عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 3:53 صباحًا - بتوقيت القدس

ترامب يهدد إيران بـ 'وميض هائل' ويثير مخاوف من هجوم نووي وشيك

أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سلسلة من التهديدات العنيفة تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مما أثار موجة واسعة من الانتقادات والتحذيرات الدولية. واعتبر مراقبون أن هذه التصريحات تمثل تهديداً ضمنياً بشن هجوم نووي غير مسبوق، خاصة في ظل حالة الانسداد التي تشهدها المفاوضات الدبلوماسية وتصاعد التوترات العسكرية الميدانية بين واشنطن وطهران.

وخلال مؤتمر صحفي عقده في واشنطن، وجه ترامب رسالة شديدة اللهجة للقيادة الإيرانية، مشيراً إلى أنه في حال انهيار تفاهمات وقف إطلاق النار، فإن العالم سيشهد ما وصفه بـ 'التوهج الكبير' المنبعث من الأراضي الإيرانية. وشدد الرئيس الأمريكي على ضرورة مسارعة طهران لتوقيع الاتفاق المطروح، مهدداً إياهم بمواجهة مستويات قاسية من الألم والمعاناة في حال الرفض.

تأتي هذه التطورات الدراماتيكية في أعقاب تبادل عسكري مباشر للهجمات بين القوات الأمريكية والإيرانية خلال الأسبوع الجاري، وهو ما وضع المنطقة على حافة الانفجار. ورغم تأكيدات البيت الأبيض بأن اتفاق وقف إطلاق النار لا يزال سارياً من الناحية النظرية، إلا أن التصريحات الرئاسية الأخيرة توحي بوجود توجهات تصعيدية قد تنهي هذا المسار الدبلوماسي الهش.

وكانت الإدارة الأمريكية قد أعلنت في وقت سابق عن تنفيذ سلسلة من الضربات الجوية التي وصفتها بـ 'الدفاعية' ضد أهداف عسكرية داخل إيران، بدعوى تورطها في محاولات استهداف السفن والمصالح الأمريكية في مضيق هرمز. وفي المقابل، سارعت طهران إلى إدانة هذه العمليات، معتبرة إياها خرقاً صريحاً للهدنة واعتداءً يستوجب الرد، مما زاد من تعقيد المشهد الأمني في الممرات المائية الحيوية.

من جانبها، حذرت أوساط سياسية وحقوقية من خطورة مصطلح 'التوهج' الذي استخدمه ترامب، مؤكدة أنه يشير بوضوح إلى استخدام الأسلحة النووية أو استهداف المنشآت الحيوية والطاقة بشكل شامل. وذكرت تقارير إعلامية أن هذا الخطاب يمثل تحولاً خطيراً في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يتم التلويح علناً بأسلحة الدمار الشامل كأداة للضغط السياسي لتحقيق مكاسب في المفاوضات.

وفي ردود الفعل، أصدر المجلس الوطني الإيراني الأمريكي بياناً شديد اللهجة، اعتبر فيه أن التهديد بجعل إيران 'تتوهج' يمثل نية مبيتة لارتكاب جريمة حرب جماعية ضد أكثر من 92 مليون إنسان. وأكدت المنظمة أن مثل هذه التصريحات لا يجب أن تمر مرور الكرام أو تصبح جزءاً من الخطاب السياسي الطبيعي، نظراً لتبعاتها الكارثية على الأمن والسلم الدوليين وحياة المدنيين الأبرياء.

كما أثارت هذه التهديدات تساؤلات قانونية ودستورية داخل الولايات المتحدة حول أهلية الرئيس لاتخاذ قرارات عسكرية مصيرية قد تشعل حرباً إقليمية أو عالمية. ودعت منظمات حقوقية المجتمع الدولي والكونغرس الأمريكي إلى التعامل بجدية قصوى مع هذه التصريحات، محذرة من أن الصمت تجاهها قد يُفهم كضوء أخضر لتنفيذ هجمات مدمرة تتجاوز كافة القوانين والأعراف الدولية.

يُذكر أن هذا السجال ليس الأول من نوعه، حيث سبق لترامب أن هدد في الشهر الماضي بـ 'محو الحضارة الإيرانية' من الوجود، وهو ما أثار حينها عاصفة من الغضب داخل أروقة الحزب الديمقراطي. وقد دفع ذلك التصعيد السابق عشرات النواب للمطالبة بتفعيل التعديل الخامس والعشرين للدستور الأمريكي، والذي يسمح بعزل الرئيس في حال ثبت عدم أهليته للقيام بمهامه الرسمية.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 3:23 صباحًا - بتوقيت القدس

كواليس 'القسم 4'.. كيف تحول روسيا قاعات الجامعات إلى ثكنات لتجنيد نخبة الهاكرز؟

لم يعد اسم جهاز الاستخبارات الروسية محصوراً في إرث 'KGB' الذي هيمن على مشهد الحرب الباردة، بل برزت أدوات جديدة أكثر فتكاً في العصر الرقمي. تقود وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU) اليوم جبهة الحرب الإلكترونية، مستندة إلى تاريخ طويل بدأ منذ تأسيسها عام 1918 على يد قادة الثورة البلشفية.

تتجاوز مهام الاستخبارات العسكرية الروسية الأدوار التقليدية في الحروب الميدانية، لتشمل اختراق البرلمانات الغربية وتنفيذ حملات تضليل واسعة النطاق. وتؤكد تقارير استخباراتية دولية أن هذه الوحدات لعبت دوراً محورياً في التأثير على الرأي العام العالمي والتدخل في استحقاقات انتخابية كبرى.

يثور التساؤل الدائم حول منبع هذه الكفاءات التقنية العالية التي تمتلكها موسكو، وتكشف الخيوط عن وجهة أكاديمية غير متوقعة في قلب العاصمة الروسية. جامعة باومان التقنية، العريقة بارتباطها بالصناعات الدفاعية، تبدو اليوم كالمزود الرئيسي للعقول التي تدير العمليات السيبرانية المعقدة.

رغم أن الجامعة تشتهر بتخريج مهندسي الصواريخ وعلماء الفضاء، إلا أن تحقيقاً استقصائياً دولياً كشف عن وجود 'القسم 4' السري داخل أسوارها. هذا القسم، المعروف بـ 'قسم التدريب الخاص'، يعمل بعيداً عن الأعين وتحت إشراف مباشر من ضباط رفيعي المستوى في أجهزة الأمن.

استند التحقيق الذي شاركت فيه مؤسسات إعلامية كبرى مثل 'الغارديان' و'لوموند' إلى أكثر من ألفي وثيقة مسربة من داخل أروقة الجامعة. وتوضح هذه الوثائق كيف يتم تحويل المسار الأكاديمي للطلاب المتفوقين إلى مسار استخباراتي احترافي يخدم أجندة الكرملين الجيوسياسية.

عملية الاختيار داخل 'القسم 4' لا تخضع للمعايير الجامعية المعتادة، بل تتم بعناية فائقة من قبل مسؤولين أمنيين يراقبون أداء الطلاب المتميزين. يخضع هؤلاء المختارون لبرامج مكثفة تمتد لسنوات، تهدف إلى صقل مهاراتهم في التجسس الرقمي ومواجهة السيناريوهات السيبرانية الواقعية.

تتنوع المناهج التعليمية في هذا القسم السري لتشمل تقنيات متقدمة في شن الهجمات الإلكترونية واكتشاف الثغرات البرمجية المعقدة. ولا يتوقف الأمر عند الجانب التقني، بل يمتد ليشمل تدريبات على أدوات التجسس الرقمي التي تطورها الأجهزة السيادية الروسية بشكل حصري.

أحد أخطر جوانب التدريب هو التركيز على 'الحرب المعلوماتية'، حيث يتعلم الطلاب كيفية إدارة حملات التضليل السياسي عبر منصات التواصل الاجتماعي. ويهدف هذا النوع من التعليم إلى تمكين الخريجين من التلاعب بالرأي العام في الدول المستهدفة وتوجيه السرديات بما يخدم المصالح الروسية.

التأهيل داخل الجامعة يمزج بين التفوق التكنولوجي والولاء الأيديولوجي، حيث يتم غرس الرواية الرسمية للدولة في نفوس المتدربين. ويضمن هذا النظام انتقال الطلاب بسلاسة من مقاعد الدراسة إلى العمل الميداني داخل الوحدات الاستخباراتية وهم يحملون عقيدة أمنية صلبة.

برز اسم الجنرال فيكتور نيتيشكو كأحد المشرفين الرئيسيين على هذه البرامج التدريبية، وهو شخصية مثيرة للجدل في الأوساط الدولية. نيتيشكو يرتبط اسمه بمجموعة 'فانسي بير' الشهيرة، التي اتهمتها واشنطن رسمياً بالوقوف وراء اختراقات الانتخابات الأمريكية في عام 2016.

لا تعد جامعة باومان حالة معزولة، بل تشير المعطيات إلى وجود برامج مشابهة في جامعات تقنية أخرى موزعة على الأراضي الروسية. وتأتي هذه التحركات ضمن استراتيجية 'الحرب الهجينة' التي تتبناها موسكو، والتي تدمج بين القوة الصلبة والعمليات السيبرانية غير التقليدية.

أثار الكشف عن هذه الوثائق موجة من القلق على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر مراقبون أن تدريس القرصنة في الجامعات يمثل تصعيداً خطيراً. ورأى محللون أن تحويل المؤسسات التعليمية إلى مراكز تجنيد أمنية يعكس عمق الصراع الرقمي المحتدم بين القوى العظمى.

في المقابل، تبرز وجهات نظر تشير إلى أن الاستثمار في القدرات السيبرانية هو نهج تتبعه معظم الدول الكبرى في الوقت الراهن. ومع ذلك، تظل الخصوصية الروسية تكمن في الربط الوثيق والمباشر بين المؤسسة الأكاديمية العريقة وأجهزة الاستخبارات العسكرية في عمليات هجومية.

ختاماً، يظهر 'القسم 4' كحلقة وصل حيوية في سلسلة التوريد البشرية للاستخبارات الروسية، مما يضمن لموسكو تدفقاً مستمراً من 'المحاربين الرقميين'. ومع تطور أدوات الحرب الإلكترونية، تظل هذه الجامعات هي المصنع الخفي الذي يصيغ ملامح المواجهات القادمة في الفضاء السيبراني.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 3:23 صباحًا - بتوقيت القدس

استنزاف الترسانة الأمريكية في إيران يمنح الصين نفوذاً قبل قمة ترامب وشي

كشفت تقارير دولية عن تحول جوهري في الحسابات الاستراتيجية الصينية تجاه القوة العسكرية الأمريكية، حيث يرى محللون في بكين أن قدرة واشنطن على ردع أي تحرك عسكري تجاه تايوان قد تضاءلت بشكل ملحوظ. ويأتي هذا التقييم مدفوعاً بالاستنزاف الكبير الذي تعرضت له القوة النارية الأمريكية خلال الحرب الضارية في إيران، والتي استهلكت جزءاً حيوياً من الترسانة الصاروخية المتطورة.

وتشير تقديرات داخلية من وزارة الدفاع الأمريكية ومسؤولين في الكونغرس إلى أن الولايات المتحدة استنفدت نحو نصف مخزونها من الصواريخ الجوالة الشبحية بعيدة المدى منذ بدء العمليات العسكرية في أواخر فبراير الماضي. كما أطلقت القوات الأمريكية كميات من صواريخ 'توماهوك' تعادل عشرة أضعاف ما تشتريه وزارة الدفاع سنوياً، مما يضع ضغوطاً هائلة على سلاسل الإمداد العسكري.

ويرى خبراء عسكريون صينيون أن هذا المأزق كشف عن خلل بنيوي في استراتيجية الحرب الأمريكية، يتمثل في العجز عن إنتاج الأسلحة بالسرعة الكافية لتعويض النقص في صراعات طويلة الأمد وعالية الكثافة. هذا الواقع دفع بعض القادة العسكريين المتقاعدين في جيش التحرير الشعبي لوصف الولايات المتحدة بـ'العملاق المنهك' الذي فقد هالة الهيمنة المطلقة.

ومن المتوقع أن يلقي هذا التراجع بظلاله على القمة المصيرية المرتقبة الأسبوع المقبل بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزعيم الصيني شي جين بينغ. فبينما كان ترامب يخطط لدخول المفاوضات من موقع المنتصر السريع في الشرق الأوسط، يجد نفسه الآن مضطراً للتعامل مع واقع عسكري معقد يقلص من قدرته على ممارسة الضغوط القصوى.

وتسعى بكين من خلال هذه القمة إلى تحقيق استقرار في العلاقات الثنائية وتمديد الهدنة التجارية للتركيز على إنعاش اقتصادها المحلي وتطوير تقنياتها السيادية. وفي المقابل، يطالب الجانب الصيني واشنطن بتقليص دعمها العسكري لتايوان، محذراً من أن أي محاولة لانفصال الجزيرة لن يتم التسامح معها بأي شكل من الأشكال.

وفي سياق متصل، ألمحت الدبلوماسية الصينية إلى إمكانية تحقيق 'انفراجة' في قضية تايوان، حيث دعا وزير الخارجية وانغ يي نظيره الأمريكي ماركو روبيو لفتح آفاق جديدة. ومع ذلك، تظل التحركات الصينية في بحر الصين الجنوبي، مثل بناء جزر جديدة قبالة سواحل فيتنام، مؤشراً على استمرار سياسة 'المنطقة الرمادية' لتعزيز النفوذ الإقليمي.

على الجانب الآخر، يرفض البيت الأبيض والبنتاغون بشدة فرضية أن العمليات في الشرق الأوسط قد أضعفت الموقف الأمريكي في آسيا. وأكد وزير الدفاع بيت هيغسيث أن ردع الصين يظل على رأس أولويات وزارته، مشدداً على أن الجيش الأمريكي يمتلك القدرات الكافية للتعامل مع جبهات متعددة في آن واحد.

بدوره، صرح الأدميرال صموئيل بابارو، قائد القيادة العسكرية في المحيط الهادئ، بأنه لا يرى تكلفة حقيقية فُرضت على الجاهزية القتالية لردع الصين. وأشار مسؤولون أمريكيون إلى أن النجاحات الاستخباراتية والعملياتية في إيران، بما في ذلك اغتيال قادة بارزين، تثبت كفاءة الآلة العسكرية الأمريكية ومصداقيتها القتالية.

ورغم هذه التأكيدات، يشير باحثون دوليون إلى أن الحلفاء في آسيا يراقبون بقلق تأخر وصول المعدات العسكرية الأمريكية وانشغال واشنطن بجبهات بعيدة. هذا القلق يغذي السردية الصينية التي تحاول إقناع دول المنطقة بأن الولايات المتحدة لم تعد الضامن الأمني الموثوق الذي يمكن الاعتماد عليه في الأزمات الكبرى.

وبالتوازي مع هذه التطورات، تشهد المنطقة العربية تحولات دراماتيكية، حيث أعلنت الإمارات انسحابها من منظمة أوبك وأوبك+ وسط أنباء عن توترات داخل جامعة الدول العربية. وتأتي هذه الخطوات في وقت عززت فيه إسرائيل تعاونها العسكري مع أبوظبي عبر تزويدها بمنظومات دفاعية متطورة مثل القبة الحديدية.

وفي القارة الأفريقية، تبرز ملامح صراع جديد مع إبداء مصر استعدادها لنشر قوات في الصومال لمواجهة التحركات الإسرائيلية في 'أرض الصومال'. وتتزامن هذه التحركات مع اتهامات سودانية لأطراف إقليمية بدعم الهجمات على مطار الخرطوم، مما يعقد المشهد الأمني في حوض البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وتشير مصادر دبلوماسية إلى وجود تحركات مكثفة تشمل تقاربات بين تركيا والسعودية ومصر وباكستان، في محاولة لخلق توازنات جديدة بعيداً عن الهيمنة التقليدية. هذه التحالفات الناشئة تأتي في ظل شعور متزايد بفشل أطر الأمن الجماعي القديمة، مثل مجلس التعاون الخليجي، في توفير حماية فعلية دون اعتماد كلي على واشنطن.

ويرى مراقبون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحاول استغلال هذا الاضطراب العالمي للدفع بمشروعه لـ'الشرق الأوسط الجديد'. ويهدف هذا المشروع إلى تحويل إسرائيل إلى قوة عظمى إقليمية عبر تحالفات استراتيجية تمتد من شرق أفريقيا وصولاً إلى الهند، مستفيداً من انشغال القوى الكبرى بصراعاتها البينية.

ختاماً، تبقى القمة المرتقبة بين ترامب وشي هي البوصلة التي ستحدد مسار الصراع العالمي في المرحلة المقبلة. فإما أن تنجح واشنطن في استعادة هيبتها الردعية عبر اتفاقيات شاملة، أو أن تستغل بكين حالة 'الإنهاك' الأمريكي لفرض واقع جيوسياسي جديد في مضيق تايوان والمحيط الهادئ.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 3:23 صباحًا - بتوقيت القدس

حرب 'اقتلاع الذاكرة'.. الاحتلال يصعد استهداف أشجار الزيتون المعمرة في الضفة

على الطريق الواصل بين مدينتي نابلس وجنين، وتحديداً عند مدخل بلدة برقة، نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي عملية تجريف واسعة طالت مئات الأشجار المثمرة والمعمرة المحيطة بمنازل المواطنين. لم تكن هذه العملية مجرد إجراء عسكري عابر، بل استهدفت بشكل مباشر أشجار السرو والتين والزيتون الروماني التي تمثل إرثاً تاريخياً وعائلياً لسكان المنطقة.

يروي المواطن فادي مسعود تفاصيل اللحظات القاسية حين حولت الجرافات العسكرية من طراز 'دي 10' محيط منزله إلى حطام، حيث اقتلعت نحو 500 شجرة في عملية واحدة. وعقب انتهاء التدمير، وجه ضابط إسرائيلي رسالة مباشرة للأهالي مفادها أن الاستهداف كان مقصوداً لضرب 'أعز ما يملكون'، في إشارة واضحة إلى الرمزية الوطنية والروحية لشجرة الزيتون.

تعتبر عائلة مسعود أن خسارتها لا تقدر بثمن، فالأرض التي يطلق عليها اسم 'الجنينة' تضم أشجار زيتون رومانية تسبق بناء منزلهم الذي شيد في الخمسينيات بقرون طويلة. هذه الأشجار كانت شاهدة على تعاقب أربعة أجيال من العائلة، حيث زرع الأجداد السرو والزيتون، بينما اعتنى الأبناء والأحفاد بأشجار التين واللوزيات التي باتت اليوم مجرد جذوع مهشمة.

من جانبه، أكد المهندس الزراعي سلامة شبيب أن الأشجار التي جرفها الاحتلال في أرضه المجاورة تمثل أرشيفاً حياً لتاريخ الأرض، حيث يتجاوز عمر بعضها 300 عام. وأوضح شبيب أن الخسارة الاقتصادية، رغم فداحتها، لا تقارن بمحاولة طمس الهوية الفلسطينية، إذ تمثل هذه الأشجار 'الشاهد الصامت' الذي يثبت تجذر الفلسطيني في أرضه منذ آلاف السنين.

ويرى ناشطون في بلدة برقة أن هذه الاعتداءات تندرج ضمن خطة ممنهجة لتهجير السكان قسراً وتوسيع المشروع الاستيطاني في المنطقة. وترتبط هذه الهجمة بعودة المستوطنين إلى مستوطنة 'حومش' المخلاة سابقاً، والسعي للسيطرة على آلاف الدونمات الإضافية التي تقع بين بلدات بزاريا وبرقة ورامين شمال الضفة الغربية.

