البيت الأبيض أن الرئيس دونالد ترمب أبدى رغبته في أن يكون روبيو هو الزعيم المقبل لفنزويلا، مقترحاً في وقت سابق إرساله للإقامة الدائمة في العاصمة كراكاس للإشراف على التحولات الجارية.

وعلى الرغم من بقاء روبيو في واشنطن، إلا أنه يدير الملفات الحساسة في فنزويلا عبر الهاتف ووسائل التواصل الحديثة، مما دفع مراقبين لتشبيه حالته بحالة بول بريمر، الحاكم المدني الذي أدار العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003. وتعتمد الإدارة الحالية في كراكاس على توجيهات مباشرة من واشنطن في توزيع الموارد وإدارة الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد.

واستندت المعلومات المسربة إلى مقابلات مع أكثر من 12 مسؤولاً وشخصية مقربة من دوائر صنع القرار في واشنطن وكراكاس، أكدت جميعها أن روبيو يمسك بزمام الأمور المالية. وتهدف الخطة الأمريكية، كما أعلنها روبيو سابقاً، إلى منع الانهيار التام للدولة الفنزويلية قبل الانتقال إلى مرحلة التعافي الاقتصادي التي تضمن وصول الشركات الغربية إلى سوق الطاقة.

ويبرز قطاع النفط الفنزويلي كأحد أهم الأولويات في الأجندة الأمريكية الحالية، حيث تسعى واشنطن لتأمين تدفق الإمدادات وفتح المجال أمام الاستثمارات الأمريكية. ويشرف روبيو شخصياً على صياغة السياسات النفطية الجديدة التي تهدف إلى دمج الاقتصاد الفنزويلي مجدداً في المنظومة العالمية بعد سنوات من العزلة والعقوبات التي فرضت في عهد مادورو.

وفيما يتعلق بالعلاقة بين واشنطن والحكومة المؤقتة، كشفت المصادر عن وجود تواصل يومي ومكثف بين روبيو وديلسي رودريغيز عبر تطبيق «واتساب». وتتجاوز هذه المحادثات القضايا السياسية الرسمية لتشمل أحاديث جانبية وتنسيقاً دقيقاً حول التحركات الإعلامية، حيث تطلب رودريغيز موافقة مسبقة من الإدارة الأمريكية قبل الإدلاء بتصريحات لوسائل الإعلام الدولية.

وتعكس هذه الترتيبات طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين الطرفين، إذ تخضع تصريحات المسؤولة الفنزويلية الأولى لمراجعة دقيقة من قبل مسؤولين أميركيين قبل نشرها. ويشير هذا المشهد إلى حجم الهيمنة التي تمارسها واشنطن على السلطة الجديدة في كراكاس، مما يثير تساؤلات حول مدى استقلالية القرار الوطني الفنزويلي في المرحلة الراهنة.

ويرى محللون أن هذا النموذج يمثل تجسيداً لسياسة «القوة الصلبة» التي تنتهجها إدارة ترمب، حيث يتم فرض الشروط على الأطراف المهزومة دون اعتبار كبير لمبادئ السيادة التقليدية. ويعيد هذا النهج للأذهان ممارسات استعمارية قديمة كانت الولايات المتحدة قد تخلت عنها منذ عقود، لا سيما في مناطق نفوذها التاريخية في أمريكا اللاتينية.

وفي سياق متصل، أفادت مصادر بأن واشنطن قامت بنقل كميات من اليورانيوم المخصب من مفاعل قديم في فنزويلا إلى أراضيها، في خطوة وصفت بأنها تأمين للمواد الحساسة. وتأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة من الإجراءات الأمنية التي اتخذتها القوات الأمريكية لضمان عدم وقوع تقنيات أو موارد خطرة في أيدي جهات معادية خلال الفترة الانتقالية.

ورغم الإشراف الأمريكي الوثيق، تواجه الحكومة المؤقتة تحديات كبيرة تتعلق بالشرعية الشعبية، حيث لم تأتِ عبر صناديق الاقتراع بل نتيجة تدخل عسكري مباشر. وتتصاعد المطالب الداخلية والدولية بضرورة إطلاق عملية انتقال سياسي حقيقية تؤدي إلى انتخابات حرة ونزيهة، بعيداً عن الوصاية الخارجية المستمرة التي يمثلها مكتب روبيو.

وتحذر تقارير استخباراتية من أن الاعتماد المفرط على الدعم الأمريكي قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم يتم تحقيق استقرار اقتصادي ملموس يشعر به المواطن الفنزويلي. فغياب سيادة القانون والاعتماد على «الإدارة عن بعد» قد يعيق جذب الاستثمارات طويلة الأمد التي تحتاجها البلاد لإعادة بناء بنيتها التحتية المتهالكة بعد سنوات من سوء الإدارة.

ويبقى السؤال مفتوحاً حول المدة التي ستستمر فيها واشنطن في إدارة شؤون فنزويلا من الخارج، وما إذا كانت هذه الإستراتيجية ستقود فعلياً إلى نظام ديمقراطي مستقر. فبينما تصر الإدارة الأمريكية على أن هدفها هو الاستقرار، يرى منتقدون أن واشنطن تعيد بناء المؤسسات الفنزويلية بما يخدم مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية أولاً.

تحليل

الأحد 12 يوليو 2026 9:34 صباحًا - بتوقيت القدس

إغلاق هرمز وتعثر الاتفاق النووي… واشنطن تعود إلى سياسة القوة وإسرائيل تدفع المنطقة نحو الحرب

رسالة واشنطن


واشنطن – سعيد عريقات – 12/7/2026

تحليل إخباري

لم يكن إعلان بحرية الحرس الثوري الإيراني، مساء السبت، إغلاق مضيق هرمز بالكامل حدثاً منفصلاً عن مسار المواجهة المتصاعدة بين طهران وواشنطن، بقدر ما بدا نتيجة مباشرة لوصول سياسة الضغط العسكري والسياسي إلى نقطة الانفجار. فالمضيق، الذي ظل مفتوحاً أمام الملاحة الدولية رغم سنوات العقوبات والتوتر، تحول اليوم إلى ورقة مواجهة تستخدمها إيران للقول إن استمرار الحرب والتهديد والإكراه لن يبقى بلا ثمن، وإن تداعيات الصراع لن تظل محصورة داخل حدودها، بل قد تمتد إلى أسواق الطاقة وشرايين التجارة والاقتصاد العالمي برمته.

بهذا المعنى، جاء إغلاق هرمز ليكشف عمق المأزق الذي وصلت إليه السياسة الأميركية تجاه إيران. فمرة أخرى، تقف العلاقات بين البلدين عند مفترق طرق، لكن تعثر الاتفاق النووي هذه المرة لا يبدو ناجماً عن خلافات تقنية حول أجهزة الطرد المركزي أو نسب تخصيب اليورانيوم بقدر ما يعكس فشل الرهان الأميركي على إمكانية الجمع بين الضغوط العسكرية والتفاوض السياسي. إدارة الرئيس دونالد ترمب تبدو وكأنها تعود إلى السياسة التقليدية القائمة على الإكراه والقوة، بعدما أخفقت سياسة "الضغط الأقصى" في انتزاع التنازلات التي وعدت بها.

