السّبت 11 يوليو 2026 10:38 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب ينهي عقوداً من العزلة السورية ويخطر الكونغرس برفع دمشق من قائمة الإرهاب

ظلت واشنطن منذ اللقاء الأول بين الرئيسين الأميركي والسوري تدرس إزالة التصنيف الأسود، الذي لاحق دمشق عقوداً طويلة منذ ديسمبر 1979 واستمر طيلة عهد الرئيس السابق حافظ الأسد ثم وريثه بشار الأسد حتى عام 2024.

ينسج سيد البيت الأبيض خيوط علاقات جديدة بين واشنطن ودمشق بعدما أعطى الضوء الأخضر للكونغرس الأميركي برفع اسم سوريا من القائمة السوداء للإرهاب، في تطور يمنح بلداً خرج أخيراً من الحرب فرصة لإعادة الإعمار، ويفسح المجال أمام انفتاح سياسي ودبلوماسي وتطور اقتصادي واستثماري مرتقب.

وفي تطور يضع نقطة النهاية في ما يخص عزلة سوريا، وخروجها من دائرة البلدان الراعية للإرهاب، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بقرار إلغاء تصنيف البلد كدولة راعية للإرهاب.

وأمام الكونغرس مراجعة تستمر 45 يوماً حتى يخرج القرار بصورته النهائية، إذ جاء الشطب من القائمة السوداء على هامش قمة حلف "الناتو" في تركيا. وقال ترمب للصحافيين، "على الولايات المتحدة التحرك لشطب التصنيف. أعتقد أنني سأفعل، ولماذا لا أفعل؟ لقد قام بعمل رائع" في إشارة منه إلى الرئيس السوري أحمد الشرع.

في الأثناء حظيت رسالة الرئيس الأميركي لنظيره السوري بأصداء واسعة في الأوساط السياسية والشعبية المحلية، لما جاء فيها من دعم مطلق للسلطة الجديدة والشعب السوري، بينما أبدى الشرع تقديره للولايات المتحدة ولرفع العقوبات عن بلاده، واصفاً قرار ترمب بـ"التاريخي" إلى جانب مساعدة الأصدقاء والداعمين تركيا ودول الخليج.

ولم تكن الرسالة الداعمة للشرع الأولى من نوعها بل سبقتها رسالة في أواخر عام 2025 لم تخل من غزل سياسي لرجل سوريا الأول، وأظهرت لكل الأطراف السياسية حجم الدعم الأميركي المطلق له. هذه الرسالة نقلها المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك في كلمات معدودات، "أحمد سيكون قائداً عظيماً، والولايات المتحدة تساعد على ذلك"، مرفقاً مع الرسالة صورة تجمعه بالشرع خلال لقائهما في البيت الأبيض.

وظلت واشنطن منذ اللقاء الأول بين الرئيسين الأميركي والسوري تدرس إزالة التصنيف الأسود، الذي لاحق دمشق عقوداً طويلة منذ ديسمبر (كانون الأول) 1979 واستمر طيلة عهد الرئيس السابق حافظ الأسد ثم وريثه بشار الأسد حتى عام 2024.

واستخدم هذا التصنيف بعد دعم دمشق حينها للفصائل الفلسطينية المسلحة، واتهامات بالتورط في عمليات نوعية كان أبرزها محاولة تفجير طائرة تابعة للخطوط الإسرائيلية (العال) عام 1986 واستمرار دعمها لفصائل المقاومة اللبنانية.

واتفق نواب جمهوريون وديمقراطيون على اتخاذ إجراء حاسم لا سيما بعد سقوط نظام عائلة الأسد، وسبق ذلك إلغاء إدارة ترمب تصنيف "هيئة تحرير الشام" كمنظمة إرهابية، مع إزالة عدد من أسماء المسؤولين السوريين من العقوبات والملاحقة.

في غضون ذلك تركت هذه الجولة الرابعة من لقاءات الشرع وترمب تأثيراً خارج سوريا وداخلها، فقد أعطت كل الإجراءات المتتالية بعد كل لقاء مكسباً يضاف خطوة لعلاقات البلدين وتزداد ثقة وثباتاً سواء من رفع العقوبات وشطب أسماء شخصيات لها تاريخ متطرف من الملاحقة وصولاً إلى إزالة التصنيف من الدول الراعية للإرهاب.

ويتيح شطب تصنيف الدول الراعية للإرهاب - يضم سوريا وكوريا الشمالية وكوبا وإيران - في حال حدث وأقر من قبل الكونغرس، علاقات واسعة على المستوى السياسي والاقتصادي مع دول العالم كافة فضلاً عن بدء حركة توريدات لدعم الجيش السوري الجديد بالسلاح.

ومع هذا يبدو أن الانفتاح السوري ـــ الأميركي لن يمر من دون مقابل، وهنا تشير تلميحات ترمب المستمرة إلى عزمه ورغبته الدفع بالجيش السوري إلى شرق لبنان لملاحقة "حزب الله"، موضحاً أن مثل هذا التوغل لن يحدث إلا بالتوازي مع دعم عسكري ولوجيستي واستخباراتي، ومن ثم دعم بالسلاح المتطور للسوريين، علاوة على الذهاب إلى سيناريو بعيد المدى بتحول الجيش السوري إلى ذراع أميركية بالمنطقة لملاحقة أي فصيل مسلح موال لإيران.

