أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 8:58 صباحًا - بتوقيت القدس

الحكومات لم تعد تخشى الجماهير الرقمية

لم تعد الحكومات الغربية الرأسمالية المهيمنة على قطاعات التكنولوجيا تخشى الجماهير الرقمية كما كانت تخشاها في بدايات صعود المنصات الاجتماعية. في تلك المرحلة كان يُنظر إلى فيسبوك وتويتر ويوتيوب وإنستغرام باعتبارها ساحات مفتوحة للاحتجاج وكشف الفساد وتنظيم الرأي العام وتجاوز الإعلام التقليدي. لكن ما حدث لاحقاً أن هذه الحكومات لم تعد بحاجة دائمة إلى إسكات الناس مباشرة، بل وجدت في الخوارزمية خط الدفاع الأول عنها.

الخوارزمية اليوم لم تعد أداة تقنية بريئة ترتب المحتوى حسب الاهتمام، بل أصبحت بنية حكم ناعمة تتحكم في ما نراه وما لا نراه، وما ينتشر وما يختفي، وما يتحول إلى قضية عامة وما يُدفن تحت ركام الترفيه والضجيج. السلطة الحديثة فهمت أن السيطرة لا تكون دائماً بمنع الكلام، بل بالسماح للجميع بالكلام داخل فضاء قادر على امتصاص الغضب وتفتيته وتحويله إلى بيانات ومشاهدات وتفاعل عابر.

وهنا تكمن المفارقة. المواطن يظن أنه يمارس احتجاجاً رقمياً حراً عندما يكتب منشوراً غاضباً أو يشارك وسمًا أو يدخل في حملة إلكترونية صاخبة، لكن النظام الرقمي لا ينزعج كثيراً من هذا الغضب ما دام قابلاً للقياس والتوجيه والإخماد. بل إن الإفراط في الغضب قد يخدم المنظومة نفسها، لأنه يحول الاحتجاج من فعل سياسي واعٍ إلى استهلاك عاطفي سريع. يغضب الناس لساعات أو أيام، ثم ينتقلون إلى قضية أخرى، وترند آخر، وموجة جديدة من الصراخ الرقمي.

في الحالة الفلسطينية يظهر هذا المعنى بوضوح مضاعف، لأن الجمهور الرقمي لا يعيش رفاهية النقاش النظري، بل يتفاعل مع قرارات تمس تفاصيل حياته اليومية مباشرة؛ من الغلاء وارتفاع أسعار السلع والمحروقات، إلى الضرائب والرسوم، إلى قرارات يشعر الناس أحياناً أنها تصدر فوق قدرتهم الاقتصادية والنفسية. كل قرار لا يلقى قبولاً شعبياً يتحول سريعاً إلى موجة غضب على فيسبوك وتيك توك وواتساب؛ منشورات ساخرة، تعليقات حادة، دعوات للاحتجاج، واتهامات واسعة للحكومة أو الجهات المسؤولة. لكن هذا الغضب، رغم صدقه ووجاهة أسبابه، غالباً ما يبقى محصوراً في دائرة التفريغ الرقمي؛ يرتفع ثم يذوب أمام خبر جديد أو أزمة جديدة أو ترند مختلف. وهنا تصبح السلطة أقل خوفاً من الجمهور الرقمي، لأنها تعرف أن الغضب غير المنظم لا يصنع بالضرورة تغييراً في القرار.

المشكلة ليست في الغضب ذاته. الغضب أحياناً ضرورة أخلاقية وسياسية وإنسانية. المشكلة في تحويله إلى بديل عن التنظيم والتحليل وبناء التحالفات وحماية الناشرين وفهم قوانين المنصات ومآلات النشر. قد لا يُحذف المنشور، لكن يُخفض وصوله. قد لا يُغلق الحساب، لكن تُضعف ثقته. قد لا تأتي العقوبة فوراً، لكن يُبنى حول الناشر سجل خوارزمي طويل يرافقه في كل منشور قادم. وهكذا يصبح التعبير بالغضب محفوفاً بالمخاطر من دون أن يكون بالضرورة مؤثراً في موازين القرار.

الحكومات لم تعد تخاف كثيراً من جمهور غاضب يمكن تفتيته وتحويله إلى بيانات. هي تخاف أكثر من جمهور منظم يعرف ماذا يريد، وكيف يصوغ مطالبه، ومتى يصعد، ومتى يهدأ، وكيف يحول التضامن إلى ضغط سياسي وإعلامي وقانوني واقتصادي. تخاف من الوثيقة الدقيقة أكثر مما تخاف من الشتيمة، ومن السردية المحكمة أكثر مما تخاف من الصراخ، ومن الجمهور الذي لا يكتفي بالمشاركة بل يسأل: ماذا بعد المشاركة؟

لهذا فإن المعركة اليوم ليست فقط مع الحكومات، بل مع هندسة الانتباه التي صنعتها الرأسمالية الرقمية. هذه الهندسة لا تمنع الإنسان من الكلام، لكنها تعيد تشكيل معنى الكلام، وتحول القضايا الكبرى إلى منتجات تنافس على وقت المستخدم. حتى الألم الإنساني يدخل في مزاد الظهور، وحتى المأساة تحتاج إلى صورة قوية وتوقيت مناسب وعبارة جاذبة كي تعبر من بوابة الخوارزمية.

في النهاية لم تعد السلطة الرقمية الحديثة تقول للناس: اصمتوا. لقد وجدت صيغة أكثر دهاءً. تقول لهم: تكلموا كما تشاؤون، لكن داخل نظام أعرف كيف أرتبه وأقيسه وأربح منه وأفرغه من أثره عندما يلزم. وهنا يصبح التحدي أمام الصحفيين والناشطين والحقوقيين وصناع المحتوى ليس رفع الصوت فقط، بل استعادة المعنى من الخوارزمية، وتحويل التعبير من انفعال عابر إلى فعل عام منظم. فالجماهير الرقمية لن تخيف الحكومات مرة أخرى إلا عندما تتوقف عن كونها موجات غضب متقطعة، وتصبح قوة وعي مستمرة تعرف أن النشر بداية الطريق وليس نهايته.

*باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي


أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 8:57 صباحًا - بتوقيت القدس

الذكاء الاصطناعي في مباحثات شي جين بينغ وترامب

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ملف تقني يناقش في مؤتمرات الشركات أو مختبرات الجامعات، بل أصبح اليوم ملفا رئيسيا على طاولة الزعماء، يزاحم ملفات الأمن والتجارة والطاقة والحروب، هذا بحد ذاته مؤشر عميق على التحول الذي يشهده العالم، حين تصبح الخوارزميات جزءا من معادلات النفوذ الدولي وموازين القوة العالمية.


الحديث عن إدراج ملف الذكاء الاصطناعي ضمن القمة المرتقبة بين دونالد ترامب وشي جين بينغ ليس خبرا عابرا ، بل رسالة سياسية واستراتيجية واضحة مفادها أن من يمتلك التفوق في هذا المجال، سيمتلك مفاتيح الاقتصاد والأمن والإعلام وحتى القرار السيادي في العقود المقبلة.


الولايات المتحدة تدرك أن تفوقها في الذكاء الاصطناعي يمنحها أفضلية اقتصادية وعسكرية هائلة، فيما ترى الصين أن اللحاق بهذا السباق ليس خيارا، بل ضرورة وجودية للحفاظ على موقعها كقوة عالمية صاعدة، لذلك لم تعد المنافسة محصورة في الرسوم الجمركية أو سلاسل التوريد، بل انتقلت إلى الرقائق الإلكترونية، ومراكز البيانات، والنماذج الذكية، والسيطرة على المعرفة الرقمية.


الأهم من ذلك أن هذه المباحثات تأتي وسط مخاوف متزايدة من تحول الذكاء الاصطناعي إلى ساحة صراع مفتوحة، سواء عبر الاستخدامات العسكرية أو الهجمات السيبرانية أو التحكم بالمعلومات والرأي العام. ولهذا بدأت واشنطن وبكين الحديث عن “إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي” وإنشاء قنوات تواصل خاصة بهذا الملف.


العالم اليوم يدخل مرحلة جديدة حيث لم يعد النفط وحده مصدر القوة، ولا السلاح التقليدي وحده أداة للردع، البيانات أصبحت ثروة، والخوارزميات أصبحت سلاحًا، والذكاء الاصطناعي تحول إلى البنية التحتية الحقيقية للمستقبل.


ومن هنا، فإن حضور هذا الملف في قمة بهذا الحجم، يؤكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد قضية المستقبل فقط، بل قضية الحاضر أيضًا، وأن الدول التي تتأخر عن الاستثمار فيه، ستجد نفسها خارج معادلة التأثير العالمي خلال سنوات قليلة.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 8:53 صباحًا - بتوقيت القدس

فتح: هل يكفي إرث الماضي لصناعة نهوض جديد؟

أيام قليلة تفصل حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” عن عقد مؤتمرها العام الثامن، الذي يفترض أن يشكل محطة تنظيمية وسياسية مهمة، تبدأ بانتخاب أعضاء المجلس الثوري تمهيداً لاختيار اللجنة المركزية، أعلى هيئة قيادية في الحركة. لكن أجواء المؤتمر لا تعكس حالة نهوض أو مراجعة حقيقية بقدر ما تكشف حجم الانقسام الداخلي، والصراعات والتكتلات، وحالة الرضا والغضب التي ترافق إعلان أسماء المشاركين والمرشحين.


وترافق التحضيرات للمؤتمر حالة جدل واسعة داخل الحركة، خصوصاً مع بروز أسماء جديدة يُنظر إليها باعتبارها امتداداً لنفوذ السلطة والعائلة داخل البنية التنظيمية، ومن بينها ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وهو ما يعكس حجم التحولات التي أصابت الحركة وطبيعة الصراع داخلها.


فتح التي انطلقت عام 1965 بوصفها حركة تحرر وطني قادت الكفاح الفلسطيني المعاصر، وقدمت عشرات القادة والشهداء من أعضاء لجنتها المركزية ومؤسسيها، تعيش اليوم واحدة من أصعب مراحلها السياسية والتنظيمية. فمنذ قيام السلطة الفلسطينية، ثم بعد اغتيال الرئيس الراحل ياسر عرفات، دخلت الحركة في تحولات عميقة، أبرزها تغليب منطق السلطة والإدارة على حساب مشروع التحرر الوطني.


وخلال السنوات الماضية، تعمقت الأزمة بفعل سياسات الإقصاء والفصل الداخلي، وكان أبرزها فصل القيادي محمد دحلان، وما تبعه من تشكل “التيار الإصلاحي الديمقراطي” داخل الحركة. كما تراجعت قدرة فتح على تجديد نفسها أو استعادة دورها التاريخي، في ظل قيادة متقدمة في العمر، وأزمة ثقة متفاقمة بين الحركة وقواعدها الشعبية.

لهذا تبدو المقارنات بين “فتح الأمس” و”فتح اليوم” حاضرة بقوة في الوعي الفلسطيني. ففي الماضي، كان الذين يجلسون على مقاعد القيادة رجالاً بأوزان وطنية وسياسية ثقيلة؛ قادة صنعوا الفكرة قبل أن يديروا التنظيم، وحملوا القضية قبل أن يحملوا الصفة. كانوا يمنحون فتح معناها ودورها وحضورها، ليس فقط بالمواقع التي شغلوها، بل بما امتلكوه من رؤية وتجربة وجرأة وارتباط حقيقي بالناس وبالمشروع الوطني.


لكن، كما يقول كثير من أبناء الحركة ومراقبين فلسطينيين، فإن المقاعد ذاتها اليوم لم تعد تنتج المعنى نفسه. يجلس عليها من يديرون حاضر الحركة ومستقبلها، لكن بأوزان أخف، وقدرة أقل، وحضور لا يرقى إلى حجم الإرث التاريخي ولا إلى خطورة المرحلة. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية؛ فالمشكلة ليست فقط في تبدل الأسماء، بل في تبدل المعنى نفسه، وفي انتقال فتح من حركة كانت تصنع الفعل الوطني إلى إطار يستهلك تاريخه أكثر مما يضيف إليه.

لقد أُفرغت فتح، بكل أسف، من كثير من مضمونها وروحها الكفاحية ودورها الطليعي وقدرتها على المبادرة والقيادة. ولذلك لم تعد الحركة تشبه صورتها الأولى، ولن تستعيد مكانتها بمجرد استدعاء الماضي أو ترديد أسماء القادة التاريخيين، لأن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يكفي التاريخ وحده لإنقاذ الحركة؟


وفي ظل هذا التراجع، لم تعد فتح القاطرة التي تجر المشروع الوطني الفلسطيني إلى الأمام، ولا الطليعة القادرة على جمع الفلسطينيين حول أفق سياسي واضح. كما أن تراجع الحركة، إلى جانب تراجع الفصائل الفلسطينية عموماً، وانسداد أفق الوحدة الوطنية، كلها عوامل تلقي بظلال ثقيلة على مستقبل القضية الفلسطينية لسنوات طويلة. فعندما تضعف القاطرة، لا يتعثر حزب وحده، بل يتعثر وطن بأكمله.

ولم تعد أزمة فتح قضية تنظيمية تخص أبناء الحركة وحدهم، بل باتت أزمة فلسطينية عامة، لأن صعود فتح تاريخياً كان صعوداً للمشروع الوطني الفلسطيني، فيما يبدو تراجعها اليوم انعكاساً مباشراً لحالة التآكل والانقسام التي يعيشها الفلسطينيون.


يعيش الفلسطينيون اليوم شعوراً عميقاً باليتم السياسي. لم يعد لديهم زعيم يتكئون عليه في زمن الكارثة، أو قيادة قادرة على تجاوز الحسابات الحزبية والفئوية لمصلحة فلسطين. كثيرون يستعيدون صورة الرئيس الراحل ياسر عرفات بوصفه رمزاً وطنياً استطاع، في لحظات الخطر، أن يوحد الفلسطينيين حول فكرة التحرر الوطني، وأن يجعل من فلسطين القضية المركزية فوق كل الانقسامات.


أما اليوم، فيبدو الفلسطينيون أكثر وحدة في معاناتهم، وأكثر انقساماً في قياداتهم. الاحتلال يواصل فرض وقائعه على الأرض، ويضرب بقسوة في القدس والضفة الغربية، ويمضي نحو تكريس الضم والسيادة الإسرائيلية، فيما ينخر الانقسام الجسد الفلسطيني، وتتمسك المؤسسات فاقدة الشرعية بمواقعها وكراسيها.


وفي غزة، حيث تتجلى المأساة بأقسى صورها، يدفن الأطفال تحت الركام، وتبحث النساء بين البيوت المهدمة عما يسد الرمق، بينما يستمر العالم في إدارة ظهره للمأساة الفلسطينية، وتبقى القيادة الفلسطينية عاجزة عن إنتاج مشروع وطني جامع، أو حتى استعادة ثقة شعبها. أما اللاجئون الفلسطينيون في الشتات، فيعيش كثير منهم شعوراً متفاقماً بالوحدة والغربة، في ظل غياب نظام سياسي فلسطيني قادر على حماية وجودهم الوطني وتمثيلهم الحقيقي.