المفارقة أن واشنطن تطالب طهران بالعودة إلى طاولة التفاوض، في الوقت الذي تواصل فيه استخدام العقوبات والتهديد العسكري أدوات رئيسية في إدارة الأزمة. وهي معادلة يصعب أن تنتج اتفاقاً مستقراً، لأن التفاوض تحت القصف أو التهديد بالقصف لا يبني الثقة، بل يدفع الطرف الآخر إلى البحث عن أدوات ردع مضادة. ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم انتقال مضيق هرمز من ورقة تهديد نظرية إلى أداة سياسية وميدانية في المواجهة.

وتكشف التصريحات الأخيرة الصادرة عن كبار المسؤولين الأميركيين أن واشنطن بدأت عملياً الابتعاد عن فكرة التسوية الشاملة لصالح إدارة صراع مفتوح، يسمح لها بالإبقاء على أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري من دون تقديم رؤية سياسية قابلة للحياة لإنهاء الأزمة. فالخطاب الأميركي لم يعد يركز على البرنامج النووي وحده، بل بات يربط أي تفاهم مستقبلي بسلوك إيران الإقليمي وأمن الملاحة في مضيق هرمز، بما يوسع قائمة الشروط كلما اقتربت المفاوضات من نقطة تفاهم.

وتطالب الإدارة الأميركية طهران بالإعلان رسمياً عن ضمان حرية الملاحة ووقف استهداف السفن التجارية. وهي مطالب قد تبدو مشروعة من حيث المبدأ، لكن السؤال الذي تتجنبه واشنطن هو: كيف وصلت الأزمة أصلاً إلى هذه النقطة؟ فمضيق هرمز لم يُغلق في فراغ سياسي، ولم تتحول الملاحة إلى ورقة ضغط بعيداً عن سياق الحرب والتصعيد. لقد ظل المضيق مفتوحاً سنوات طويلة رغم العقوبات القاسية، قبل أن تدفع المواجهة العسكرية إيران إلى إعادة اكتشاف القيمة الاستراتيجية لأهم ورقة جغرافية تمتلكها.

ومن وجهة النظر الإيرانية، لم يعد هرمز مجرد ممر مائي، بل تحول إلى إحدى أوراق الردع القليلة المتبقية بعد سنوات من العقوبات والعزلة والضغوط العسكرية. وإعلان إغلاقه بالكامل يكشف أن طهران قررت نقل هذه الورقة من دائرة التهديد إلى الاستخدام المباشر. فإذا كانت القوى الكبرى قادرة على خنق الاقتصاد الإيراني بالعقوبات، فإن إيران تريد القول إنها بدورها قادرة على التأثير في أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.

هذا لا يعني أن إغلاق المضيق خطوة بلا مخاطر أو أن تداعياتها الإنسانية والاقتصادية يمكن تجاهلها. لكنها تصبح أكثر قابلية للفهم حين توضع في سياقها السياسي والعسكري الكامل. فالدول التي تعتمد سياسة الإكراه لا تستطيع أن تفترض أن الطرف المستهدف سيقبل إلى ما لا نهاية بلعب دور المتلقي للضربات والعقوبات من دون أن يستخدم أوراق القوة المتاحة لديه.

وفي خلفية هذا المشهد، يبرز الدور الإسرائيلي بوصفه أحد أكثر العوامل تأثيراً في دفع الأزمة نحو حافة الحرب. فالحكومة الإسرائيلية لم تُخفِ معارضتها لأي اتفاق يخفف الضغوط عن إيران، واعتبرت باستمرار أن استنزاف طهران وإضعافها أكثر فائدة من تسوية تعيد دمجها تدريجياً في النظام الإقليمي والدولي. ولهذا مارست إسرائيل ضغوطاً سياسية وأمنية متواصلة لإبقاء الخيار العسكري حاضراً في الحسابات الأميركية.

وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن بقاء إيران تحت ضغط دائم ينسجم مع رؤيتها الأمنية أكثر من أي اتفاق يكرس توازناً إقليمياً جديداً. ولذلك تتعرض كل جولة تفاوض لحملة تشكيك وضغوط تدفع واشنطن إلى رفع سقف شروطها أو العودة إلى التهديد بالقوة. وهنا تكمن إحدى مشكلات السياسة الأميركية: أن أولويات إسرائيل الأمنية باتت، في أحيان كثيرة، تضيق هامش القرار الدبلوماسي الأميركي وتدفع إدارة ترمب نحو خيارات قد لا تخدم المصالح الأميركية بعيدة المدى.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن القوة العسكرية قد تدمر منشأة أو تؤخر جانباً من برنامج نووي، لكنها لا تلغي المعرفة العلمية ولا تمحو الدوافع السياسية التي تقف خلفه. بل إن استمرار التهديد قد يدفع إيران إلى مزيد من التشدد، ويقوي الأصوات التي ترى أن امتلاك أدوات ردع أكثر فاعلية هو السبيل الوحيد لحماية البلاد من هجمات مستقبلية.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو خيارات الرئيس ترمب أكثر ضيقاً. فالعودة إلى مواجهة عسكرية واسعة تحمل خطر انزلاق المنطقة إلى حرب لا يمكن التحكم بمساراتها، خصوصاً بعدما دخل مضيق هرمز مباشرة في معادلة الصراع. أما القبول بتسوية وسطية فقد يواجه معارضة إسرائيلية وضغوطاً داخلية أميركية، فيما يعني استمرار الوضع الراهن تكريس سياسة «إدارة الصراع» بدلاً من حله.

والأكثر خطورة أن دول الخليج قد تكون أول من يدفع ثمن هذه المعادلة. فالمملكة العربية السعودية، ومعها عدد من دول مجلس التعاون الخليجي، باتت تنطلق من قناعة بأن التنمية الاقتصادية ومشروعات التحول الوطني لا يمكن أن تزدهر في منطقة تعيش على إيقاع الحروب المتكررة. وإغلاق مضيق هرمز يضع اقتصادات الخليج وأمنها ومشروعاتها المستقبلية أمام مخاطر مواجهة لم تكن هذه الدول صاحبة القرار في إشعالها.

ومن هنا يمكن فهم الانفتاح السعودي والخليجي على إيران، وتوسيع الشراكات الدولية، والسعي إلى تخفيف الاستقطاب بعيداً عن منطق المحاور الصلبة. ولا يعني ذلك التخلي عن العلاقة مع الولايات المتحدة، بل يعكس رغبة متزايدة في امتلاك قرار إقليمي أكثر استقلالية، وعدم السماح بأن تتحول المنطقة مجدداً إلى ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى أو لتغليب أولويات إسرائيل على حساب استقرار الخليج.

في المحصلة، لم يعد الخلاف يدور حول عدد أجهزة الطرد المركزي أو كمية اليورانيوم المخصب. إغلاق مضيق هرمز يؤكد أن الأزمة تحولت إلى صراع على شكل النظام الأمني في الشرق الأوسط، وحدود النفوذ الإقليمي، ودور القوة العسكرية في رسم مستقبل المنطقة.

وإذا استمرت واشنطن في تقديم أدوات الضغط والحرب على الدبلوماسية، واستمرت إسرائيل في دفع الإدارة الأميركية نحو المواجهة وإفشال فرص التسوية، فإن استخدام إيران لأوراق القوة المتاحة لها سيصبح أكثر احتمالاً وخطورة. وعندها لن يكون السؤال متى يعود الطرفان إلى طاولة المفاوضات، بل كم من الأزمات والحروب يجب أن تمر بها المنطقة قبل أن تدرك واشنطن أن الإكراه لا يصنع اتفاقاً، وأن أمن الشرق الأوسط لا يمكن أن يبنى على حرب دائمة.