لم يتوقف التغول الاستيطاني عند حدود الأرض، بل امتد ليشمل الموارد المائية الحيوية، حيث سيطر المستوطنون بقوة السلاح على 'عين الدلبة'. هذا المصدر المائي التاريخي كان يوفر نحو 30% من احتياجات بلدة برقة، مما يضع المزارعين والسكان في مواجهة مباشرة مع سياسات التعطيش والتضييق المعيشي.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن الاحتلال يتعمد تدمير البنية التحتية الزراعية، بما في ذلك 'السناسل' أو الأسوار الحجرية القديمة، ودهس الأغصان المحطمة لمنع إعادة زراعتها. هذه الممارسات تهدف إلى تحويل 'الجنات' الخضراء إلى مناطق قاحلة، مما يسهل على سلطات الاحتلال إعلانها 'أراضي دولة' وضمها لاحقاً للمستوطنات القريبة.

وفقاً لبيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن وتيرة استهداف الأشجار شهدت تصاعداً خطيراً منذ مطلع عام 2024، حيث تم تسجيل اقتلاع وتخريب آلاف الأشجار في محافظات الخليل ورام الله ونابلس. وتكشف الأرقام أن شهر أبريل الماضي وحده شهد تدمير أكثر من 4400 شجرة، مما يعكس سياسة عقاب جماعي تستهدف القطاع الزراعي.

الإحصائيات التراكمية تظهر حجم الكارثة البيئية والاقتصادية، إذ اقتلع الاحتلال أو سمم ما لا يقل عن 120 ألف شجرة في الضفة الغربية منذ عام 2020. وقد سجل عام 2025 الذروة الأعلى في هذه الاعتداءات، حيث فقد الفلسطينيون أكثر من 35 ألف شجرة، منها نحو 27 ألف شجرة زيتون كانت تشكل مصدر رزق أساسي لمئات العائلات.

يؤكد مراقبون أن استهداف شجرة الزيتون تحديداً هو جزء من 'حرب الرواية' التي تخوضها إسرائيل ضد الوجود الفلسطيني، فوجود شجرة عمرها مئات السنين يدحض الادعاءات الصهيونية حول تاريخ الأرض. لذا، يرى المستوطنون في هذه الشجرة 'عدواً' يجب إزالته لشرعنة وجودهم الطارئ على حساب أصحاب الأرض الأصليين.

في بلدة برقة، لم يكتفِ الاحتلال بتجريف الحقول المفتوحة، بل طالت الاعتداءات الأشجار داخل أسوار المنازل الخاصة وتحت تهديد السلاح. هذا التصعيد يهدف إلى حصر الفلسطينيين داخل كتل أسمنتية ضيقة ومنعهم من التواصل البصري أو الفيزيائي مع أراضيهم الزراعية التي تشكل عمقهم الاستراتيجي.

تتزامن هذه الهجمة مع إقامة بؤر استيطانية جديدة على تلال استراتيجية مثل تلة 'بدّس'، التي تتوسط عدة قرى فلسطينية وتضم مشاريع وطنية وخزانات مياه حيوية. السيطرة على هذه التلال تعني عملياً خنق القرى الفلسطينية وتحويلها إلى معازل معزولة عن بعضها البعض، ضمن رؤية تهدف للسيطرة على كامل مناطق (ج).

بالرغم من الدمار الواسع، يتمسك المزارعون الفلسطينيون بالبقاء فوق أنقاض أشجارهم، معتبرين أن إعادة الزراعة هي الرد الوحيد على سياسة الاقتلاع. ففي كل مرة تجرف فيها الآليات العسكرية حقلاً، يحاول الأهالي غرس أشتال جديدة تأكيداً على استمرارية الصراع بين 'إرادة البقاء' وسياسات 'المحو والتهجير'.

ختاماً، تبقى قصة عائلة مسعود وشبيب في برقة نموذجاً مصغراً لما يحدث في عموم الضفة الغربية، حيث تتحول الشجرة من مورد اقتصادي إلى رمز للصمود. إنها حرب صامتة تُشن بالأرقام والجرافات، لكنها تترك جروحاً غائرة في الوجدان الفلسطيني الذي يرى في كل شجرة مقتلعة جزءاً من تاريخه الشخصي والوطني.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 3:23 صباحًا - بتوقيت القدس

مجلس ترمب للسلام في غزة: وعود متعثرة وشروط مالية تثير الجدل حول جدواه

يواجه 'مجلس السلام' الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مطلع العام الجاري انتقادات حادة من قبل مراقبين دوليين، إثر فشله الملموس في تحقيق أي اختراق حقيقي بملف قطاع غزة. فمنذ تدشينه الرسمي في يناير 2026، لم ينجح المجلس في إبعاد شبح المجاعة أو تحسين الظروف المعيشية المتدهورة للسكان، مما أثار تساؤلات حول الأهداف الحقيقية من وراء إنشائه.

وكان ترمب قد أعلن عن هذا المجلس في حفل ضخم بمدينة دافوس السويسرية، داعياً قادة العالم للانضمام إليه ضمن شروط مالية صارمة. وتتضمن هذه الشروط دفع مبلغ مليار دولار لصندوق خاص تحت إشراف مباشر من ترمب لضمان العضوية الدائمة، وفي حال عدم السداد، تسقط عضوية الدولة المشاركة بعد مرور ثلاث سنوات فقط من تاريخ الانضمام.

وفي سياق التحركات الدبلوماسية، عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اجتماعاً مع السفير الأمريكي مايك هاكابي والمدير التنفيذي للمجلس نيكولاي ملادينوف. وناقش المجتمعون تقييماً شاملاً لأداء المجلس خلال الأشهر الماضية، مع الاتفاق على خطة عمل تهدف إلى تحسين المخرجات بحلول شهر أكتوبر المقبل، وفق ما نقلته مصادر صحفية دولية.

ميدانياً، لا تزال المأساة الإنسانية في غزة تراوح مكانها مع استمرار تعنت الاحتلال الإسرائيلي في تنفيذ بنود وقف إطلاق النار. وتشير المعطيات إلى أن كميات المساعدات التي تدخل القطاع لا تتجاوز 200 شاحنة يومياً، وهو رقم يقل كثيراً عن الـ 600 شاحنة التي نصت عليها الاتفاقات المبرمة، مما يفاقم من حدة الأزمات الصحية والغذائية.

ويرى محللون سياسيون أن هذا المجلس لم يقدم سوى وعود جوفاء، بل تحول في نظر البعض إلى غطاء سياسي يمنح الاحتلال وقتاً إضافياً لمواصلة عملياته العسكرية. ويُعتقد أن نتنياهو يسعى لاستثمار المعاناة الفلسطينية كأداة في حملته الانتخابية، مما يضعف من فرص نجاح أي مبادرة سلام حقيقية في المدى المنظور.

من جانب آخر، انتقد أكاديميون غياب التمثيل الفلسطيني المباشر في مداولات المجلس، حيث يتم التعامل مع غزة كأنها مشروع استثماري في مؤتمرات دولية مثل دافوس. وتساءل خبراء عن سبب استبعاد الحوار مع الأطراف الفلسطينية والاكتفاء بالتنسيق بين المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين وإدارة المجلس التنفيذية.

وفي المقابل، يطرح باحثون في الدراسات الإستراتيجية رؤية مغايرة، معتبرين أن البيئة الأمنية في غزة لا تزال غير مهيأة لجذب الاستثمارات الدولية. ويربط هؤلاء نجاح مهام المجلس بضرورة تغيير الواقع السياسي في القطاع، مشيرين إلى أن بقاء الفصائل المسلحة بسلاحها يمثل عائقاً أمام تدفق رؤوس الأموال لإعادة الإعمار.

وردت أطراف فلسطينية على هذه الادعاءات بالتأكيد على أن الفصائل أبدت مرونة عالية في ملف إدارة الحكم، وربطت قضية السلاح بوجود مسار سياسي عادل يضمن الحقوق الوطنية. وأوضحت مصادر أن حماس لم ترفض مناقشة الترتيبات الأمنية، لكنها ترفض أن يكون نزع السلاح شرطاً مسبقاً دون ضمانات بوقف العدوان.

وكشفت تقارير إعلامية عن رسائل تحذيرية وجهتها إدارة المجلس إلى اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة في أبريل الماضي. وتضمنت الرسائل تهديدات واضحة بأن استمرار رفض نزع السلاح قد يؤدي إلى استئناف الحرب الشاملة، مع تلميحات بأن إسرائيل لن تلتزم بضمان دخول المساعدات في ظل الوضع الراهن.

ويبقى مستقبل 'مجلس السلام' مرهوناً بمدى قدرته على الانتقال من الإطار الشكلي والمالي إلى الفعل الحقيقي على الأرض. ومع تزايد التقارير التي تتحدث عن نية تل أبيب استئناف العمليات العسكرية، يبدو أن المنطقة تتجه نحو تصعيد جديد قد ينهي تماماً أي دور متبقٍ لهذه المبادرة الأمريكية المثيرة للجدل.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 3:23 صباحًا - بتوقيت القدس

شهداء وجرحى في قصف مروحي استهدف نقطة أمنية غرب مدينة غزة

أفادت مصادر ميدانية باستشهاد وإصابة عدد من المواطنين وعناصر الشرطة الفلسطينية، ظهر اليوم الخميس، إثر غارة جوية نفذتها مروحيات جيش الاحتلال الإسرائيلي استهدفت نقطة أمنية غربي مدينة غزة. وأوضحت المصادر أن القصف تركز على غرفة الأمن التابعة لـ 'بوابة قصر الحاكم' الواقعة في محيط دوار حيدر عبد الشافي، مما أحدث دماراً واسعاً في المكان وأدى لوقوع ضحايا بين العناصر المتواجدة في النقطة.

وهرعت سيارات الإسعاف إلى موقع الاستهداف لانتشال الشهداء ونقل المصابين إلى مجمع الشفاء الطبي لتلقي العلاج، وسط حالة من التوتر الشديد تسود المنطقة. ويأتي هذا الهجوم في سياق سلسلة من الانتهاكات التي يمارسها الاحتلال لليوم الـ 210 على التوالي، متجاوزاً بذلك بنود اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم توقيعه في العاشر من أكتوبر الماضي برعاية دولية وعربية.

ولم تكتفِ قوات الاحتلال بالغارات الجوية، بل وسعت دائرة عدوانها لتشمل القصف البحري والمدفعي، حيث فتحت الزوارق الحربية نيران أسلحتها الثقيلة تجاه ساحل مدينة غزة بشكل عشوائي. كما استهدفت المدفعية الإسرائيلية بقذائفها المناطق الشمالية لبلدة بيت لاهيا والأطراف الشرقية لمدينة غزة، مما أدى إلى تضرر ممتلكات المواطنين وزيادة معاناة النازحين في تلك المناطق.

وفي وسط وجنوب القطاع، شهدت مدينتا دير البلح وخانيونس عمليات إطلاق نار مكثفة نفذتها طائرات مسيرة من نوع 'كواد كوبتر' بالتزامن مع تحركات للآليات العسكرية قرب السياج الأمني. وذكرت مصادر طبية أن خمسة مواطنين أصيبوا بجروح متفاوتة جراء استهداف طائرات المسيرة لخيام النازحين في منطقة المواصي غرب خانيونس، وهي المنطقة التي يزعم الاحتلال تصنيفها كـ 'مناطق آمنة'.

ويرى مراقبون أن هذا التصعيد الميداني الشامل يهدف إلى تقويض كافة الجهود الدبلوماسية الرامية لتثبيت التهدئة وإنهاء حرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها قطاع غزة. وتستمر هذه الانتهاكات في ظل صمت دولي تجاه الخروقات الإسرائيلية المتكررة، والتي تعيد للأذهان تاريخاً طويلاً من الحروب والاعتداءات التي شهدتها المنطقة منذ نكبة عام 1948 وحتى يومنا هذا.

تحليل

السّبت 09 مايو 2026 1:53 صباحًا - بتوقيت القدس

الحرب حين تغادر الجبهة: كيف يتحول النفط والتوترات الدولية إلى عبء في ميزانية الأسرة؟

لا تنتهي آثار الحروب عند حدود الجبهات المشتعلة أو خلف أعمدة الدخان المتصاعد، بل تتسلل بهدوء لتصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. إنها تتحول من بيانات عسكرية ودبلوماسية إلى أرقام تضغط على ميزانيات البيوت، مما يجعل الاقتصاد البنية التحتية الحقيقية التي يشعر من خلالها المواطن بوطأة الاضطراب العالمي.

في هذا السياق، يبرز النفط ليس كسلعة تجارية فحسب، بل كشريان حيوي يربط الجغرافيا السياسية بلقمة العيش. فحين تضطرب الممرات المائية الحساسة أو تتعرض منشآت الطاقة للتهديد، تنتقل الأزمة فوراً من خرائط النزاع إلى رفوف المتاجر ومحطات الوقود، معلنةً بداية مرحلة جديدة من الضغوط المعيشية.

ويعد مضيق هرمز مثالاً حياً على هذا الارتباط الوثيق، حيث إن أي اهتزاز في هذا الممر لا يمس إقليماً بعينه، بل يزلزل نظام الطاقة العالمي بأسره. وتنعكس هذه الاضطرابات مباشرة على كلفة الشحن البحري وعقود التأمين، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى موجات تضخم تضرب أسواقاً بعيدة عن موقع الحدث.

إن الاستجابة الأولى للأزمات لا تُسجل عادةً في السجلات الإنسانية، بل في شاشات البورصات والأسواق المالية التي لا تنتظر اكتمال المأساة لتتحرك. فالأسواق تحسب المخاطر مسبقاً، مما يجعل ارتفاع أسعار الوقود إشارة مبكرة لغلاء يطال النقل والأسمدة وصولاً إلى السعر النهائي للغذاء.

ومع تصاعد لغة الاقتصاد على حساب اللغة العسكرية، تبدأ حلقات مترابطة بالتحرك بشكل متسارع يؤثر على مجمل دورة المعيشة. فكل زيادة في مخاطر العبور البحري ترفع فاتورة الوصول، لتنتهي هذه السلسلة المعقدة داخل مطابخ الأسر التي تجد نفسها مضطرة لمواجهة واقع اقتصادي جديد وقاسٍ.

بيد أن الحقيقة المرة تكمن في أن أعباء هذه التوترات لا تتوزع بالتساوي بين دول العالم، بل تتباين النتائج حسب قوة الاقتصاد. فبينما تمتلك الدول الكبرى احتياطيات وأدوات تحوط تمكنها من امتصاص الصدمات، تظل الاقتصادات الناشئة والمستوردة للطاقة مكشوفة تماماً أمام رياح التضخم العاتية.

وتبرز باكستان كنموذج صارخ لهذا الاختلال، حيث يتحول ارتفاع كلفة الطاقة إلى ضغط مباشر ينهك ميزان التجارة والقدرة الشرائية للمواطنين. وفي مثل هذه البيئات، لا يقتصر أثر غلاء الوقود على قطاع النقل، بل يمتد ليعطل سلاسل الإمداد الغذائي والخدمات الأساسية كالكهرباء والتعليم.

هذا الواقع يكشف عن مفارقة عميقة بين الحضور الدبلوماسي للدولة وهشاشتها الاقتصادية الداخلية في لحظات الأزمات الكبرى. فقد تلعب الدولة دور الوسيط الإقليمي وتحظى بمكانة سياسية مرموقة، لكن ذلك لا يحمي مواطنيها تلقائياً من دفع فاتورة الغلاء الناتجة عن النزاعات التي تحاول حلها.

وعلى المستوى الاجتماعي، تظهر الحرب كقضية طبقية بامتياز، حيث تختلف قدرة الأفراد على الصمود أمام تقلبات الأسعار والاضطرابات الجيوسياسية. فبينما يستطيع أصحاب رؤوس الأموال إعادة توزيع مخاطرهم وحماية أصولهم، يجد أصحاب الدخل المحدود أنفسهم بلا أي دروع واقية أمام تسونامي الغلاء.

بالنسبة للموظف الصغير أو العامل، تصبح خيارات التحوط محدودة جداً وتتمثل غالباً في سياسات التقشف القسري وخفض الإنفاق الضروري. ويضطر هؤلاء لتأجيل العلاج أو تقليص الاحتياجات الأساسية، مما يحول الصراعات الدولية الكبرى إلى معركة يومية من أجل الحفاظ على كرامة العيش.

وفي مناطق النزاع المباشر، يتجاوز دور النفط كونه محركاً للتضخم ليصبح عنصراً حاسماً في صراع البقاء والوجود. فنقص الوقود هناك يعني توقف المستشفيات عن العمل، وتعطل إمدادات المياه الصالحة للشرب، وإرباك كافة عمليات الإغاثة الإنسانية والمطابخ المجتمعية التي تعيل المنكوبين.

من وسط هذا المشهد المعقد، تبرز حقيقة أخلاقية مفادها أن أرباح الأزمات غالباً ما تصعد للأعلى بينما تنزل أوجاعها إلى الأسفل. فهناك دائماً جهات تستفيد من حالة عدم اليقين، بينما يمتص المواطن العادي الصدمة من خلال فاتورة الكهرباء وأجرة النقل التي تلتهم مدخراته.

لذلك، لا يمكن قراءة الحروب المعاصرة بمعزل عن عدالة توزيع الأعباء الاقتصادية والمسؤولية الأخلاقية للدول تجاه شعوبها. إن السؤال الجوهري اليوم لا يتعلق فقط بكيفية إدارة المعارك، بل بكيفية حماية الفئات الأكثر ضعفاً من التبعات الاقتصادية المدمرة لتلك المعارك.

في الختام، تظل الحرب ظاهرة عابرة للحدود والقطاعات، تبدأ بالرصاص وتنتهي في المسافة الفاصلة بين الراتب والحاجة الأساسية. وإذا كانت الأسواق والنفط عالمية الطابع، فإن كلفة استقرارها أو اضطرابها تظل تسقط في نهاية المطاف على كاهل الإنسان البسيط في حياته اليومية.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 1:53 صباحًا - بتوقيت القدس

لغة الأنوثة في ميزان الفلسفة: صراع الجوهر والنمط المجتمعي

تنطلق المعالجة الفلسفية لمفهوم الأنوثة من فكرة الجوهر الأصيل، حيث يبرز تباين حاد في الفهم بين الذكر والأنثى؛ فالرجل غالباً ما يقرأ مصطلح 'الأنوثة' بلغة مادية، بينما تراه المرأة السوية حالة لا تنفصل عن كيانها الإنساني. إن النمط السائد في الذاكرة المجتمعية يحاول دائماً تحجيم المرأة وتجاهل لغتها المشفرة التي قد لا تُقرأ بوضوح حتى من قبل بعض النساء أنفسهن.

يرى الباحثون في علم الاجتماع أن التعامل مع المرأة يتطلب تواضعاً وصبراً طويلاً لفك طلاسم استجابتها العاطفية، فهي لا تتفاعل بالضرورة مع كلمات الإطراء المجردة إذا لم تتطابق مع 'مصفوفتها' الداخلية. الأنوثة إذن ليست معادلة رياضية منطقية، بل هي خوارزمية خاصة قد تجعل المرأة تستجيب لرجل لا يمتلك مواصفات مثالية بنظر الآخرين، لكنه حقق 'الاصطفاف المقبول' في وعيها.

تتأسس لغة الأنثى على ثلاث ركائز جوهرية هي الأمان، والاحترام، والفهم، وهي لغة لا تُدرك بالحواس البدائية بل بالوعي الإنساني الراقي. هذه الثلاثية هي التي تحدد بقاء المرأة في 'ظل' الرجل أو مغادرته بحثاً عن الشمس، حيث تتفانى الأنثى غالباً من أجل الظل الحقيقي الذي يوفر لها الحماية النفسية والتقدير الذاتي.