الفلسطينيون اليوم لا يبحثون فقط عن تغيير أسماء أو انتخاب لجنة مركزية جديدة، بل عن قيادة بحجم فلسطين؛ قيادة تعيد الاعتبار لفكرة التحرر الوطني، وتوحد الناس حول مشروع مقاومة بشكله الواسع ومتعدد الأدوات والوسائل، وإنهاء الاحتلال، لا حول صراعات النفوذ والمناصب.


ففتح لم تكن يوماً شأناً فتحاوياً داخلياً فقط، بل كانت صورة عن الحالة الفلسطينية كلها. ولذلك فإن نهوضها، إن حدث، لن يكون انتصاراً لحركة بعينها، بل استنهاضاً للحالة الوطنية الفلسطينية برمتها. لكن استعادة دورها التاريخي اليوم تبدو أقرب إلى معجزة سياسية، في ظل واقع فلسطيني مثقل بالانقسام والسلطة والاحتلال والتآكل الداخلي.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 8:23 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءة في كتاب 'القيم الإسلامية إلى أين؟': هل يقدم القرآن أفقاً أخلاقياً كونياً؟

يأتي كتاب 'القيم الإسلامية إلى أين؟ مقاربة قرآنية في فلسفة الأخلاق' للباحث عبد الحق الزموري، والصادر عن دار ارتحال للنشر، ليناقش واحدة من أعقد قضايا العصر. يرى المؤلف أن الحديث عن أزمة القيم لم يعد ترفاً فكرياً، بل هو انعكاس لارتباك الإنسان المعاصر أمام تآكل المعايير الأخلاقية الثابتة. ويحاول الكتاب استكشاف ما إذا كان النص القرآني قادراً على تقديم إجابات تتجاوز السياق الديني الخاص نحو أفق إنساني كوني.

يشخص الزموري الواقع الراهن بوصفه عالماً تُعاد فيه صياغة مفاهيم الخير والشر وفق منطق المنفعة والقوة المادية. ويرى أن القيم التي بشرت بها الحداثة، مثل الحرية والكرامة، بدأت تفقد قدرتها على الإلزام في ظل تصاعد النزعات الفردانية المفرطة. هذا التآكل الأخلاقي يدفع الباحث للبحث عن مرجعية أكثر ثباتاً وقدرة على مخاطبة الجوهر الإنساني بعيداً عن المصالح الآنية.

يطرح الكتاب تساؤلاً جوهرياً حول إمكانية استعادة معنى القيم الإنسانية من داخل المرجعية القرآنية في عالم تشكلت مرجعياته خارج الأفق الديني. ولا يتوقف هذا الطرح عند حدود التأصيل الشرعي التقليدي، بل ينفتح على إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق في الفضاء العام. ويسعى المؤلف لتقديم قراءة قادرة على الدخول في حوار فعلي مع التصورات الأخلاقية الحديثة والمعاصرة.

ينطلق الإطار النظري للكتاب من مسلمة مفادها أن القيم ليست مجرد قواعد سلوكية متغيرة أو أعراف اجتماعية ظرفية. بل يميل الزموري إلى منح القيم بعداً معيارياً يتجاوز التاريخ، معتبراً إياها تعبيراً عن حاجة إنسانية فطرية للمعنى والانتظام. ويحاول المؤلف الموازنة بين فكرة 'كونية القيم' وتعدد تمظهراتها في السياقات الثقافية المختلفة دون المساس بجوهرها.

يربط الكتاب بين تراجع المرجعيات الدينية وهيمنة المنطق النفعي وبين ما يسميه 'تآكل البنية الأخلاقية' للمجتمعات الحديثة. ويطرح تساؤلاً منهجياً حول ما إذا كنا نعيش غياباً للقيم أم مجرد تحول في أنماط إنتاجها وتداولها خارج الأطر التقليدية. هذا التشخيص يحدد طبيعة الحل المقترح، حيث يبرز القرآن كمرجعية قادرة على إعادة تأسيس العلاقة بين الإنسان والقيمة.

يتحرك المنهج التأويلي في الكتاب في منطقة دقيقة تتقاطع فيها حدود التفسير الديني مع أفق الفلسفة الأخلاقية المعاصرة. فالمؤلف لا يكتفي باستخراج الأحكام، بل يسعى لإعادة قراءة النص في ضوء أسئلة الكونية والمعنى الإنساني الشامل. هذا الانتقال يتطلب وساطة مفهومية تسمح للنص بمخاطبة إشكالات لم تكن مطروحة وقت نزوله بصيغتها الحالية.

يعتمد الزموري على شبكة مفاهيمية مركزية تشمل العدل والكرامة والحرية والاستخلاف، معتبراً إياها جسوراً بين العالم القرآني والفلسفة الحديثة. ويظهر في الكتاب توتر خفي بين اعتبار هذه القيم متجذرة في بنية النص، وبين كونها مفاهيم كونية سابقة عليه. هذا التردد يضع القارئ أمام تساؤل حول ما إذا كان المؤلف يكتشف المعنى أم يعيد بناءه.

فيما يخص مفهوم العدل، يرفعه الكتاب من وظيفته القضائية الضيقة إلى مستوى المبدأ الكوني الحاكم للعلاقات البشرية كافة. فالعدل في المنظور القرآني الذي يقدمه الزموري هو أساس الوجود الاجتماعي والسياسي الذي لا يفرق بين مؤمن وغير مؤمن. وبذلك تتحول القيمة من توجيه ديني خاص إلى قاعدة إنسانية عامة تصلح كمنطلق للتعايش العالمي.

أما الكرامة الإنسانية، فيتم تناولها في الكتاب بوصفها صفة لصيقة بالإنسان لذاته، وليست امتيازاً يمنح بناءً على معتقد أو عرق. ويرى المؤلف أن القرآن يؤسس لكرامة وجودية تسبق أي تصنيف اجتماعي أو ديني، مما يجعلها قيمة كونية بامتياز. هذا التأصيل يهدف إلى بناء أرضية مشتركة مع مواثيق حقوق الإنسان الحديثة من منظور قرآني.

تُقدم الحرية في هذا العمل بوصفها شرطاً أساسياً لتحقق الفعل الإنساني المسؤول والواعي في الأرض. ويربط المؤلف بين الحرية ومفهوم 'الاستخلاف'، الذي يصور الإنسان كفاعل أخلاقي مكلف بإعمار الكون وفق قيم عليا. الاستخلاف هنا ليس سلطة مطلقة، بل هو مسؤولية أخلاقية تجاه الطبيعة والآخرين تتجاوز الحسابات المادية الضيقة.

يسعى الكتاب لإثبات أن الكونية ليست غريبة عن النص القرآني، بل هي كامنة في بنيته الدلالية وتنتظر التأويل المناسب. غير أن هذا الطموح يصطدم بإشكالية إبستمولوجية تتعلق بمدى إمكانية فصل القيم عن سياقها العقدي الأصلي. ويتساءل النقاد هنا: هل يمكن للقيمة الدينية أن تظل كونية إذا ما جُردت من مرجعيتها الغيبية التأسيسية؟

يقيم المؤلف حواراً ضمنياً مع النماذج الأخلاقية الغربية، مثل الأخلاق الكانطية القائمة على الواجب والنفعية المرتبطة باللذة والألم. ويحاول تقديم الأطروحة القرآنية كبديل أو منافس يتجاوز اختزال الإنسان في 'العقل الأداتي' أو 'المنفعة المادية'. فالمنظور القرآني، بحسب الزموري، يربط الإنسان ببعد وجودي وغائي يمنح حياته معنى أعمق.

يظل الكتاب معلقاً بين أفقين: أفق تأصيلي يحاول إثبات أصالة القيم في النص، وأفق فلسفي يعيد صياغتها بلغة معاصرة. هذا التداخل يجعل المشروع يتأرجح بين كونه اكتشافاً لما هو موجود فعلاً في الوحي، أو إعادة بناء له ليتوافق مع الحداثة. وهي معضلة تواجه معظم المشاريع الفكرية التي تحاول جسر الهوة بين التراث والمعاصرة.

في الختام، يمثل كتاب عبد الحق الزموري محاولة جادة لفتح أفق جديد للتفكير في الأخلاق من منظور إسلامي إنساني. ورغم التحديات المنهجية التي تواجه مثل هذه المقاربات، إلا أنها تفتح باباً للنقاش حول دور الدين في صياغة قيم عالمية مشتركة. يبقى الرهان على مدى قدرة هذه القراءات على التحول من نظريات مجردة إلى واقع أخلاقي ملموس.

اقتصاد

السّبت 09 مايو 2026 8:23 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة الدينار الليبي: لماذا تعثرت خطط المصرف المركزي رغم فائض الدولار والميزانية الموحدة؟

تشهد الساحة الليبية منذ نحو شهر حراكاً مكثفاً في التصريحات الرسمية والإجراءات التنفيذية الرامية إلى تصحيح الوضع الاقتصادي والمالي. ومع ذلك، لا تزال النتائج الملموسة دون سقف الوعود التي أطلقها رئيس الحكومة ومحافظ مصرف ليبيا المركزي، مما يثير تساؤلات جوهرية حول مكامن الخلل في المنظومة الاقتصادية الحالية.

شرع المصرف المركزي في تنفيذ خطة استراتيجية تم اعتمادها العام الماضي، تهدف بشكل أساسي إلى كبح جماح السوق الموازية ومعالجة أزمة نقص السيولة الحادة. وتضمنت هذه السياسات ضبط قنوات توزيع النقد الأجنبي واستحداث أدوات جديدة عبر شركات الصرافة لضمان وصول العملة إلى مستحقيها.

استهدفت خطة المركزي، التي عُرضت على صندوق النقد الدولي في اجتماعات تونس الأخيرة، الوصول بسعر صرف الدولار في السوق الموازية إلى 6.9 دينار. ووعد المصرف بضخ مبالغ ضخمة من العملات الأجنبية شهرياً لتقليص الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء الذي يرهق كاهل المواطنين.

في إطار هذا الاستنفار، وجه المركزي الجهاز المصرفي بتمديد ساعات العمل اليومية وزيادة عدد منافذ الصرف وتكليف أطقم إضافية لتسريع العمليات المالية. ورغم أن هذه الخطوات أدت في البداية إلى تراجع ملحوظ في سعر الدولار، إلا أن العملة الأمريكية عاودت الارتفاع لتلامس سقف 8 دنانير خلال الأسبوع الماضي.

يعتبر المصرف المركزي أن ضبط الإنفاق العام وتوحيد قنواته شرط أساسي لنجاح السياسة النقدية، وهو ما تعهدت به الحكومة والأطراف المعنية. وقد جاء هذا التعهد عقب اتفاق برعاية المصرف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لتوحيد الإنفاق التنموي، في خطوة كان يُؤمل منها تعزيز استقرار العملة.

على الرغم من هذه التعهدات السياسية، لم يتجه الدولار نحو السعر المستهدف، ولم يلمس المواطن الليبي تراجعاً في أسعار السلع والخدمات الأساسية. ويأتي هذا الإخفاق في وقت تشهد فيه أسعار النفط العالمية ارتفاعاً ملحوظاً، مما كان يفترض أن يسهل مهمة المصرف المركزي في تحقيق أهدافه المالية.

يرى مراقبون أن الانتكاسة الأخيرة في سعر الصرف ترسل رسائل سلبية تستوجب وقفة جادة للتقييم والمراجعة الشاملة. فبينما اجتهد المركزي في تطوير أنظمة تداول النقد الأجنبي، يبدو أنه أغفل تفعيل نظام رقابة صارم يمنع التحايل على الإجراءات الجديدة من قبل المضاربين.

تعاني أجهزة الرقابة العامة في ليبيا من ضعف واضح يحملها قدراً كبيراً من المسؤولية عن تدهور الوضع المالي. إن غياب الرقابة الدقيقة يسمح بتسرب العملة الصعبة إلى قنوات غير شرعية، مما يفرغ الإصلاحات النقدية من محتواها ويجعلها مجرد إجراءات شكلية لا تلامس جوهر الأزمة.

يواجه المصرف المركزي تحديين رئيسيين؛ الأول يتعلق بالتحكم الكامل في منظومة التوزيع لضمان انسيابية العملة عبر المصارف والشركات المرخصة. أما التحدي الثاني فهو مواجهة الشبكات غير الرسمية التي تهيمن على إدارة النقد الأجنبي من خلال الاحتكار والمضاربة المنظمة.

تشير تقارير دولية، مثل تقرير منظمة 'سنتري' ولجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة، إلى تداخل مصالح معقدة بين أطراف رسمية وغير رسمية في سوق العملة. هذه التقاطعات تجعل من عملية الإصلاح الاقتصادي مهمة شاقة تتطلب إرادة سياسية تتجاوز مجرد إصدار القرارات الإدارية.

من جانب آخر، تثير الأرقام المتداولة حول الميزانية الموحدة قلقاً بشأن الاستقرار المالي المستقبلي وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. فبينما تحدث رئيس الحكومة عن إنفاق يبلغ 163 مليار دينار، تشير مصادر أخرى إلى أن الرقم الفعلي قد يصل إلى نحو 200 مليار دينار ليبي.

تؤكد تجارب السنوات الماضية في ليبيا أن سقف الإنفاق الفعلي غالباً ما يتجاوز الأرقام المعلنة أو المسربة، مما يشكل ضغطاً هائلاً على احتياطيات النقد الأجنبي. هذا التوسع في الإنفاق قد يعرقل خطط المصرف المركزي ويؤدي إلى مزيد من التضخم وتدهور القوة الشرائية للدينار.

إن السياسة النقدية، مهما كانت أدواتها متطورة، لا يمكنها معالجة الاختلالات الاقتصادية بشكل مستقل عن السياسات المالية والتجارية. فالوضع الاقتصادي الليبي يقع تحت ضغوط متعددة الأبعاد تتطلب تنسيقاً كاملاً بين كافة مؤسسات الدولة لضمان تحقيق الاستقرار المنشود.

في الختام، تظل البيئة السياسية والأمنية المستقرة هي الحاضنة الأساسية لأي نجاح اقتصادي حقيقي في البلاد. فبدون سيادة القانون والمؤسساتية، ستظل المبادرات المالية مجرد مسكنات مؤقتة لا تنهي معاناة المواطن الليبي مع الغلاء واضطراب الأسواق.

اسرائيليات

السّبت 09 مايو 2026 7:53 صباحًا - بتوقيت القدس

تركيا تقتحم نادي الكبار بصاروخ «يلديريم خان» العابر للقارات

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن تحقيق قفزة نوعية في قطاع الصناعات الدفاعية، حيث شهدت نسخة هذا العام من معرض (SAHA 2026) توقيع اتفاقيات ضخمة تجاوزت قيمتها 8 مليارات دولار. وجاء الإعلان بحضور وزير الدفاع يشار غولر ومشاركة واسعة من نحو 1700 شركة دولية، مما يعكس الثقل المتزايد لأنقرة في سوق السلاح العالمي.