اسرائيليات

الأحد 12 يوليو 2026 9:22 صباحًا - بتوقيت القدس

زلزال سياسي في إسرائيل: زعيم «شاس» يصف نتنياهو بالكاذب ويدعم آيزنكوت

كشفت مصادر إعلامية عبرية، اليوم الأحد، عن تسريبات صوتية وصفت بالمدوية للزعيم الروحي لحركة شاس والحاخام الأكبر السابق للسفارديم، إسحاق يوسف، شن فيها هجوماً غير مسبوق على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وأوضحت المصادر أن يوسف وصف نتنياهو في محادثات مغلقة بأنه شخص 'كاذب لا يؤتمن ولا يمكن الاعتماد عليه'، مما يشير إلى تصدع عميق في جبهة اليمين الإسرائيلي.

وأفادت التقارير بأن الحاخام إسحاق يوسف، نجل الزعيم التاريخي عوفديا يوسف، أعرب عن ميله الجدي لتفكيك كتلة اليمين التي يتزعمها نتنياهو بالتعاون مع حزب 'يهدوت هتوراه'. وتأتي هذه التصريحات لتعكس حالة من الإحباط الشديد داخل الأوساط المتدينة نتيجة ما اعتبروه مراوغة من رئيس الوزراء في ملفات حساسة تهم جمهورهم.

وفي تحول سياسي مفاجئ، أعلن يوسف عن دعمه المحتمل لترشيح رئيس الأركان الأسبق وزعيم حزب 'يشار'، غادي آيزنكوت، لتولي منصب رئيس الحكومة في الانتخابات المقبلة. وأكد الحاخام في التسريبات المسجلة أن آيزنكوت هو المرشح المفضل لديه حالياً، معرباً عن أمله في أن تنضم الأحزاب الحريدية الأخرى لهذه الخطوة السياسية الجريئة.

ووصف الحاخام يوسف آيزنكوت بأنه 'رجل طيب ويهودي دافئ' يكن الاحترام لطلبة التوراة، مشيراً إلى جذوره العائلية المرتبطة بحركة شاس. وأضاف أن آيزنكوت شخص يمكن الوثوق به والاعتماد عليه في الالتزامات السياسية، على عكس التجربة المريرة التي خاضتها الحركة مع نتنياهو طوال السنوات الماضية.

وشدد الزعيم الروحي لشاس على أنه سيعلن عن هذا الموقف بشكل رسمي وعلني مع اقتراب موعد الانتخابات وصناديق الاقتراع. ويرى مراقبون أن هذا التوجه يمثل نهاية فعلية لتحالف تاريخي استمر لأكثر من 30 عاماً، حيث كانت شاس الركيزة الأساسية في جميع الحكومات التي شكلها نتنياهو.

ويعود السبب الرئيسي لهذا الانقلاب في المواقف إلى أزمة قانون التجنيد، حيث اتهم يوسف نتنياهو بخداع الأحزاب الدينية وعدم الوفاء بوعوده بشأن إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية. وأوضح أن الاستمرار في هذا التحالف لم يعد ممكناً في ظل غياب الثقة والوعود المنقوضة التي أضرت بمصالح المجتمع الحريدي.

من جانبها، أشارت صحيفة 'يديعوت أحرونوت' إلى أن يوسف انتقد طبيعة الدولة العلمانية الحالية، معتبراً أن نتنياهو لا أمل في 'توبته' أو تغييره لنهجه السياسي تجاه المتدينين. وفي المقابل، أبدى تفاؤلاً بإمكانية التفاهم مع آيزنكوت، رغم الاختلافات الأيديولوجية العميقة بين الطرفين في قضايا جوهرية.

وفي أول رد فعل على هذه التسريبات، علق غادي آيزنكوت عبر مصادر إعلامية مؤكداً اعتزازه بالآراء الإيجابية، لكنه وضع شروطاً واضحة لأي شراكة سياسية مستقبلية. وشدد آيزنكوت على أن أي تحالف يجب أن يقوم على مبادئ الدولة اليهودية الديمقراطية الليبرالية والالتزام بقيم إعلان الاستقلال.

وأكد آيزنكوت بوضوح أنه لن يقدم أي تنازلات في قضية قانون التجنيد، مشدداً على ضرورة الخدمة العسكرية والوطنية لجميع الإسرائيليين دون استثناء. وأضاف أن التزامه بهذا المبدأ ثابت حتى لو أدى ذلك إلى خوض جولات انتخابية متكررة، مما يضع تحدياً كبيراً أمام طموحات حركة شاس.

وتمثل هذه التطورات ضربة قوية لنتنياهو الذي يعتمد بشكل كلي على دعم الأحزاب الدينية للبقاء في السلطة وتجنب الانهيار السياسي. فخسارة حركة شاس تعني فقدان الكتلة اليمينية لأغلبيتها البرلمانية وقدرتها على المناورة في الكنيست، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات سياسية جديدة.

وتشير التحليلات إلى أن حركة شاس بدأت بالفعل في البحث عن بدائل سياسية تضمن لها البقاء في دوائر صنع القرار بعيداً عن مظلة نتنياهو. ويبدو أن الحزب يراهن على شخصيات عسكرية سابقة مثل آيزنكوت لضمان نوع من الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي افتقده في ظل الحكومة الحالية.

ويرى خبراء في الشأن الإسرائيلي أن تصريحات الحاخام يوسف ليست مجرد مناورة سياسية، بل تعبر عن شرخ عميق في الهوية السياسية لليمين. فالاتهامات المباشرة بالكذب والخداع تعكس وصول العلاقة الشخصية والسياسية بين قادة شاس ونتنياهو إلى طريق مسدود لا يمكن إصلاحه بسهولة.

وفي حال تنفيذ شاس لتهديداتها، فإن الخارطة الحزبية في إسرائيل ستشهد إعادة تشكيل كاملة، حيث قد تظهر تحالفات عابرة للمعسكرات التقليدية. وهذا التحول قد يؤدي إلى إنهاء حقبة نتنياهو الطويلة وبدء مرحلة سياسية جديدة تقودها شخصيات من خلفيات أمنية وعسكرية مدعومة من كتل دينية.

ختاماً، يبقى التساؤل حول مدى قدرة آيزنكوت وحركة شاس على الجلوس معاً في حكومة واحدة في ظل التناقض الصارخ بشأن قانون التجنيد. فبينما يصر آيزنكوت على 'التجنيد للجميع'، تضع شاس إعفاء طلاب التوراة كشرط وجودي لأي تحالف، مما يجعل الطريق نحو رئاسة الحكومة محفوفاً بالتعقيدات.

عربي ودولي

الأحد 12 يوليو 2026 9:22 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد عسكري شامل في مضيق هرمز: ضربات أميركية واسعة وهجمات إيرانية تطال دولاً خليجية

شهدت منطقة الخليج العربي تصعيداً عسكرياً هو الأخطر من نوعه، حيث شنت القوات الأميركية موجة واسعة من الغارات الجوية استهدفت نحو 140 موقعاً تابعاً للحرس الثوري الإيراني. وجاءت هذه الضربات رداً على استهداف إيران لسفينة شحن تجارية في مضيق هرمز، مما أدى إلى تعطل حركة الملاحة في واحد من أهم الممرات المائية في العالم.