عندما نتحدث عن الأنوثة كلغة، فنحن نشير إلى نظام تواصل 'عاطفي-ذهني' متكامل، يتجاوز مجرد الكلمات إلى دلالات أعمق. الأمان هنا ليس مجرد غياب الخطر الجسدي، بل هو توفير 'الرحم النفسي' الذي يسمح للمرأة بأن تظهر دون أقنعة، مما يفجر بداخلها ينابيع الإبداع والاحتواء والقدرة على البناء المستمر.

يبرز 'الفهم' كأكبر التحديات في العلاقة بين الجنسين، إذ يتطلب من الرجل التخلي عن أدواته الذكورية الجافة ليتمكن من قراءة ما بين السطور وسماع الصمت. إن تقلبات المرأة في كثير من الأحيان ليست إلا محاولة لاختبار الوجوه الصالحة التي يمكن أن تثق بها، وهو ما يستدعي رقيّاً في الإدراك يتجاوز السطحية المعتادة.

من أكبر السقطات الفكرية في المجتمعات البشرية هو اختزال الأنوثة في الجانب الجنسي فقط، وهو نتاج رؤية ذكورية ضيقة ترى في المرأة موضوعاً للإشباع لا ذاتاً للتحاور. الفلسفة تفرق بوضوح بين 'الذكر' الذي يقف عند حدود الغريزة ويرى الأنوثة شكلاً، وبين 'الرجل' الذي يدركها كنصف متمم لإنسانيته وكيانه.

إن الاختزال الجنسي للأنثى يؤدي حتماً إلى إسقاط عنصر الأمان، لأنه يتجاهل المعنى الجوهري للأنثى كطاقة خلق وبناء في السلالة البشرية. الجانب الجسدي في هذا السياق ليس إلا غلافاً خارجياً لسر أعظم يتجاوز الغريزة إلى الاندماج الكامل في العطاء الإنساني والحضاري الذي يميز الكائن البشري.

لحماية هذه اللغة النقية، تبرز الحاجة إلى 'الحدود الصحية' التي لا تمثل جدراناً للعزل بل حصوناً لحماية قدسية الجوهر الأنثوي. وضع هذه الحدود هو فعل فلسفي تعلن من خلاله الأنثى استقلاليتها وكرامتها، مؤكدة للعالم أنها كائن يجب أن يُحترم ويُفهم، وليست مساحة مستباحة للغرائز العابرة.

تبدأ هذه الحدود من الرفض الواعي لكل ما يمس الكرامة، وتنتهي بفرض نمط تعامل يجبر المحيطين على الارتقاء بلغتهم وسلوكهم. عندما تضع الأنثى هذه الضوابط، فهي تساعد الرجل عملياً على اكتشاف إنسانيته، وتدفعه للتعامل معها كشريك مكافئ في القيمة والوجود، بعيداً عن مفاهيم التبعية العمياء.

تظل أفهام المجتمع في صراع مع هذه الحدود، حيث يميل العقل الجمعي أحياناً إلى التقليل من قيمة خصوصية المرأة وانتهاك دائرة أمنها. إن خروج المرأة عن هذه الأنماط التقليدية قد يُفهم خطأً، لكنه في الحقيقة محاولة لاستعادة التوازن المفقود في مجتمعات لا تزال تهيمن عليها النزعة الذكورية المقللة من شأن الأنثى.

يُقاس رقي أي فكر حضاري أو مجتمع مدني بمدى الأمان الذي تشعر به الأنثى فيه، وبمدى احترام لغتها الخاصة بعيداً عن الخطب الرنانة. المجتمع المتصالح مع قيم اللين والرحمة والاحتواء هو المجتمع الذي يحترم الأنوثة، أما الضغط عليها بحجة العفة أو تسليعها كآلة للشهوات فهما وجهان لعملة واحدة تفتقد للفهم.

إن دعوة الفكر المعاصر يجب أن تتركز على إعادة تعريف الأنثى كمفهوم مجتمعي يخرج من غرف الغرائز الضيقة إلى فضاءات الفكر الرحبة. يجب إحاطة هذا المفهوم بالقيم العليا والابتعاد عن القناعات الموروثة التي تخالف جوهر الدين وتكرس هيمنة الهوى والسلطة الذكورية على حساب الحقائق الإنسانية.

تكمن مشكلة المجتمعات اليوم في 'الفهم' السطحي والانطباعات التي تستند إلى الهوى، سواء كان هوى الهيمنة أو هوى التمرد غير المدروس. إن إصرار المرأة على إثبات وجودها يجب أن يقترن بالبحث عن المعرفة الحقيقية والنجاة في الدارين، بحيث يكون رضا الله هو المعيار الأسمى فوق كل اعتبار مجتمعي.

في الختام، تظل الأنوثة لغة مقدسة تتطلب من الطرف الآخر ارتقاءً روحياً وذهنياً لاستيعابها، وهي ليست مجرد حالة بيولوجية بل هي فعل حضاري. إن تحقيق التوازن بين الرجل والمرأة يبدأ من الاعتراف بهذه اللغة الخاصة وتوفير البيئة الآمنة التي تسمح لكل طرف بأن يرتصف للاعتدال ويحقق ذاته في إطار من الاحترام المتبادل.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 1:53 صباحًا - بتوقيت القدس

إصابات في قصف إسرائيلي دمر منزلاً بمخيم الشاطئ وتصاعد الخروقات في غزة

أفادت مصادر ميدانية بإصابة تسعة مواطنين فلسطينيين، من بينهم طفل، جراء غارة جوية نفذتها مقاتلات الاحتلال الإسرائيلي مساء الجمعة، استهدفت منزلاً سكنياً في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة. وجاء الهجوم بعد وقت قصير من توجيه تهديدات للسكان وإجبارهم على إخلاء المربع السكني المحيط بالمنزل المستهدف، في خطوة تعكس استمرار السياسة الإسرائيلية في ترويع المدنيين وتدمير ممتلكاتهم.

وأكد جهاز الدفاع المدني في غزة أن طائرات الاحتلال أطلقت صاروخاً حربياً واحداً على الأقل تجاه منزل مكون من طابق أرضي يعود لعائلة 'الأضم'. وأوضح البيان أن القصف أسفر عن تدمير المنزل بشكل كلي، بالإضافة إلى وقوع أضرار جسيمة في عشرات المنازل والمباني المجاورة، واندلاع حرائق في عدد منها، مما فاقم من معاناة العائلات التي باتت بلا مأوى.

وتأتي هذه الغارة في سياق سلسلة من الخروقات الإسرائيلية المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر تشرين الأول لعام 2025. ورغم التهدئة المعلنة، إلا أن العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تتوقف، حيث تواصل القوات استهداف الأحياء السكنية والمنشآت المدنية في مختلف مناطق القطاع بشكل منهجي.

وفي جنوب القطاع، ذكرت مصادر محلية أن دبابات الاحتلال المتمركزة في المناطق الحدودية أطلقت نيران رشاشاتها الثقيلة وقذائفها بشكل مكثف شرقي مدينة خانيونس. وتزامن هذا القصف مع استهداف مدفعي طال مناطق أخرى داخل المدينة، مما أثار حالة من الذعر بين النازحين الذين يحاولون العودة إلى حياتهم الطبيعية في ظل ظروف إنسانية قاسية.

ولم يقتصر التصعيد على البر، بل امتد ليشمل السواحل الفلسطينية، حيث أطلقت الزوارق الحربية التابعة للاحتلال نيران رشاشاتها الثقيلة بكثافة تجاه شواطئ مدينة غزة. هذا الاستهداف البحري يهدف إلى تضييق الخناق على الصيادين والمدنيين المتواجدين في المناطق الغربية التي تكتظ بمئات آلاف النازحين الفارين من العمليات العسكرية في شرق القطاع.

وفي وسط القطاع، قصفت مدفعية الاحتلال محيط جسر وادي غزة، وهي المنطقة الواقعة شمال شرق مخيمي النصيرات والبريج. هذا القصف المدفعي المتكرر يعيق حركة التنقل بين محافظات القطاع ويزيد من خطورة الأوضاع الأمنية في المناطق التي تعتبر ممرات حيوية للمواطنين والفرق الإغاثية.

وكانت مدينة غزة قد شهدت يوم الخميس جريمة أخرى تمثلت في استشهاد ثلاثة من أفراد الشرطة الفلسطينية وإصابة آخرين. ووقع الحادث عندما استهدفت طائرات الاحتلال نقطة حراسة تابعة لمقر أمني في المنطقة الغربية للمدينة، في إطار محاولات الاحتلال المستمرة لتقويض المنظومة الأمنية والمدنية في غزة.

وتشير إحصائيات وزارة الصحة إلى أن حجم الخروقات الإسرائيلية منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار قد أدى إلى ارتقاء 846 شهيداً وإصابة 2418 آخرين. هذه الأرقام تعكس عدم التزام الاحتلال بالاتفاقيات الدولية واستمراره في استخدام القوة المفرطة ضد السكان العزل في قطاع غزة المحاصر.

وناشد الدفاع المدني المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان والوسطاء ضرورة التدخل العاجل والفاعل لحماية المدنيين. وشدد البيان على أهمية ممارسة ضغوط حقيقية على سلطات الاحتلال لوقف استهداف الأحياء السكنية والمنشآت المدنية التي باتت هدفاً دائماً للآلة العسكرية الإسرائيلية رغم التفاهمات القائمة.

يُذكر أن قطاع غزة يعيش كارثة إنسانية غير مسبوقة منذ بدء حرب الإبادة الجماعية في أكتوبر 2023، والتي خلفت أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد عن 172 ألف جريح. وتتواصل هذه المعاناة في ظل سيطرة الجيش الإسرائيلي على مساحات واسعة من القطاع، مما أجبر السكان على التكدس في مناطق ضيقة تفتقر لأدنى مقومات الحياة.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 1:09 صباحًا - بتوقيت القدس

تونس بين مطرقة الاستقرار الرئاسوي وسندان الديمقراطية الصورية

تعيش تونس اليوم في قلب تحولات إقليمية ودولية عميقة، حيث تجد نفسها متأثرة بتداعيات جيو-سياسية كبرى رغم عدم تموضعها المباشر في عين العاصفة. ويأتي هذا الواقع في ظل غياب مقومات السيادة الاقتصادية والاجتماعية التي تحمي القرار الوطني من التدخلات الخارجية والهندسة الفوقية للمجتمع.

تشير القراءات السياسية إلى أن الديمقراطية الموجهة لم تعد أولوية لمراكز القرار الدولي كما كانت بعد 'الربيع العربي'. فقد عادت الأولوية لمفهوم الاستقرار، مما يعني أن القوى العالمية باتت تهتم بقدرة الأنظمة على الهيمنة الداخلية ومنع التوترات التي قد تهدد المصالح الحيوية للغرب ووكلائهم المحليين.

إن الدعم الغربي المشروط للديمقراطية في تونس لم يكن في جوهره إلا بحثاً عن شكل جديد من 'الكيانات الوظيفية'. هذا الشكل كان يراد له ضمان المصالح الغربية تحت غطاء قيمي حضاري، بعيداً عن الصورة النمطية للغرب كداعم تاريخي للأنظمة الاستبدادية في المنطقة العربية.

تستخدم القوى الدولية ملفات الحريات والحقوق كأدوات للابتزاز السياسي وتحقيق مكاسب مادية ورمزية. فالدعوات الإعلامية للانفتاح الديمقراطي غالباً ما تكون موجهة للاستهلاك أمام الرأي العام الغربي، بينما تظل الحقيقة مرتبطة بمدى استجابة هذه الأنظمة للإملاءات الخارجية.

عندما أعلن الرئيس قيس سعيد تفعيل الفصل 80 من الدستور في يوليو 2021، اعتبر الكثيرون ذلك استجابة لانتظارات شعبية واسعة. ورغم انخراط نخب 'حداثية' في دعم هذه السردية، إلا أن الهدف كان يتجاوز مجرد إصلاح المسار نحو بناء منظومة سياسية بديلة بالكامل.

راهنت بعض القوى السياسية على أن 'تصحيح المسار' سيعيد إنتاج نموذج الاستقرار السلطوي الذي يمنحها أدواراً هامشية كما كان في العهود السابقة. لكن المشروع الجديد أثبت أنه لا يعمل بنظام 'المناولة'، بل يسعى لإنهاء دور الأجسام الوسيطة في الديمقراطية التمثيلية لصالح رؤية قاعدية.

جاء المرسوم الرئاسي عدد 117 ليؤكد أن التغيير ليس مجرد إجراء مؤقت لمواجهة 'خطر داهم'. بل هو تأسيس لجمهورية جديدة تعتبر الأحزاب والمنظمات التقليدية عائقاً أمام 'حرب التحرير الوطني' التي يبشر بها النظام الحالي في خطاباته الرسمية.

يعاني النظام التونسي اليوم من 'استقرار هش' يفتقر إلى قاعدة توافقية مع القوى السياسية والمدنية. فقد أصبحت السلطة في صدام مفتوح مع الجميع، بما في ذلك الأطراف التي ساندتها في البداية، مما يضعف الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات المتزايدة.

تطرح التساؤلات حول قدرة النظام على الصمود في ظل غياب 'مشروعية الإنجاز' الاقتصادي والاجتماعي. فالأرقام والواقع المعيشي للمواطن التونسي يظهران فجوة كبيرة بين الخطابات السياسية والنتائج الملموسة على أرض الواقع، خاصة في المناطق المهمشة.

بدأ المواطن التونسي يشعر بالحنين إلى آليات الديمقراطية التمثيلية رغم عيوبها السابقة، وذلك نتيجة غياب ثمار حقيقية لـ 'حرب التحرير'. فالتحرر من القوى المالية الدولية يظل شعاراً خطابياً طالما أن الاقتراض الداخلي حل محل الخارجي دون رؤية اقتصادية شاملة.

إن الشركات الأهلية التي يتم الترويج لها كبديل اقتصادي، قد تتحول إلى عبء على دافعي الضرائب إذا لم تقترن بتشريعات تكسر الاحتكار الريعي. فغياب نخب ثورية بديلة يجعل من مقاومة الفساد الإداري مجرد حديث مرسل يفتقر إلى آليات التنفيذ الفعالة.

يبرز أمام المحلل السياسي احتمالان لمستقبل النظام في تونس؛ الأول يتمثل في خطة إنقاذ دولية تفتح باب الاقتراض مقابل تنازلات سياسية. هذا السيناريو يفترض أن النظام لا يشكل خطراً حقيقياً على المصالح الغربية رغم نبرته الخطابية الحادة أحياناً.

أما الاحتمال الثاني، فهو ممارسة ضغوط دولية مكثفة لدفع النظام نحو قبول الشراكة مع المعارضة والأجسام الوسيطة. هذا التوجه يهدف إلى إجراء إصلاحات سياسية تضمن بقاء تونس ضمن المنظومة الدولية دون العودة الكاملة لمربعات الصراع السابقة.

في نهاية المطاف، يبدو أن تغيير النظام من خارج الأطر الدستورية والقانونية يظل خياراً مستبعداً في الاستراتيجيات الغربية الحالية. فالمجتمع الدولي يفضل التعامل مع الواقع القائم مع محاولة تدجينه، بعيداً عن المغامرات التي قد تؤدي إلى انفجار الأوضاع بشكل غير محكوم.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 1:09 صباحًا - بتوقيت القدس

سوريا: توقيف العميد خردل ديوب المتهم بالمسؤولية عن مجزرة الكيماوي في الغوطة

أعلنت وزارة الداخلية السورية، في بيان رسمي صدر يوم الجمعة، عن إلقاء القبض على العميد الركن المتقاعد خردل أحمد ديوب، الذي شغل سابقاً منصب رئيس فرع المخابرات الجوية في محافظة درعا. وتأتي هذه الخطوة ضمن تحركات السلطات الجديدة لملاحقة رموز النظام السابق المتورطين في جرائم ضد الإنسانية وانتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري خلال العقد الماضي.

ووجهت الوزارة اتهامات مباشرة لديوب بالضلوع في الهجمات الكيميائية التي استهدفت الغوطة الشرقية بريف دمشق في عام 2013، حيث كان يخدم حينها في فرع المنطقة بدمشق. وأشارت المصادر إلى أن المعتقل أشرف ميدانياً على عمليات قمعية واسعة، وساهم في التنسيق اللوجستي لإطلاق القذائف المحملة بالمواد السامة المحرمة دولياً على المناطق السكنية.

وإلى جانب ملف الأسلحة الكيميائية، كشفت التحقيقات الأولية عن دور ديوب في إدارة ما عُرف بـ 'لجنة الاغتيالات' في محافظة درعا، وهي وحدة أمنية كانت مسؤولة عن تصفية المعارضين والناشطين ميدانياً. كما اتهمته السلطات بتجنيد عناصر محلية لتنفيذ عمليات قتل خارج إطار القانون تحت غطاء أمني رسمي وفره له منصبه الرفيع في المخابرات الجوية.

وتضمنت لائحة الاتهام أيضاً إقامة علاقات تنسيقية وثيقة مع أجهزة المخابرات الإيرانية وقيادات من ميليشيا حزب الله اللبناني، وتسهيل تحركات عناصر أجنبية مسلحة داخل الأراضي السورية. وبحسب بيان الداخلية، فإن ديوب وفر الحماية الأمنية واللوجستية لهذه المجموعات، مما ساهم في تعزيز نفوذ القوى الخارجية وتدخلها في الشأن السوري الداخلي خلال فترة النزاع.

وتعيد هذه التوقيفات إلى الأذهان مأساة مجزرة الغوطة في أغسطس 2013، التي راح ضحيتها أكثر من 1400 مدني نتيجة استنشاق غاز السارين السام. وكانت تقارير استخباراتية دولية ومنظمات حقوقية قد أكدت مسؤولية قوات النظام في ذلك الوقت عن الهجوم، رغم محاولات الإنكار المستمرة التي انتهت بتسليم مخزون السلاح الكيميائي لتفادي ضربة عسكرية أمريكية.

ووثقت تسجيلات الفيديو التي نشرها الناجون والناشطون في ذلك الوقت مشاهد مروعة لجثث مكدسة، كان أغلبها من الأطفال والنساء الذين قضوا اختناقاً في أسرتهم. وأظهرت اللقطات التي هزت الضمير العالمي أطباء يحاولون يائسين إنقاذ المصابين بوسائل بدائية، في ظل نقص حاد في الأدوية والمعدات الطبية اللازمة لمواجهة الغازات السامة.

وكانت الأمم المتحدة قد أصدرت تقارير لاحقة أكدت وجود أدلة دامغة على استخدام غاز الأعصاب في الهجوم، مما دفع المجتمع الدولي للضغط على دمشق للانضمام إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. ورغم تدمير جزء كبير من الترسانة المعلنة، إلا أن المنظمة الدولية عادت واتهمت دمشق بشن هجمات إضافية في سنوات لاحقة، مما عزز المطالب بضرورة المحاسبة.

وتأتي عملية اعتقال ديوب في سياق سلسلة من التوقيفات التي طالت مسؤولين أمنيين وعسكريين بارزين منذ سقوط العاصمة دمشق في ديسمبر 2024. ويهدف هذا المسار، بحسب تصريحات المسؤولين الحاليين، إلى تفكيك الشبكات الأمنية التي مارست القمع الممنهج وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب في إطار مشروع العدالة الانتقالية.

وكان وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، قد أعلن في وقت سابق من الشهر الماضي عن توقيف ضابط رفيع آخر مرتبط بملف الكيماوي، مؤكداً أن القضاء السوري لن يتهاون في فتح كافة الملفات الشائكة. وتعهد خطاب بأن تكون المحاكمات علنية ووفق المعايير الدولية لضمان حقوق الضحايا وكشف الحقائق التي طُمست لسنوات طويلة تحت وطأة الحرب.