تمثلت المفاجأة الكبرى في المعرض بالكشف عن النموذج الأولي لصاروخ (يلديريم خان)، وهو صاروخ باليستي عابر للقارات يتميز بمواصفات فنية استثنائية. ووفقاً للمعلومات المسربة، يبلغ مدى الصاروخ نحو 6000 كيلومتر، مما يجعله قادراً على الوصول إلى أهداف في قارات مختلفة بفاعلية عالية.

تصل السرعة القصوى لصاروخ «يلديريم خان» إلى حدود 25 ضعف سرعة الصوت، وهو ما يضعه في فئة الأسلحة الفرط صوتية التي يصعب اعتراضها بواسطة منظومات الدفاع الجوي التقليدية. كما يتمتع الصاروخ بقدرة فائقة على حمل رؤوس حربية ثقيلة يصل وزنها إلى 3 أطنان، مما يعزز من قوته التدميرية.

بهذا الإنجاز، تنضم تركيا رسمياً إلى النادي الحصري للدول التي تمتلك تكنولوجيا الصواريخ العابرة للقارات، وهي قائمة تضم ثماني دول فقط من بينها الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا. ويعكس هذا التطور طموح أنقرة في التحول من لاعب إقليمي إلى قوة صاعدة ذات تأثير استراتيجي يتجاوز حدودها الجغرافية المباشرة.

أشارت مصادر مطلعة إلى أن الرقم المعلن للمدى (6000 كم) قد يكون أقل من القدرات الحقيقية للصاروخ، حيث تفضل القيادة التركية عدم الإفصاح عن المدى الكامل لتجنب التداعيات السياسية الدولية. ومع ذلك، فإن المدى الحالي يغطي كامل القارة الأوروبية وأجزاء واسعة من آسيا وأفريقيا، مما يمنح أنقرة تفوقاً نوعياً في محيطها.

يعد هذا الصاروخ ثمرة برنامج وطني مكثف استمر لعشر سنوات من البحث والتطوير تحت إشراف مركز البحث والتطوير التابع لوزارة الدفاع التركية. وتقود هذا المركز نيلوفر كوزولو، التي برز اسمها كأحد العقول المدبرة وراء الابتكارات العسكرية التركية الأخيرة التي أثارت اهتمام الخبراء العسكريين حول العالم.

سبق لهذا المركز الدفاعي أن كشف في مناسبات سابقة عن أسلحة نوعية، من أبرزها قنبلة «غضب» التي توصف بأنها أقوى قنبلة غير نووية في الترسانة التركية. كما طور المركز قنبلة «شبح» المصممة خصيصاً لاختراق التحصينات العميقة التي تصل إلى 90 متراً تحت سطح الأرض، مما يعزز القدرات الهجومية النوعية للجيش التركي.

يرى محللون أن توقيت الإعلان عن «يلديريم خان» يحمل رسائل ردع واضحة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة والتهديدات التي تطلقها أطراف دولية وإقليمية. ومع ذلك، تؤكد أنقرة أن تطوير هذه المنظومات هو نتاج رؤية استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي العسكري بعيداً عن الضغوط الخارجية.

نجحت تركيا خلال العقدين الماضيين في قلب موازين الاعتماد على الخارج في مجال التسلح، حيث تحولت من دولة تستورد 70% من احتياجاتها إلى دولة تنتج 75% من سلاحها محلياً. وتعد هذه السياسة ركيزة أساسية في استراتيجية حزب العدالة والتنمية لتعزيز السيادة الوطنية وتقليل الارتهان للموردين الدوليين.

تحمل مواصفات الصاروخ الجديد رسالة صامتة مفادها أن طبقات الردع التركية أصبحت أكثر تعقيداً وتطوراً مما كانت عليه في السابق. فبسرعة تفوق ضعفي سرعة أسرع الصواريخ الإقليمية المنافسة، يثبت «يلديريم خان» أن القدرات الهجومية لأنقرة تجاوزت مراحل التطوير التقليدية إلى مرحلة التفوق التكنولوجي الكامل.

رغم أن تركيا لا تمتلك رؤوساً نووية، إلا أن قدرة الصاروخ على حمل قنابل بفاعلية «غضب» تجعل منه سلاحاً استراتيجياً فتاكاً قادراً على تدمير أهداف محصنة بدقة متناهية. وتتميز هذه القنابل بقدرتها على تحييد الأهداف دون إحداث أضرار جانبية واسعة خارج نطاق الهدف المحدد، مع ضمان عدم القدرة على اعتراضها.

تأتي هذه التطورات في وقت بدأت فيه دوائر أمنية وسياسية دولية تصنف تركيا كقوة صاعدة يجب وضع حسابات دقيقة للتعامل معها. ويؤكد الإعلان الأخير أن أنقرة تمتلك أدوات ردع متعددة المستويات، تجعل من أي محاولة لفرض الهيمنة المطلقة في المنطقة أمراً محفوفاً بالمخاطر وغير مضمون النتائج.

يمثل «يلديريم خان» ذروة الثورة التكنولوجية في التصنيع العسكري التركي، وهو نتاج تخطيط وصبر استمر لسنوات طويلة من العمل الدؤوب. وقد وفرت الإرادة السياسية والدعم المالي اللازمين البيئة الخصبة لنهوض قطاع الصناعات الدفاعية، مما جعل التجربة التركية نموذجاً يدرس في كيفية بناء القوة الذاتية.

في الختام، يضع هذا الصاروخ العابر للقارات تركيا في مكانة دولية جديدة، حيث لم تعد تكتفي بالدفاع عن حدودها، بل أصبحت تمتلك القدرة على الوصول إلى أعماق استراتيجية بعيدة. هذا التحول الجذري في القدرات العسكرية يعيد رسم خارطة التوازنات في الشرق الأوسط وحوض المتوسط، ويؤكد أن أنقرة باتت رقماً صعباً في معادلة الأمن العالمي.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 7:53 صباحًا - بتوقيت القدس

بين النبوءات والهجاء العربي: قراءة ساخرة في عهد ترامب وتناقضاته

يؤمن ملايين الأمريكيين والأوروبيين بأن كتاب 'النبوءات' للمنجم الفرنسي ميشيل دي نوستراداموس يحمل في طياته إشارات لوقائع سياسية ستشهدها دول العالم عبر القرون. وفي هذا السياق، تبرز شخصية دونالد ترامب كمادة خصبة للقراءات التي تربط بين الماضي والحاضر، حيث يرى البعض في سلوكه السياسي تجسيداً لأزمات عميقة أصابت النظام الدولي بالعطب.

لقد ظل ترامب يثبت عبر تصريحاته وأفعاله أنه يمثل حالة استثنائية في التاريخ السياسي الأمريكي، مما دفع الكثيرين لاستدعاء تراث الهجاء العربي القديم لوصف حالته. فمن قصائد الحطيئة إلى هجاء المتنبي، تجد الأوصاف التي أُطلقت على الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ العربي صدىً واسعاً عند إسقاطها على ملامح ترامب السياسية والشخصية.

لم ينجح الرئيس الأمريكي في الوفاء بمعظم الوعود التي قطعها خلال حملاته الانتخابية، وبدلاً من مواجهة الإخفاقات، دأب على إلقاء اللوم الفج على أسلافه في الحكم. وقد وصل الأمر إلى اتهام جو بايدن بإنفاق مليارات الدولارات على تجارب غريبة تتعلق بالفئران، في محاولة لصرف الأنظار عن القضايا الجوهرية.

وفي حادثة سقوط طائرة ركاب أمريكية مطلع عام 2025، لم يتوانَ ترامب عن تحميل الرئيس الأسبق باراك أوباما المسؤولية، رغم أن الأخير غادر السلطة منذ عام 2017. هذا السلوك يعكس رغبة دائمة في خلق خصوم وهميين لتبرير أي خلل يطرأ خلال فترة ولايته، وهو ما يثير سخرية المراقبين السياسيين.

يظهر ترامب في كثير من الأحيان فجوة معرفية واسعة، حيث تتراجع خبرته السياسية لصالح تصريحات تفتقر إلى الدقة التاريخية والجغرافية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ادعاؤه بأن إسبانيا كانت من الدول المؤسسة لمجموعة 'بريكس' الاقتصادية، وهو ما يتنافى مع الواقع تماماً.

تضم مجموعة 'بريكس' في عضويتها دولاً مثل البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، وقد انضمت إليها مؤخراً دول أخرى ليس من بينها أي دولة أوروبية. هذه السقطات المعرفية تعزز الانطباع بأن لسان ترامب يستعصي على الكبح، مما يوقعه في حرج دائم أمام المجتمع الدولي.

على صعيد السياسات الداخلية، كان وعد ترامب بترحيل ستة ملايين مهاجر خلال الأشهر الثلاثة الأولى من حكمه أحد أكثر الوعود إثارة للجدل والقلق. وقد أطلق العنان لقوات إدارة الهجرة والجمارك لتنفيذ عمليات مداهمة واسعة في مختلف الولايات الأمريكية، مما أدى إلى حالات اختطاف واستهداف عشوائي.

ورغم هذه السياسة المتشددة تجاه المهاجرين، ظهرت تناقضات واضحة في التعامل مع بعض الشخصيات العامة، مثل الأمير البريطاني هاري المقيم في الولايات المتحدة. فقد برر ترامب عدم إبعاده قسراً بكونه يواجه مشاكل شخصية كافية مع زوجته ميغان، مما يكشف عن ازدواجية في معايير التنفيذ.

لا يجد ترامب حرجاً في استخدام لغة بذيئة وفاحشة على الملأ، وغالباً ما يستهدف الصحفيين بألفاظ قاسية عندما يواجه أسئلة لا تروق له. هذا الجفاء الفطري تجاه الإعلام يعكس رغبة في السيطرة على الرواية الرسمية وتهميش أي صوت نقدي يحاول كشف الحقائق.

يرى منتقدوه أن افتعال الأزمات في العلاقات الاقتصادية الدولية وفتح النار على الحلفاء التاريخيين هو تكتيك متبع لصرف الأنظار عن سجلات شخصية مثيرة للريبة. ومن بين هذه السجلات، تبرز علاقته السابقة بجيفري إبستين، والتي تظل تلاحقه كشبح في مسيرته السياسية المليئة بالصراعات.

إن الحالة التي يمثلها ترامب دفعت الشعراء المعاصرين والقدامى، عبر استحضار نصوصهم، إلى التعبير عن ضيق الأرض بوجود مثل هذه السياسات التي تزرع البغضاء. فالبغض الذي ولّدته بعض قراراته لم يكن طبعاً أصيلاً في الشعوب، بل كان نتيجة لسياسات عدائية بدأت بالتحريض.

تظل شخصية ترامب مادة دسمة للتحليل النفسي والسياسي، حيث يجمع بين الجهل العصامي والقدرة على حشد الجماهير عبر خطابات شعبوية. هذا المزيج جعل منه ظاهرة تستحق الدراسة، ليس فقط في أروقة السياسة، بل وفي مجالات الأدب والنقد الاجتماعي الساخر.

في نهاية المطاف، يبدو أن التاريخ سيسجل عهد ترامب كفترة من الاضطراب المعرفي والسياسي، حيث تداخلت فيها الحقائق بالأوهام. وسيبقى الهجاء، سواء كان قديماً أو حديثاً، هو المرآة التي تعكس قبح السياسات التي تتجاهل كرامة الإنسان وتعتمد على إثارة الفتن.

إن المقالات التي تتناول هذه الشخصية تعبر عن آراء أصحابها، لكنها تعكس في الوقت ذاته نبضاً عاماً يرفض الانحدار في لغة الحوار السياسي. ويبقى الأمل في أن تستعيد السياسة العالمية توازنها بعيداً عن لغة التهديد والوعيد والجهل بالحقائق الأساسية التي تحكم العالم.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 7:53 صباحًا - بتوقيت القدس

صعود اليمين المتطرف في بريطانيا: عندما يقود الخوف صناديق الاقتراع

لم يعد تصدر اليمين المتطرف لنتائج انتخابات المجالس المحلية في بريطانيا مجرد حدث عابر أو موجة احتجاج مؤقتة، بل هو انعكاس لتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة تراكمت بصمت. لقد انفجر هذا التحول في وجه الطبقة السياسية التقليدية التي اعتقدت طويلاً أن الناخب سيبقى محصوراً بين ثنائية حزبي العمال والمحافظين، ليعيد المجتمع اكتشاف نفسه في مرآة القلق الشعبي المتزايد.

المواطن البريطاني الذي أرهقته فواتير الطاقة المرتفعة وانهيار الخدمات العامة، بات يصوت بدافع الغضب أكثر من الاقتناع الفكرى ببرامج الأحزاب. هذه اللحظة التاريخية هي ما يجيد اليمين المتطرف اقتناصه، حيث يصبح البحث عن 'عدو' خارجي أو داخلي أسهل بكثير من تقديم حلول واقعية للأزمات المعيشية المعقدة التي تعصف بالبلاد.

نجح الخطاب الشعبوي في تحويل قضايا الهجرة واللاجئين والتعددية الثقافية إلى كبش فداء للأزمات التي صنعتها السياسات الاقتصادية الفاشلة للنخب المنعزلة. وبدلاً من محاسبة المسؤولين عن تدهور النظام الصحي وأزمة السكن، جرى توجيه الأنظار نحو المهاجرين والنساء المحجبات، وكأنهم المسؤولون عن تآكل الطبقة الوسطى واختلالات الدولة.

إن صعود اليمين لم يكن نتاج قوة خطابه الذاتية فحسب، بل هو نتيجة للفراغ الأخلاقي والسياسي لدى الخصوم التقليديين الذين انزلقوا لتبني لغة متشددة. فحين يحاول حزب العمال أو المحافظون محاكاة خطاب اليمين خوفاً من خسارة الأصوات، فإنهم يمنحون المتطرفين شرعية مجانية تجعل الناخب يفضل النسخة الأصلية والأكثر صراحة.

جاءت الحرب على غزة لتكشف هشاشة الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان، حيث رصد الشباب البريطاني تناقضاً صارخاً بين شعارات القانون الدولي والصمت أمام المجازر. وقد استغل اليمين حالة الاستقطاب هذه ليعيد إنتاج خطاب يعتبر المسلمين جسماً غريباً، ويصور التضامن مع القضية الفلسطينية كتهديد مباشر للهوية الوطنية البريطانية.