وأفادت مصادر عسكرية بأن الهجمات الأميركية استخدمت ذخائر دقيقة التوجيه أطلقت من مقاتلات برية وبحرية وطائرات مسيرة، وطالت رادارات المراقبة ومخازن الصواريخ الباليستية ومنصات إطلاق المسيرات. وأكدت القيادة المركزية الأميركية أن هذه العمليات تهدف إلى تقويض قدرة طهران على تهديد السفن المدنية والبحارة في المنطقة.

في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل وحتى إشعار آخر، مشترطاً توقف ما وصفه بالتدخلات الأميركية لإعادة فتحه. وزعم الجانب الإيراني أن استهداف سفينة الشحن جاء بعد توجيه تحذيرات لها لم تستجب لطلب تغيير مسارها، معتبراً أن إغلاق المضيق هو رد طبيعي على التصعيد العسكري الغربي.

وامتدت شرارة المواجهة لتشمل دولاً خليجية، حيث أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية أن منظومات الدفاع الجوي تصدت بنجاح لصواريخ باليستية وطائرات مسيرة قادمة من إيران. وأكدت السلطات في أبوظبي أن الأصوات التي سُمعت في مناطق متفرقة كانت نتيجة اعتراض الأهداف المعادية، داعية الجمهور إلى اتباع تعليمات الأمن والسلامة.

وفي الدوحة، أعلنت وزارة الدفاع القطرية عن تصدي قواتها المسلحة لهجمة صاروخية استهدفت البلاد في ساعات الصباح الأولى من يوم الأحد. ونقلت مصادر صحفية عن شهود عيان سماع دوي انفجارات في العاصمة القطرية، بالتزامن مع حالة استنفار عسكري واسعة شملت كافة القطاعات الدفاعية في الدولة.

كما انضمت الكويت والبحرين إلى دائرة الاستهداف، حيث أكد الجيش الكويتي تعامله مع أهداف جوية معادية دخلت المجال الجوي للبلاد. وفي المنامة، أطلقت السلطات البحرينية صافرات الإنذار مجدداً، مطالبة المواطنين والمقيمين بالتوجه إلى أماكن آمنة ومتابعة التحديثات الرسمية في ظل التوتر الأمني المتصاعد.

سياسياً، لوح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بانتهاء زمن 'الصفقات أحادية الجانب'، مشيراً إلى أن طهران ستجعل واشنطن تدفع ثمن عدم الوفاء بوعودها. ونشر قاليباف بنوداً من تفاهمات سابقة، مؤكداً أن الالتزام الإيراني بمرور السفن كان مشروطاً بجدول زمني انتهى مفعوله مع بدء الهجمات الأميركية الأخيرة.

وعلى صعيد القيادة الإيرانية، أصدر المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي أول رسالة مكتوبة له منذ توليه المنصب، توعد فيها بالانتقام لمقتل والده علي خامنئي. وأكد مجتبى أن 'الثأر إرادة أمة' وأن قائمة الأهداف قد أُعدت بالفعل، مشدداً على أن تنفيذ الرد لا يتوقف على وجود أشخاص بعينهم في السلطة.

من جانبه، صعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب من لهجته التحذيرية، مهدداً بتدمير إيران بشكل كامل في حال تعرضه لأي محاولة اغتيال. وكشف ترمب عبر منصته الاجتماعية عن تجهيز 1000 صاروخ موجهة نحو أهداف إيرانية، مع استعداد آلاف أخرى للانطلاق فوراً إذا نفذت طهران تهديداتها المعلنة ضد القيادة الأميركية.

وفي خضم هذا الغليان العسكري، برزت سلطنة عُمان كطرف وسيط يحاول نزع فتيل الأزمة عبر مقترحات تقنية لضمان أمن الملاحة. واقترحت مسقط إعادة فتح المسارات البحرية الجنوبية عبر مياهها الإقليمية دون شروط مسبقة، في محاولة لاستعادة القواعد الملاحية التي كانت سارية قبل اندلاع المواجهات العسكرية الحالية.

وذكرت مصادر دبلوماسية أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى بنظيره العُماني في مسقط لبحث آليات مرور السفن بأمان، إلا أن الوفد الإيراني لم يمنح موافقة فورية. وبحسب التقارير، عاد الوفد إلى طهران لإجراء مشاورات داخلية مع القيادة العسكرية والسياسية العليا قبل الرد على المبادرة العُمانية.

ميدانياً، لا تزال سفينة الحاويات التي تعرضت للهجوم الإيراني في مضيق هرمز تعاني من أضرار جسيمة وحرائق في غرفة المحركات، مما حال دون إكمال رحلتها. وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بأن الطاقم اضطر لمغادرة السفينة، بينما تستمر عمليات البحث عن فرد مفقود وسط ظروف أمنية معقدة.

ويرى مراقبون أن هذا التصعيد يهدد بانهيار مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها الشهر الماضي بين واشنطن وطهران بوساطة إقليمية. وتأتي هذه التطورات بعد تعثر المفاوضات الرامية لحل أزمة إغلاق المضيق، مما يضع الاقتصاد العالمي أمام شبح أزمة طاقة جديدة في حال استمرار إغلاق هذا الشريان الحيوي.

وتشير التقارير إلى أن المنطقة تعيش حالة من الترقب لما ستسفر عنه الساعات القادمة، خاصة مع استمرار التحشيد العسكري الأميركي في مياه الخليج. وفي ظل غياب حل دبلوماسي عاجل، تظل احتمالات انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة قائمة، لا سيما مع دخول دول الجوار بشكل مباشر في دائرة الاستهداف الصاروخي.

أحدث الأخبار

الأحد 12 يوليو 2026 9:22 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إقليمي شامل: إيران تقصف قواعد أمريكية في دول خليجية رداً على ضربات 'سنتكوم'

أعلن الحرس الثوري الإيراني، اليوم الأحد، عن انطلاق المرحلة الثالثة من عملياته العسكرية ضد ما وصفه بـ'العدوان الأمريكي'، حيث شملت العمليات ضربات متزامنة استهدفت منشآت وقواعد عسكرية تابعة للولايات المتحدة في كل من قطر والكويت والبحرين وسلطنة عُمان. وأكدت طهران أن هذه الهجمات تأتي كدفاع مشروع رداً على استهداف أراضيها، مشيرة إلى أن بنك أهدافها شمل مراكز القيادة والسيطرة والدعم اللوجستي.

وفي تفاصيل الهجمات، كشف البيان العسكري الإيراني عن استهداف قاعدة العديد الجوية في قطر بوابل من الصواريخ البالستية، مما أدى إلى تدمير مركز لصيانة الطائرات المقاتلة ومنشآت حيوية للقيادة. وأوضحت مصادر أن الدفاعات الجوية القطرية تمكنت من اعتراض موجتين من الهجمات الجوية، في حين رفعت وزارة الداخلية مستوى التأهب الأمني في البلاد إلى الدرجة القصوى تحسباً لموجات صاروخية جديدة.

وفي سلطنة عُمان، طالت الضربات الإيرانية ميناء الدقم الاستراتيجي، حيث استهدفت القوات الجوية للحرس الثوري منصات تزويد الوقود ومراكز الإسناد اللوجستي التابعة لحاملات الطائرات الأمريكية. واعتبرت طهران أن هذه المنشآت العمانية تُستخدم كجزء أساسي من منظومة الدعم العسكري الأمريكي التي تسهل العمليات ضد الأراضي الإيرانية، مما جعلها هدفاً مشروعاً في هذه الجولة من الصراع.