وفي سياق متصل، بدأت المحاكم السورية بالفعل جلسات غيابية لمحاكمة رئيس النظام السابق بشار الأسد وعدد من أركان حكمه الذين فروا إلى الخارج، وتحديداً إلى روسيا. ويسعى القضاء السوري من خلال هذه الإجراءات إلى توثيق الجرائم قانونياً وإصدار مذكرات توقيف دولية بحق الفارين، لضمان ملاحقتهم في أي مكان حول العالم.

ويرى ناشطون حقوقيون أن توقيف شخصيات مثل خردل ديوب يمثل خطوة جوهرية نحو تحقيق المصالحة الوطنية المبنية على العدالة وليس على النسيان. ويؤكد المجتمع الدولي على أهمية هذه الخطوات في بناء دولة القانون في سوريا الجديدة، بعد عقود من الحكم الشمولي الذي انتهى بانهيار النظام في أواخر عام 2024 بعد سيطرة فصائل المعارضة على مفاصل الدولة.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 12:38 صباحًا - بتوقيت القدس

فيصل القاسم يهاجم 'شجاعة' المثقفين المتأخرة: صمتكم كان تواطؤاً مع الجلاد

شن الإعلامي السوري د. فيصل القاسم هجوماً حاداً على فئة واسعة من المثقفين السوريين، واصفاً مواقفهم خلال السنوات الأربع عشرة الماضية بالسقوط المدوي في أبسط الاختبارات الإنسانية. وأكد القاسم أن الصمت الذي التزم به هؤلاء لم يكن تعقلاً أو حرصاً على الدولة، بل كان تعبيراً عن جبن صافٍ أو بحث عن مصالح شخصية وطائفية تغلفت بشعارات ثقافية رخيصة، مشدداً على أن الحياد في معركة بين جلاد وضحية هو انحياز كامل للمجرم.

وأوضح القاسم في مقالته أن الادعاء بجهل ما كان يحدث من قتل وتعذيب وتهجير قسري هو إهانة للعقل البشري، خاصة وأن التقارير الدولية وشهادات المنظمات الحقوقية كانت تملأ الآفاق. وبينما كان العالم يهتز لصور الضحايا، اختار هؤلاء المثقفون الكتابة عن الشعر أو الحديث عن 'تعقيدات المشهد'، واللوذ بصمت وصفه بأنه 'متعفن أخلاقياً'، في وقت كانت فيه الشجاعة هي المطلب الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جسد الوطن المثخن بالجراح.

وانتقد الكاتب التوقيت الذي اختاره هؤلاء لإطلاق حناجرهم بالنقد، معتبراً أن ولادة المعارضة فقط عندما تتغير هوية الحاكم وتصبح الحرية متاحة هو 'نقد انتقائي' مكسور الأخلاق. وأشار إلى أن التواطؤ الناعم الذي مارسه البعض عبر تبرير الجرائم بحجة الحفاظ على 'استقرار الدولة' جعل منهم شركاء فكريين في الجريمة، خاصة أولئك الذين روجوا لفكرة أن النظام سيئ لكن البديل أسوأ، مستخدمين الخوف كسلاح لتدجين العقول وتبرير سفك الدماء.

كما فرق القاسم بين المثقف الذي واجه النظام ودفع أثماناً باهظة من حريته ونفيه، وبين من عاش في كنف السلطة وقرر اليوم ممارسة دور الثائر لتبييض ماضيه الأسود. واعتبر أن الهجوم الحالي على العهد الجديد من قبل هؤلاء لا ينطلق من مبادئ ثابتة، بل من قلق طائفي أو خسارة لامتيازات قديمة كانت توفرها لهم السلطة السابقة، مما يكشف أن ثقافتهم لم تكن سوى قشرة خارجية تخفي عقولاً قبلية ضيقة لا تؤمن بالمواطنة الحقيقية.

وفي ختام رؤيته، دعا القاسم هؤلاء المثقفين إلى البدء بالاعتراف بأخطائهم وخذلانهم للناس بدلاً من توجيه الاتهامات، مؤكداً أن سوريا في مرحلة ما بعد الخراب تحتاج إلى ضمائر حية لا تصمت عندما يكون الكلام واجباً. وشدد على أن الثورات لا تُهزم بالرصاص فقط بل بالخيانة الفكرية، وأن نهضة المجتمع السوري تتطلب تطهير المجال العام من النفاق الثقافي الذي جعل من النخب عبئاً على تطلعات الشعب نحو الحرية والكرامة.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 12:38 صباحًا - بتوقيت القدس

زلزال سياسي في بريطانيا: خسائر مدوية لحزب العمال وصعود قياسي لليمين بقيادة فاراج

كشفت النتائج الأولية للانتخابات المحلية في المملكة المتحدة عن تحول دراماتيكي في المشهد السياسي، حيث تكبد حزب العمال الحاكم خسائر فادحة في معاقله التقليدية. وتأتي هذه النتائج بعد مرور أقل من عامين على تولي كير ستارمر رئاسة الوزراء، مما يعكس حالة من عدم الرضا الشعبي تجاه سياسات الحكومة الحالية.

وفي المقابل، حقق حزب الإصلاح اليميني، الذي يتزعمه نايجل فاراج، اختراقاً تاريخياً بانتزاعه أكثر من 400 مقعد في المجالس البلدية بمختلف أنحاء إنجلترا. واعتبر مراقبون أن هذا الصعود يمثل تهديداً مباشراً لهيمنة الحزبين الكبيرين، العمال والمحافظين، اللذين تقاسما السلطة لعقود طويلة.

من جانبه، خرج رئيس الوزراء كير ستارمر في تصريحات صحفية ليقر بمسؤوليته الكاملة عن هذه النتائج المخيبة للآمال، مؤكداً أنه لن يحاول تجميل الواقع المرير. وشدد ستارمر على أنه استوعب رسالة الناخبين القاسية، لكنه قطع الطريق أمام المطالبين برحيله مؤكداً استمراره في منصبه لتجنب دخول البلاد في دوامة من الفوضى.

وتشير البيانات الواردة من مراكز الفرز إلى أن حزب العمال فقد أكثر من 260 مقعداً حتى منتصف نهار الجمعة، مع توقعات بارتفاع هذا الرقم بشكل حاد. ويرى محللون أن الحزب يواجه نزيفاً حاداً في الأصوات لصالح قوى اليمين واليسار على حد سواء، مما يضعف قبضته على المجالس المحلية.

ووصف نايجل فاراج، الحليف الوثيق للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، نتائج حزبه بأنها لحظة تاريخية تعيد رسم الخارطة السياسية البريطانية من جديد. وأكد فاراج أن حزبه بات القوة الحقيقية الممثلة لليمين، متعهداً بمواصلة الضغط على الحكومة في ملفات الهجرة والسيادة الوطنية.

ولم تقتصر خسائر العمال على حزب الإصلاح، بل امتدت لتشمل مكاسب حققها حزب الخضر والديمقراطيون الأحرار، الذين نجحوا في جذب الناخبين المحبطين من أداء الحكومة. وسجل الخضر زيادة بـ 26 مقعداً، بينما أضاف الديمقراطيون الأحرار 35 مقعداً جديداً إلى رصيدهم في المجالس البلدية.

وتتجه الأنظار حالياً نحو ويلز، حيث يواجه حزب العمال خطر فقدان سيطرته التاريخية المستمرة منذ عام 1922 لصالح أحزاب قومية ويمينية. وتعد هذه المنطقة اختباراً حقيقياً لمدى تآكل شعبية الحزب في أقاليم المملكة المتحدة التي كانت تعد حصوناً منيعة له.

وتواجه قيادة ستارمر انتقادات لاذعة من داخل وخارج الحزب بسبب التراجع عن وعود انتخابية تتعلق بالضرائب والرعاية الاجتماعية ونظام الهجرة. كما أثار تعيين شخصيات مثيرة للجدل في مناصب دبلوماسية حساسة موجة من الغضب زادت من عزلة الحزب عن قاعدته الشعبية.

وفي اسكتلندا، يواصل الحزب الوطني الاسكتلندي مساعيه للحفاظ على تفوقه في البرلمان المحلي، مستنداً إلى أجندة الاستقلال عن التاج البريطاني. وتزيد هذه التجاذبات الإقليمية من تعقيد المشهد أمام حكومة لندن التي تبدو عاجزة عن احتواء التشرذم الحزبي المتصاعد.

ومع استمرار عمليات الفرز لنحو خمسة آلاف مقعد متنافس عليه، تتزايد التوقعات بأن تكون هذه الانتخابات نقطة تحول كبرى في التاريخ السياسي المعاصر لبريطانيا. ويبدو أن الناخب البريطاني بدأ بالبحث عن بدائل خارج إطار الثنائية الحزبية التقليدية التي حكمت البلاد لسنوات طويلة.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 12:38 صباحًا - بتوقيت القدس

الاحتلال يجبر عائلة في جنين على نبش قبر نجلها ونقله تحت تهديد السلاح

أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، مساء الجمعة، على ارتكاب انتهاك جديد بحق الفلسطينيين في محافظة جنين شمال الضفة الغربية، حيث أجبرت عائلة على نبش قبر نجلها الذي ووري الثرى في وقت سابق من اليوم. وجاء هذا الإجراء التعسفي تحت ذريعة قرب المقبرة من مستوطنة إسرائيلية مقامة على أراضي المواطنين، مما أثار حالة من الغضب والاستنكار الواسع في الأوساط المحلية.

وأفادت مصادر محلية بأن مجموعة من المستوطنين المتطرفين شرعوا في البداية بحفر القبر داخل مقبرة قرية العصاعصة، في محاولة لإخراج الجثمان بالقوة. وعقب ذلك، تدخلت قوات الجيش لتوفير الحماية للمستوطنين، وأمرت العائلة بشكل مباشر بضرورة نقل الجثمان ودفنه في موقع بديل بعيداً عن حدود مستوطنة 'ترسلة/صانور'.

وتأتي هذه الحادثة في ظل تصعيد استيطاني محموم، حيث أعادت السلطات الإسرائيلية المستوطنين إلى مستوطنة 'صانور' في أبريل الماضي، بعد نحو عقدين من إخلائها ضمن خطة 'فك الارتباط' عام 2005. ومنذ العودة، تزايدت وتيرة الاقتحامات والاعتداءات على بلدتي جبع وسيلة الظهر، مما حول حياة السكان إلى معاناة يومية مستمرة.

وفي سياق متصل، لم تتوقف الانتهاكات عند نبش القبور، بل شملت تهديد المنشآت الاقتصادية للفلسطينيين، حيث أخطرت سلطات الاحتلال عدة محال تجارية بالهدم على شارع جنين-نابلس. وتعود ملكية هذه المحال لسكان بلدة جبع، وتدعي سلطات الاحتلال أنها تشكل عائقاً أمنياً بسبب قربها من المستوطنة التي تم إحياؤها مؤخراً.

وعلى صعيد التوسع الاستيطاني، كانت الحكومة الإسرائيلية قد صادقت في نهاية أبريل الماضي على بناء 126 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنة 'صانور'. ويعكس هذا القرار التوجه الإسرائيلي لترسيخ الوجود الاستيطاني في عمق الضفة الغربية، ضاربة بعرض الحائط كافة القوانين الدولية التي تعتبر الاستيطان غير شرعي.

وفي جنوب الضفة الغربية، وتحديداً في محافظة الخليل، أصيب المواطن مراد البطاط وطفله بجروح وصفت بالمتوسطة إثر اعتداء وحشي نفذه مستوطنون في قرية شويكة. واستخدم المهاجمون الآلات الحادة في اعتداء استهدف الرأس بشكل مباشر، مما استدعى نقل المصابين على وجه السرعة إلى المستشفى لتلقي العلاج اللازم.

ولم يكتفِ المستوطنون بالاعتداء الجسدي، بل قاموا بتحطيم زجاج مركبة المواطن البطاط وإلحاق أضرار جسيمة بها قبل انسحابهم من المنطقة. وتندرج هذه الهجمات ضمن سياسة ترهيب المزارعين الفلسطينيين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، وهي سياسة تتبعها جماعات المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال.

وفي محافظة نابلس، أفادت مصادر من مجلس قروي اللبن الشرقية بأن مستوطنين أضرموا النار في منزل المواطن محمد الخليل الواقع على الطريق الواصل بين نابلس ورام الله. وأدى الهجوم المتعمد إلى اشتعال النيران في أجزاء واسعة من المنزل، قبل أن تتمكن طواقم الدفاع المدني من السيطرة على الحريق ومنع وقوع كارثة بشرية.

وتشير الإحصائيات الرسمية الفلسطينية إلى أن الضفة الغربية والقدس المحتلة تعيشان حالة من الغليان منذ أكتوبر 2023، حيث أسفرت اعتداءات الجيش والمستوطنين عن استشهاد 1155 فلسطينياً. كما سجلت الطواقم الطبية إصابة نحو 11 ألفاً و750 آخرين، في حين تجاوزت أعداد المعتقلين حاجز 22 ألف مواطن في حملات مداهمة لا تتوقف.

ويرى مراقبون أن هذه الاعتداءات الممنهجة تهدف إلى دفع الفلسطينيين للهجرة القسرية من أراضيهم لتسهيل تنفيذ مشاريع استيطانية كبرى. وتتزامن هذه التحركات مع تصريحات لمسؤولين إسرائيليين تروج لمشاريع توسعية تتجاوز حدود فلسطين التاريخية، مما يهدد الاستقرار الإقليمي في منطقة غرب آسيا بشكل عام.

إن استهداف المقابر وحرمة الموتى يمثل ذروة الانحطاط الأخلاقي في التعامل مع السكان الأصليين، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية. وتستمر المقاومة الشعبية في الضفة الغربية في مواجهة هذه المخططات، رغم الاستخدام المفرط للقوة العسكرية والسياسات القمعية التي تنتهجها حكومة الاحتلال اليمينية.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 12:08 صباحًا - بتوقيت القدس

مأساة إنسانية في النيل الأزرق: آلاف النازحين يواجهون الجوع والمرض مع تمدد حرب السودان

تعيش ولاية النيل الأزرق بجنوب شرق السودان فصلاً جديداً من فصول المعاناة الإنسانية، حيث يواجه آلاف النازحين ظروفاً معيشية قاسية في ظل غياب شبه تام للغذاء والدواء. ومع اتساع نطاق المواجهات المسلحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، باتت المخيمات المكتظة تفتقر لأبسط مقومات الصمود البشري.

في مخيم 'كرامة 3' بمدينة الدمازين، تروي مصادر محلية قصصاً مأساوية عن عائلات فرت من جحيم القتال لتجد نفسها في مواجهة الجوع. وتؤكد شهادات من داخل المخيم أن النازحين لا يحصلون إلا على وجبة واحدة يومياً، في حين تنتشر الأمراض مثل الملاريا بين الأطفال دون توفر أي رعاية طبية أو أدوية أساسية.

لقد تحول إقليم النيل الأزرق، الواقع عند الحدود مع إثيوبيا ودولة جنوب السودان، إلى ساحة مركزية للمعارك بعد أن كان جبهة هامشية في بداية النزاع. وتشير التقارير الميدانية إلى أن القتال امتد للولاية عقب سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من إقليم دارفور أواخر العام الماضي.

وتشهد الولاية صراعاً معقداً تشارك فيه أطراف متعددة، حيث يخوض الجيش معارك ضد قوات الدعم السريع وحليفتها المحلية 'الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال'. هذا التعدد في جبهات القتال أدى إلى سقوط مئات الضحايا المدنيين وتدمير البنية التحتية المتهالكة أصلاً في المنطقة الغنية بالموارد.

وتشير بيانات مراقبة النزاعات المسلحة إلى مقتل ما لا يقل عن 450 شخصاً في الولاية خلال الربع الأول من العام الجاري فقط. وتعتبر هذه الحصيلة هي الأعلى منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، مما يعكس تحول النيل الأزرق إلى منطقة استراتيجية يسعى كل طرف للسيطرة عليها.

ويرى محللون أن السيطرة على ولاية النيل الأزرق تمثل مفتاحاً للتحكم في وسط السودان وربط المناطق الشرقية والغربية. وفي حال سقوط الولاية، فإن ذلك سيؤدي إلى حصار مناطق واسعة في كردفان، مما يزيد من تعقيد المشهد العسكري والإنساني على حد سواء.

وعلى الصعيد الإنساني، تسببت الحرب في تشريد الملايين وخلق أزمة جوع وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأكبر عالمياً في الوقت الراهن. وفي النيل الأزرق وحدها، اضطر آلاف المدنيين للسير لأيام طويلة تحت وطأة الخوف والجوع للوصول إلى مناطق آمنة نسبياً قرب الحدود الدولية.

مخيم 'كرامة 3' الذي كان مخصصاً في الأصل للعائدين من دول الجوار، استقبل وحده نحو 30 ألف نازح جديد منذ بداية العام الحالي. وتؤكد إحصاءات أممية أن أكثر من 11 ألف مدني فروا من منطقة الكرمك وحدها نتيجة اقتراب خطوط المواجهة من منازلهم ومزارعهم.

وتشير التقديرات المحلية إلى أن إجمالي عدد النازحين في أنحاء ولاية النيل الأزرق تجاوز 150 ألف شخص منذ أبريل 2023. وتستضيف مدينة الدمازين، عاصمة الولاية، الكتلة الأكبر من هؤلاء الفارين، حيث يقيم نحو 100 ألف شخص في مراكز إيواء مؤقتة ومخيمات عشوائية.

ومع حلول موسم الأمطار، تتصاعد المخاوف من كارثة صحية وبيئية داخل المخيمات التي تتكون غالبيتها من أغطية بلاستيكية وقش. ويخشى النازحون من غرق خيامهم البدائية، مما قد يؤدي إلى تفشي الأوبئة المنقولة عبر المياه في ظل انعدام الخدمات الصحية والصرف الصحي.

وتواجه وكالات الإغاثة الدولية صعوبات بالغة في مواكبة الاحتياجات المتزايدة بسبب نقص التمويل والقيود الأمنية المفروضة على الحركة. وأفادت مصادر إغاثية بأن الأعداد تتزايد بشكل يومي، مما يجعل أي تقييم للاحتياجات غير دقيق بحلول موعد وصول الإمدادات المحدودة.

وزاد من تفاقم الأزمة قرار السلطات الأمنية بإغلاق 'غرف الطوارئ' المحلية، وهي مبادرات طوعية كانت تلعب دوراً حيوياً في توفير الغذاء. واعتبرت منظمات حقوقية أن هذا الإجراء يضيق الخناق على المدنيين ويحرمهم من آخر شريان للحياة في ظل غياب المنظمات الدولية.

ميدانياً، لا تزال الاتهامات المتبادلة تسيطر على المشهد السياسي، حيث يتهم الجيش السوداني أطرافاً إقليمية بدعم قوات الدعم السريع عبر الحدود. وتحدثت تقارير عن هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مواقع في الولاية، وهو ما نفته الدول المعنية جملة وتفصيلاً في بيانات رسمية.

ويبقى المدنيون في النيل الأزرق هم الضحية الأكبر لهذا الصراع المستمر، حيث تنهار خدمات الصحة والأمومة بشكل كامل في المناطق المتضررة. ومع استمرار المعارك، يظل مصير آلاف العائلات معلقاً بين مطرقة القتال وسندان الجوع والمرض في انتظار حل سياسي ينهي المأساة.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 12:08 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة صواريخ تضرب الدفاع الجوي الأوكراني وسط تصعيد واسع بالمسيرات

تواجه العاصمة الأوكرانية كييف تحدياً استراتيجياً متزايداً يتمثل في التناقص الحاد لمخزونات صواريخ الدفاع الجوي، مما يضع قدراتها الدفاعية تحت ضغط غير مسبوق. ويأتي هذا النقص في وقت حساس تتبادل فيه القوات الأوكرانية والروسية الهجمات العنيفة على جبهات متعددة، مما يثير المخاوف من انكشاف الأجواء الأوكرانية أمام الموجات القادمة من الضربات الجوية.