في المقابل يخشى فريق من الأميركيين من التوسع في هذا الانفتاح، وبات من المرجح اقتصار الدعم بإجراءات قانونية ودولية ودبلوماسية من دون الدعم العسكري، لذا سيكون الدعم اللوجيستي في هذا المجال يقتصر على التدريب والاستخبارات مع التحفظ على الإمداد بالسلاح المتطور.

أما اقتصادياً فهي الثمرة الأكبر في حال إزالة التصنيف الإرهابي بحق سوريا لأنه وبعد عام ونصف العام من سقوط النظام السابق لا تزال الشركات والاستثمارات تحجم عن الوصول إلى سوريا، أو ممارسة نشاطها وبخاصة مع العوائق المصرفية التي تحول دون تدفق الأموال. ويرجح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن "رفع العقوبات سيفتح المجال أمام التجارة والاستثمار الدوليين ويمنح سوريا فرصة لإعادة البناء، ويفتح فصلاً جديداً لشعبها".

ومع هذا لا تبدو الفرص الاستثمارية مشجعة للمستثمرين على رغم وجود كثير منها في كل القطاعات، وبالذات العقاري بعد تدمير مدن كاملة بالطائرات والقصف المستمر طوال الحرب الأخيرة في سوريا، شملت بيوتاً وبنى تحتية والمرافق والطاقة وغيرها، علاوة على أن كلفة إعادة الإعمار تبلغ 216 مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي، مما يحتاج إلى شركات دولية داعمة.

وهنا أيضاً يبرز العائق الأمني أمام تدفق هذه الشركات إلى الأرض السورية، فحتى اليوم لا تزال بعض المناطق خارج سيطرة الحكومة خصوصاً السويداء جنوب البلاد، فضلاً عن الأحداث التي تؤثر في السلم الأهلي والاغتيالات بالإضافة إلى السلاح المنفلت وشبكات خارجة عن القانون تدير عصابات الخطف والقتل.

وما بين هذا وذاك تظهر أخطار بروز "داعش"، ولعل الانفجارين أمام مقر إقامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في العاصمة دمشق على رغم كل الاحتياطات الأمنية ظهرا وكأنهما اختبار صعب للمنظومة الأمنية رغم إعلان وزير الداخلية أنس الخطاب اعتقال المنفذين.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبالعودة إلى ملف شطب التصنيف فإن هذا النجاح للسياسة الخارجية السورية قد أعطى صورة للداخل حيال زعيم جديد للبلاد، فالشرع يبدو أبعد من رئيس موقت وسلطته ليست (سلطة أمر واقع) بل ظهر كرئيس منتصر استطاع كسر جليد العلاقة والقطيعة مع الولايات المتحدة لتتحول إلى تنسيق وتعاون في أكثر الظروف صعوبة.

هذا التغيير الذي حققه الشرع يأتي على رغم الوضع الداخلي الضاغط حيث التململ تسرب إلى نفوس المواطنين حيال الغلاء، وتدني مستوى المعيشة، وقلة فرص العمل، وإطاحة الكفاءات في المؤسسات والوزارات العامة بذرائع تأييد الأسد مع مخاوف من زعزعة الاستقرار.

مقابل ذلك رفعت الأحزاب والقوى السياسية والمدنية صوتها عالياً مع هذا التقدم الذي يحدث إلى التذكير بأن أهم بند خلال 45 يوماً هو مراجعة الواقع السوري الداخلي مع ملاحظة "تغيير جوهري في قيادة وسياسات الحكومة المصنفة". ولهذا طالب حزب "السوري الحر" باستغلال فرصة إلغاء التصنيف لتهيئة مناخ مناسب لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وتعددية على مختلف المستويات بما يضمن التداول السلمي للسلطة، ويؤسس لدولة المواطنة وسيادة القانون.

وقال الحزب في بيان له، "إن المرحلة المقبلة تتيح فرصة واعدة أمام الشركات الأميركية والمستثمرين للإسهام في مشاريع الاستثمار وإعادة الإعمار ونقل التكنولوجيا بما يدعم التنمية الاقتصادية، ويوفر فرص العمل، ويساعد سوريا على استعادة مكانتها الاقتصادية والإقليمية".

وفي أول لقاء نوعي حدث بين ترمب والشرع، خلال مايو (أيار) 2025 في السعودية، وهو الأول أيضاً بين رئيسين أميركي وسوري منذ 25 عاماً، دعا خلاله ترمب دمشق لمساعدة واشنطن في منع عودة "داعش" والانضمام إلى اتفاقات أبراهام مع إسرائيل.

أما اللقاء الثاني فقد جاء بزيارة الشرع للولايات المتحدة وتعهده بتقديم كل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء إلى العدالة خلال كلمة له في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي المكتب البيضاوي في البيت الأبيض دارت محادثات هادئة بين الرئيسين وجهود أميركية لتحسين العلاقة بين تل أبيب ودمشق.

دلالات

شارك برأيك

ترمب ينهي عقوداً من العزلة السورية ويخطر الكونغرس برفع دمشق من قائمة الإرهاب

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.