وعلى الجانب الكويتي، أعلنت رئاسة الأركان العامة للجيش أن منظومات الدفاع الجوي تصدت لأهداف معادية اخترقت الأجواء الوطنية، مؤكدة الجاهزية التامة لحماية سيادة الدولة. وتزامن ذلك مع إعلان الجيش الإيراني استخدام طائرات مسيرة لمهاجمة منظومات 'باتريوت' ومستودعات ذخيرة ومواقع رادار تابعة للجيش الأمريكي المتمركز في الكويت، في تصعيد ميداني غير مسبوق.

أما في البحرين، فقد دعت وزارة الداخلية المواطنين والمقيمين إلى التزام الهدوء والتوجه إلى الملاجئ والأماكن الآمنة فور إطلاق صفارات الإنذار. وأشارت تقارير ميدانية إلى استهداف مواقع رادار ومنظومات اتصالات تابعة للأسطول الأمريكي الخامس المرابط في المنامة، فيما تسود حالة من الترقب الحذر في الشارع البحريني بانتظار بيانات رسمية حول حجم الأضرار الناجمة عن الهجوم.

وفي موازاة القصف البري، أعلن الحرس الثوري إغلاق مضيق هرمز 'حتى إشعار آخر'، مؤكداً استهداف سفينة تجارية ثانية بدعوى مخالفتها للوائح الملاحة. ويأتي هذا القرار ليضع التجارة العالمية وإمدادات الطاقة في مهب الريح، خاصة بعد تأكيدات إيرانية بأن أي محاولة أمريكية لفتح الممر المائي بالقوة ستواجه برد عسكري حاسم وشامل في كافة أرجاء المنطقة.

من جانبها، كانت القيادة المركزية الأمريكية 'سنتكوم' قد أعلنت في وقت سابق تنفيذ واحدة من أكبر عملياتها العسكرية، حيث استهدفت نحو 140 موقعاً داخل إيران. وشملت الضربات الجوية مرافق لتخزين الصواريخ والطائرات المسيرة، وشبكات اتصالات معقدة، ورادارات مراقبة ساحلية في مناطق بوشهر وبندر عباس وجزيرة قشم، رداً على هجوم إيراني سابق طال سفينة حاويات قبرصية.

وأفادت مصادر بأن الموجة الثالثة من الضربات الأمريكية رفعت إجمالي الأهداف المضروبة داخل إيران إلى أكثر من 300 هدف خلال أسبوع واحد فقط. وصرح وزير الدفاع الأمريكي بأن طهران اتخذت 'خياراً سيئاً' باستهداف الملاحة الدولية، مشدداً على أن الولايات المتحدة ستواصل العمل لحماية مصالحها وحلفائها في المنطقة مهما بلغت تكلفة التصعيد العسكري.

ويرى مراقبون أن هذا الانفجار العسكري يطيح بمذكرة التفاهم التي وُقعت بين واشنطن وطهران في يونيو الماضي بوساطة قطرية وباكستانية. ويبدو أن المنطقة انزلقت إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، حيث أصبحت القواعد الأمريكية في دول الخليج أهدافاً مباشرة للصواريخ الإيرانية، مما يضع أمن المنطقة واستقرارها العالمي على المحك.

وفي ظل هذا التوتر المتصاعد، تواصل الجهات المختصة في دول المنطقة تقييم الأضرار الناجمة عن الرشقات الصارويلية والمسيّرات، بينما تزداد المخاوف الدولية من تحول هذه الضربات المتبادلة إلى حرب إقليمية شاملة. وتترقب العواصم العالمية ما ستسفر عنه الساعات القادمة، وسط دعوات دولية خجولة للتهدئة في وقت تبدو فيه لغة السلاح هي السائدة بين طهران وواشنطن.

عربي ودولي

الأحد 12 يوليو 2026 8:52 صباحًا - بتوقيت القدس

قطر تنعى الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

أعلن الديوان الأميري في دولة قطر، صباح اليوم الأحد، عن وفاة أمير البلاد السابق، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الملقب بـ "الأمير الوالد"، عن عمر ناهز 74 عاماً. وجاء الإعلان في بيان رسمي صدر عن الديوان نعى فيه الفقيد الذي وافته المنية في الثاني عشر من يوليو لعام 2026.

وأعرب الديوان الأميري في بيانه عن حزنه العميق لرحيل الفقيد، واصفاً إياه بـ "فقيد الوطن الكبير". وقد تضمن البيان عبارات التعزية والمواساة للشعب القطري، مؤكداً أن الوفاة حدثت في وقت مبكر من صباح اليوم، دون التطرق إلى تفاصيل إضافية حول مراسم التشييع أو أيام الحداد الرسمية التي من المتوقع إعلانها لاحقاً.

ويعد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني من أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ قطر الحديث، حيث شهدت البلاد في عهده تحولات اقتصادية وسياسية كبرى وضعتها في مصاف الدول المؤثرة إقليمياً ودولياً، قبل أن يسلم مقاليد الحكم لنجله الأمير الحالي الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في عام 2013.

عربي ودولي

الأحد 12 يوليو 2026 7:37 صباحًا - بتوقيت القدس

الجيش الأمريكي يضرب 140 هدفاً في إيران والحرس الثوري يغلق مضيق هرمز

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ موجة ثالثة من الضربات الجوية المكثفة ضد أهداف عسكرية داخل الأراضي الإيرانية فجر اليوم الأحد. وأكدت مصادر عسكرية أن هذه العمليات تأتي في إطار الرد على التهديدات المستمرة للملاحة الدولية في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز.

وأوضحت المصادر أن القوات الأمريكية استهدفت نحو 140 موقعاً عسكرياً بدقة عالية، باستخدام طائرات مقاتلة انطلقت من قواعد برية وحاملات طائرات، بالإضافة إلى طائرات مسيرة وسفن حربية. وشملت بنك الأهداف منصات إطلاق الصواريخ، ومرافق تخزين الطائرات المسيرة، وشبكات الاتصالات العسكرية، ومواقع المراقبة الساحلية التابعة للحرس الثوري.

وجاء هذا التحرك العسكري الواسع عقب تعرض سفينة الحاويات 'M/V GFS Galaxy'، التي تحمل علم قبرص، لهجوم وصفته واشنطن بالصارخ أثناء عبورها مضيق هرمز. وأسفر الهجوم عن فقدان أحد أفراد الطاقم واندلاع حريق هائل في غرفة المحركات، مما تسبب في تعطل السفينة بشكل كامل ومنعها من مواصلة رحلتها.

وأشارت تقارير صادرة عن 'سنتكوم' إلى أن إجمالي الأهداف التي تم ضربها خلال الليالي الثلاث الماضية تجاوز 300 هدف عسكري. وشددت الإدارة الأمريكية على أن هذه الضربات تهدف إلى تدهور قدرات إيران الهجومية وحماية التدفق الحر للتجارة العالمية عبر الممرات المائية الحيوية.

في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني عن إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل أمام حركة الملاحة حتى إشعار آخر، عازياً القرار إلى ما وصفه بالتدخلات الأمريكية غير القانونية. وحذر الحرس الثوري من أن أي اعتداء جديد سيواجه برد حاسم وقوي، مؤكداً أن قواته في حالة استنفار قصوى على طول السواحل الجنوبية.