وأكدت قيادة سلاح الجو الأوكراني أن البلاد تعاني من فجوة كبيرة في تأمين الصواريخ الاعتراضية، وذلك في أعقاب الحملة الهجومية الواسعة التي شنتها موسكو خلال الشتاء الماضي. وأوضح مسؤولون عسكريون أن الاستعداد لمواجهة موجة جديدة من الضربات الروسية يتطلب تدفقاً مستمراً للذخائر، وهو ما لم يتحقق بالشكل المطلوب حتى الآن.

وفي تصريحات صحفية، أشار المتحدث باسم القوات الجوية، يوري إيهنات، إلى أن منصات الإطلاق التابعة لبعض الوحدات القتالية والبطاريات الدفاعية باتت نصف فارغة. ووصف إيهنات الوضع الحالي بالصعب، مؤكداً أن محدودية عدد الصواريخ المتاحة تفرض قيوداً قاسية على العمليات الدفاعية الميدانية.

وبينما نجحت أوكرانيا في تطوير تقنيات محلية لإسقاط الطائرات المسيرة بعيدة المدى، إلا أنها لا تزال تواجه معضلة في اعتراض الصواريخ البالستية والمجنحة. وتعتمد كييف في هذا الإطار بشكل شبه كلي على أنظمة الدفاع الجوي الأجنبية المتطورة، والتي تعاني هي الأخرى من ضغوط في سلاسل التوريد العالمية.

وأفادت مصادر عسكرية بأن القوات الأوكرانية تستخدم وحدات مدفعية متنقلة ووسائل حرب إلكترونية متطورة للتعامل مع المسيرات الروسية، لكن هذه الوسائل لا تغني عن الحاجة للصواريخ الاعتراضية الثقيلة. وشدد المتحدث العسكري على أن الاعتماد على الدعم الخارجي يظل الركيزة الأساسية لحماية المدن والمنشآت الحيوية من القصف الصاروخي.

وتواجه كييف ضغوطاً إضافية ناتجة عن تأخير وصول الشحنات العسكرية من الحلفاء، وهو ما أدى إلى تعطل بعض الخطط الدفاعية. ويرى مراقبون أن تحويل بعض المساعدات العسكرية إلى مناطق نزاع أخرى قد ساهم في تفاقم أزمة الإمدادات التي تعاني منها الجبهة الأوكرانية في الآونة الأخيرة.

وكشف إيهنات عن اضطرار الجيش الأوكراني لطلب كميات محدودة جداً من الصواريخ في كل مرة، لا تتجاوز خمسة إلى عشرة صواريخ للمنظومة الواحدة. وتشمل هذه الطلبات العاجلة صواريخ لمنظومات متطورة مثل 'ناسامز' النرويجية و'آيريس-تي' الألمانية، في محاولة لسد الثغرات الطارئة في جدار الحماية الجوي.

ميدانياً، شهدت الساعات الماضية تصعيداً كبيراً في الهجمات المتبادلة، حيث أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن تدمير مئات الطائرات المسيرة الأوكرانية. وزعمت موسكو أن قواتها نجحت في تحييد 264 طائرة مسيرة في مناطق مختلفة، بما في ذلك ضواحي العاصمة الروسية، بالتزامن مع ترتيبات أمنية مشددة.

من جانبه، صرح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأن القوات الروسية شنت هجمات واسعة النطاق باستخدام نحو 850 طائرة مسيرة استهدفت خطوط المواجهة الأمامية. وأكد الجيش الأوكراني في بيان له أنه تمكن من إسقاط 56 طائرة مسيرة روسية كانت تحاول اختراق الأجواء بعيداً عن مناطق الاشتباك المباشر.

وفي سياق متصل، دعت موسكو السفارات الأجنبية في كييف إلى إجلاء رعاياها وموظفيها بشكل فوري، محذرة من ضربات انتقامية محتملة. وتأتي هذه التحذيرات الروسية في ظل مخاوف من محاولات أوكرانية لعرقلة الاحتفالات المقررة بمناسبة ذكرى النصر، مما يزيد من احتمالات التصعيد العسكري في الساعات المقبلة.

وعلى صعيد الحوادث الميدانية، اندلع حريق غابات واسع في منطقة تشيرنوبيل المحظورة شمال البلاد، إثر تحطم طائرة مسيرة لم يتم تحديد هويتها. وباشرت فرق الإطفاء الأوكرانية العمل على احتواء النيران ومنع وصولها إلى المنشآت الحساسة داخل المحمية الطبيعية المحيطة بالمفاعل النووي المنكوب.

وطمأنت السلطات الأوكرانية الجمهور بأن مستويات الإشعاع في موقع تشيرنوبيل لا تزال ضمن الحدود الطبيعية الآمنة رغم استمرار الحريق. واتهمت كييف الجانب الروسي مراراً بشن هجمات غير مسؤولة بالقرب من المواقع النووية، مما يهدد بوقوع كارثة بيئية تتجاوز حدود المنطقة.

فلسطين

الجمعة 08 مايو 2026 11:24 مساءً - بتوقيت القدس

بيت أمرين.. قرى شمال نابلس تواجه حصار البؤر الرعوية واعتداءات المستوطنين

تواجه بلدة بيت أمرين الواقعة شمال مدينة نابلس في الضفة الغربية المحتلة تصعيداً خطيراً في اعتداءات المستوطنين، مما أدى إلى تبدل ملامح الحياة اليومية للسكان. وبات القلق والخوف يسيطران على المشهد العام، حيث يفرض المستوطنون واقعاً أمنياً خانقاً يهدف إلى عزل القرى الفلسطينية وتضييق الخناق على تحركات الأهالي.

وفي قلب هذه المعاناة، يقف منزل المواطن صادق الفقيه كنموذج للتحول القاسي الذي فرضه الاحتلال ومستوطنوه، إذ لم تعد جدران البيوت توفر الأمان الطبيعي بل تحولت إلى خطوط دفاع أولى. وأوضح الفقيه في تصريحات لمصادر صحفية أن منزله أصبح يشبه السجن الكبير نتيجة إجراءات التحصين المشددة التي اضطر لاتخاذها لحماية عائلته من الاقتحامات الليلية المتكررة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يبرز حجم الضرر في شهادة الراعي حمزة الفقيه الذي فقد مصدر رزقه الوحيد بعد هجوم شنه المستوطنون على حظيرته. وأكد الفقيه أن الهجوم أسفر عن سلب 35 رأساً من الأغنام، مما تركه بلا دخل يعيل به أطفاله في ظل ظروف معيشية تزداد صعوبة يوماً بعد آخر.

وتشير الروايات المحلية إلى أن التهديدات المستمرة جعلت من عملية الرعي في الجبال المحيطة مخاطرة غير محسوبة العواقب، مما أدى إلى شلل كامل في قطاع الثروة الحيوانية بالمنطقة. هذا الواقع دفع بالعديد من المزارعين إلى هجر مهنهم التاريخية قسراً خوفاً على حياتهم من اعتداءات المستوطنين المسلحين.

وفي سياق التوسع الجغرافي، سيطر المستوطنون على مساحات إستراتيجية تربط بين عدة قرى شمال نابلس، حيث أقاموا بؤرة استيطانية رعوية جديدة. وقد أدت هذه الخطوة إلى حرمان الفلسطينيين من الوصول إلى أكثر من 1500 دونم من الأراضي التي كانت تُستخدم تاريخياً كمراعي ومساحات زراعية حيوية.

ويرى مراقبون أن هذا التمدد الاستيطاني لا يهدف فقط إلى مصادرة الأرض، بل يسعى لإعادة رسم الخريطة السكانية عبر إنشاء تجمعات فلسطينية معزولة ومحاصرة. وتترافق هذه السياسة مع نشر شبكة من الحواجز والبوابات العسكرية التي تقطع أوصال القرى وتجعل من حركة المواطنين بين بلداتهم أمراً في غاية التعقيد.

ومع امتداد هذه البؤر الاستيطانية نحو سفوح الجبال وصولاً إلى منطقة جبل بيازيد، يجد الفلسطينيون أنفسهم في صراع يومي للبقاء والتمسك بما تبقى من أرضهم. ويبقى المشهد في شمال الضفة الغربية ملخصاً لسياسة أوسع تهدف إلى فرض السيطرة التدريجية وتحويل القرى إلى جيوب محاصرة وسط محيط استيطاني يتوسع بلا توقف.

تحليل

الجمعة 08 مايو 2026 10:53 مساءً - بتوقيت القدس

من النفط إلى الخوارزميات: كيف تعيد التكنولوجيا صياغة موازين القوى العالمية؟

يشهد النظام الاقتصادي العالمي في الآونة الأخيرة تحولاً بنيوياً عميقاً يعيد تعريف مفاهيم القوة والثروة والهيمنة الدولية. فبعد عقود طويلة كان فيها اقتصاد الطاقة، المتمثل في النفط والغاز، هو المحرك الأساسي للسياسة العالمية، يتجه العالم اليوم نحو نموذج 'اقتصاد الخوارزميات'.

في هذا النموذج الجديد، تبرز البيانات والذكاء الاصطناعي والقدرة الحاسوبية كوارد استراتيجية أساسية لتوليد القيمة الاقتصادية. وقد أثبتت النزاعات الحديثة أن التكنولوجيا المتقدمة هي رأس الحربة في أي مواجهة، ومفتاح الصمود والانتصار في الأزمات الكبرى.

لا يقتصر هذا التحول على الدول الصناعية الكبرى فحسب، بل يمتد ليشمل بنية النظام الدولي بأكمله. وتجد المنطقة العربية نفسها أمام تحدي إعادة تعريف دورها التاريخي كمركز عالمي لإنتاج الطاقة التقليدية في ظل هذا التغيير المتسارع.

لقد شكلت دول الخليج والعالم العربي أعمدة اقتصاد الطاقة خلال القرن العشرين، حيث اعتمد العالم على نفطها كمصدر رئيسي للإيرادات. إلا أن هذا الدور يواجه اليوم ضرورة التكيف مع التوسع الهائل في استخدام الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية.

تتغير طبيعة الموارد الاستراتيجية من مواد مادية قابلة للاستخراج من باطن الأرض إلى موارد معرفية وتقنية غير ملموسة. هذا الانتقال يفرض على الدول المنتجة للطاقة البحث عن موطئ قدم في سلاسل القيمة الرقمية العالمية لضمان استدامة نفوذها.

تبرز تجربة تايوان كنموذج فريد يوضح كيف يمكن للتكنولوجيا أن تمنح الدولة ثقلاً يفوق حجم اقتصادها التقليدي. فرغم أن ناتجها المحلي لا يتجاوز تريليون دولار، إلا أنها تمثل 'نقطة اختناق' حيوية في الاقتصاد الرقمي العالمي.

تتحكم تايوان في أكثر من 60% من إنتاج الرقائق الإلكترونية في العالم، وتستحوذ على 90% من إنتاج الشرائح الأكثر تقدماً. هذه السيطرة التقنية تجعلها عنصراً حاسماً في تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة التي يعتمد عليها العالم.

تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الذكاء الاصطناعي سيضخ ما يصل إلى 15 تريليون دولار في الناتج العالمي خلال العقد القادم. ومع ذلك، فإن هذه الثروة الجديدة لن تتوزع بالتساوي بين الدول، بل ستتركز في يد من يمتلكون أدوات الابتكار.

إن الاقتصادات التي تمتلك القدرة الحاسوبية والبيانات الضخمة هي التي ستقود قاطرة النمو العالمي في المرحلة المقبلة. وهذا يضع أصحاب القرار في المنطقة العربية أمام تساؤلات جوهرية حول مدى استعدادهم لمواكبة هذا الانعطاف التاريخي.

الواقع يؤكد أن أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي باتت توصف بأنها 'النفط الجديد'، لكنها تختلف عن النفط التقليدي بكونها تقوم على المعرفة. هذا التحول لا يلغي أهمية الطاقة فوراً، بل يعيد ترتيب الأولويات ويدمج الطاقة بالتكنولوجيا في منظومة متكاملة.

يتزايد الطلب العالمي على الكهرباء بشكل غير مسبوق نتيجة الحاجة لتشغيل مراكز البيانات العملاقة. وهذا التداخل يفتح نافذة استراتيجية للدول المنتجة للطاقة إذا ما أحسنت استغلال مواردها لدعم البنية التحتية للاقتصاد الرقمي.

القيمة الاقتصادية في العصر الحديث لم تعد تقاس فقط بحجم الناتج المحلي الإجمالي التقليدي. بل أصبحت تقاس بمدى القدرة على السيطرة على المفاصل التكنولوجية التي تقوم عليها المنظومة الرقمية والسيبرانية العالمية.

يفرض هذا الواقع على العالم العربي ضرورة إعادة التفكير في موقعه الاستراتيجي بعيداً عن دور المورد للمواد الخام. إن الانتقال إلى اقتصاد يشارك في إنتاج القيمة التكنولوجية هو الضمان الوحيد للحفاظ على السيادة الاقتصادية في المستقبل.

في الختام، فإن ما يحدث ليس مجرد تغير قطاعي عابر، بل هو إعادة تشكيل شاملة للنظام السياسي والاقتصادي الدولي. إن الانتقال من منطق المادة إلى منطق البيانات سيحدد ملامح القوى العظمى في العقود المقبلة، بعيداً عن الأيديولوجيات التقليدية.

اسرائيليات

الجمعة 08 مايو 2026 10:23 مساءً - بتوقيت القدس

انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين المتطرف: قراءة في مستقبل الخارطة السياسية

تشير القراءات السياسية الحالية للمجتمع الإسرائيلي إلى انزياح كلي نحو تيارات اليمين الصهيوني، بغض النظر عن هوية الفائز في انتخابات الكنيست المرتقبة في أكتوبر 2026. وسواء تمكن الائتلاف الحالي بقيادة بنيامين نتنياهو من الحفاظ على سلطته أو صعدت المعارضة بقيادة نفتالي بينيت، فإن التوجهات الأيديولوجية العامة تظل محصورة في إطار اليمين المتشدد.

لقد شهد المجتمع الإسرائيلي على مدار العقدين الماضيين تشكل أغلبية شعبية يمينية صلبة، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 70% من المستوطنين باتوا يتبنون مواقف يمينية واضحة. هذا التحول أدى إلى تراجع التيار اليساري الذي أسس الكيان، ليتحول الصراع الانتخابي إلى منافسة داخل المعسكر اليميني نفسه بين تيارات قومية ودينية متطرفة.

تبرز استطلاعات الرأي الأخيرة صعوداً لافتاً لنفتالي بينيت، الذي يُنظر إليه كبديل لنتنياهو يحمل ذات الأفكار المتطرفة لكن دون ملفات فساد. وقد أظهر استطلاع نُشر في مايو 2026 تقدم حزب بينيت بـ 28 مقعداً، متفوقاً على الليكود، مما يجعله المرشح المفضل لدى قطاع واسع من الجمهور الإسرائيلي الرافض لسياسات نتنياهو الشخصية.

بينيت الذي بدأ حياته السياسية مديراً لمكتب نتنياهو، يجمع في شخصيته بين القومية المتطرفة والصهيونية الدينية، وهو ما يجعله مقبولاً لدى القواعد الشعبية التي تبحث عن قيادة حازمة. عودته للمشهد عبر حزب جديد وتحالفات مع الوسط تهدف إلى إعادة ضبط إيقاع المشروع الصهيوني بأساليب أكثر تنظيماً وأقل استعداءً للمجتمع الدولي.

تتجلى خطورة هذا التحول في فئة الشباب الإسرائيلي، حيث أظهرت البيانات أن 56% من الجيل الجديد الذي سيصوت لأول مرة يصنفون أنفسهم كيمينيين. وتعززت هذه النزعات بعد أحداث السابع من أكتوبر، حيث ارتفعت نسبة الارتباط بالدين والتقاليد اليهودية، مما يوفر غطاءً شعبياً لسياسات التهويد وشطب الحقوق الفلسطينية.

المزاج العام الإسرائيلي بات يميل بشكل صارخ نحو الحلول العسكرية العنيفة، حيث أيدت أغلبية ساحقة بلغت 81% توجيه ضربات عسكرية لإيران. ورغم الرغبة في العدوان، تظهر الاستطلاعات ضعفاً في القدرة على تحمل التبعات طويلة الأمد، إذ يفضل المستوطنون الحروب الخاطفة التي لا تتجاوز الشهر الواحد.

فيما يخص الجبهة اللبنانية، كشفت مصادر إعلامية عن عدم رضا واسع بين الإسرائيليين تجاه نتائج المواجهات، حيث يعارض 77% وقف الحرب على لبنان. ويطالب نحو 88% من الجمهور بضرورة عودة قوات الاحتلال للعمل في العمق اللبناني، مما يعكس رغبة شعبية في توسيع رقعة الصراع الإقليمي.

أما في قطاع غزة، فقد وصلت النزعة الانتقامية إلى مستويات غير مسبوقة بتأييد 77% من الإسرائيليين لمنع دخول المساعدات الإنسانية. هذا الموقف يهدف إلى استخدام سلاح التجويع كأداة للضغط العسكري لنزع سلاح المقاومة، وهو ما يعبر عن عقلية شعبوية تتجاوز المعايير الأخلاقية الدولية في التعامل مع المدنيين.

تؤكد المعطيات أن الرهان على تغيير الحكومة الإسرائيلية للوصول إلى تسوية سياسية أو إقامة دولة فلسطينية هو رهان فاشل في ظل المعطيات الراهنة. فاليمين والوسط في إسرائيل يشتركان في الأهداف الاستراتيجية الرامية لضم الضفة الغربية وتهويد القدس، مع اختلاف طفيف في التكتيكات المتبعة لتحقيق ذلك.

بينيت وحلفاؤه قد يحاولون تحسين صورة الاحتلال خارجياً وتخفيف العزلة الدولية التي تسبب بها نتنياهو، لكن دون تقديم أي تنازلات جوهرية للفلسطينيين. السياسة القادمة ستتركز على التدرج في تنفيذ برامج الضم وإغلاق الملف الفلسطيني نهائياً، مع محاولة استعادة الثقة في المؤسسة العسكرية التي اهتزت صورتها مؤخراً.

لقد بات اليسار الإسرائيلي في حالة اندثار شبه كامل، بل إن ما تبقى منه بدأ يتبنى أطروحات يمينية لضمان البقاء السياسي في ظل مجتمع متطرف. هذا الواقع يفرض تحديات كبرى على القضية الفلسطينية، حيث لم يعد هناك شريك إسرائيلي يؤمن بحد أدنى من الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.

الاستطلاعات المتعلقة بالتطبيع الإقليمي تظهر أيضاً تشدداً، حيث لم يؤيد سوى 28% من الإسرائيليين اتفاقاً مع السعودية يتضمن قيام دولة فلسطينية. هذا الرفض الشعبي يعكس قناعة راسخة لدى الجمهور الصهيوني بإمكانية تحقيق الاندماج الإقليمي دون دفع أي أثمان سياسية تتعلق بإنهاء الاحتلال.

إن الحالة الشعبوية المريضة التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي ليست مرتبطة بشخص نتنياهو وتحالفه مع بن غفير وسموتريتش فحسب، بل هي متجذرة في الوعي الجمعي. هذه العقلية ترى في القوة العسكرية والبطش الوسيلة الوحيدة لضمان البقاء، وترفض أي مسارات تؤدي إلى استقرار حقيقي قائم على العدالة.