ومع ذلك، فإن اختزال المشهد في كراهية الأجانب فقط يعد قراءة ناقصة، فهناك غضب اجتماعي حقيقي يتجاوز حدود الدين والعرق. المدن الصغيرة والبلدات المنسية التي تعاني من التهميش ترى في لندن السياسية مركزاً لا يسمع صوتها، مما دفع سكانها نحو خيارات راديكالية تعبر عن فقدان الأمان الاقتصادي والمستقبلي.

يطرح الواقع الجديد تساؤلاً حساساً حول مستقبل المسلمين في بريطانيا ومدى حاجتهم للقلق في ظل هذه المتغيرات السياسية المتسارعة. الحقيقة أن تصاعد الخطاب المعادي يخلق بيئة اجتماعية عدائية، ويمنح الجماعات العنصرية جرأة أكبر، مما يضع ضغوطاً متزايدة على سياسات الاندماج والحريات الدينية في المملكة المتحدة.

لكن في المقابل، لا يمكن اعتبار مسلمي بريطانيا اليوم جالية هامشية، بل هم جزء أصيل ومؤثر في النسيج الوطني بمختلف المجالات المهنية والسياسية. لقد أثبتت السنوات الأخيرة امتلاكهم قدرة متزايدة على التأثير الديمقراطي والتنظيم المجتمعي، مما يجعلهم فاعلين أساسيين في الدفاع عن حقوقهم ومواجهة محاولات الإقصاء.

الخطر الحقيقي لا يكمن في صعود اليمين بحد ذاته، بل في احتمال لجوء الأقليات إلى الانغلاق والانسحاب من المجال العام كفعل دفاعي. إن الانكفاء على الذات يمثل هدية مجانية للمتطرفين، بينما يظل الانخراط الإيجابي وبناء التحالفات مع القوى المدنية هو الطريق الأنجع لمواجهة موجات الكراهية المتصاعدة.

تاريخ بريطانيا يشير إلى أنها مرت بمحطات قاسية مشابهة، لكنها نجحت دائماً في استعادة توازنها بفضل نضال القوى الديمقراطية المؤمنة بالتنوع. التنوع البريطاني ليس تهديداً بل مصدر قوة، وإعادة الاعتبار لهذا المفهوم تتطلب عملاً دؤوباً من كافة المكونات المجتمعية لرفض خطاب التقسيم الذي يروج له اليمين.

إن تجار الكراهية يفقدون سوقهم بسرعة عندما يشعر المواطن، بغض النظر عن دينه أو أصله أن الدولة تنصفه وتحفظ كرامته الإنسانية. العدالة الاجتماعية هي الترياق الوحيد لمواجهة الخوف الذي يغذيه المتطرفون، وهي الضمانة لعدم انزلاق المجتمع نحو صراعات هوية لا تخدم سوى أصحاب الأجندات الضيقة.

السؤال الجوهري الذي يجب أن تشغل به النخب السياسية نفسها ليس فقط 'لماذا صعد اليمين؟'، بل 'لماذا تراجعت الثقة في السياسة التقليدية؟'. هذا التراجع هو الذي جعل الناس يبحثون عن الخلاص في أصوات الغضب، وهو ما يتطلب مراجعة شاملة للعقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن في بريطانيا.

المرحلة المقبلة تتطلب يقظة من القوى الليبرالية واليسارية لاستعادة المبادرة وتقديم رؤية اقتصادية واجتماعية شاملة تطمئن المتخوفين من المستقبل. بدون بديل سياسي حقيقي يلمس هموم الناس اليومية، سيبقى خطاب اليمين المتطرف يجد صدى في القلوب التي أرهقها القلق والانتظار الطويل للحلول.

ختاماً، يبقى الرهان على وعي المجتمع البريطاني وقدرته على فرز الخطاب التحريضي من الحلول الواقعية للأزمات الهيكلية التي تعاني منها البلاد. إن مواجهة اليمين المتطرف ليست معركة أمنية أو قانونية فحسب، بل هي معركة قيم وأخلاق تهدف إلى استعادة روح التسامح والعدالة التي ميزت الديمقراطية البريطانية.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 7:53 صباحًا - بتوقيت القدس

حصانة 'سفير الصهيونية' وازدواجية المعايير في الصحافة الأمريكية

لم تعد ممارسة الصحافة في الولايات المتحدة مهمة سهلة أو آمنة كما كانت في السابق، حيث تراجعت البلاد التي كانت تفاخر بتقديس حرية التعبير إلى المرتبة الرابعة والستين في الترتيب العالمي لحرية الصحافة. هذا التدهور الملحوظ وضع واشنطن خلف دول إفريقية ناشئة سياسياً، مما يعكس حجم الأزمة التي يعيشها الإعلام في ظل الاستقطاب السياسي الحاد.

اتخذ الرئيس ترامب من الصحفيين أعداءً دائمين، حيث دأب في خطاباته اليومية على مهاجمتهم ووصف معظم وسائل الإعلام بـ 'الزائفة'. وقد تحولت هذه الكراهية للإعلام المستقل إلى عقيدة سياسية ممنهجة، تتغذى على مشاعر التذمر لدى قاعدته الانتخابية تجاه ما يصفه بـ 'النخب' المسيطرة على مفاصل الدولة.

في ظل هذه الضغوط، اكتسبت جوائز 'بولتزر' المرموقة هذا العام أبعاداً سياسية تتجاوز التكريم المهني التقليدي، حيث منحت لفريق من 'مصادر' صحفية وثقوا استغلال ترامب للسلطة الفدرالية. كما كرمت 'واشنطن بوست' و'نيويورك تايمز' لتقارير استقصائية كشفت عن عمليات إعادة هيكلة عشوائية للوكالات الحكومية وتجاوزات في ملفات تضارب المصالح.

رغم هذا التميز المهني، تظل الصحافة الأمريكية المرجعية أسيرة لانحيازات أيديولوجية عميقة عندما يتعلق الأمر بدولة الاحتلال الإسرائيلي. ويظهر ذلك بوضوح في التغطيات التي تتجاهل الحقائق الميدانية في غزة، وتركز بدلاً من ذلك على حماية الرواية الإسرائيلية وملاحقة منتقدي السياسات الصهيونية بتهم جاهزة.

برز هذا التناقض في الحوار الذي أجرته 'نيويورك تايمز' مع المذيع تاكر كارلسون، الذي تحول إلى أحد أقوى نقاد إسرائيل في الساحة الأمريكية. كارلسون لم يتردد في وصف ترامب بأنه أصبح 'خادماً لدى نتنياهو'، منتقداً انجرار الإدارة الأمريكية خلف المخططات الإسرائيلية لشن حروب في المنطقة، لا سيما ضد إيران.

المثير للاستغراب أن الأسئلة الصحفية الموجهة لكارلسون لم تركز على جوهر انتقاداته لهيمنة اللوبي المؤيد لإسرائيل، بل انصبت على محاولة وصمه بـ 'معاداة السامية'. تجاهلت المحاورة تماماً سقوط عشرات الآلاف من الضحايا في غزة، واهتمت فقط بمدى 'جرح مشاعر الصهاينة' عند الحديث عن جريمة الإبادة الجماعية.

وفي سياق متصل، تبرز تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، كنموذج صارخ لهذا الانحياز، حيث يتبنى خطاباً يشرعن توسع الاحتلال وضم أراضي الدول المجاورة. هاكابي، الذي يوصف بأنه 'سفير الصهيونية'، يستند في مواقفه إلى ما يسميه 'الوعد الإلهي'، وهو منطق يرفضه العقل السياسي السليم لكنه يجد قبولاً في دوائر صنع القرار.

تاريخياً، لم تتوقف إسرائيل عن التحريض على زعزعة استقرار المنطقة، بدءاً من غزو العراق عام 2003 وصولاً إلى التهديدات الحالية لتركيا وباكستان. ومع استمرار هذا النهج، يبدو أن الصحافة الأمريكية تخلت عن دورها الرقابي، لتصبح في كثير من الأحيان غطاءً لمشاريع التوسع التي تهدد الأمن الإقليمي والدولي.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 7:53 صباحًا - بتوقيت القدس

إسماعيل الفاروقي ومشروع أسلمة المعرفة: قراءة في تعثر النهضة العربية

تعد حركة 'أسلمة المعرفة' واحدة من أبرز المحاولات الفكرية التي انطلقت في الولايات المتحدة الأمريكية على يد المفكر الفلسطيني الراحل إسماعيل الفاروقي. هدفت هذه الحركة بشكل أساسي إلى إعادة صياغة العلوم الغربية الحديثة، خاصة تلك التي تقوم على أسس لادينية، ودمج القيم الإسلامية في صلبها المعرفي.

ركز الفاروقي في مشروعه على علوم الاجتماع والاقتصاد وعلم النفس، محاولاً ردم الهوة بين المناهج الغربية والواقع القيمي للعالم الإسلامي. وقد استند في رؤيته إلى تكوين فلسفي وديني عميق اكتسبه خلال مسيرته الأكاديمية الطويلة في جامعات أمريكية مرموقة، أبرزها جامعة تمبل.

ولد إسماعيل الفاروقي في مدينة يافا الفلسطينية عام 1921، وتلقى تعليمه الأولي في فلسطين والعالم العربي قبل أن يشد الرحال إلى الغرب. تميزت حياته بالنشاط الفكري الواسع والاهتمام بفتح قنوات الحوار بين الأديان والحضارات المختلفة، مما جعله شخصية محورية في الفكر الإسلامي المعاصر.

انتهت حياة الفاروقي بشكل مأساوي في عام 1986، حيث تعرض للاغتيال هو وزوجته لويس لمياء داخل منزلهما بمدينة قرب فيلادلفيا. ورغم أن الرواية الرسمية حصرت الدوافع في الجانب الجنائي والسرقة، إلا أن فرضيات فكرية وسياسية لا تزال تلوح في الأفق حول استهدافه بسبب نشاطه.

ترك الفاروقي إرثاً مؤلفاً ضخماً، لعل أبرزها كتاب 'التوحيد: مضامينه في الفكر والحياة' الذي لخص فيه رؤيته الشاملة للعقيدة كأساس للحضارة. كما شارك مع زوجته في تأليف 'أطلس الحضارة الإسلامية'، إلى جانب عشرات الأبحاث التي تناولت الفن والعمارة والفكر الإسلامي.

لم يكتفِ المشروع بالأفكار النظرية، بل تحول إلى مؤسسات فاعلة، كان أبرزها 'المعهد العالمي للفكر الإسلامي' الذي تأسس عام 1981 في أمريكا. عمل المعهد كحاضنة فكرية استقطبت كبار المفكرين مثل طه جابر العلواني وعبد الحميد أبو سليمان لنشر مشروع الأسلمة.

امتد أثر الحركة ليصل إلى جنوب شرق آسيا، حيث تأسست جامعات في ماليزيا وباكستان تتبنى هذه الرؤية التعليمية. ومن أبرز الشخصيات التي ساهمت في هذا المسار أنور إبراهيم، الذي تقلد لاحقاً منصب رئيس وزراء ماليزيا، مما عكس تقاطع الفكر مع الإدارة السياسية.

يرى مراقبون أن حركة أسلمة المعرفة نشأت من شعور عميق لدى علماء مسلمين في الغرب بضرورة مواكبة التقدم العلمي دون التخلي عن الهوية. وكان الطموح هو تحويل العلوم من قوالبها الغربية الصرفة إلى أدوات تخدم النهضة الحضارية الإسلامية المنشودة.

رغم هذه الجهود، يواجه المشروع انتقادات تتعلق ببقائه حبيس الأروقة النخبوية والمكتبات، دون أن يلامس الواقع الشعبي بشكل ملموس. ويُعزى ذلك إلى أن الأزمة الحقيقية قد لا تكمن في 'أسلمة العلم' ذاته، بل في العقلية التي تتعامل مع هذا العلم.

يشير التحليل إلى أن جزءاً كبيراً من المجتمعات المسلمة لا يزال يعاني من 'عقلية خرافية' تبتعد عن منطق الأخذ بالأسباب. وتعود جذور هذه المشكلة إلى موروثات صوفية غالية أثرت على التفكير السببي، بعيداً عن تصوف التزكية المنضبط بالكتاب والسنة.

يستحضر المقال نموذج الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التعامل مع الأسباب، حين رفض دخول بلدة موبوءة بالطاعون. فكان رده 'نفر من قدر الله إلى قدر الله' تجسيداً للعقلية الإسلامية العلمية التي لا تتناقض مع الإيمان بالقدر.

إن تجربة المسلمين الأوائل في ترجمة علوم اليونان والرومان والهنود تقدم درساً تاريخياً في كيفية استيعاب المعرفة وتطويرها. فقد أسلموا علوم الطب والرياضيات والفلك، بل وابتكروا علوماً جديدة كالجبر والكيمياء بفضل عقليتهم المنفتحة والمنضبطة في آن واحد.

تظل الأولوية القصوى اليوم هي إعادة بناء 'الإنسان المسلم' صاحب العقلية العلمية المرتبطة بالوحي والواقع معاً. فإذا ما تحرر العقل من التأثيرات العرفانية الدخيلة التي تعطل التفكير السببي، ستصبح عملية تطويع العلوم الحديثة أمراً ميسوراً وتلقائياً.

في الختام، يبقى مشروع إسماعيل الفاروقي محطة هامة في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث، رغم التحديات التي واجهته. إن العبرة تكمن في تحويل هذه الأفكار من نظريات أكاديمية إلى منهج حياة يعيد للمسلم دوره الريادي في بناء الحضارة الإنسانية.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 7:23 صباحًا - بتوقيت القدس

مبادرة عون للتفاوض المباشر: رهان على 'الإذعان' أم مناورة في توقيت حرج؟

تشهد الساحة اللبنانية تعقيدات متلاحقة عقب إطلاق الرئيس جوزيف عون مبادرة للتفاوض المباشر مع القيادة الإسرائيلية، في خطوة تعكس تبدلاً في الحسابات السياسية. وتأتي هذه المبادرة في ظل تقديرات وصفت بأنها لم تكن دقيقة بشأن حجم المطالب الأمريكية والإسرائيلية المتعلقة بسلاح المقاومة ومستقبل الوضع اللبناني العام.

أفادت مصادر بأن الضغوط الأمريكية تزايدت بشكل ملحوظ، حيث عبرت واشنطن عن إلحاحها في ملف نزع السلاح، بينما صعد الاحتلال الإسرائيلي من عملياته العسكرية للضغط على صانع القرار في بيروت. وقد ترافق ذلك مع محاولات لإحراج الرئاسة اللبنانية عبر منصات دولية، في حين بدا أن هناك توجهاً لتعزيز أوراق قوى سياسية أخرى على حساب مؤسسة الرئاسة.

في ظل هذا الانسداد، جنحت المداولات داخل أروقة القرار في بعبدا نحو إحداث استدارة كاملة في السياسة الخارجية عبر طرح خيار المفاوضات المباشرة. وتستند هذه المقاربة إلى فرضية أن ميزان القوى قد حسم لمصلحة المحور الأمريكي الإسرائيلي، وهو ما يتقاطع مع رؤى قوى محلية طالبت منذ أمد بتبني هذا المسار كحل للأزمة الراهنة.