وشهدت عدة محافظات إيرانية انفجارات عنيفة هزت أرجاء مدن بوشهر وبندر عباس وسيريك، بالإضافة إلى وقوع أكثر من عشرة انفجارات في محافظة هرمزغان. ونقلت وسائل إعلام محلية أن أصوات الانفجارات سُمعت بوضوح في جزيرة قشم، وسط تصاعد لأعمدة الدخان من مواقع عسكرية استهدفتها الغارات الأمريكية.

وعلى الصعيد الإقليمي، أفادت مصادر بأن الدفاعات الجوية في دول مجاورة مثل قطر والكويت تصدت لأهداف جوية وصاروخية مجهولة في أجوائها. وتعكس هذه التطورات حالة التوتر الشديد التي خيمت على المنطقة تزامناً مع الموجة الثالثة من القصف الأمريكي المركز على المنشآت الإيرانية.

وبحسب تقارير صحفية، فإن الضربات الأمريكية ركزت بشكل خاص على رادارات المراقبة الجوية والسطحية التي تستخدمها إيران لتتبع السفن التجارية. كما طالت الغارات مستودعات ذخيرة استراتيجية وقاذفات صواريخ أرض-جو كانت تشكل تهديداً مباشراً للطائرات التي تؤمن الممرات الملاحية.

وأكدت واشنطن أنها منحت طهران فرصاً متعددة للالتزام بمذكرات التفاهم الدولية المتعلقة بأمن البحار، إلا أن استمرار الهجمات على السفن استوجب فرض 'تكلفة باهظة'. ولفتت المصادر إلى أن حركة السفن كانت قد شهدت تسهيلات لعبور مئات السفن وملايين براميل النفط قبل اندلاع جولة التصعيد الحالية.

ويبقى الوضع في مضيق هرمز متأزماً مع إصرار طهران على إغلاقه، وهو ما يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد. وتراقب العواصم الدولية بحذر مآلات هذا الصدام العسكري المباشر، وسط دعوات لضبط النفس وتجنب الانزلاق نحو حرب شاملة في المنطقة.

أحدث الأخبار

الأحد 12 يوليو 2026 6:22 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد عسكري في الخليج: صافرات الإنذار تدوي بالبحرين والإمارات تتصدى لهجوم إيراني واسع

استيقظت منطقة الخليج العربي فجر اليوم الأحد على وقع تصعيد عسكري غير مسبوق، حيث أعلنت وزارة الداخلية البحرينية إطلاق صافرات الإنذار في مختلف أنحاء البلاد. ودعت السلطات البحرينية المواطنين والمقيمين إلى التزام الهدوء والتوجه فوراً إلى أقرب أماكن آمنة، مع ضرورة استقاء المعلومات من القنوات الرسمية في ظل التطورات المتسارعة.

وفي سياق متصل، أكدت وزارة الدفاع الإماراتية أن منظومات الدفاع الجوي التابعة لها تتصدى في هذه الأثناء لتهديدات صاروخية وطائرات مسيرة أُطلقت من الجانب الإيراني. وأوضحت الوزارة أن الانفجارات التي سُمع دويها في مناطق متفرقة من الدولة ناتجة عن اعتراض صواريخ باليستية وأخرى من طراز 'كروز' وجوالة، بالإضافة إلى طائرات انتحارية مسيرة.

يأتي هذا الانفجار الأمني عقب إعلان القيادة المركزية الأمريكية عن بدء جولة ثالثة من الضربات الجوية والصاروخية ضد أهداف استراتيجية داخل الأراضي الإيرانية. وأشارت مصادر عسكرية إلى أن هذه الهجمات جاءت رداً على استهداف الحرس الثوري الإيراني لسفينة شحن تجارية كانت تعبر مضيق هرمز الدولي بطريقة قانونية.

وأوضحت التقارير أن السفينة المستهدفة هي ناقلة الحاويات 'M/V GFS Galaxy' التي تحمل علم قبرص، حيث تعرضت لأضرار جسيمة وحريق في غرفة المحركات أدى لتوقفها عن العمل. وأكدت مصادر ملاحية فقدان أحد أفراد الطاقم المدني جراء الهجوم، مما دفع الولايات المتحدة لاتخاذ قرار بفرض 'تكلفة باهظة' على طهران لضمان أمن الملاحة الدولية.

من جانبه، صرح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بأن النظام الإيراني اتخذ خياراً سيئاً باستهداف الملاحة المدنية، وهو الآن يدفع ثمن تلك الاستفزازات. وشدد هيغسيث على أن العمليات العسكرية الأمريكية تهدف إلى تدهور قدرات الحرس الثوري على شن هجمات مستقبلية ضد البحارة والسفن التجارية في الممرات المائية الحيوية.

وعلى الجانب الإيراني، أعلن الحرس الثوري إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل أمام الملاحة الدولية حتى إشعار آخر، مبرراً ذلك بضرورة وقف ما وصفها بـ'التدخلات الأمريكية'. وحذر الحرس الثوري في بيان له من أن أي اعتداء جديد على الأراضي الإيرانية سيواجه برد حاسم وقوي، مدعياً أن استهداف السفينة جاء بعد مخالفتها للأنظمة الملاحية.

ونقلت مصادر إعلامية عن مسؤولين أمريكيين أن الضربات الجوية استهدفت بدقة رادارات المراقبة الجوية والسطحية الإيرانية، بالإضافة إلى مخازن للصواريخ الباليستية ومنصات إطلاق المسيرات. كما شملت الأهداف مواقع مخصصة لصواريخ أرض-جو في محاولة لتحييد الدفاعات الجوية الإيرانية وتأمين حرية الحركة للقوات الجوية الصديقة في المنطقة.

في غضون ذلك، أفادت مصادر محلية داخل إيران بسماع دوي انفجارات عنيفة هزت مدن بوشهر وبندر عباس وسيريك في جنوب البلاد. كما وردت أنباء عن وقوع أكثر من عشرة انفجارات في محافظة هرمزغان الاستراتيجية، بالإضافة إلى استهداف منشآت في جزيرة قشم، وسط حالة من الاستنفار الأمني والعسكري الواسع في المحافظات الحدودية.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة، حيث لم تعد الهجمات تقتصر على الوكلاء بل انتقلت إلى استهداف العمق المتبادل. وتراقب العواصم الدولية بقلق شديد تداعيات إغلاق مضيق هرمز، الذي يعد شريان الحياة الرئيسي لإمدادات الطاقة العالمية، وما قد يترتب عليه من قفزات حادة في أسعار النفط.

وفي ظل هذا التوتر، تسود حالة من الترقب لما ستسفر عنه الساعات القادمة، خاصة مع استمرار نشاط الدفاعات الجوية في المنطقة وتحليق الطيران الحربي المكثف. وتؤكد المصادر أن التنسيق العسكري بين الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة وصل إلى أعلى مستوياته لضمان حماية المنشآت الحيوية والتصدي لأي محاولات تصعيد إضافية من جانب طهران.

