عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 12:08 صباحًا - بتوقيت القدس

مأساة إنسانية في النيل الأزرق: آلاف النازحين يواجهون الجوع والمرض مع تمدد حرب السودان

تعيش ولاية النيل الأزرق بجنوب شرق السودان فصلاً جديداً من فصول المعاناة الإنسانية، حيث يواجه آلاف النازحين ظروفاً معيشية قاسية في ظل غياب شبه تام للغذاء والدواء. ومع اتساع نطاق المواجهات المسلحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، باتت المخيمات المكتظة تفتقر لأبسط مقومات الصمود البشري.

في مخيم 'كرامة 3' بمدينة الدمازين، تروي مصادر محلية قصصاً مأساوية عن عائلات فرت من جحيم القتال لتجد نفسها في مواجهة الجوع. وتؤكد شهادات من داخل المخيم أن النازحين لا يحصلون إلا على وجبة واحدة يومياً، في حين تنتشر الأمراض مثل الملاريا بين الأطفال دون توفر أي رعاية طبية أو أدوية أساسية.

لقد تحول إقليم النيل الأزرق، الواقع عند الحدود مع إثيوبيا ودولة جنوب السودان، إلى ساحة مركزية للمعارك بعد أن كان جبهة هامشية في بداية النزاع. وتشير التقارير الميدانية إلى أن القتال امتد للولاية عقب سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من إقليم دارفور أواخر العام الماضي.

وتشهد الولاية صراعاً معقداً تشارك فيه أطراف متعددة، حيث يخوض الجيش معارك ضد قوات الدعم السريع وحليفتها المحلية 'الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال'. هذا التعدد في جبهات القتال أدى إلى سقوط مئات الضحايا المدنيين وتدمير البنية التحتية المتهالكة أصلاً في المنطقة الغنية بالموارد.

وتشير بيانات مراقبة النزاعات المسلحة إلى مقتل ما لا يقل عن 450 شخصاً في الولاية خلال الربع الأول من العام الجاري فقط. وتعتبر هذه الحصيلة هي الأعلى منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، مما يعكس تحول النيل الأزرق إلى منطقة استراتيجية يسعى كل طرف للسيطرة عليها.

ويرى محللون أن السيطرة على ولاية النيل الأزرق تمثل مفتاحاً للتحكم في وسط السودان وربط المناطق الشرقية والغربية. وفي حال سقوط الولاية، فإن ذلك سيؤدي إلى حصار مناطق واسعة في كردفان، مما يزيد من تعقيد المشهد العسكري والإنساني على حد سواء.

وعلى الصعيد الإنساني، تسببت الحرب في تشريد الملايين وخلق أزمة جوع وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأكبر عالمياً في الوقت الراهن. وفي النيل الأزرق وحدها، اضطر آلاف المدنيين للسير لأيام طويلة تحت وطأة الخوف والجوع للوصول إلى مناطق آمنة نسبياً قرب الحدود الدولية.

مخيم 'كرامة 3' الذي كان مخصصاً في الأصل للعائدين من دول الجوار، استقبل وحده نحو 30 ألف نازح جديد منذ بداية العام الحالي. وتؤكد إحصاءات أممية أن أكثر من 11 ألف مدني فروا من منطقة الكرمك وحدها نتيجة اقتراب خطوط المواجهة من منازلهم ومزارعهم.

وتشير التقديرات المحلية إلى أن إجمالي عدد النازحين في أنحاء ولاية النيل الأزرق تجاوز 150 ألف شخص منذ أبريل 2023. وتستضيف مدينة الدمازين، عاصمة الولاية، الكتلة الأكبر من هؤلاء الفارين، حيث يقيم نحو 100 ألف شخص في مراكز إيواء مؤقتة ومخيمات عشوائية.

ومع حلول موسم الأمطار، تتصاعد المخاوف من كارثة صحية وبيئية داخل المخيمات التي تتكون غالبيتها من أغطية بلاستيكية وقش. ويخشى النازحون من غرق خيامهم البدائية، مما قد يؤدي إلى تفشي الأوبئة المنقولة عبر المياه في ظل انعدام الخدمات الصحية والصرف الصحي.

وتواجه وكالات الإغاثة الدولية صعوبات بالغة في مواكبة الاحتياجات المتزايدة بسبب نقص التمويل والقيود الأمنية المفروضة على الحركة. وأفادت مصادر إغاثية بأن الأعداد تتزايد بشكل يومي، مما يجعل أي تقييم للاحتياجات غير دقيق بحلول موعد وصول الإمدادات المحدودة.

وزاد من تفاقم الأزمة قرار السلطات الأمنية بإغلاق 'غرف الطوارئ' المحلية، وهي مبادرات طوعية كانت تلعب دوراً حيوياً في توفير الغذاء. واعتبرت منظمات حقوقية أن هذا الإجراء يضيق الخناق على المدنيين ويحرمهم من آخر شريان للحياة في ظل غياب المنظمات الدولية.

ميدانياً، لا تزال الاتهامات المتبادلة تسيطر على المشهد السياسي، حيث يتهم الجيش السوداني أطرافاً إقليمية بدعم قوات الدعم السريع عبر الحدود. وتحدثت تقارير عن هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مواقع في الولاية، وهو ما نفته الدول المعنية جملة وتفصيلاً في بيانات رسمية.

ويبقى المدنيون في النيل الأزرق هم الضحية الأكبر لهذا الصراع المستمر، حيث تنهار خدمات الصحة والأمومة بشكل كامل في المناطق المتضررة. ومع استمرار المعارك، يظل مصير آلاف العائلات معلقاً بين مطرقة القتال وسندان الجوع والمرض في انتظار حل سياسي ينهي المأساة.

دلالات

شارك برأيك

مأساة إنسانية في النيل الأزرق: آلاف النازحين يواجهون الجوع والمرض مع تمدد حرب السودان

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.