ميدانياً، أطلقت واشنطن يد تل أبيب في إدارة حرب شاملة تهدف إلى إخضاع الدولة اللبنانية وتصفية قدرات المقاومة العسكرية. ورغم حشد الاحتلال لنخبة قواته، إلا أنه اصطدم بمقاومة ضارية اتسمت بالتكيف والصلابة، واستخدمت مسيرات مستعصية على الرصد، مما استنزف المهل الزمنية التي وضعها بنيامين نتنياهو لتحقيق أهدافه.

أقرت مصادر إسرائيلية بالعجز عن تفادي الخسائر البشرية والمادية الجسيمة، مما دفع أصواتاً داخل الكيان للمطالبة بالانسحاب وحصر الأهداف في تأمين مستوطنات الشمال. هذا التراجع النسبي في الطموحات الميدانية تزامن مع صمود إقليمي غير متوقع، مما أدى إلى استحضار مبادرة الرئيس عون مجدداً بعد فترة من التجاهل المتعمد.

سارعت الأطراف المعنية في بيروت وواشنطن وتل أبيب إلى ترتيب لقاءات دبلوماسية رفيعة المستوى، شملت اجتماعات بين سفراء الجانبين بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقد حدد ترامب سقفاً زمنياً مدته ثلاثة أسابيع لعقد لقاء مباشر بين رئيسي لبنان وإسرائيل، في خطوة تهدف لتحقيق انتصار سياسي ومعنوي لواشنطن.

بالتوازي مع هذه التحركات الدبلوماسية، لم يتوقف إطلاق النار بل استمر العدوان الإسرائيلي بزخم أكبر، حيث أكدت الخارجية الأمريكية على ما أسمته 'حق الدفاع عن النفس' للاحتلال. وركزت التفاهمات الأولية على التعاون لنزع سلاح المقاومة، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لفرض اتفاق إذعان على الدولة اللبنانية تحت وطأة القصف.

على الجبهة الأخرى، انخرطت المقاومة مجدداً في الصراع منذ مطلع آذار الماضي، معلنة مرحلة جديدة من التصدي للاعتداءات الإسرائيلية بعد فترة من الترقب. وقد فاجأت هذه العودة الميدانية الدوائر الاستخباراتية، حيث أظهرت المقاومة قدرة عالية على التعافي والاستفادة من تجارب المواجهات السابقة لتوجيه ضربات أكثر إيلاماً.

رغم التصعيد الميداني الذي وصل إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، يواصل الفريق الرئاسي تمسكه بخيار التفاوض، وسط تحذيرات من أن يؤدي هذا المسار إلى فتنة داخلية. وقد لوحظت تحركات دولية وعربية لتدارك الموقف ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة غير مسيطر عليها، خاصة مع فشل محاولات زج الجيش اللبناني في صدام مباشر مع المقاومة.

يتمسك المدافعون عن خيار المقاومة بالثوابت التاريخية التي أرستها وثيقة الوفاق الوطني 'الطائف'، والتي أكدت على دعم كافة الوسائل لتحرير الأرض من الاحتلال. ويشدد هؤلاء على أن أي محاولة لتزوير التاريخ أو القفز فوق البيانات الوزارية السابقة التي شرعت المقاومة، ستكون مغامرة خطيرة تهدد الاستقرار الوطني وتخدم المشروع الصهيوني في المنطقة.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 6:53 صباحًا - بتوقيت القدس

بين التهديد والواقع.. لماذا تتعارض أفعال ترامب مع أقواله في أزمة هرمز؟

شهدت الساحة السياسية خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية تذبذباً حاداً في مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعلن عن إطلاق مشروع 'حرية الملاحة' في مضيق هرمز ثم تراجع عنه سريعاً. هذا التراجع يعكس فجوة عميقة بين التهديد العسكري والقدرة على التنفيذ، حيث حاول ترامب الإيحاء بجدية التحرك عبر حشد آلاف الجنود وعشرات الطائرات والقطع البحرية.

يرى مراقبون أن إعلان ترامب تعليق العملية العسكرية بذريعة وجود وساطة باكستانية أو تقدم في المفاوضات ليس سوى محاولة للحفاظ على ماء الوجه. الحقيقة تكمن في أن مضيق هرمز يمثل 'عقدة المنشار' التي لا يحتمل الاقتصاد العالمي، والأمريكي على وجه الخصوص، تبعات إغلاقه أو استمرار التوتر فيه لفترات طويلة.

إن التلويح بالقوة يهدف في جوهره إلى التأثير على أسعار النفط ومنع تصاعدها المستمر، وهو ما يفسر لجوء واشنطن لإشاعات التوافق مع طهران. ومع ذلك، فإن الواقع الميداني يشير إلى بقاء أكثر من ألفي سفينة تجارية وناقلة نفط في حالة ترقب، بانتظار حلول تضمن المرور الآمن بعيداً عن لغة الاشتباك العسكري.

في المقابل، تبدو إيران أكثر جرأة في إدارة الصراع، حيث انتقلت من مرحلة امتصاص الصدمات إلى فرض قواعد اشتباك جديدة في الميدان وفي غرف التفاوض. وقد تجلى ذلك في ردها على المقترحات الأمريكية بمقترحات مضادة، ورفضها لمسودات التفاهم التي وصفتها بأنها تتضمن شروطاً غير مقبولة وتنتقص من سيادتها.

لقد أثبتت طهران سيطرتها الفعلية على مضيق هرمز من خلال إطلاق آلية تنظيمية جديدة للملاحة تلزم السفن باتباع لوائحها الخاصة. هذا التحرك العملي، المدعوم بالقدرات الصاروخية والطائرات المسيرة، وضع الإدارة الأمريكية في موقف محرج، خاصة بعد فشل محاولات الاقتراب من المضيق التي قوبلت برد حازم.

يتساءل الكثيرون عن مدى استعداد ترامب لإبرام اتفاق حقيقي ينهي حالة التوتر، خاصة وأن أي تراجع حالي قد يُفسر كإعلان فشل لمغامراته العسكرية غير المحسوبة. فالإدارة الأمريكية تجد نفسها اليوم أمام خصم صمد في وجه أقصى الضغوط الاقتصادية والعسكرية، وبات يمتلك زمام المبادرة في الساحتين السياسية والميدانية.

التناقض في شخصية ترامب يمتد ليشمل ملفات دولية أخرى، حيث يلاحظ أن تهديداته غالباً ما تنتهي دون نتائج ملموسة على الأرض. من غزة إلى الصين وفنزويلا، تكررت سيناريوهات الوعيد التي أعقبتها تراجعات أو نتائج عكسية، مثل الفائض التجاري الضخم الذي حققته بكين رغم الحرب الجمركية الأمريكية.

يدعي الرئيس الأمريكي سعيه للسلام واستحقاقه لجائزة نوبل، في وقت يستمر فيه بالتحالف الوثيق مع بنيامين نتنياهو في ملفات غزة ولبنان. هذا التناقض يضع مصداقية واشنطن على المحك، خاصة وأنها تسير جنباً إلى جنب مع قيادات تواجه اتهامات دولية بارتكاب جرائم حرب، مما ينفي صفة 'رجل السلام' عن ترامب.

تاريخياً، حاول نتنياهو إقناع الإدارات الأمريكية السابقة، ومنها إدارة أوباما، بشن حرب على إيران بذات الذرائع الحالية، لكن تلك المحاولات قوبلت بالرفض. أما ترامب، فقد حاول السير في هذا الطريق طمعاً في غنائم سياسية واقتصادية، منها السيطرة على اليورانيوم المخصب أو التحكم في عصب الطاقة العالمي عبر مضيق هرمز.

في نهاية المطاف، أثبتت الأيام أن الحروب لا تُدار عبر منصات التواصل الاجتماعي أو بالخطابات الرنانة التي تفتقر للرصيد الواقعي. ورغم ادعاءات النجاح العسكري الهائل، إلا أن الوقائع تشير إلى أن 'النمر الأمريكي' يواجه مأزقاً حقيقياً في الخليج، حيث لم تعد الأقوال تطابق الأفعال في ظل موازين قوى دولية وإقليمية متغيرة.

تحليل

السّبت 09 مايو 2026 5:45 صباحًا - بتوقيت القدس

الاستخبارات الأميركية تناقض ترمب: إيران قادرة على الصمود أشهراً رغم الحصار والحرب المفتوحة

رسالة واشنطن


الاستخبارات


واشنطن – سعيد عريقات-9/5/2026


تحليل إخباري


تكشف تسريبات أخيرة عن فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي الذي يقدمه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وبين التقديرات الاستخباراتية الأكثر حذراً داخل مؤسسات الدولة الأميركية بشأن الحرب المفتوحة مع إيران. فبينما يواصل ترمب تصوير الحصار البحري على إيران باعتباره "نجاحاً ساحقاً" يقود طهران نحو الانهيار، تؤكد تقديرات سرية أعدتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أن إيران قادرة على الصمود اقتصادياً وعسكرياً لعدة أشهر، وربما لفترة أطول بكثير مما يعلنه البيت الأبيض.


وبحسب ما نسبته صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية لأربعة مسؤولين مطلعين ، فإن التحليل السري الذي قُدم لصناع القرار هذا الأسبوع خلص إلى أن إيران تستطيع تحمل الحصار الأميركي بين 90 و120 يوماً قبل أن تواجه ضغوطاً اقتصادية أكثر خطورة. هذه الخلاصة لا تُضعف فقط رواية ترمب حول "الانتصار السريع"، بل تعيد طرح سؤال قديم في الحروب الأميركية: هل تبالغ الإدارات الأميركية عمداً في تقدير نتائج القوة العسكرية، فيما تكون الوقائع على الأرض أكثر تعقيداً وأقل حسماً؟


المفارقة أن التقييم الاستخباراتي لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يشير أيضاً إلى أن إيران ما تزال تحتفظ بجزء كبير من قدراتها الصاروخية رغم القصف الأميركي والإسرائيلي المكثف. فوفق مسؤول أميركي، ما تزال طهران تمتلك نحو 70 بالمئة من مخزونها الصاروخي قبل الحرب، إضافة إلى 75 بالمئة من منصات الإطلاق المتحركة. كما تمكنت من إعادة تشغيل معظم منشآت التخزين تحت الأرض، وإصلاح صواريخ متضررة، وحتى استكمال تصنيع صواريخ كانت قيد التجهيز قبل اندلاع الحرب.


هذه التقديرات تقوض بشكل مباشر تصريحات ترمب، الذي أكد أن الصواريخ الإيرانية "دُمّرت تقريباً". فالفجوة بين الرواية السياسية والتقييم الاستخباراتي ليست مجرد اختلاف تقني، بل تعكس صراعاً أعمق داخل واشنطن بين منطق الاستعراض السياسي ومنطق المؤسسات الأمنية التي تتعامل مع الوقائع بعيداً عن الشعارات الانتخابية.


تكشف الحرب الحالية مع إيران عن أزمة متجذرة في العقل الاستراتيجي الأميركي، تقوم على الاعتقاد بأن التفوق العسكري قادر وحده على فرض الاستسلام السياسي. هذا المنطق سبق أن فشل في العراق وأفغانستان، ويتكرر اليوم بصورة مختلفة مع إيران. فالحصار والعقوبات والقصف قد يضعفون الدولة المستهدفة، لكنهم لا يضمنون انهيارها. بل إن الضغوط الخارجية كثيراً ما تدفع الأنظمة المحاصرة إلى مزيد من التشدد والتماسك الأمني. الأخطر أن واشنطن تبدو وكأنها تراهن على إنهاك الشعب الإيراني أكثر من تغيير الحسابات السياسية للنظام، وهي مقاربة تحمل كلفة إنسانية وسياسية هائلة.


من جهة أخرى، يبدو أن الإدارة الأميركية تراهن على أن الحصار البحري سيشل الاقتصاد الإيراني بسرعة، خصوصاً مع استهداف صادرات النفط. غير أن طهران أظهرت قدرة واضحة على التكيف، سواء عبر تخزين النفط في ناقلات بحرية، أو عبر تقليص تدفق الإنتاج للحفاظ على الآبار، أو حتى عبر التفكير بمسارات تهريب برية وسكك حديدية عبر آسيا الوسطى. وهذا يعكس خبرة تراكمت لدى إيران خلال عقود من العقوبات الغربية.


ولعل الأهم هو أن الحروب الاقتصادية لا تُقاس فقط بحجم الخسائر اليومية، بل بقدرة النظام السياسي على امتصاص الصدمات. وأحد المسؤولين الأميركيين قال لواشنطن بوست إن القيادة الإيرانية أصبحت "أكثر راديكالية وتصميماً" على الصمود، بل وتعتقد أنها قادرة على استنزاف الإرادة السياسية الأميركية نفسها. وهذه النقطة بالذات تثير قلقاً داخل بعض الدوائر الأميركية، لأن التاريخ الحديث يثبت أن الرأي العام الأميركي غالباً ما يفقد اهتمامه بالحروب الطويلة عندما ترتفع الكلفة الاقتصادية والعسكرية.


ويكشف تاريخ العقوبات الأميركية حقيقة نادراً ما تعترف بها واشنطن علناً: العقوبات الشاملة نادراً ما تُسقط الأنظمة، لكنها غالباً ما تُدمر المجتمعات المدنية وتُعيد تشكيل الاقتصاد لصالح الشبكات المرتبطة بالسلطة. إيران اليوم ليست دولة معزولة بالكامل، بل تمتلك شبكات تجارة وتهريب وتحالفات إقليمية تمنحها هامشاً للحركة. لذلك فإن الحديث الأميركي عن "خنق كامل" للاقتصاد الإيراني يبدو أقرب إلى الدعاية السياسية منه إلى الواقع الميداني. كما أن استمرار الحصار قد يدفع طهران نحو مزيد من التصعيد الإقليمي، بدلاً من دفعها نحو التراجع أو الاستسلام.


ورغم الخسائر الإيرانية الكبيرة، بما في ذلك مقتل قيادات بارزة وتدمير أجزاء من البنية العسكرية، إلا أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن طهران ما تزال قادرة على إلحاق أضرار ملموسة بالقوات الأميركية وحلفائها في المنطقة. فقد أظهرت تحقيقات بصرية نشرتها واشنطن بوست أن الضربات الإيرانية أصابت أو دمرت ما لا يقل عن 228 منشأة أو قطعة معدات في مواقع عسكرية أميركية بالشرق الأوسط، وهو حجم دمار يفوق بكثير ما اعترفت به واشنطن رسمياً.


وهنا تظهر معضلة أخرى: فكلما بالغت الإدارة الأميركية في تصوير الحرب كـ"نصر كامل"، ازدادت صعوبة التراجع أو تقديم تنازلات سياسية لاحقاً. وهذا يفسر التناقض الحالي؛ إذ يعلن ترمب أن إيران "تنهار"، فيما تؤكد الاستخبارات الأميركية أن طهران ما تزال تمتلك أدوات الصمود والردع.