عربي ودولي

الأحد 12 يوليو 2026 6:22 صباحًا - بتوقيت القدس

الإمارات تتصدى لهجوم صاروخي ومسيرات إيرانية وسط تصعيد عسكري واسع في الخليج

أعلنت وزارة الدفاع في دولة الإمارات العربية المتحدة، فجر اليوم الأحد أن منظومات الدفاع الجوي تتصدى بفاعلية لهجوم صاروخي واسع النطاق وطائرات مسيرة انطلقت من الأراضي الإيرانية. وأوضحت الوزارة في بيان رسمي أن الدفاعات الجوية تتعامل في هذه الأثناء مع تهديدات تشمل صواريخ باليستية وأخرى جوالة، بالإضافة إلى طائرات دون طيار حاولت اختراق الأجواء السيادية للدولة.

وطمأنت السلطات الإماراتية المواطنين والمقيمين بأن الأصوات القوية التي سُمعت في مناطق متفرقة من البلاد هي نتيجة مباشرة لعمليات الاعتراض الناجحة التي نفذتها وحدات حماية الأجواء. وأكدت المصادر الرسمية أن القوات المسلحة في حالة استنفار كامل لمراقبة وتأمين الحدود الجوية ضد أي اعتداءات إضافية قد تستهدف المنشآت الحيوية أو المناطق السكنية.

يتزامن هذا الهجوم مع إعلان القيادة المركزية الأمريكية عن بدء جولة ثالثة من الضربات الجوية المركزة ضد أهداف عسكرية داخل العمق الإيراني. وجاء التحرك العسكري الأمريكي رداً على قيام الحرس الثوري الإيراني باستهداف سفينة الحاويات 'M/V GFS Galaxy' التي تحمل علم قبرص أثناء عبورها مضيق هرمز، مما تسبب في أضرار جسيمة للسفينة وفقدان أحد أفراد طاقمها.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الهجمات الأمريكية استهدفت بدقة شبكة الرادارات الإيرانية للمراقبة الجوية والسطحية، بالإضافة إلى مخازن استراتيجية للصواريخ والطائرات المسيرة. كما شملت قائمة الأهداف مواقع إطلاق الصواريخ وقاذفات الدفاع الجوي 'أرض-جو' في محاولة لتحجيم قدرة طهران على تهديد الملاحة الدولية والمنشآت الإقليمية.

وفي الداخل الإيراني، أكدت تقارير إعلامية وقوع سلسلة من الانفجارات العنيفة في مناطق ساحلية وجنوبية، حيث سُمع دوي القصف في مدينة بوشهر وميناء بندر عباس الاستراتيجي. وأشارت المصادر إلى وقوع أكثر من عشرة انفجارات في محافظة هرمزغان، بالإضافة إلى استهداف مواقع في جزيرة قشم وسيريك، وسط حالة من الارتباك في صفوف القوات المحلية.

من جانبه، أعلن الحرس الثوري الإيراني عن إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل أمام حركة الملاحة الدولية حتى إشعار آخر، معتبراً أن هذه الخطوة تأتي رداً على ما وصفه بالتدخلات الأمريكية غير القانونية. وحذر الحرس الثوري في بيان له من أن أي هجوم جديد سيوجه برد حاسم وقوي، مدعياً أنه أطلق نيراناً تحذيرية على سفن حاولت سلوك مسارات غير مصرح بها.

وفي سياق متصل، شدد وزير الدفاع الأمريكي على أن القيادة الإيرانية اتخذت 'خياراً سيئاً' باستهداف السفن التجارية، مؤكداً أنها تدفع الآن ثمناً باهظاً نتيجة هذا التصعيد. وأشار الوزير إلى أن الولايات المتحدة ستواصل تدمير القدرات العسكرية التي تستخدمها طهران لمهاجمة البحارة المدنيين وضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية.

وامتدت آثار التصعيد العسكري إلى الدول المجاورة، حيث أطلقت السلطات في مملكة البحرين صافرات الإنذار في عدة مناطق كإجراء احترازي عقب الضربات الأمريكية على إيران. وتعيش المنطقة حالة من التوتر الشديد مع استمرار دوي الانفجارات وتصاعد أعمدة الدخان من المنشآت المستهدفة، خاصة في منطقة الفجيرة للصناعات البترولية التي شهدت نشاطاً دفاعياً مكثفاً.

وتراقب القوى الدولية بقلق بالغ تطورات الأوضاع في منطقة الخليج، وسط دعوات لضبط النفس وتجنب الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة. وتعد هذه المواجهة المباشرة بين الدفاعات الجوية الإماراتية والتهديدات الإيرانية تحولاً خطيراً في مسار الصراع، خاصة مع دخول القوات الأمريكية كطرف مباشر في استهداف البنية التحتية العسكرية للحرس الثوري.

رياضة

الأحد 12 يوليو 2026 4:37 صباحًا - بتوقيت القدس

بلينجهام يقود إنجلترا للمربع الذهبي في مونديال 2026 بعد تخطي عقبة النرويج

حجز المنتخب الإنجليزي مقعده في الدور نصف النهائي لبطولة كأس العالم 2026، عقب تحقيقه فوزاً شاقاً على نظيره النرويجي بنتيجة هدفين مقابل هدف واحد. وشهدت المباراة التي أقيمت على ملعب ميامي حضوراً جماهيرياً غفيراً تجاوز 64 ألف متفرج، حيث اتسمت المواجهة بالندية العالية والتقلبات الدرامية طوال الأشواط الأصلية والإضافية.

ويدين المنتخب الملقب بـ 'الأسود الثلاثة' بهذا التأهل لنجمه الشاب جود بلينجهام، الذي نجح في تسجيل هدفي فريقه، مؤكداً قيمته الفنية الكبيرة في التشكيلة الأساسية. وبهذا الانتصار، تكرر إنجلترا إنجازها التاريخي بالوصول إلى المربع الذهبي للمرة الرابعة في تاريخها، بعد أعوام 1966 و1990 و2018، لتقترب خطوة إضافية من حلم استعادة اللقب العالمي.

بدأت المباراة بحذر تكتيكي من الجانبين، ربما تأثراً بالأجواء المناخية والحرارة المرتفعة التي خيمت على أجواء اللقاء في ميامي. ومع ذلك، نجح المنتخب النرويجي في كسر حاجز الصمت عند الدقيقة 36، حينما أطلق أندريس شيلدروب تسديدة قوية سكنت شباك الحارس جوردان بيكفورد، معلناً تقدم النرويج وسط ذهول المشجعين الإنجليز.

وجاء هدف النرويج بعد مجهود جماعي بدأه باتريك بيرج الذي استخلص الكرة من القائد هاري كين في منتصف الملعب، ليمررها بذكاء نحو شيلدروب. الأخير استغل مهارته الفردية في تجاوز المدافع إزري كونسا قبل أن يضع الكرة بدقة في الشباك، مما منح النرويج أفضلية مستحقة في ذلك الوقت من عمر الشوط الأول.

رد الفعل الإنجليزي لم يتأخر كثيراً، حيث كثف رفاق هاري كين من ضغطهم الهجومي لإدراك التعادل قبل الدخول لغرف الملابس. وفي الوقت المحتسب بدل الضائع من الشوط الأول، تسلم جود بلينجهام تمريرة متقنة من أنتوني جوردون، ليراوغ الدفاع النرويجي ببراعة ويسدد كرة زاحفة استقرت في الزاوية البعيدة لمرمى الحارس أوريان نيلاند.