في الختام، فإن المشهد السياسي الإسرائيلي يتجه من اليمين إلى اليمين الأكثر تطرفاً، مما ينذر بمرحلة قادمة من التصعيد المستمر. إن غياب أي أفق للتسوية يفرض على الطرف الفلسطيني والإقليمي إعادة قراءة التحولات الداخلية للاحتلال، والتعامل معها ككيان يجمع بين التطرف الأيديولوجي والعدوانية العسكرية المطلقة.

اسرائيليات

الجمعة 08 مايو 2026 10:23 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة الشيكل القوي تلاحق اقتصاد الاحتلال: تحذيرات من انهيار قطاعي التكنولوجيا والتصدير

تصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة التحذيرات من أزمة اقتصادية وشيكة تعصف بالأسواق الإسرائيلية، تستهدف بشكل مباشر قطاعي التكنولوجيا والتصدير اللذين يعدان العمود الفقري للاقتصاد. وتأتي هذه المخاوف مدفوعة بالارتفاع غير المسبوق في قيمة الشيكل، الذي وصل إلى أعلى مستوياته مقابل الدولار منذ أكثر من ثلاثة عقود، ما أربك حسابات الشركات الكبرى والمستثمرين.

ووفقاً لتقارير اقتصادية عبرية، فإن الشيكل يتم تداوله حالياً عند مستوى 2.9 مقابل الدولار الأمريكي، وهي القيمة الأعلى للعملة المحلية منذ أكتوبر عام 1993. هذا الارتفاع المفاجئ يهدد بتقويض محركات النمو الرئيسية، في ظل صمت حكومي مطبق وتأخر بنك إسرائيل المركزي في استخدام أدواته النقدية للتدخل في سوق الصرف وكبح جماح العملة.

وتكمن الخطورة في أن معظم شركات التكنولوجيا والمصدرين في إسرائيل يحققون إيراداتهم بالدولار الأمريكي، بينما يضطرون لدفع الرواتب والضرائب والنفقات التشغيلية بالشيكل. هذا التباين في أسعار الصرف يؤدي تلقائياً إلى رفع التكاليف التشغيلية والضغط على هوامش الأرباح، مما يضع الشركات أمام خيارات صعبة قد تشمل تقليص العمالة أو نقل النشاط.

وتشير تقديرات اتحاد المصنعين الإسرائيليين إلى أن خسائر الصادرات قد تتجاوز حاجز 31.5 مليار شيكل، ما يعادل نحو 10.9 مليارات دولار، بحلول نهاية العام الجاري. كما يُتوقع أن تمتد الآثار السلبية لتشمل الخزينة العامة، مع تقديرات بفقدان نحو 3 مليارات شيكل من العائدات الضريبية نتيجة تراجع أرباح الشركات المصدرة.

وتمثل الصادرات نحو 40% من إجمالي النشاط الاقتصادي الإسرائيلي، ما يجعل أي اهتزاز في هذا القطاع نذيراً بركود أوسع قد يطال مختلف مفاصل الدولة. ورغم هذه الأرقام المقلقة، إلا أن الجهات الرسمية لا تزال تراهن على عوامل جيوسياسية وتدفقات رؤوس الأموال التي عززت من قيمة العملة المحلية بشكل مفرط.

من جانبه، أقر محافظ بنك إسرائيل، أمير يارون، بأن ارتفاع قيمة الشيكل بنسبة 20% خلال العام الماضي ألحق ضرراً واضحاً بربحية المصدرين. ومع ذلك، اعتبر يارون أن قوة العملة تعكس حالة من التفاؤل لدى المستثمرين بشأن التهدئة الإقليمية وتدفقات رأس المال، رغم الضغوط الهائلة التي خلفتها سنوات الحرب الطويلة.

في المقابل، يرى خبراء ومصنعون أن هذه القوة المفرطة للعملة باتت عبئاً يهدد المرونة الاقتصادية التي تفاخر بها إسرائيل لسنوات. وحذر عاملون في قطاع البحث والتطوير من أن استمرار الوضع الراهن سيدفع الشركات التكنولوجية قسراً إلى نقل مراكز عملياتها إلى خارج البلاد بحثاً عن بيئة مالية أكثر استقراراً وجدوى.

وعلى صعيد التحركات المطلوبة، دعا رئيس اتحاد المصنّعين، أبراهام نوفوغروكي، البنك المركزي إلى اتخاذ إجراءات فورية وحاسمة تشمل خفض أسعار الفائدة. وأكد نوفوغروكي أن إسرائيل تواجه خطر فقدان تفوقها التكنولوجي الذي بنته على مدار عقود، إذا لم تتدخل وزارة المالية بحزمة مساعدات وحوافز اقتصادية عاجلة.

وفي شهادة ميدانية على عمق الأزمة، كشف رجال أعمال إسرائيليون عن توجههم لتوظيف عمالة من خارج البلاد بسبب الارتفاع الكبير في تكلفة الأجور المقومة بالشيكل. وأشار المستثمر ليئاد أغمون إلى أن الشركات التي يستثمر فيها بدأت بالفعل بإعداد خطط متقدمة لنقل عملياتها، واصفاً شركات التصدير الصناعية بأنها باتت على وشك الإفلاس.

ويجمع مراقبون على أن قطاع التكنولوجيا المتقدمة هو الأكثر حساسية لهذه التقلبات، نظراً لاعتماده الكلي على الأسواق العالمية في تحصيل الإيرادات. ومع غياب جهة قيادية واضحة تدير الأزمة الاقتصادية، تتزايد المخاوف من حدوث هجرة جماعية للعقول والشركات الناشئة التي تمثل قاطرة النمو في تل أبيب.

وتأتي هذه الأزمة في وقت لا يزال فيه الاقتصاد الإسرائيلي يترنح تحت وطأة الخسائر الناجمة عن الحرب المستمرة على قطاع غزة. وبحسب تقارير رسمية، فقد خسر الناتج المحلي الإجمالي نحو 8.6% خلال عامي 2024 و2025، وهي خسارة تقدر بنحو 177 مليار شيكل، ما يعكس الفاتورة الباهظة للعمليات العسكرية.

ورغم توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، إلا أن الخروقات الإسرائيلية المستمرة زادت من حالة عدم اليقين الاقتصادي. وتسببت هذه الاعتداءات في سقوط مئات الشهداء والجرحى منذ توقيع الاتفاق، مما يبقي الجبهة الداخلية في حالة استنفار دائمة تؤثر سلباً على مناخ الاستثمار وثقة الأسواق العالمية.

ويرى محللون أن الادعاءات الرسمية بشأن 'التفاؤل الجيوسياسي' كسبب لقوة الشيكل قد تكون مجرد غطاء لتجاهل أزمة هيكلية أعمق. فالتراجع في قيمة الدولار أمام العملة المحلية يعكس أيضاً تدفقات مالية مرتبطة بقطاع التكنولوجيا، لكنها تدفقات قد تنضب بسرعة إذا ما قررت تلك الشركات الرحيل نهائياً.

إن المشهد الاقتصادي في إسرائيل يقف اليوم عند مفترق طرق خطير، حيث تتصارع قوة العملة مع استدامة القطاعات الإنتاجية. وإذا لم تتدخل الحكومة والبنك المركزي بإجراءات تصحيحية جذرية، فإن 'التفوق التكنولوجي' المزعوم قد يتحول إلى ذكرى من الماضي تحت وطأة الأرقام والواقع الميداني المتأزم.

فلسطين

الجمعة 08 مايو 2026 10:23 مساءً - بتوقيت القدس

فورين بوليسي: اتفاقيات إبراهام لم تجلب السلام بل مهدت لعصر من الحروب الإقليمية

أكدت مجلة 'فورين بوليسي' في تحليل معمق أن اتفاقيات إبراهام، التي رُوّج لها كمدخل لسلام إقليمي شامل، أدت في الواقع إلى نتائج عكسية تماماً. وأوضحت المجلة أن هذه الاتفاقيات ساهمت في توسيع التعاون العسكري والأمني بين الاحتلال الإسرائيلي ودول خليجية، مما أدخل المنطقة في مرحلة جديدة من الصراعات والتوترات المتصاعدة.

وأشار الكاتبان ماثيو دوس وزوري لينتسكي إلى أن التصور الذي قدمه دونالد ترامب عام 2020 حول 'شرق أوسط جديد' لم يتحقق. وبدلاً من الاستقرار، وفرت هذه الاتفاقيات غطاءً سياسياً لسياسات إسرائيلية أكثر تشدداً، وساهمت في تهميش القضية الفلسطينية بشكل غير مسبوق في الأجندات الإقليمية والدولية.

وذكر التحليل أن المقاربة التي اعتمدتها الاتفاقيات قامت على فكرة 'السلام من الخارج إلى الداخل'، عبر دفع الدول العربية للتطبيع أولاً. ومع ذلك، أثبتت الوقائع أن هذه الاستراتيجية شجعت الاحتلال على تصعيد عدوانه في غزة وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية دون رادع حقيقي من شركائه الجدد.

على الصعيد العسكري، كشفت المجلة أن مبيعات الأسلحة الإسرائيلية للدول الموقعة على الاتفاقيات شهدت قفزات هائلة، حيث وصلت إلى ملياري دولار بحلول عام 2024. وقد شمل هذا التعاون أنظمة دفاع جوي متطورة، وتقنيات أمن سيبراني، وطائرات مسيرة، مما حول التحالف من إطار دبلوماسي إلى تكتل عسكري واضح.

ولفت التقرير إلى أن نقل إسرائيل إلى نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) كان خطوة استراتيجية حاسمة لدمجها عسكرياً مع دول المنطقة. هذا التحول سمح بإنشاء شبكة دفاع صاروخي واستخباراتي موحدة، تهدف بالأساس إلى مواجهة النفوذ الإيراني، لكنها زادت في الوقت ذاته من احتمالات المواجهة المباشرة.

وفيما يخص القضية الفلسطينية، سجلت المجلة تدهوراً حاداً في الأوضاع الميدانية، حيث ارتفعت اعتداءات المستوطنين بنسبة 123% خلال عامين من توقيع الاتفاقيات. وأكدت المصادر أن الاحتلال استخدم التطبيع كأداة لعزل الفلسطينيين وإضعاف الموقف العربي التقليدي المطالب بحل عادل وشامل قبل أي تقارب.

كما تطرق التحليل إلى تراجع الدعم المالي العربي للمؤسسات الفلسطينية، حيث خفضت الإمارات مساهمتها في 'الأونروا' بشكل حاد لتصل إلى مليون دولار فقط في عام 2020. هذا التوجه عكس رغبة في مواءمة السياسات الإقليمية مع رؤية إدارة ترامب التي سعت لتجفيف منابع دعم اللاجئين الفلسطينيين.

وأوضحت المجلة أن التعاون العسكري وصل إلى مستويات غير مسبوقة من خلال مناورات بحرية وجوية مشتركة بين إسرائيل والإمارات والبحرين. كما أشارت تقارير إلى تشغيل مراكز استخباراتية مشتركة في مناطق استراتيجية مثل جزيرة سقطرى اليمنية، مما يعكس عمق التغلغل الأمني الإسرائيلي في المنطقة.

وبحسب 'فورين بوليسي'، فإن هجوم السابع من أكتوبر والحرب اللاحقة على غزة كشفت هشاشة الوعود الأمنية للاتفاقيات. ورغم أن التحالف الإقليمي ساعد في اعتراض بعض الهجمات الإيرانية، إلا أن ذلك لم يمنع المنطقة من الانزلاق نحو حافة حرب إقليمية شاملة تهدد الاستقرار العالمي.

وكشف التحليل أن قادة المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسهم يحيى السنوار، اعتبروا اتفاقيات إبراهام خطراً وجودياً يهدد بتصفية القضية. وكان التخوف الأكبر يكمن في احتمال انضمام دول عربية كبرى أخرى لمسار التطبيع، مما قد يؤدي إلى عزل الفلسطينيين تماماً عن عمقهم العربي.

إدارة بايدن، رغم حذرها الأولي، تبنت الاتفاقيات لاحقاً واعتبرتها إطاراً لوجستياً يسهل العمليات العسكرية ضد الخصوم المشتركين. وأكدت مصادر أن واشنطن كافأت الدول المنخرطة بصفقات سلاح ضخمة، مثل صفقة طائرات 'إف-35' للإمارات، لتعزيز انخراطها في المنظومة الأمنية الجديدة.

ورأت المجلة أن السنوات الست الماضية أثبتت أن الشرق الأوسط بات أقل استقراراً وأكثر تسلحاً مما كان عليه قبل عام 2020. فالحروب المستمرة في غزة ولبنان، والتوتر المباشر بين طهران وتل أبيب، تؤكد أن القفز فوق الحقوق الفلسطينية لا يمكن أن يؤدي إلى سلام مستدام.

وخلص التحليل إلى أن إسرائيل نجحت في ترسيخ نفسها كقوة إقليمية مهيمنة بفضل هذه الاتفاقيات، لكن ذلك جاء على حساب أمن جيرانها. وأضافت أن الاعتماد على التحالفات العسكرية بدلاً من الحلول السياسية الجذرية جعل أي أفق للسلام الحقيقي بعيد المنال في ظل الظروف الراهنة.

ختاماً، شددت 'فورين بوليسي' على أن تسويق اتفاقيات إبراهام كأداة للازدهار كان مجرد غطاء لترتيبات أمنية هجومية. وأكدت أن استمرار تجاهل جذور الصراع السياسي في فلسطين سيجعل من المنطقة ساحة مفتوحة لحروب استنزاف طويلة الأمد، بعيداً عن أحلام الاستقرار التي وُعدت بها الشعوب.

فلسطين

الجمعة 08 مايو 2026 10:23 مساءً - بتوقيت القدس

حزب الله يقصف قاعدة 'شراغا' بالصواريخ رداً على خروقات الاحتلال في جنوب لبنان

أعلن حزب الله اللبناني، يوم الجمعة، عن تنفيذ عملية عسكرية نوعية استهدفت قاعدة 'شراغا' التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي والواقعة جنوب مستوطنة نهاريا. وأوضح الحزب في بيان رسمي أن الهجوم تم بصلية من الصواريخ المتطورة، مؤكداً أن هذه الخطوة تأتي في إطار الرد المباشر على الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار.

وشددت المقاومة الإسلامية على أن استهداف القاعدة العسكرية جاء رداً على الغارات التي شنها الاحتلال على الضاحية الجنوبية لبيروت خلال الأسبوع الجاري. كما أشار البيان إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على القرى والمدنيين في الجنوب اللبناني استوجبت رداً حازماً لردع الاحتلال عن مواصلة خروقاته الميدانية.

في المقابل، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي عملياتها العسكرية في الجنوب، حيث أصدرت إنذارات إخلاء جديدة لعدد من البلدات والقرى. وتترافق هذه الإنذارات مع قصف مدفعي وجوي مكثف يستهدف البنية التحتية والمناطق السكنية، مما يزيد من تعقيد الأوضاع الإنسانية والميدانية على الخطوط الأمامية.

وفي قراءة عسكرية لهذه التطورات، أفادت مصادر تحليلية بأن عمليات الإخلاء والقصف الممنهج لا يمكن اعتبارها مجرد إجراءات تكتيكية عابرة. ويرى الخبراء أن إسرائيل تتبع استراتيجية أوسع تهدف إلى فرض منطقة ردع دائمة ومحاولة استنزاف القدرات العسكرية لحزب الله بشكل تدريجي ومدروس.

وتشير التحليلات إلى أن إسرائيل تسعى من خلال هذا الضغط العسكري إلى تحسين شروطها في أي مفاوضات سياسية أو أمنية مستقبلية تتعلق بالحدود الشمالية. ويعكس هذا السلوك تحولاً في العقيدة القتالية الإسرائيلية التي باتت تعتمد على مبدأ 'إجهاض التهديد قبل تشكله' عبر استهداف القيادات والمنشآت الحيوية.

وتمتد أهداف الضغط الإسرائيلي لتشمل الحكومة اللبنانية، في محاولة لفرض واقع جغرافي جديد عبر توسيع المنطقة العازلة على طول الحدود. وتعتمد قوات الاحتلال في ذلك على وحدات هندسية متخصصة وجرافات عسكرية لعمل ما يوصف بـ 'تسطيح القرى' في الخط الحدودي الثاني بعد تدمير الخط الأول.

وعلى الرغم من النجاحات التكتيكية في فصل بعض مناطق الجنوب عن العمق اللبناني، إلا أن جيش الاحتلال يتجنب الانزلاق نحو تصعيد بري واسع وسريع. ويعود ذلك إلى التخوف من الكلفة البشرية المرتفعة التي قد يتكبدها الجنود في مواجهة الكمائن والعمليات الدفاعية التي ينفذها مقاتلو الحزب.

وأوضحت مصادر عسكرية أن نمط القتال الذي يعتمده حزب الله يعتمد على مجموعات صغيرة ومرنة لا ترتبط بمواقع ثابتة، مما يصعب من مهمة الاحتلال في الحسم. وهذا النمط يجعل الادعاءات الإسرائيلية حول تفكيك مئات المواقع العسكرية غير دقيقة ولا تعكس الواقع الميداني الفعلي على الأرض.

وتواجه المنظومات الدفاعية الإسرائيلية تحدياً كبيراً أمام الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة التي يطلقها الحزب، والتي نجحت في إيقاع خسائر مباشرة في صفوف الجيش. وتسببت هذه المسيرات في مأزق داخلي للحكومة الإسرائيلية، حيث فشلت التكنولوجيا المتقدمة في تحييد هذا التهديد الجوي المستمر.

وخلصت القراءات الميدانية إلى أن إسرائيل لم تحقق حتى الآن 'الحسم العملياتي' رغم حجم التدمير الهائل واستخدام القوة المفرطة. ويبقى الصراع مفتوحاً على احتمالات عدة في ظل التوافق الأمريكي الإسرائيلي على استمرار الضغط العسكري لإعادة صياغة الواقع الديموغرافي والجغرافي في المنطقة.

عربي ودولي

الجمعة 08 مايو 2026 10:23 مساءً - بتوقيت القدس

تمركز مقاتلات مصرية في الإمارات: تفاصيل الإعلان الرسمي وأبعاد التعاون العسكري

أفصحت السلطات الإماراتية رسمياً عن وجود وحدات من القوات الجوية المصرية متمركزة فوق أراضيها، في تطور هو الأول من نوعه في مسار التعاون العسكري بين البلدين. وجاء هذا الكشف تزامناً مع الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة أبوظبي، حيث التقى بنظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لبحث ملفات استراتيجية.

وشهدت الزيارة مباحثات موسعة تناولت تطورات المشهد الإقليمي المتسارع وانعكاساته على الأمن والاستقرار على المستويين العربي والدولي. وأكدت مصادر رسمية أن الزعيمين تبادلا وجهات النظر حول سبل التعامل مع الأزمات الراهنة، مع التشديد على ضرورة التنسيق المشترك لحماية المصالح الحيوية للدولتين في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة.

وفي خطوة ميدانية لافتة، أجرى السيسي وبن زايد جولة تفقدية لمقر مفرزة المقاتلات المصرية المرابطة في الدولة، حيث اطلعا على مستوى الجاهزية القتالية للأطقم والطيارين. ووفقاً لبيانات رسمية، فإن هذا التواجد العسكري يهدف بشكل أساسي إلى رفع كفاءة العمليات المشتركة وتطوير الاستعدادات لمواجهة أي تهديدات أو تحديات أمنية محتملة قد تطرأ في المحيط الجغرافي.

ويشير المصطلح العسكري 'مفرزة طائرات' إلى تشكيل جوي يضم عدداً من المقاتلات الحربية المجهزة بكافة أطقمها الفنية والهندسية ووحدات الدعم اللوجستي اللازمة لإدارة العمليات. ويرى خبراء عسكريون أن وجود هذه المفرزة يعكس رغبة البلدين في مأسسة التعاون الدفاعي ونقله من مرحلة التدريبات العابرة إلى مرحلة التمركز والعمليات المنسقة.