ولا تكمن المشكلة الأعمق في خطاب ترمب فقط في المبالغة، بل في تحويل الحرب إلى عرض سياسي دائم. فالرئيس الأميركي يتحدث عن "جدار فولاذي" وعن "تقدم عظيم" في المفاوضات بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية، وكأن الحرب أصبحت جزءاً من صناعة الصورة السياسية أكثر من كونها صراعاً معقداً يحمل مخاطر إقليمية هائلة. هذا الأسلوب قد يمنح زخماً إعلامياً مؤقتاً، لكنه يضعف الثقة بالمؤسسات عندما تتناقض التصريحات الرسمية مع تقارير الاستخبارات والتقديرات العسكرية الواقعية. وفي النهاية، فإن الحروب لا تُحسم بالشعارات، بل بميزان القدرة على التحمل والاستنزاف طويل المدى.


ولا يبدو أن الحرب الأميركية ضد إيران تتجه نحو حسم سريع كما يروج البيت الأبيض. بل إن المعطيات المسربة تشير إلى مواجهة طويلة ومفتوحة، يكون فيها عامل الصمود أكثر أهمية من الضربات الدعائية. وبينما يواصل ترمب الحديث عن "الانتصار"، تبدو المؤسسات الاستخباراتية الأميركية أكثر إدراكاً لحقيقة أن إيران، رغم الجراح العميقة، ما تزال بعيدة عن الانهيار الكامل.

تحليل

السّبت 09 مايو 2026 5:41 صباحًا - بتوقيت القدس

الذاكرة في مواجهة المحو: "كلّ ما تبقّى منك" لشيرين دعيبس

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات -9/5/2026


في الأول من أيار، جلستُ لمشاهدة فيلم "كلّ ما تبقّى منك" (2025) للمخرجة شيرين دعيبس، دون تصوّرٍ بأنني على وشك أن أُستدرج إلى قلب حكايةٍ تنبض بالألم كما تنبض بالحياة. لم تكن مجرد صورٍ تمرّ على الشاشة، بل وجوهٌ تتنفس، وذكرياتٌ تستيقظ، وجراحٌ ترفض أن تصمت. الفيلم لا يسرد الحكاية بقدر ما يوقظها، ينتشلها من بين الركام، ويضعها أمامنا عاريةً، كحقيقةٍ لا تقبل التجميل. هنا، لا تظهر النكبة كذكرى بعيدة في زمنٍ منقضٍ، بل كنبضٍ لا يهدأ، كوجعٍ مفتوح، وكحياةٍ تُقاتل، بكل ما تبقّى فيها، كي لا تُمحى.


تنسج دعيبس عملها بخيوط الذاكرة الممزقة، وتقول بصوتٍ منخفض لكنه نافذ: ما حدث لم ينتهِ. فالبيوت التي هُدمت، والأراضي التي سُلبت، والوجوه التي أُجبرت على الرحيل، لم تُدفن في أرشيف التاريخ، بل تحوّلت إلى واقعٍ يوميّ يتوارثه الأبناء كما يتوارثون أسماءهم. النكبة هنا ليست ماضياً يُستعاد، بل حاضرٌ يُعاش، يتبدّل شكله، لكنه لا يفقد جوهره.


يفتتح الفيلم رحلته في الضفة الغربية المحتلة خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، حيث نلتقي نور، الفتى الذي يحاول أن يكبر في مكانٍ يضيق بكل معنى للنمو. نور ليس بطلاً بالمعنى التقليدي؛ إنه مجرد صبيّ يحلم بأن يمشي دون خوف، أن يضحك دون أن يراقبه جندي، أن يكون عادياً في عالمٍ يحرمه حتى من عاديته. تلاحقه الحواجز، وتراقبه البنادق، وتثقل خطواته أسئلة لا تليق بعمره.


تلتقط الكاميرا تفاصيل الحياة تحت الاحتلال كما لو كانت تلامس جرحاً مفتوحاً: الطريق إلى السوق مغامرة، والوقوف في الشارع مخاطرة، والهتاف في مظاهرة قد يكون آخر ما يُقال. وحين تنطلق الرصاصات نحو المتظاهرين، لا يبدو المشهد صدمةً مفاجئة، بل كأنه استمرارٌ بارد لمنطقٍ طويل من السيطرة، حيث يُختزل الإنسان إلى هدفٍ في مرمى القوة.


ثم، كما لو أن الذاكرة لا تقبل أن تُروى من طرفٍ واحد، يعود الفيلم إلى يافا عام 1948، حيث تبدأ الحكاية التي لم تنتهِ. هناك، نفقد مع شريف ومنيرة ليس فقط بيتاً أو بستان برتقال، بل نفقد فكرة "الاستقرار" ذاتها. تتسلل إلى المشاهد ظلال مجزرة دير ياسين، لا كحدثٍ منفصل، بل كخوفٍ جماعي يسكن العيون ويعجّل الرحيل. كل نظرة بين أبٍ وطفله، كل يدٍ تُشدّ على عجل، تحمل سؤالاً واحداً: إلى أين نذهب حين يُسلب منا المكان؟


ما يمنح الفيلم تلك الرهافة القاسية، هو أنه لا يصرخ بقدر ما يهمس، ولا يدين بقدر ما يكشف. إنه يقف في وجه عقودٍ من السرديات التي جرّدت الفلسطيني من صوته، وحوّلته إلى رقمٍ أو خبرٍ عابر. هنا، يستعيد الإنسان اسمه، وملامحه، وحقه في أن يُروى كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.


ومع ذلك، لا يبقى الفيلم أسير الماضي. إذ يستحيل على المشاهد اليوم أن يفصل بين صوره وما يحدث في قطاع غزة، حيث تتكرر المأساة بأدواتٍ أكثر فتكاً، لكن بالمنطق ذاته: أحياء تُمحى، وأجساد تُثقلها الحروب، وذاكرة تُدفع نحو النسيان. وكأن الزمن يدور في حلقةٍ مغلقة، يعيد كتابة الألم ذاته، بأسماءٍ مختلفة.


ويمتد هذا الصدى إلى ما هو أبعد من فلسطين، إلى لبنان، وإلى فضاءاتٍ لا حدود لها، حيث يتكرر منطق القوة ذاتها، وتُعاد سردية الإفلات من الحساب. في هذا الاتساع، لا يعود الفيلم مجرد حكاية شعب، بل شهادة على عالمٍ يختار أحياناً أن يغضّ الطرف.


ومع كل هذا الثقل، يترك الفيلم فسحةً للحنين، للدفء الإنساني الذي يرفض أن ينكسر. نرى الأعراس، ونسمع الضحكات، ونشهد لحظات حبٍ صغيرة، كأنها تتحدى الخراب. الفلسطيني هنا ليس فقط من يتألم، بل من يحب، ومن يحلم، ومن يتمسك بالحياة كما لو كانت آخر ما تبقّى له.


يقدّم آدم بكري أداءً مشبعاً بالصمت النبيل، حيث تختبئ الأحزان في نظراته أكثر مما تُقال بالكلمات. أما محمد عبد الرحمن، فيجسّد شخصية نور بصدقٍ هشّ ومربك، كأننا نرى في عينيه طفولةً تحاول أن تنجو من ثقل العالم. الصورة السينمائية، بضوء المتوسط ودفء حجارة البيوت، تمنح الفيلم روحاً مزدوجة: حميمية كذكرى، واتساعاً كملحمة.


قد تبدو بعض لحظات الفيلم مباشرة في خطابها، لكن هذه المباشرة، في عالمٍ يعتاد تجاهل الألم، تصبح ضرورة. فحين تُنكر الحكاية، يصبح قولها بصوتٍ واضح عملاً أخلاقياً بحد ذاته.


في الختام، لا ينطفئ هذا الفيلم على شاشةٍ سوداء، بل يظلّ متوهجاً في الذاكرة كجرحٍ يرفض أن يلتئم. إنه ليس مجرد حكاية تُروى، بل شهادة تُنتزع من قلب الصمت، وصرخةٌ أخيرة في وجه عالمٍ اعتاد أن يدير نظره. هنا تبلغ الحكاية ذروتها لا بالنهاية، بل بالاستمرار: ذاكرةٌ تقاوم المحو، وصوتٌ يرفض الاختفاء، وحياةٌ تتشبث بما تبقّى منها تُعلن بإصرارٍ يشبه الخلود، إن ما يُراد له أن يُمحى، يظلّ حيّاً في الوجدان، عصيّاً على النسيان.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 5:38 صباحًا - بتوقيت القدس

شهادات مروعة لناشطي 'أسطول الصمود': تعذيب وتحرش جنسي في سجون الاحتلال

كشف يوسف عجيسة، رئيس اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة، عن تفاصيل صادمة تتعلق بالانتهاكات التي تعرض لها ناشطو أسطول الصمود العالمي أثناء احتجازهم لدى القوات الإسرائيلية. وأوضح عجيسة أن الشهادات التي أدلى بها المفرج عنهم تؤكد تعرض المشاركين لممارسات وحشية شملت الضرب والسحل وتقييد الأيدي وعصب الأعين في ظروف مهينة.

وأفادت مصادر بأن الانتهاكات لم تتوقف عند الإيذاء الجسدي، بل امتدت لتشمل اعتداءات وتحرشاً جنسياً استهدف مناطق حساسة في أجساد المتضامنين. ووصف المسؤولون هذه الأفعال بأنها انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية، مشيرين إلى أنها تعكس الطبيعة الإجرامية والوحشية التي يتعامل بها الكيان مع النشطاء السلميين الدوليين.

وأعربت اللجنة الدولية لكسر الحصار عن استغرابها الشديد من ضعف التفاعل الدولي تجاه هذه الجرائم، خاصة من قبل الاتحاد الأوروبي الذي لم يصدر إدانات تتناسب مع حجم الحدث. وأكدت اللجنة أن غياب المحاسبة الدولية هو ما يشجع الاحتلال على الاستمرار في ممارساته التي تهدد استقرار المنطقة والعالم أجمع.

وشدد عجيسة على أن فرض العقوبات على إسرائيل بات ضرورة ملحة لوقف هذه التجاوزات المتكررة التي تجري في المياه الدولية بعيداً عن الرقابة. واعتبر أن ما جرى مع المتضامنين هو امتداد طبيعي لما يتعرض له الفلسطينيون في قطاع غزة من حرب إبادة وانتهاكات ممنهجة للقانون الدولي والمؤسسات الأممية.

وتساءل المسؤول الحقوقي عن مصير أهالي غزة والضفة الغربية في ظل هذه الوحشية، مؤكداً أنه إذا كان المتضامنون الأجانب قد نالوا هذا القدر من التنكيل، فإن المعاناة الفلسطينية تفوق الوصف. وأشار إلى أن الاحتلال يواصل نشر ممارساته دون أي رادع حقيقي، مستغلاً الصمت الدولي المطبق تجاه جرائمه المستمرة.

وفي سياق متصل، طالبت اللجنة الدولية بالإفراج الفوري عن الناشطين سيف أبو كشك وتياغو أفيلا، اللذين لا يزالان قيد الاحتجاز والتحقيق منذ عدة أيام. ودعت المنظمات الحقوقية إلى التدخل العاجل لضمان سلامتهما، محملة سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياتهما وصحتهما الجسدية والنفسية.

كما وجهت مطالبات بضرورة توفير حماية دولية للسفن المتجهة إلى قطاع غزة لضمان عدم تعرضها للقرصنة أو الاعتداء في المياه الدولية. وأكدت المصادر أن اعتراض السفن في عرض البحر يمثل خرقاً لكافة المواثيق البحرية الدولية التي تضمن حرية الملاحة والعمل الإنساني لإغاثة المدنيين المحاصرين.

من جانبه، وصف 'أسطول الصمود العالمي' استمرار احتجاز أبو كشك وأفيلا بأنه قرار غير قانوني يفتقر لأي مسوغ حقوقي. وأكد الأسطول في بيان له أن الناشطين محتجزان فقط بسبب التزامهما الأخلاقي والإنساني تجاه سكان قطاع غزة الذين يعانون من حصار خانق منذ سنوات طويلة.

وكانت القوات الإسرائيلية قد اعترضت في التاسع والعشرين من أبريل الماضي قوارب الأسطول في المياه الدولية قبالة جزيرة كريت اليونانية. وضمت القوارب المعترضة مئات الناشطين من 39 دولة مختلفة، من بينهم مواطنون أتراك وأوروبيون، كانوا في طريقهم لتقديم مساعدات إنسانية رمزية لغزة.

ووفقاً لبيانات القائمين على الرحلة، فقد احتجز الجيش الإسرائيلي 21 قارباً كان على متنها نحو 175 ناشطاً، بينما تمكنت بقية القوارب من مواصلة طريقها. وتعد هذه المحاولة هي الثانية للأسطول بعد محاولة سابقة في سبتمبر 2025 انتهت أيضاً بهجوم إسرائيلي واعتقال مئات المتضامنين الدوليين.

وفي تطور ميداني، أعلن أسطول الصمود عن انطلاق قواربه من اليونان باتجاه جزيرة مرمريس التركية للتحضير للخطوات المقبلة في مسيرة كسر الحصار. ومن المقرر أن تشارك القوارب في اجتماع دولي موسع يضم أكثر من 30 سفينة داعمة للمهمة الإنسانية، بهدف إعادة تقييم التحركات السابقة وتنسيق الجهود القادمة.

وقالت المتحدثة باسم الأسطول، رانيا بيتريس إن الاجتماع في مرمريس سيمثل منصة لمناقشة التحديات التي واجهت الرحلة منذ انطلاقها من برشلونة وصقلية. واتهمت بيتريس إسرائيل بممارسة إرهاب الدولة عبر مهاجمة السفن في المياه الدولية، مؤكدة أن هذا السلوك يتطلب موقفاً دولياً حازماً وصارماً.

وكشفت بيتريس أن الناشطين المعتقلين، تياغو وأبو كشك، يخوضان إضراباً عن الطعام احتجاجاً على ظروف احتجازهما القاسية وتعرضهما للتعذيب. وأوضحت أن سلطات السجون تصر على عصب أعينهما حتى أثناء الفحوصات الطبية، وهو ما يعد مخالفة جسيمة لحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف المتعلقة بالأسرى والمحتجزين.

واختتمت المتحدثة بالتأكيد على أن حركة التضامن الدولي لن تتوقف رغم القمع الإسرائيلي، وأن التحشيد الشعبي العالمي سيستمر لدعم الشعب الفلسطيني. وأشارت إلى أن الهدف الأساسي يظل كسر الحصار غير القانوني المفروض على غزة منذ عام 2007، والذي تسبب في كوارث إنسانية غير مسبوقة لسكان القطاع.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 3:53 صباحًا - بتوقيت القدس

ترامب يهدد إيران بـ 'وميض هائل' ويثير مخاوف من هجوم نووي وشيك

أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سلسلة من التهديدات العنيفة تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مما أثار موجة واسعة من الانتقادات والتحذيرات الدولية. واعتبر مراقبون أن هذه التصريحات تمثل تهديداً ضمنياً بشن هجوم نووي غير مسبوق، خاصة في ظل حالة الانسداد التي تشهدها المفاوضات الدبلوماسية وتصاعد التوترات العسكرية الميدانية بين واشنطن وطهران.