دخل الفريقان الشوط الثاني برغبة واضحة في حسم الأمور، وشهدت هذه الفترة تدخلات حاسمة من تقنية الفيديو المساعد (VAR). فقد ألغى الحكم هدفاً للمهاجم هاري كين بداعي التسلل، كما تم إلغاء هدف نرويجي سجله توربيورن هيجيم بسبب خطأ ارتكبه إرلينج هالاند ضد المدافع إليوت أندرسون داخل منطقة الجزاء.

المنتخب النرويجي لم يستسلم، وكاد أن يخطف هدف التقدم مجدداً عبر ضربة رأسية من ديفيد مولر وولف، إلا أن العارضة وقفت بالمرصاد لتنقذ إنجلترا من هدف محقق. ومع استمرار التعادل الإيجابي حتى نهاية الوقت الأصلي، اضطر الفريقان لخوض شوطين إضافيين لتحديد هوية المتأهل إلى الدور القادم.

ومع بداية الشوط الإضافي الأول، فاجأ المدرب النرويجي الجميع باستبدال النجم إرلينج هالاند، الذي عانى من رقابة دفاعية لصيقة منعته من التسجيل للمرة الأولى منذ 16 مباراة دولية. وفي المقابل، استغلت إنجلترا هذا التراجع المعنوي للنرويج لتشن هجوماً منظماً أسفر عن هدف الفوز الثمين في الدقيقة الثالثة من الشوط الإضافي الأول.

وجاء هدف الحسم بعد تسديدة قوية من البديل مورجان روجرز، فشل الحارس نيلاند في التصدي لها ببراعة، لترتد الكرة أمام المتربص جود بلينجهام الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك. هذا الهدف ألهب حماس الجماهير الإنجليزية الحاضرة، ومنح الفريق الثقة اللازمة للحفاظ على النتيجة حتى صافرة النهاية.

حاول المنتخب النرويجي العودة في النتيجة خلال الدقائق الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني، واندفع لاعبوه نحو الهجوم بكل ثقلهم. إلا أن الدفاع الإنجليزي، ومن خلفه الحارس بيكفورد، أظهروا صموداً كبيراً أمام المحاولات النرويجية المتكررة، لتنتهي المباراة بفرحة إنجليزية عارمة وحزن نرويجي على ضياع الفرص.

ستغادر النرويج البطولة برأس مرفوعة بعد أداء بطولي في أول مشاركة مونديالية لها منذ 28 عاماً، حيث أثبت رفاق مارتن أوديجارد أنهم رقم صعب في الكرة العالمية. ورغم الخروج، إلا أن المنتخب النرويجي نال احترام المتابعين بفضل تنظيمه الدفاعي وقدرته على مجاراة أحد أقوى المنتخبات الأوروبية.

من جانبه، سيبدأ المنتخب الإنجليزي تحضيراته الفورية للمواجهة المقبلة في نصف النهائي، والتي ستقام في مدينة أتلانتا يوم الأربعاء القادم. وينتظر الإنجليز الفائز من مواجهة الأرجنتين وسويسرا، في لقاء يتوقع أن يكون قمة كروية كبرى تجمع بين طموح الأسود الثلاثة وخبرة المنافسين.

تألق بلينجهام في هذه المباراة أعاد الأمل للجماهير الإنجليزية في إمكانية تكرار إنجاز عام 1966، حيث يرى الكثيرون أن الجيل الحالي يمتلك النضج الكافي للذهاب بعيداً. وتعد هذه المرة الرابعة التي تصل فيها إنجلترا لنصف النهائي في آخر خمس بطولات كبرى شاركت فيها، مما يعكس الاستقرار الفني الذي يعيشه المنتخب.

في نهاية المطاف، أثبتت المباراة أن التفاصيل الصغيرة هي التي تحسم المواجهات الكبرى في نهائيات كأس العالم. فبينما أهدرت النرويج فرصاً محققة لتعزيز تقدمها، عرفت إنجلترا كيف تستغل أنصاف الفرص عبر نجمها بلينجهام لتخطف بطاقة العبور وتواصل رحلتها نحو المجد العالمي.

عربي ودولي

الأحد 12 يوليو 2026 4:22 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد عسكري واسع: ضربات أمريكية تستهدف العمق الإيراني وإغلاق مضيق هرمز

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية فجر اليوم الأحد عن بدء موجة جديدة من الهجمات الجوية والصاروخية ضد أهداف عسكرية في العمق الإيراني. وتأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة في أعقاب تصعيد خطير في مياه الخليج، حيث اتهمت واشنطن الحرس الثوري الإيراني باستهداف سفينة شحن مدنية أثناء عبورها مضيق هرمز الاستراتيجي.

وفي أول تعليق رسمي له على العملية العسكرية، أكد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أن طهران ارتكبت خطأً فادحاً باستهداف الملاحة الدولية. وأوضح هيغسيث في تصريح مقتضب أن الجانب الإيراني يدفع الآن ثمن خياراته العدائية، مشدداً على أن الولايات المتحدة لن تتهاون في حماية المسارات البحرية الحيوية.

من جانبها، أوضحت مصادر عسكرية أن الجولة الثالثة من الضربات هذا الأسبوع استهدفت بشكل مباشر البنية التحتية العسكرية للحرس الثوري. وشملت الأهداف رادارات متطورة للمراقبة الجوية والسطحية، بالإضافة إلى مخازن للطائرات المسيرة ومنصات إطلاق الصواريخ الباليستية وصواريخ أرض-جو التي تهدد حركة الطيران والملاحة.

وجاء التحرك الأمريكي رداً على هجوم وصفته واشنطن بـ 'الصارخ' استهدف سفينة الحاويات 'M/V GFS Galaxy' التي ترفع علم قبرص. وأفادت التقارير بأن السفينة تعرضت لأضرار إنشائية كبيرة ونشوب حريق في غرفة المحركات، مما أدى إلى توقفها عن العمل وفقدان أحد أفراد طاقمها المدني في عرض البحر.

في المقابل، ردت طهران بإجراءات تصعيدية غير مسبوقة، حيث أعلن الحرس الثوري الإيراني عن إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل وحتى إشعار آخر. وبررت السلطات الإيرانية هذا القرار بضرورة وقف ما أسمته 'التدخلات الأمريكية غير القانونية'، محذرة من أن أي اعتداء جديد سيواجه برد حاسم وقوي في المنطقة.

وأفادت مصادر ميدانية داخل إيران بسماع دوي انفجارات عنيفة هزت عدة مدن ساحلية وجزر استراتيجية جنوبي البلاد. وتركزت الانفجارات في مناطق بوشهر وبندر عباس وسيريك، فيما سجلت محافظة هرمزغان وحدها أكثر من عشرة انفجارات استهدفت مواقع عسكرية وحيوية تابعة للقوات الإيرانية.

وأشارت القيادة المركزية الأمريكية إلى أنها منحت طهران فرصاً متكررة للالتزام بمذكرات التفاهم الدولية واحترام سلامة السفن التجارية، إلا أن الفشل الإيراني المتكرر استوجب رداً عسكرياً. وتهدف هذه العمليات، وفقاً للبيان الأمريكي، إلى تقويض قدرة إيران على تهديد البحارة المدنيين وضمان حرية التجارة العالمية.

وتسود حالة من الترقب الدولي لمآلات هذا التصعيد العسكري في واحدة من أهم ممرات الطاقة في العالم، وسط مخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة. وتراقب العواصم الكبرى تداعيات إغلاق مضيق هرمز على أسعار الطاقة العالمية واستقرار سلاسل الإمداد التي تمر عبر الخليج العربي.