وتأتي هذه الخطوة في سياق تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وأبوظبي، والتي شهدت تنامياً ملحوظاً في الجوانب العسكرية والأمنية خلال السنوات الأخيرة. ويُنتظر أن يساهم هذا التمركز في تبادل الخبرات القتالية بين القوات الجوية في كلا البلدين، وتوحيد المفاهيم العملياتية بما يخدم رؤية الطرفين للأمن القومي العربي المشترك.

فلسطين

الجمعة 08 مايو 2026 8:08 مساءً - بتوقيت القدس

صراع الممرات: كيف يهدد الطموح السوري-التركي المركزية الاقتصادية لإسرائيل؟

أعادت الأزمات المتلاحقة في مضيق هرمز صياغة الأولويات الاقتصادية العالمية، حيث كشفت هذه الاضطرابات عن هشاشة القطاعات الحيوية التي تعتمد كلياً على تدفق الوقود والمواد الخام عبر الممرات المائية التقليدية. هذا الواقع دفع القوى الدولية والإقليمية للبحث عن بدائل برية وبحرية أكثر أماناً، مما حول المنطقة إلى ساحة صراع جيوسياسي لإعادة رسم خرائط التجارة العالمية.

تبرز في الأفق منافسة حادة بين مشاريع كبرى، أبرزها 'الحزام والطريق' الصيني و'الممر الهندي'، حيث يسعى كل طرف لفرض نفوذه عبر السيطرة على خطوط الإمداد. وقد أدركت القوى الفاعلة أن الاعتماد على مسار وحيد يمثل مغامرة استراتيجية غير مأمونة العواقب، خاصة في ظل الاحتياج العالمي المتزايد لمنتجات الطاقة والأسمدة الضرورية للطب والزراعة.

في هذا السياق، بدأت دمشق، وبتحفيز واضح من أنقرة، في استكشاف إمكانيات تحويل موقعها الجغرافي إلى أصل استراتيجي يربط دول الخليج العربي بالاتحاد الأوروبي. يهدف هذا التوجه إلى دمج الطموح السوري في رؤية اقتصادية شاملة تجعل من سوريا ممراً حيوياً للطاقة والبضائع، مما يوفر موارد ضخمة لإعادة الإعمار دون الحاجة للقروض الدولية.

يرى مراقبون أن نجاح هذا المشروع سيشكل رافعة اقتصادية كبرى لسوريا، حيث سيخلق ديناميكية تشغيلية تستفيد منها كافة القطاعات المحلية من خلال تطوير الموانئ والسكك الحديدية. ومع ذلك، يصطدم هذا الطموح مباشرة مع المصالح الإسرائيلية التي تسعى لجعل موانئ حيفا وتل أبيب هي الركيزة الأساسية للممر الهندي ونقطة الوصل بين آسيا وأوروبا.

التصور الإسرائيلي يقوم على الهيمنة على مسارات الطاقة والتجارة لضمان الاندماج الكامل في اقتصاديات المنطقة وتحقيق عوائد مالية وسياسية ضخمة. لكن تل أبيب تخشى من أن الجغرافيا السورية تمتلك ميزات تنافسية تتفوق على البنية التحتية الإسرائيلية المتطورة، خاصة فيما يتعلق بالربط البري المباشر مع القارة الأوروبية عبر الأراضي التركية.

تمتلك تركيا خبرة مديدة في إدارة معابر الطاقة والتجارة الدولية، وهو ما يعزز من فرص نجاح المسار السوري-التركي كبديل مفضل لدى دول خليجية كبرى مثل السعودية وقطر. وتأتي هذه التفضيلات في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في غزة ولبنان، مما يجعل الاعتماد على إسرائيل كممر تجاري مخاطرة سياسية وأمنية للدول العربية.

أفادت مصادر بأن إسرائيل بدأت تتعامل مع هذا المتغير بجدية بالغة، حيث رفعت من وتيرة اعتداءاتها العسكرية على الأراضي السورية في الآونة الأخيرة. ويبدو أن الأهداف الإسرائيلية تجاوزت الذرائع الأمنية التقليدية لتصل إلى محاولة تقويض أي فرصة لاستقرار سوريا اقتصادياً أو تحويلها إلى بيئة جاذبة للاستثمارات الدولية.

الرسائل العسكرية الإسرائيلية موجهة بشكل أساسي إلى الممولين والشركاء المحتملين في الخليج وأوروبا، ومفادها أن الأمن في سوريا يظل هشاً وقابلاً للانفجار في أي لحظة. تهدف هذه الاستراتيجية إلى دفع الأطراف الدولية لإعادة حساباتها بشأن الاستثمار في ممرات الطاقة التي تمر عبر الجغرافيا السورية، خوفاً من تعرضها للتعطيل الدائم.

من جانبه، تنبه الرئيس السوري أحمد الشرع لهذه الضغوط، حيث طالب خلال لقاءات دبلوماسية في قبرص بضرورة ممارسة ضغط أوروبي على إسرائيل لوقف هجماتها. وربط الشرع بين استقرار سوريا وبين المصالح الجيوسياسية المشتركة التي تجمع دمشق بالعواصم الأوروبية، خاصة في مجالات تأمين تدفقات التجارة والطاقة.

تواجه سوريا اليوم فرصة تاريخية للاندماج في الاقتصاد الإقليمي، لكن هذا المسار محفوف بالعقبات الناجمة عن الشراكة الهندية-الإسرائيلية التي تسعى للتحكم في التفاعلات الاقتصادية للمنطقة. هذه الشراكة تهدف إلى إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الإقليمي بما يخدم مصالح تل أبيب ونيودلهي، ويقلص من نفوذ القوى المنافسة.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه 'الممر السوري' ليس فقط في بناء البنية التحتية المدمرة، بل في إيجاد إرادة دولية قادرة على تحدي الرغبة الإسرائيلية في احتكار ممرات التجارة. فالمشروع يحتاج إلى ضمانات أمنية وسياسية تتجاوز القدرات المحلية السورية لتشمل تفاهمات إقليمية واسعة تضم تركيا ودول الخليج.

تشير التحليلات إلى أن إسرائيل لن تتوقف عن استخدام القوة العسكرية لتعطيل أي مشروع يقلل من قيمتها الاستراتيجية كحليف اقتصادي للغرب في المنطقة. هذا الصراع على 'السيادة اللوجستية' يعكس عمق التحولات الجارية، حيث لم تعد الحروب تقتصر على الحدود الجغرافية بل تمتد لتشمل خطوط أنابيب الغاز ومسارات الحاويات.

في نهاية المطاف، يبقى الممر السوري-التركي مشروعاً واعداً يمتلك مقومات النجاح الجغرافي، لكنه يظل رهينة للتوازنات العسكرية المعقدة. وإذا لم تنجح دمشق في تأمين غطاء دولي يحمي منشآتها الحيوية، فإن الطموح الاقتصادي قد يظل معطلاً بفعل الغارات الجوية والتوترات المستمرة.

إن مستقبل المنطقة بات مرتبطاً بشكل وثيق بقدرة الدول على فرض ممراتها التجارية الخاصة، وهو ما يفسر حدة التصعيد الحالي. فمن يسيطر على طرق الوصل بين الشرق والغرب، سيمتلك مفاتيح النفوذ السياسي والاقتصادي في النظام العالمي الجديد الذي يتشكل وسط ركام الأزمات.

اقتصاد

الجمعة 08 مايو 2026 8:08 مساءً - بتوقيت القدس

أسعار البنزين في أمريكا تسجل أعلى مستوى لها منذ 4 سنوات

سجلت أسعار وقود السيارات في الولايات المتحدة، اليوم الجمعة، مستويات قياسية غير مسبوقة منذ أربعة أعوام، وذلك في ظل تفاقم أزمة إمدادات الطاقة العالمية الناجمة عن اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. وأظهرت بيانات حديثة أن الأسواق الأمريكية تعاني من ضغوط تضخمية متزايدة مع استمرار الاضطرابات في تدفقات النفط الخام.

ووفقاً لإحصائيات صادرة عن الرابطة الأمريكية للسيارات، فقد قفز متوسط سعر غالون البنزين (سعة 3.78 لترات) ليصل إلى 4.54 دولارا، مقارنة بنحو 2.98 دولار المسجلة قبيل اندلاع الصراع. وتمثل هذه الزيادة طفرة سعرية بنسبة تقدر بـ 52%، وهي القيمة الأعلى التي يتم رصدها في محطات الوقود الأمريكية منذ عام 2022، مما يضع ضغوطاً إضافية على كاهل المستهلك الأمريكي.

وأشارت مصادر اقتصادية إلى أن حالة الارتباك في الأسواق العالمية تعود بشكل مباشر إلى تصاعد العمليات القتالية في منطقة الشرق الأوسط، والتهديدات الجدية التي تلاحق ناقلات النفط وشحنات الطاقة العابرة لمضيق هرمز الاستراتيجي. وحذرت المصادر من أن استمرار هذه التقلبات قد يؤدي إلى موجات تضخمية أوسع نطاقاً إذا ما استمرت المخاوف بشأن انقطاع الإمدادات النفطية لفترات أطول.

عربي ودولي

الجمعة 08 مايو 2026 7:23 مساءً - بتوقيت القدس

تحذيرات أممية من كارثة إنسانية في الصومال وتوقعات بوقف المساعدات في يوليو

أطلق برنامج الأغذية العالمي صرخة تحذيرية بشأن الوضع الإنساني المتدهور في الصومال، مؤكداً أن البلاد تواجه أزمة سوء تغذية حادة تتطلب تدخلاً تمويلياً عاجلاً. وأوضح البرنامج أن استمرار العجز المالي يهدد بشكل مباشر القدرة على مواصلة العمليات الإغاثية، مما قد يؤدي إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة.

وأشار التقرير الأممي إلى أن شهر يوليو/ تموز المقبل قد يشهد توقفاً كاملاً للدعم الإنساني في حال لم يتم تأمين الموارد اللازمة بشكل فوري. وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الأساسية للسكان نتيجة تضافر عوامل طبيعية وسياسية أدت إلى انهيار الأمن الغذائي.

وتشير البيانات الإحصائية إلى أن نحو 6 ملايين صومالي، وهو ما يمثل ثلث إجمالي السكان، يواجهون مستويات خطيرة من الجوع الحاد. كما كشفت المصادر أن هناك 1.9 مليون طفل يعانون من سوء تغذية حاد يهدد حياتهم بالخطر، مما يضع المنظمات الدولية أمام تحدٍ أخلاقي ولوجستي كبير.

وعزا برنامج الأغذية العالمي تفاقم هذه الأزمة إلى ضعف مواسم الأمطار المتتالية، وهو ما ألحق أضراراً جسيمة بالمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية التي يعتمد عليها السكان. وبالإضافة إلى العوامل المناخية، يلعب الصراع المستمر وانعدام الأمن دوراً محورياً في منع وصول المساعدات إلى مستحقيها وتدمير سبل العيش.

من جانبه، صرح ماثيو هولينغورث، مساعد المدير التنفيذي لعمليات البرامج، بأن الصومال يصنف حالياً ضمن أكثر المناطق تضرراً من سوء التغذية على مستوى العالم. وأكد هولينغورث أن المعدلات الحالية وصلت إلى مستويات حرجة تتشابه مع المؤشرات التي سبقت أزمة الجفاف والمجاعة في عام 2022.

وتواجه العمليات الإغاثية تحديات إضافية ناتجة عن الحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، والتي أثرت بشكل مباشر على سلاسل التوريد العالمية. وأفادت مصادر بأن إمدادات الأغذية العلاجية الجاهزة للاستخدام تشهد تأخيرات تصل إلى 40 يوماً، مما يعقد جهود إنقاذ الأطفال المصابين بسوء التغذية.

وعلى الصعيد الميداني، اضطر البرنامج الذي يدير نحو 90% من استجابة الأمن الغذائي في البلاد إلى اتخاذ إجراءات قاسية لتقليص النفقات. وشملت هذه الإجراءات خفض عدد المستفيدين من المساعدات من مليوني شخص إلى 500 ألف فقط، في محاولة لإدارة الموارد المحدودة المتبقية.

ويزيد الصراع السياسي والأمني الداخلي من تعقيد المشهد، حيث تستمر الهجمات المسلحة والخلافات بين الحكومة الاتحادية والولايات بشأن تقاسم السلطة. هذه الاضطرابات تضعف من قدرة مؤسسات الدولة على الاستجابة للأزمات الطارئة، وتجعل الاعتماد على المساعدات الخارجية أمراً حتمياً لا غنى عنه.

وشدد البرنامج على أن الفارق الجوهري بين الأزمة الحالية وأزمات سابقة هو النقص الحاد في التمويل الدولي، وليس فقط العوامل الطبيعية. هذا التراجع في الدعم الخارجي يعيق الاستجابة الواسعة ويمنع المنظمات من الوصول إلى المناطق الأكثر تضرراً في الوقت المناسب لإنقاذ الأرواح.

وفي ختام تقريره، دعا برنامج الأغذية العالمي المجتمع الدولي إلى التحرك السريع لتفادي سيناريو المجاعة الشاملة في الصومال. وأكدت المصادر أن الأسابيع القليلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مصير ملايين الأشخاص الذين يعتمدون كلياً على ما تقدمه المنظمات الدولية من غذاء ودواء.

عربي ودولي

الجمعة 08 مايو 2026 6:53 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد عسكري في هرمز: واشنطن تقصف ناقلات إيرانية وطهران تتحدث عن اشتباكات متفرقة

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ عمليات عسكرية استهدفت ناقلتي نفط ترفعان العلم الإيراني في مياه خليج عُمان، وذلك بدعوى محاولتهما كسر الحصار الأمريكي المفروض والوصول إلى الموانئ الإيرانية. وأوضحت المصادر العسكرية أن طائرات تابعة لها استخدمت ذخائر دقيقة استهدفت مداخن السفينتين لتعطيلهما بشكل كامل ومنعهما من مواصلة الإبحار نحو السواحل الإيرانية.

وأشارت 'سنتكوم' في بيان رسمي إلى أن الناقلتين المستهدفتين كانتا فارغتين لحظة القصف الذي وقع يوم الجمعة، كاشفة في الوقت ذاته عن تعطيل ناقلة ثالثة في وقت سابق من يوم الأربعاء الماضي. وتأتي هذه التحركات العسكرية في إطار تشديد الرقابة البحرية الأمريكية على حركة الملاحة الإيرانية في المنطقة الحيوية لإمدادات الطاقة العالمية.

في المقابل، أفادت مصادر إعلامية إيرانية بوقوع جولة جديدة من الاشتباكات المتفرقة بين القوات البحرية الإيرانية والقطع الحربية الأمريكية في مضيق هرمز. وأكدت المصادر أن هذه المواجهات اندلعت عقب توترات شهدها المضيق ليل الخميس، رغم وجود اتفاق مسبق لوقف إطلاق النار بين الجانبين، مما يهدد بانهيار التفاهمات الهشة.

واتهمت وزارة الخارجية الإيرانية الولايات المتحدة بانتهاك القانون الدولي بشكل صارخ عبر استهداف السفن والمنشآت، واصفة التحركات الأمريكية بأنها خرق متعمد للهدنة. وصرح المتحدث باسم الخارجية، إسماعيل بقائي، بأن القوات المسلحة الإيرانية تصدت لما وصفه بالعدوان بكل قوة، مشدداً على أن طهران لن تقف مكتوفة الأيدي أمام استهداف مصالحها البحرية.

وعلى الرغم من تأكيدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأن الهدنة لا تزال قائمة، إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة ألقت بظلال من الشك حول إمكانية استمرار التهدئة. ويرى مراقبون أن تبادل إطلاق النار المكثف يعكس صعوبة التوصل إلى اتفاق نهائي ينهي حالة الصراع المحتدمة منذ أشهر في المنطقة.

وكانت واشنطن قد بررت تصعيدها الأخير باستهداف 'منشآت عسكرية إيرانية' يوم الخميس، رداً على ما قالت إنها هجمات تعرضت لها سفنها في مضيق هرمز. وتعد هذه المنطقة نقطة اشتعال رئيسية منذ اندلاع المواجهة العسكرية الواسعة التي شاركت فيها أطراف دولية وإقليمية في الثامن والعشرين من فبراير الماضي.

وذكرت التقارير العسكرية الأمريكية أن القوات الإيرانية شنت هجمات باستخدام صواريخ وطائرات مسيرة استهدفت ثلاث سفن حربية تابعة للبحرية الأمريكية. وأكدت المصادر أن الدفاعات الجوية الأمريكية نجحت في إحباط تلك التهديدات دون وقوع إصابات في صفوف طواقمها، قبل أن ترد بقصف قواعد برية داخل الأراضي الإيرانية.

من جانبه، أصدر مقر 'خاتم الأنبياء' التابع للقوات المسلحة الإيرانية بياناً اتهم فيه الجانب الأمريكي ببدء التصعيد عبر استهداف ناقلة نفط وسفينة أخرى. وأوضح البيان أن الرد الإيراني جاء دفاعياً عبر إطلاق رشقات صاروخية، متهماً القوات الأمريكية بتوسيع دائرة القصف لتشمل مناطق مدنية في جنوب إيران، وهو ما نفته واشنطن.

وتعيش المنطقة حالة من 'الحرب الرمادية' التي يسعى من خلالها كل طرف لفرض سيادته البحرية وتحقيق مكاسب ميدانية قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات. وتتزايد المخاوف الدولية من تحول هذه الاشتباكات المتفرقة إلى مواجهة شاملة قد تؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز، الممر الملاحي الأهم لتجارة النفط في العالم.

وفي ظل استمرار الحصار الأمريكي والردود الإيرانية، تترقب الأوساط السياسية ما ستسفر عنه الاتصالات الدولية لاحتواء الموقف ومنع انزلاق المنطقة نحو كارثة اقتصادية وأمنية. وتظل العيون شاخصة نحو مضيق هرمز الذي بات ساحة لاختبار القوة بين واشنطن وطهران في ظل تعقيدات المشهد العسكري والسياسي الراهن.

عربي ودولي

الجمعة 08 مايو 2026 6:53 مساءً - بتوقيت القدس

عودة السفير الفرنسي للجزائر: هل تطوي باريس والجزائر صفحة الأزمة الدبلوماسية؟

أعلنت السلطات الفرنسية رسمياً إعادة سفيرها إلى العاصمة الجزائرية، في خطوة تهدف إلى كسر الجمود الدبلوماسي الذي خيم على علاقات البلدين لنحو عامين. وتزامنت هذه العودة مع زيارة رسمية أجرتها الوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش الفرنسية، أليس روفو، بهدف بناء جسور الثقة واستئناف الحوار السياسي الفعال.

استهلت الوزيرة الفرنسية جولتها من ولاية سطيف شرقي البلاد، يرافقها السفير ستيفان روماتيه الذي كان قد غادر منصبه في أبريل 2025 بطلب من الإليزيه. وتكتسب هذه المحطة دلالة رمزية عميقة، لكونها ترتبط مباشرة بملف الذاكرة التاريخية الذي طالما شكل حجر عثرة في مسار العلاقات الثنائية بين باريس والجزائر.

وشاركت روفو في مراسم وضع إكليل من الزهور أمام النصب التذكاري لبوزيد سعال، وهو أول ضحية سقطت في مظاهرات الثامن من مايو 1945. وقد جرت هذه المراسم بحضور وزير المجاهدين الجزائري عبد المالك تاشريفت، وسط حضور شعبي ورسمي لافت في شوارع المدينة التاريخية.