وخلال مؤتمر صحفي عقده في واشنطن، وجه ترامب رسالة شديدة اللهجة للقيادة الإيرانية، مشيراً إلى أنه في حال انهيار تفاهمات وقف إطلاق النار، فإن العالم سيشهد ما وصفه بـ 'التوهج الكبير' المنبعث من الأراضي الإيرانية. وشدد الرئيس الأمريكي على ضرورة مسارعة طهران لتوقيع الاتفاق المطروح، مهدداً إياهم بمواجهة مستويات قاسية من الألم والمعاناة في حال الرفض.

تأتي هذه التطورات الدراماتيكية في أعقاب تبادل عسكري مباشر للهجمات بين القوات الأمريكية والإيرانية خلال الأسبوع الجاري، وهو ما وضع المنطقة على حافة الانفجار. ورغم تأكيدات البيت الأبيض بأن اتفاق وقف إطلاق النار لا يزال سارياً من الناحية النظرية، إلا أن التصريحات الرئاسية الأخيرة توحي بوجود توجهات تصعيدية قد تنهي هذا المسار الدبلوماسي الهش.

وكانت الإدارة الأمريكية قد أعلنت في وقت سابق عن تنفيذ سلسلة من الضربات الجوية التي وصفتها بـ 'الدفاعية' ضد أهداف عسكرية داخل إيران، بدعوى تورطها في محاولات استهداف السفن والمصالح الأمريكية في مضيق هرمز. وفي المقابل، سارعت طهران إلى إدانة هذه العمليات، معتبرة إياها خرقاً صريحاً للهدنة واعتداءً يستوجب الرد، مما زاد من تعقيد المشهد الأمني في الممرات المائية الحيوية.

من جانبها، حذرت أوساط سياسية وحقوقية من خطورة مصطلح 'التوهج' الذي استخدمه ترامب، مؤكدة أنه يشير بوضوح إلى استخدام الأسلحة النووية أو استهداف المنشآت الحيوية والطاقة بشكل شامل. وذكرت تقارير إعلامية أن هذا الخطاب يمثل تحولاً خطيراً في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يتم التلويح علناً بأسلحة الدمار الشامل كأداة للضغط السياسي لتحقيق مكاسب في المفاوضات.

وفي ردود الفعل، أصدر المجلس الوطني الإيراني الأمريكي بياناً شديد اللهجة، اعتبر فيه أن التهديد بجعل إيران 'تتوهج' يمثل نية مبيتة لارتكاب جريمة حرب جماعية ضد أكثر من 92 مليون إنسان. وأكدت المنظمة أن مثل هذه التصريحات لا يجب أن تمر مرور الكرام أو تصبح جزءاً من الخطاب السياسي الطبيعي، نظراً لتبعاتها الكارثية على الأمن والسلم الدوليين وحياة المدنيين الأبرياء.

كما أثارت هذه التهديدات تساؤلات قانونية ودستورية داخل الولايات المتحدة حول أهلية الرئيس لاتخاذ قرارات عسكرية مصيرية قد تشعل حرباً إقليمية أو عالمية. ودعت منظمات حقوقية المجتمع الدولي والكونغرس الأمريكي إلى التعامل بجدية قصوى مع هذه التصريحات، محذرة من أن الصمت تجاهها قد يُفهم كضوء أخضر لتنفيذ هجمات مدمرة تتجاوز كافة القوانين والأعراف الدولية.

يُذكر أن هذا السجال ليس الأول من نوعه، حيث سبق لترامب أن هدد في الشهر الماضي بـ 'محو الحضارة الإيرانية' من الوجود، وهو ما أثار حينها عاصفة من الغضب داخل أروقة الحزب الديمقراطي. وقد دفع ذلك التصعيد السابق عشرات النواب للمطالبة بتفعيل التعديل الخامس والعشرين للدستور الأمريكي، والذي يسمح بعزل الرئيس في حال ثبت عدم أهليته للقيام بمهامه الرسمية.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 3:23 صباحًا - بتوقيت القدس

كواليس 'القسم 4'.. كيف تحول روسيا قاعات الجامعات إلى ثكنات لتجنيد نخبة الهاكرز؟

لم يعد اسم جهاز الاستخبارات الروسية محصوراً في إرث 'KGB' الذي هيمن على مشهد الحرب الباردة، بل برزت أدوات جديدة أكثر فتكاً في العصر الرقمي. تقود وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU) اليوم جبهة الحرب الإلكترونية، مستندة إلى تاريخ طويل بدأ منذ تأسيسها عام 1918 على يد قادة الثورة البلشفية.

تتجاوز مهام الاستخبارات العسكرية الروسية الأدوار التقليدية في الحروب الميدانية، لتشمل اختراق البرلمانات الغربية وتنفيذ حملات تضليل واسعة النطاق. وتؤكد تقارير استخباراتية دولية أن هذه الوحدات لعبت دوراً محورياً في التأثير على الرأي العام العالمي والتدخل في استحقاقات انتخابية كبرى.

يثور التساؤل الدائم حول منبع هذه الكفاءات التقنية العالية التي تمتلكها موسكو، وتكشف الخيوط عن وجهة أكاديمية غير متوقعة في قلب العاصمة الروسية. جامعة باومان التقنية، العريقة بارتباطها بالصناعات الدفاعية، تبدو اليوم كالمزود الرئيسي للعقول التي تدير العمليات السيبرانية المعقدة.

رغم أن الجامعة تشتهر بتخريج مهندسي الصواريخ وعلماء الفضاء، إلا أن تحقيقاً استقصائياً دولياً كشف عن وجود 'القسم 4' السري داخل أسوارها. هذا القسم، المعروف بـ 'قسم التدريب الخاص'، يعمل بعيداً عن الأعين وتحت إشراف مباشر من ضباط رفيعي المستوى في أجهزة الأمن.

استند التحقيق الذي شاركت فيه مؤسسات إعلامية كبرى مثل 'الغارديان' و'لوموند' إلى أكثر من ألفي وثيقة مسربة من داخل أروقة الجامعة. وتوضح هذه الوثائق كيف يتم تحويل المسار الأكاديمي للطلاب المتفوقين إلى مسار استخباراتي احترافي يخدم أجندة الكرملين الجيوسياسية.

عملية الاختيار داخل 'القسم 4' لا تخضع للمعايير الجامعية المعتادة، بل تتم بعناية فائقة من قبل مسؤولين أمنيين يراقبون أداء الطلاب المتميزين. يخضع هؤلاء المختارون لبرامج مكثفة تمتد لسنوات، تهدف إلى صقل مهاراتهم في التجسس الرقمي ومواجهة السيناريوهات السيبرانية الواقعية.

تتنوع المناهج التعليمية في هذا القسم السري لتشمل تقنيات متقدمة في شن الهجمات الإلكترونية واكتشاف الثغرات البرمجية المعقدة. ولا يتوقف الأمر عند الجانب التقني، بل يمتد ليشمل تدريبات على أدوات التجسس الرقمي التي تطورها الأجهزة السيادية الروسية بشكل حصري.

أحد أخطر جوانب التدريب هو التركيز على 'الحرب المعلوماتية'، حيث يتعلم الطلاب كيفية إدارة حملات التضليل السياسي عبر منصات التواصل الاجتماعي. ويهدف هذا النوع من التعليم إلى تمكين الخريجين من التلاعب بالرأي العام في الدول المستهدفة وتوجيه السرديات بما يخدم المصالح الروسية.

التأهيل داخل الجامعة يمزج بين التفوق التكنولوجي والولاء الأيديولوجي، حيث يتم غرس الرواية الرسمية للدولة في نفوس المتدربين. ويضمن هذا النظام انتقال الطلاب بسلاسة من مقاعد الدراسة إلى العمل الميداني داخل الوحدات الاستخباراتية وهم يحملون عقيدة أمنية صلبة.

برز اسم الجنرال فيكتور نيتيشكو كأحد المشرفين الرئيسيين على هذه البرامج التدريبية، وهو شخصية مثيرة للجدل في الأوساط الدولية. نيتيشكو يرتبط اسمه بمجموعة 'فانسي بير' الشهيرة، التي اتهمتها واشنطن رسمياً بالوقوف وراء اختراقات الانتخابات الأمريكية في عام 2016.

لا تعد جامعة باومان حالة معزولة، بل تشير المعطيات إلى وجود برامج مشابهة في جامعات تقنية أخرى موزعة على الأراضي الروسية. وتأتي هذه التحركات ضمن استراتيجية 'الحرب الهجينة' التي تتبناها موسكو، والتي تدمج بين القوة الصلبة والعمليات السيبرانية غير التقليدية.

أثار الكشف عن هذه الوثائق موجة من القلق على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر مراقبون أن تدريس القرصنة في الجامعات يمثل تصعيداً خطيراً. ورأى محللون أن تحويل المؤسسات التعليمية إلى مراكز تجنيد أمنية يعكس عمق الصراع الرقمي المحتدم بين القوى العظمى.

في المقابل، تبرز وجهات نظر تشير إلى أن الاستثمار في القدرات السيبرانية هو نهج تتبعه معظم الدول الكبرى في الوقت الراهن. ومع ذلك، تظل الخصوصية الروسية تكمن في الربط الوثيق والمباشر بين المؤسسة الأكاديمية العريقة وأجهزة الاستخبارات العسكرية في عمليات هجومية.

ختاماً، يظهر 'القسم 4' كحلقة وصل حيوية في سلسلة التوريد البشرية للاستخبارات الروسية، مما يضمن لموسكو تدفقاً مستمراً من 'المحاربين الرقميين'. ومع تطور أدوات الحرب الإلكترونية، تظل هذه الجامعات هي المصنع الخفي الذي يصيغ ملامح المواجهات القادمة في الفضاء السيبراني.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 3:23 صباحًا - بتوقيت القدس

استنزاف الترسانة الأمريكية في إيران يمنح الصين نفوذاً قبل قمة ترامب وشي

كشفت تقارير دولية عن تحول جوهري في الحسابات الاستراتيجية الصينية تجاه القوة العسكرية الأمريكية، حيث يرى محللون في بكين أن قدرة واشنطن على ردع أي تحرك عسكري تجاه تايوان قد تضاءلت بشكل ملحوظ. ويأتي هذا التقييم مدفوعاً بالاستنزاف الكبير الذي تعرضت له القوة النارية الأمريكية خلال الحرب الضارية في إيران، والتي استهلكت جزءاً حيوياً من الترسانة الصاروخية المتطورة.

وتشير تقديرات داخلية من وزارة الدفاع الأمريكية ومسؤولين في الكونغرس إلى أن الولايات المتحدة استنفدت نحو نصف مخزونها من الصواريخ الجوالة الشبحية بعيدة المدى منذ بدء العمليات العسكرية في أواخر فبراير الماضي. كما أطلقت القوات الأمريكية كميات من صواريخ 'توماهوك' تعادل عشرة أضعاف ما تشتريه وزارة الدفاع سنوياً، مما يضع ضغوطاً هائلة على سلاسل الإمداد العسكري.

ويرى خبراء عسكريون صينيون أن هذا المأزق كشف عن خلل بنيوي في استراتيجية الحرب الأمريكية، يتمثل في العجز عن إنتاج الأسلحة بالسرعة الكافية لتعويض النقص في صراعات طويلة الأمد وعالية الكثافة. هذا الواقع دفع بعض القادة العسكريين المتقاعدين في جيش التحرير الشعبي لوصف الولايات المتحدة بـ'العملاق المنهك' الذي فقد هالة الهيمنة المطلقة.

ومن المتوقع أن يلقي هذا التراجع بظلاله على القمة المصيرية المرتقبة الأسبوع المقبل بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزعيم الصيني شي جين بينغ. فبينما كان ترامب يخطط لدخول المفاوضات من موقع المنتصر السريع في الشرق الأوسط، يجد نفسه الآن مضطراً للتعامل مع واقع عسكري معقد يقلص من قدرته على ممارسة الضغوط القصوى.

وتسعى بكين من خلال هذه القمة إلى تحقيق استقرار في العلاقات الثنائية وتمديد الهدنة التجارية للتركيز على إنعاش اقتصادها المحلي وتطوير تقنياتها السيادية. وفي المقابل، يطالب الجانب الصيني واشنطن بتقليص دعمها العسكري لتايوان، محذراً من أن أي محاولة لانفصال الجزيرة لن يتم التسامح معها بأي شكل من الأشكال.

وفي سياق متصل، ألمحت الدبلوماسية الصينية إلى إمكانية تحقيق 'انفراجة' في قضية تايوان، حيث دعا وزير الخارجية وانغ يي نظيره الأمريكي ماركو روبيو لفتح آفاق جديدة. ومع ذلك، تظل التحركات الصينية في بحر الصين الجنوبي، مثل بناء جزر جديدة قبالة سواحل فيتنام، مؤشراً على استمرار سياسة 'المنطقة الرمادية' لتعزيز النفوذ الإقليمي.

على الجانب الآخر، يرفض البيت الأبيض والبنتاغون بشدة فرضية أن العمليات في الشرق الأوسط قد أضعفت الموقف الأمريكي في آسيا. وأكد وزير الدفاع بيت هيغسيث أن ردع الصين يظل على رأس أولويات وزارته، مشدداً على أن الجيش الأمريكي يمتلك القدرات الكافية للتعامل مع جبهات متعددة في آن واحد.

بدوره، صرح الأدميرال صموئيل بابارو، قائد القيادة العسكرية في المحيط الهادئ، بأنه لا يرى تكلفة حقيقية فُرضت على الجاهزية القتالية لردع الصين. وأشار مسؤولون أمريكيون إلى أن النجاحات الاستخباراتية والعملياتية في إيران، بما في ذلك اغتيال قادة بارزين، تثبت كفاءة الآلة العسكرية الأمريكية ومصداقيتها القتالية.

ورغم هذه التأكيدات، يشير باحثون دوليون إلى أن الحلفاء في آسيا يراقبون بقلق تأخر وصول المعدات العسكرية الأمريكية وانشغال واشنطن بجبهات بعيدة. هذا القلق يغذي السردية الصينية التي تحاول إقناع دول المنطقة بأن الولايات المتحدة لم تعد الضامن الأمني الموثوق الذي يمكن الاعتماد عليه في الأزمات الكبرى.

