كشفت مصادر صحفية دولية عن تصاعد النفوذ الأمريكي في فنزويلا إلى مستويات غير مسبوقة، حيث بات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يوصف بأنه الحاكم الفعلي للبلاد من مكتبه في واشنطن. ويأتي هذا التطور في أعقاب العملية العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة وأسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في يناير الماضي، مما فتح الباب أمام مرحلة انتقالية تحت إشراف مباشر من الإدارة الأمريكية.
وتشير التقارير إلى أن نفوذ روبيو امتد ليشمل إدارة الموارد الطبيعية والقرارات المالية للحكومة المؤقتة التي تقودها ديلسي رودريغيز. وقد نقلت مصادر إعلامية عن مسؤولين مقربين من البيت الأبيض أن الرئيس دونالد ترمب أبدى رغبته في أن يكون روبيو هو الزعيم المقبل لفنزويلا، مقترحاً في وقت سابق إرساله للإقامة الدائمة في العاصمة كراكاس للإشراف على التحولات الجارية.
وعلى الرغم من بقاء روبيو في واشنطن، إلا أنه يدير الملفات الحساسة في فنزويلا عبر الهاتف ووسائل التواصل الحديثة، مما دفع مراقبين لتشبيه حالته بحالة بول بريمر، الحاكم المدني الذي أدار العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003. وتعتمد الإدارة الحالية في كراكاس على توجيهات مباشرة من واشنطن في توزيع الموارد وإدارة الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد.
واستندت المعلومات المسربة إلى مقابلات مع أكثر من 12 مسؤولاً وشخصية مقربة من دوائر صنع القرار في واشنطن وكراكاس، أكدت جميعها أن روبيو يمسك بزمام الأمور المالية. وتهدف الخطة الأمريكية، كما أعلنها روبيو سابقاً، إلى منع الانهيار التام للدولة الفنزويلية قبل الانتقال إلى مرحلة التعافي الاقتصادي التي تضمن وصول الشركات الغربية إلى سوق الطاقة.
ويبرز قطاع النفط الفنزويلي كأحد أهم الأولويات في الأجندة الأمريكية الحالية، حيث تسعى واشنطن لتأمين تدفق الإمدادات وفتح المجال أمام الاستثمارات الأمريكية. ويشرف روبيو شخصياً على صياغة السياسات النفطية الجديدة التي تهدف إلى دمج الاقتصاد الفنزويلي مجدداً في المنظومة العالمية بعد سنوات من العزلة والعقوبات التي فرضت في عهد مادورو.
وفيما يتعلق بالعلاقة بين واشنطن والحكومة المؤقتة، كشفت المصادر عن وجود تواصل يومي ومكثف بين روبيو وديلسي رودريغيز عبر تطبيق «واتساب». وتتجاوز هذه المحادثات القضايا السياسية الرسمية لتشمل أحاديث جانبية وتنسيقاً دقيقاً حول التحركات الإعلامية، حيث تطلب رودريغيز موافقة مسبقة من الإدارة الأمريكية قبل الإدلاء بتصريحات لوسائل الإعلام الدولية.
روبيو يمارس نفوذاً على دولة ذات سيادة بطريقة تشبه الدور الذي أداه الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر في العراق بعد غزو عام 2003.
وتعكس هذه الترتيبات طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين الطرفين، إذ تخضع تصريحات المسؤولة الفنزويلية الأولى لمراجعة دقيقة من قبل مسؤولين أميركيين قبل نشرها. ويشير هذا المشهد إلى حجم الهيمنة التي تمارسها واشنطن على السلطة الجديدة في كراكاس، مما يثير تساؤلات حول مدى استقلالية القرار الوطني الفنزويلي في المرحلة الراهنة.
ويرى محللون أن هذا النموذج يمثل تجسيداً لسياسة «القوة الصلبة» التي تنتهجها إدارة ترمب، حيث يتم فرض الشروط على الأطراف المهزومة دون اعتبار كبير لمبادئ السيادة التقليدية. ويعيد هذا النهج للأذهان ممارسات استعمارية قديمة كانت الولايات المتحدة قد تخلت عنها منذ عقود، لا سيما في مناطق نفوذها التاريخية في أمريكا اللاتينية.
وفي سياق متصل، أفادت مصادر بأن واشنطن قامت بنقل كميات من اليورانيوم المخصب من مفاعل قديم في فنزويلا إلى أراضيها، في خطوة وصفت بأنها تأمين للمواد الحساسة. وتأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة من الإجراءات الأمنية التي اتخذتها القوات الأمريكية لضمان عدم وقوع تقنيات أو موارد خطرة في أيدي جهات معادية خلال الفترة الانتقالية.
ورغم الإشراف الأمريكي الوثيق، تواجه الحكومة المؤقتة تحديات كبيرة تتعلق بالشرعية الشعبية، حيث لم تأتِ عبر صناديق الاقتراع بل نتيجة تدخل عسكري مباشر. وتتصاعد المطالب الداخلية والدولية بضرورة إطلاق عملية انتقال سياسي حقيقية تؤدي إلى انتخابات حرة ونزيهة، بعيداً عن الوصاية الخارجية المستمرة التي يمثلها مكتب روبيو.
وتحذر تقارير استخباراتية من أن الاعتماد المفرط على الدعم الأمريكي قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم يتم تحقيق استقرار اقتصادي ملموس يشعر به المواطن الفنزويلي. فغياب سيادة القانون والاعتماد على «الإدارة عن بعد» قد يعيق جذب الاستثمارات طويلة الأمد التي تحتاجها البلاد لإعادة بناء بنيتها التحتية المتهالكة بعد سنوات من سوء الإدارة.
ويبقى السؤال مفتوحاً حول المدة التي ستستمر فيها واشنطن في إدارة شؤون فنزويلا من الخارج، وما إذا كانت هذه الإستراتيجية ستقود فعلياً إلى نظام ديمقراطي مستقر. فبينما تصر الإدارة الأمريكية على أن هدفها هو الاستقرار، يرى منتقدون أن واشنطن تعيد بناء المؤسسات الفنزويلية بما يخدم مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية أولاً.





شارك برأيك
روبيو «حاكماً فعلياً».. كيف تدار فنزويلا من مكاتب واشنطن بعد الإطاحة بمادورو؟