وتعد أحداث سطيف وقالمة وخراطة جرحاً غائراً في التاريخ المشترك، حيث تؤكد الرواية الرسمية الجزائرية سقوط 45 ألف شهيد برصاص القوات الاستعمارية. وفي المقابل، تتباين التقديرات الفرنسية حول أعداد الضحايا، لكن الزيارة الحالية تعكس رغبة فرنسية في الاعتراف بخصوصية هذا الملف بالنسبة للجزائريين.

من جانبه، اعتبر المؤرخ الفرنسي بنجامان ستورا أن إحياء ذكرى الثامن من مايو يمثل ركيزة أساسية في الهوية الوطنية الجزائرية. وأشار ستورا، الذي رافق الوفد الفرنسي، إلى ضرورة استيعاب هذه المحطات التاريخية لضمان بناء علاقة مستقبلية متوازنة تتجاوز عقد الماضي.

وأكد قصر الإليزيه في بيان رسمي أن هذه التحركات الدبلوماسية تترجم إرادة الرئيس إيمانويل ماكرون في معالجة الملفات العالقة بنزاهة وشفافية. وشدد البيان على أهمية احترام كافة الذاكرات المرتبطة بالحقبة الاستعمارية، كمدخل أساسي لتعزيز التعاون المشترك في المجالات الأمنية والاقتصادية.

وتسعى باريس من خلال هذه الانفراجة إلى إعادة تفعيل التعاون القنصلي الذي تضرر بشدة خلال فترة التوتر الماضية. ومن المتوقع أن تبحث الوزيرة الفرنسية مع المسؤولين الجزائريين آليات تنسيق جديدة تضمن مصالح الطرفين، خاصة فيما يتعلق بملفات الهجرة والتأشيرات والتعاون الأمني الإقليمي.

وتأتي هذه التطورات بعد أزمة حادة اندلعت في صيف 2024، إثر إعلان فرنسا دعمها لخطة الحكم الذاتي المغربية في إقليم الصحراء الغربية. هذا الموقف دفع الجزائر حينها إلى سحب سفيرها فوراً، ودخلت العلاقات في نفق مظلم شهد طرداً متبادلاً لعدد من الدبلوماسيين والموظفين القنصليين.

كما ساهمت قضايا قانونية وأمنية في تفاقم الخلاف، منها توقيف الكاتب بوعلام صنصال وحادثة اختطاف أحد المؤثرين الجزائريين على الأراضي الفرنسية. إلا أن صدور عفو رئاسي جزائري عن صنصال لاحقاً مهد الطريق لبدء اتصالات سرية ومعلنة لخفض التصعيد واستعادة القنوات الدبلوماسية.

وبدأت ملامح الانفراج تلوح في الأفق منذ فبراير الماضي، عقب زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز ولقائه بالرئيس عبد المجيد تبون. وأسفرت تلك المحادثات عن استئناف عمليات استقبال الجزائر لمواطنيها الصادرة بحقهم قرارات ترحيل، وهو ملف كان يمثل ضغطاً كبيراً على الحكومة الفرنسية.

وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية، لا تزال قضية الصحفي الفرنسي كريستوف غليز المسجون في الجزائر تمثل تحدياً قائماً. وتضع الرئاسة الفرنسية إطلاق سراح غليز، المحكوم بالسجن لسبع سنوات بتهم تتعلق بالإرهاب، كأولوية قصوى ضمن مهام السفير العائد إلى ممارسة مهامه.

ويرى مراقبون أن الخطوات الحالية تمثل محاولة جادة لترميم ما أفسدته السياسة، عبر بوابة الذاكرة والتعاون القنصلي. وتبقى الأيام المقبلة كفيلة بتحديد مدى قدرة البلدين على تجاوز الخلافات الجوهرية حول القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها ملف الصحراء الغربية الذي لا يزال يثير حساسية بالغة لدى صانع القرار في الجزائر.

عربي ودولي

الجمعة 08 مايو 2026 6:08 مساءً - بتوقيت القدس

إيكونوميست: فجوة متزايدة بين الحكام العرب وشعوبهم حيال الموقف من إيران

سلط تقرير حديث لمجلة "إيكونوميست" الضوء على حالة من التباين العميق في المواقف السياسية داخل المنطقة العربية، حيث يبدي الحكام العرب، سواء كانوا أمراء أو ملوكاً أو جنرالات، عداءً واضحاً تجاه إيران، في حين تظهر قطاعات شعبية واسعة تعاطفاً متزايداً مع طهران. وتعمل الأنظمة الحاكمة بشكل مكثف على توجيه الرأي العام عبر وسائل الإعلام الرسمية للتنديد بما تصفه بالعدوان الإيراني، معتبرة أن التحركات الإيرانية تهدد الاستقرار الإقليمي.

وأشار التقرير إلى أن السلطات في عدة دول عربية اتخذت إجراءات صارمة ضد من يبدون تعاطفاً مع الجانب الإيراني، وصلت في بعض الحالات إلى توجيه تهم الخيانة العظمى. وفي هذا السياق، شهدت دول مثل قطر والإمارات احتجاز أشخاص قاموا بتصوير هجمات إيرانية أو آثارها، بينما أقدمت البحرين على تجريد مواطنين من جنسيتهم بسبب دعمهم المزعوم لسياسات طهران، مما يعكس حالة من التوجس الأمني الرسمي.

وفي تطور سياسي لافت بمملكة البحرين، أقدم البرلمان في السابع من مايو الجاري على طرد نائب رئيس البرلمان وعضوين آخرين، وذلك على خلفية تشكيكهم في الصلاحيات الملكية المتعلقة بالتعامل مع الملف الإيراني. ونقلت مصادر عن نائب سابق أن هذه الإجراءات تهدف بالأساس إلى منع أي تشكيك في الرواية الرسمية للدولة، وفرض صوت واحد يتماشى مع التوجهات الحكومية الحالية.

وعلى الرغم من هذه القبضة الأمنية، يشير التقرير إلى أن الشعوب العربية بدأت تبحث عن مصادر بديلة للمعلومات بعيداً عن الإعلام الحكومي الذي فقد جزءاً كبيراً من مصداقيته لدى الشارع. وقد لوحظ توجه المشاهدين نحو قنوات فضائية مثل قناة الميادين اللبنانية، بالإضافة إلى انتشار أناشيد ومواد إعلامية تشيد بتحدي إيران للولايات المتحدة، وهو ما يعكس رغبة شعبية في رؤية قوة إقليمية تقف في وجه الضغوط الغربية.

وفي العاصمة القطرية الدوحة، عبر أكاديميون عن مخاوف مكتومة بشأن مستقبل المنطقة، حيث يرى البعض أن دول الخليج التي كانت تابعة للسياسة الأمريكية في الماضي، قد تجد نفسها مضطرة للتبعية لإيران في المستقبل. ويخشى هؤلاء أن تدفع دولهم ثمن الصراعات الإقليمية تحت مسميات مثل "إعادة الإعمار الاستثمارية"، بدلاً من الحصول على تعويضات حقيقية عن الأضرار التي قد تلحق بها جراء المواجهات العسكرية.

ويعزو التقرير تنامي التعاطف الشعبي مع إيران إلى عاملين رئيسيين، أولهما الغضب العارم من الممارسات الإسرائيلية في قطاع غزة ولبنان وسوريا. ويرى الكثير من المواطنين العرب، ومنهم أطباء وشباب في القاهرة أن إيران هي الطرف الوحيد الذي يقدم دعماً ملموساً للفلسطينيين في مواجهة ما يصفونه بـ "الشيطان الأكبر" و"الشيطان الأصغر"، متجاوزين بذلك الخلافات السياسية مع نظام طهران.

أما الدافع الثاني فيرتبط بالبعد الطائفي والروابط الدينية، خاصة في المجتمعات التي تضم مكونات شيعية مثل البحرين ودبي. وقد رصد التقرير إقامة مواكب جنائزية رمزية في قرى بحرينية للمرشد الإيراني الراحل، رغم التضييقات الرسمية، كما أشار إلى تأثر الجالية الإيرانية الكبيرة في دبي بإغلاق مؤسسات تعليمية وصحية ودينية تابعة لهم، مما زاد من حالة الاحتقان المكتوم.

وفي مصر، التي تمثل ثقلاً سنياً كبيراً، يتصاعد الحديث عن مكانة آل بيت النبي محمد، وهو ما يخلق جسراً روحياً مع الإيرانيين رغم الاختلاف المذهبي. ونقل التقرير عن مستشار رئاسي سابق قوله إن المصريين يكنون تقديراً خاصاً للإيرانيين بسبب الاحترام المشترك للأضرحة المقدسة في القاهرة، مثل ضريح الحسين والسيدة زينب، مما يقلل من فاعلية الخطاب الطائفي التحريضي الذي تحاول بعض الجهات ترويجه.

على الجانب الآخر، لا يزال هناك معارضون بشدة للنفوذ الإيراني، خاصة في الدول التي عانت من تدخلات الميليشيات الموالية لطهران مثل العراق وسوريا ولبنان. ويحث هؤلاء القوى الدولية على مواصلة الضغط العسكري على إيران، محذرين من وجود "طابور خامس" داخل المجتمعات العربية، كما يبرز الخطاب السلفي في مصر كأحد أقوى الأصوات المحذرة من التمدد الشيعي، واصفاً إياه بـ "الرافضة" ومحاولاً إحياء العداء التاريخي.

وخلصت "إيكونوميست" إلى أن العداء الطائفي لم يعد يلقى الصدى ذاته الذي كان عليه في العقد الماضي، حيث يبدو أن الشعوب العربية باتت تميل لاتباع عواطفها السياسية حتى لو تعارض ذلك مع مصالحها المادية. ومع مقارنة الشعوب بين ما يصفونه بـ "ضعف" القادة العرب و"صلابة" الموقف الإيراني، فإن هذه الآراء التي تهمس بها المجالس الخاصة حالياً قد تتحول إلى حراك علني يؤثر على استقرار المنطقة في المستقبل.

تحليل

الجمعة 08 مايو 2026 5:42 مساءً - بتوقيت القدس

واشنطن تستضيف جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية ــ الإسرائيلية وسط تصاعد القصف والضغوط الأميركية


واشنطن – سعيد عريقات-8/5/2026

بينما تسعى واشنطن إلى تسويق جولة جديدة من المفاوضات بين إسرائيل ولبنان بوصفها خطوة نحو "الاستقرار"، تكشف الوقائع الميدانية أن هذه المحادثات تجري تحت وقع القصف والضغوط والاختلال الصارخ في موازين القوة. فقد أعلن مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، أن الولايات المتحدة ستستضيف يومي 14 و15 أيار الجاري الجولة الثالثة من المحادثات بين ممثلين عن إسرائيل ولبنان على مستوى السفراء، بمشاركة غير مسبوقة لممثلين عسكريين من الجانبين.


وبحسب الإعلام الإسرائيلي، فإن الاجتماعات لن تقتصر على بحث الترتيبات الأمنية التقليدية، بل ستتناول بصورة مباشرة "إجراءات ملموسة" لنزع سلاح "حزب الله"، في مؤشر واضح إلى أن واشنطن وتل أبيب تحاولان فرض أجندة سياسية ــ أمنية تتجاوز مجرد تثبيت وقف إطلاق النار، وصولاً إلى إعادة صياغة التوازن الداخلي اللبناني بما يخدم المصالح الإسرائيلية.


ورغم الرغبة الأميركية في إظهار هذه الاجتماعات كمدخل لتطبيع سياسي مستقبلي، رفضت بيروت الانصياع الكامل للضغوط الأميركية الرامية إلى عقد لقاء مباشر بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وأكد عون، الاثنين، أن أي لقاء من هذا النوع يبقى غير وارد ما دامت إسرائيل تواصل غاراتها داخل الأراضي اللبنانية وتحتفظ بقواتها في الجنوب اللبناني.


هذا الموقف اللبناني يعكس إدراكاً بأن أي انخراط سياسي مباشر مع إسرائيل في ظل استمرار العمليات العسكرية سيُنظر إليه داخلياً باعتباره رضوخاً للإملاءات الأميركية والإسرائيلية، خصوصاً أن الجنوب اللبناني ما يزال يعيش تحت القصف اليومي، فيما تتوسع المنطقة العازلة التي أقامها الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية.


وخلال الجولتين السابقتين، اللتين عُقدتا الشهر الماضي للمرة الأولى منذ عقود، ناقش الطرفان إطاراً عاماً لاتفاق محتمل يشمل انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، مقابل التزام لبناني بنزع سلاح "حزب الله" وتعزيز سلطة الدولة، وصولاً إلى تطبيع العلاقات بين بيروت وتل أبيب. غير أن هذا الطرح بدا، بالنسبة لكثير من اللبنانيين، أقرب إلى محاولة فرض شروط المنتصر بالقوة العسكرية، لا إلى عملية تفاوض متوازنة بين دولتين.


وقد وافقت بيروت على الانخراط في هذه الاجتماعات أملاً في وقف الضربات الإسرائيلية المتواصلة، لكن الوقائع الميدانية سرعان ما نسفت هذه التوقعات. فبعد يومين فقط من الجولة الأولى، عُقد اجتماع ثانٍ في 23 نيسان بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حيث أعلنت واشنطن تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع إضافية. إلا أن الجنوب اللبناني لم يشهد أي تهدئة فعلية، بل استمرت الغارات الإسرائيلية بصورة شبه يومية، بذريعة استهداف مواقع وعناصر تابعة لـ "حزب الله".


وفي المقابل، واصل "حزب الله" استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي داخل "المنطقة العازلة"، إلى جانب إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه شمال إسرائيل، في مشهد يؤكد هشاشة أي اتفاق لا يعالج جذور الصراع، بل يكتفي بإدارته أمنياً بما يضمن التفوق الإسرائيلي.


وتكشف السياسة الأميركية تجاه لبنان تناقضاً صارخاً؛ فمن جهة، تمنح واشنطن إسرائيل غطاءً سياسياً وعسكرياً لمواصلة ضرباتها داخل لبنان تحت شعار "الدفاع عن النفس"، ومن جهة أخرى، تدّعي رعاية مسار تفاوضي يفترض أنه يهدف إلى التهدئة. هذا التناقض حوّل الوساطة الأميركية إلى أداة ضغط أكثر منها وساطة نزيهة، خصوصاً مع إصرار واشنطن على ربط أي استقرار لبناني بمسألة نزع سلاح “حزب الله”، دون أي حديث جدي عن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي أو وقف الانتهاكات المتكررة للسيادة اللبنانية.


كما حاولت الإدارة الأميركية فصل الملف اللبناني عن مفاوضاتها الجارية مع إيران، في وقت سعت فيه طهران إلى استخدام نفوذها في بيروت كورقة ضغط ضمن التفاوض الإقليمي الأوسع. وبينما نفت واشنطن وجود أي رابط مباشر بين وقف إطلاق النار في لبنان والتفاهمات مع إيران، فإن الضغوط الأميركية اللاحقة على إسرائيل لتمديد التهدئة كشفت حجم الترابط بين المسارين، وأن لبنان ما يزال يُستخدم كساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية.


ورغم أن حكومة عون تُعتبر الأقل قرباً من “حزب الله” منذ سنوات طويلة، إلا أنها تدرك هشاشة الوضع الداخلي اللبناني، وخطورة دفع البلاد نحو صدام أهلي جديد. لذلك تتحرك بيروت بحذر شديد، محاولة تجنب انفجار داخلي مع الطائفة الشيعية التي تشكل قاعدة شعبية واسعة للحزب، خصوصاً في ظل الانهيار الاقتصادي والمؤسساتي الذي يعيشه لبنان.


في المقابل، تواصل إسرائيل سياسة الأرض المحروقة في القرى الحدودية الجنوبية، حيث دمرت مئات المنازل والبنى التحتية بذريعة استخدامها من قبل "حزب الله". وقد أثارت مشاهد الدمار، التي أعادت إلى الأذهان ما جرى في قطاع غزة، موجة استنكار دولية متصاعدة، فيما بدا المجتمع الدولي عاجزاً مرة أخرى عن فرض أي التزام فعلي على إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية.


وتقول إسرائيل إن المنطقة العازلة ضرورية لحماية مستوطناتها الشمالية، لكن منتقدين يرون أن هذه السياسة لا تؤدي إلا إلى تعزيز سردية “حزب الله” القائمة على مقاومة الاحتلال والدفاع عن السيادة اللبنانية، بما يمنح الحزب مبررات إضافية للحفاظ على سلاحه وتعزيز نفوذه الشعبي.


ووفق وزارة الصحة اللبنانية، أسفرت الضربات الإسرائيلية عن مقتل نحو 2700 شخص منذ اندلاع المواجهة الأخيرة، بينهم عشرات القتلى بعد بدء وقف إطلاق النار. أما الجيش الإسرائيلي، فيقول إنه قتل أكثر من 1900 من عناصر “حزب الله”، بينهم مئات من قوات “الرضوان” النخبوية. وبين هذه الأرقام المتضاربة، يبقى المدنيون اللبنانيون هم الخاسر الأكبر في حرب تُدار باسم الأمن، لكنها تُنتج مزيداً من الخراب والانقسام وعدم الاستقرار.


وتكشف المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل حجم الاختلال البنيوي في الدور الأميركي بالمنطقة، إذ لم تعد واشنطن وسيطاً سياسياً بقدر ما أصبحت شريكاً مباشراً في فرض الرؤية الإسرائيلية بالقوة. فالإدارة الأميركية تتحدث عن الاستقرار والسلام، بينما تمنح إسرائيل غطاءً مفتوحاً لمواصلة القصف والتوغل وفرض الوقائع الميدانية. هذا النموذج من “الدبلوماسية المسلحة” لا يصنع سلاماً حقيقياً، بل ينتج ترتيبات قسرية هشة سرعان ما تنهار مع أول تصعيد. كما أن تجاهل جذور الصراع، وعلى رأسها الاحتلال والانتهاكات الإسرائيلية، يجعل أي حديث عن نزع سلاح "حزب الله" يبدو انتقائياً ومفصولاً عن السياق السياسي والأمني الأوسع.


وتحاول إسرائيل استثمار اللحظة الإقليمية الراهنة لإعادة تشكيل لبنان أمنياً وسياسياً، مستفيدة من الانهيار الاقتصادي اللبناني ومن الغطاء الأميركي غير المحدود. لكن الرهان على فرض معادلة "الأمن مقابل السيادة" يحمل مخاطر هائلة، لأنه يدفع شريحة واسعة من اللبنانيين إلى الاعتقاد بأن الدولة تُجبر على التنازل تحت التهديد العسكري. وفي بلد قائم على التوازنات الطائفية الدقيقة، فإن أي محاولة لكسر معادلة القوة الداخلية بالقوة الخارجية قد تعيد إنتاج الحرب الأهلية بأشكال جديدة. لذلك تبدو الضغوط الأميركية لنزع سلاح "حزب الله" دون معالجة الاحتلال الإسرائيلي وصفة لتفجير لبنان، لا لإنقاذه.


اللافت في المشهد الحالي أن لبنان بات مرة أخرى ساحة لتقاطع المشاريع الإقليمية والدولية، بينما يغيب الصوت اللبناني المستقل القادر على فرض أولويات الناس الحقيقية. فالمواطن اللبناني المنهك اقتصادياً لا يعنيه كثيراً صراع النفوذ بين واشنطن وطهران بقدر ما يعنيه وقف القصف واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة. لكن القوى الكبرى لا تنظر إلى لبنان إلا من زاوية مصالحها الأمنية والاستراتيجية. وبين الحسابات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية، يتحول البلد إلى ورقة تفاوض مفتوحة، فيما يُترك المدنيون وحدهم لدفع ثمن الحروب والصفقات والتوازنات الإقليمية الهشة.