وبالتوازي مع هذه التطورات، تشهد المنطقة العربية تحولات دراماتيكية، حيث أعلنت الإمارات انسحابها من منظمة أوبك وأوبك+ وسط أنباء عن توترات داخل جامعة الدول العربية. وتأتي هذه الخطوات في وقت عززت فيه إسرائيل تعاونها العسكري مع أبوظبي عبر تزويدها بمنظومات دفاعية متطورة مثل القبة الحديدية.

وفي القارة الأفريقية، تبرز ملامح صراع جديد مع إبداء مصر استعدادها لنشر قوات في الصومال لمواجهة التحركات الإسرائيلية في 'أرض الصومال'. وتتزامن هذه التحركات مع اتهامات سودانية لأطراف إقليمية بدعم الهجمات على مطار الخرطوم، مما يعقد المشهد الأمني في حوض البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وتشير مصادر دبلوماسية إلى وجود تحركات مكثفة تشمل تقاربات بين تركيا والسعودية ومصر وباكستان، في محاولة لخلق توازنات جديدة بعيداً عن الهيمنة التقليدية. هذه التحالفات الناشئة تأتي في ظل شعور متزايد بفشل أطر الأمن الجماعي القديمة، مثل مجلس التعاون الخليجي، في توفير حماية فعلية دون اعتماد كلي على واشنطن.

ويرى مراقبون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحاول استغلال هذا الاضطراب العالمي للدفع بمشروعه لـ'الشرق الأوسط الجديد'. ويهدف هذا المشروع إلى تحويل إسرائيل إلى قوة عظمى إقليمية عبر تحالفات استراتيجية تمتد من شرق أفريقيا وصولاً إلى الهند، مستفيداً من انشغال القوى الكبرى بصراعاتها البينية.

ختاماً، تبقى القمة المرتقبة بين ترامب وشي هي البوصلة التي ستحدد مسار الصراع العالمي في المرحلة المقبلة. فإما أن تنجح واشنطن في استعادة هيبتها الردعية عبر اتفاقيات شاملة، أو أن تستغل بكين حالة 'الإنهاك' الأمريكي لفرض واقع جيوسياسي جديد في مضيق تايوان والمحيط الهادئ.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 3:23 صباحًا - بتوقيت القدس

حرب 'اقتلاع الذاكرة'.. الاحتلال يصعد استهداف أشجار الزيتون المعمرة في الضفة

على الطريق الواصل بين مدينتي نابلس وجنين، وتحديداً عند مدخل بلدة برقة، نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي عملية تجريف واسعة طالت مئات الأشجار المثمرة والمعمرة المحيطة بمنازل المواطنين. لم تكن هذه العملية مجرد إجراء عسكري عابر، بل استهدفت بشكل مباشر أشجار السرو والتين والزيتون الروماني التي تمثل إرثاً تاريخياً وعائلياً لسكان المنطقة.

يروي المواطن فادي مسعود تفاصيل اللحظات القاسية حين حولت الجرافات العسكرية من طراز 'دي 10' محيط منزله إلى حطام، حيث اقتلعت نحو 500 شجرة في عملية واحدة. وعقب انتهاء التدمير، وجه ضابط إسرائيلي رسالة مباشرة للأهالي مفادها أن الاستهداف كان مقصوداً لضرب 'أعز ما يملكون'، في إشارة واضحة إلى الرمزية الوطنية والروحية لشجرة الزيتون.

تعتبر عائلة مسعود أن خسارتها لا تقدر بثمن، فالأرض التي يطلق عليها اسم 'الجنينة' تضم أشجار زيتون رومانية تسبق بناء منزلهم الذي شيد في الخمسينيات بقرون طويلة. هذه الأشجار كانت شاهدة على تعاقب أربعة أجيال من العائلة، حيث زرع الأجداد السرو والزيتون، بينما اعتنى الأبناء والأحفاد بأشجار التين واللوزيات التي باتت اليوم مجرد جذوع مهشمة.

من جانبه، أكد المهندس الزراعي سلامة شبيب أن الأشجار التي جرفها الاحتلال في أرضه المجاورة تمثل أرشيفاً حياً لتاريخ الأرض، حيث يتجاوز عمر بعضها 300 عام. وأوضح شبيب أن الخسارة الاقتصادية، رغم فداحتها، لا تقارن بمحاولة طمس الهوية الفلسطينية، إذ تمثل هذه الأشجار 'الشاهد الصامت' الذي يثبت تجذر الفلسطيني في أرضه منذ آلاف السنين.

ويرى ناشطون في بلدة برقة أن هذه الاعتداءات تندرج ضمن خطة ممنهجة لتهجير السكان قسراً وتوسيع المشروع الاستيطاني في المنطقة. وترتبط هذه الهجمة بعودة المستوطنين إلى مستوطنة 'حومش' المخلاة سابقاً، والسعي للسيطرة على آلاف الدونمات الإضافية التي تقع بين بلدات بزاريا وبرقة ورامين شمال الضفة الغربية.

لم يتوقف التغول الاستيطاني عند حدود الأرض، بل امتد ليشمل الموارد المائية الحيوية، حيث سيطر المستوطنون بقوة السلاح على 'عين الدلبة'. هذا المصدر المائي التاريخي كان يوفر نحو 30% من احتياجات بلدة برقة، مما يضع المزارعين والسكان في مواجهة مباشرة مع سياسات التعطيش والتضييق المعيشي.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن الاحتلال يتعمد تدمير البنية التحتية الزراعية، بما في ذلك 'السناسل' أو الأسوار الحجرية القديمة، ودهس الأغصان المحطمة لمنع إعادة زراعتها. هذه الممارسات تهدف إلى تحويل 'الجنات' الخضراء إلى مناطق قاحلة، مما يسهل على سلطات الاحتلال إعلانها 'أراضي دولة' وضمها لاحقاً للمستوطنات القريبة.

وفقاً لبيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن وتيرة استهداف الأشجار شهدت تصاعداً خطيراً منذ مطلع عام 2024، حيث تم تسجيل اقتلاع وتخريب آلاف الأشجار في محافظات الخليل ورام الله ونابلس. وتكشف الأرقام أن شهر أبريل الماضي وحده شهد تدمير أكثر من 4400 شجرة، مما يعكس سياسة عقاب جماعي تستهدف القطاع الزراعي.

الإحصائيات التراكمية تظهر حجم الكارثة البيئية والاقتصادية، إذ اقتلع الاحتلال أو سمم ما لا يقل عن 120 ألف شجرة في الضفة الغربية منذ عام 2020. وقد سجل عام 2025 الذروة الأعلى في هذه الاعتداءات، حيث فقد الفلسطينيون أكثر من 35 ألف شجرة، منها نحو 27 ألف شجرة زيتون كانت تشكل مصدر رزق أساسي لمئات العائلات.

يؤكد مراقبون أن استهداف شجرة الزيتون تحديداً هو جزء من 'حرب الرواية' التي تخوضها إسرائيل ضد الوجود الفلسطيني، فوجود شجرة عمرها مئات السنين يدحض الادعاءات الصهيونية حول تاريخ الأرض. لذا، يرى المستوطنون في هذه الشجرة 'عدواً' يجب إزالته لشرعنة وجودهم الطارئ على حساب أصحاب الأرض الأصليين.

في بلدة برقة، لم يكتفِ الاحتلال بتجريف الحقول المفتوحة، بل طالت الاعتداءات الأشجار داخل أسوار المنازل الخاصة وتحت تهديد السلاح. هذا التصعيد يهدف إلى حصر الفلسطينيين داخل كتل أسمنتية ضيقة ومنعهم من التواصل البصري أو الفيزيائي مع أراضيهم الزراعية التي تشكل عمقهم الاستراتيجي.

تتزامن هذه الهجمة مع إقامة بؤر استيطانية جديدة على تلال استراتيجية مثل تلة 'بدّس'، التي تتوسط عدة قرى فلسطينية وتضم مشاريع وطنية وخزانات مياه حيوية. السيطرة على هذه التلال تعني عملياً خنق القرى الفلسطينية وتحويلها إلى معازل معزولة عن بعضها البعض، ضمن رؤية تهدف للسيطرة على كامل مناطق (ج).

بالرغم من الدمار الواسع، يتمسك المزارعون الفلسطينيون بالبقاء فوق أنقاض أشجارهم، معتبرين أن إعادة الزراعة هي الرد الوحيد على سياسة الاقتلاع. ففي كل مرة تجرف فيها الآليات العسكرية حقلاً، يحاول الأهالي غرس أشتال جديدة تأكيداً على استمرارية الصراع بين 'إرادة البقاء' وسياسات 'المحو والتهجير'.

ختاماً، تبقى قصة عائلة مسعود وشبيب في برقة نموذجاً مصغراً لما يحدث في عموم الضفة الغربية، حيث تتحول الشجرة من مورد اقتصادي إلى رمز للصمود. إنها حرب صامتة تُشن بالأرقام والجرافات، لكنها تترك جروحاً غائرة في الوجدان الفلسطيني الذي يرى في كل شجرة مقتلعة جزءاً من تاريخه الشخصي والوطني.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 3:23 صباحًا - بتوقيت القدس

مجلس ترمب للسلام في غزة: وعود متعثرة وشروط مالية تثير الجدل حول جدواه

يواجه 'مجلس السلام' الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مطلع العام الجاري انتقادات حادة من قبل مراقبين دوليين، إثر فشله الملموس في تحقيق أي اختراق حقيقي بملف قطاع غزة. فمنذ تدشينه الرسمي في يناير 2026، لم ينجح المجلس في إبعاد شبح المجاعة أو تحسين الظروف المعيشية المتدهورة للسكان، مما أثار تساؤلات حول الأهداف الحقيقية من وراء إنشائه.

وكان ترمب قد أعلن عن هذا المجلس في حفل ضخم بمدينة دافوس السويسرية، داعياً قادة العالم للانضمام إليه ضمن شروط مالية صارمة. وتتضمن هذه الشروط دفع مبلغ مليار دولار لصندوق خاص تحت إشراف مباشر من ترمب لضمان العضوية الدائمة، وفي حال عدم السداد، تسقط عضوية الدولة المشاركة بعد مرور ثلاث سنوات فقط من تاريخ الانضمام.

وفي سياق التحركات الدبلوماسية، عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اجتماعاً مع السفير الأمريكي مايك هاكابي والمدير التنفيذي للمجلس نيكولاي ملادينوف. وناقش المجتمعون تقييماً شاملاً لأداء المجلس خلال الأشهر الماضية، مع الاتفاق على خطة عمل تهدف إلى تحسين المخرجات بحلول شهر أكتوبر المقبل، وفق ما نقلته مصادر صحفية دولية.

ميدانياً، لا تزال المأساة الإنسانية في غزة تراوح مكانها مع استمرار تعنت الاحتلال الإسرائيلي في تنفيذ بنود وقف إطلاق النار. وتشير المعطيات إلى أن كميات المساعدات التي تدخل القطاع لا تتجاوز 200 شاحنة يومياً، وهو رقم يقل كثيراً عن الـ 600 شاحنة التي نصت عليها الاتفاقات المبرمة، مما يفاقم من حدة الأزمات الصحية والغذائية.

ويرى محللون سياسيون أن هذا المجلس لم يقدم سوى وعود جوفاء، بل تحول في نظر البعض إلى غطاء سياسي يمنح الاحتلال وقتاً إضافياً لمواصلة عملياته العسكرية. ويُعتقد أن نتنياهو يسعى لاستثمار المعاناة الفلسطينية كأداة في حملته الانتخابية، مما يضعف من فرص نجاح أي مبادرة سلام حقيقية في المدى المنظور.

من جانب آخر، انتقد أكاديميون غياب التمثيل الفلسطيني المباشر في مداولات المجلس، حيث يتم التعامل مع غزة كأنها مشروع استثماري في مؤتمرات دولية مثل دافوس. وتساءل خبراء عن سبب استبعاد الحوار مع الأطراف الفلسطينية والاكتفاء بالتنسيق بين المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين وإدارة المجلس التنفيذية.

وفي المقابل، يطرح باحثون في الدراسات الإستراتيجية رؤية مغايرة، معتبرين أن البيئة الأمنية في غزة لا تزال غير مهيأة لجذب الاستثمارات الدولية. ويربط هؤلاء نجاح مهام المجلس بضرورة تغيير الواقع السياسي في القطاع، مشيرين إلى أن بقاء الفصائل المسلحة بسلاحها يمثل عائقاً أمام تدفق رؤوس الأموال لإعادة الإعمار.

وردت أطراف فلسطينية على هذه الادعاءات بالتأكيد على أن الفصائل أبدت مرونة عالية في ملف إدارة الحكم، وربطت قضية السلاح بوجود مسار سياسي عادل يضمن الحقوق الوطنية. وأوضحت مصادر أن حماس لم ترفض مناقشة الترتيبات الأمنية، لكنها ترفض أن يكون نزع السلاح شرطاً مسبقاً دون ضمانات بوقف العدوان.

وكشفت تقارير إعلامية عن رسائل تحذيرية وجهتها إدارة المجلس إلى اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة في أبريل الماضي. وتضمنت الرسائل تهديدات واضحة بأن استمرار رفض نزع السلاح قد يؤدي إلى استئناف الحرب الشاملة، مع تلميحات بأن إسرائيل لن تلتزم بضمان دخول المساعدات في ظل الوضع الراهن.

ويبقى مستقبل 'مجلس السلام' مرهوناً بمدى قدرته على الانتقال من الإطار الشكلي والمالي إلى الفعل الحقيقي على الأرض. ومع تزايد التقارير التي تتحدث عن نية تل أبيب استئناف العمليات العسكرية، يبدو أن المنطقة تتجه نحو تصعيد جديد قد ينهي تماماً أي دور متبقٍ لهذه المبادرة الأمريكية المثيرة للجدل.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 3:23 صباحًا - بتوقيت القدس

شهداء وجرحى في قصف مروحي استهدف نقطة أمنية غرب مدينة غزة

أفادت مصادر ميدانية باستشهاد وإصابة عدد من المواطنين وعناصر الشرطة الفلسطينية، ظهر اليوم الخميس، إثر غارة جوية نفذتها مروحيات جيش الاحتلال الإسرائيلي استهدفت نقطة أمنية غربي مدينة غزة. وأوضحت المصادر أن القصف تركز على غرفة الأمن التابعة لـ 'بوابة قصر الحاكم' الواقعة في محيط دوار حيدر عبد الشافي، مما أحدث دماراً واسعاً في المكان وأدى لوقوع ضحايا بين العناصر المتواجدة في النقطة.

وهرعت سيارات الإسعاف إلى موقع الاستهداف لانتشال الشهداء ونقل المصابين إلى مجمع الشفاء الطبي لتلقي العلاج، وسط حالة من التوتر الشديد تسود المنطقة. ويأتي هذا الهجوم في سياق سلسلة من الانتهاكات التي يمارسها الاحتلال لليوم الـ 210 على التوالي، متجاوزاً بذلك بنود اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم توقيعه في العاشر من أكتوبر الماضي برعاية دولية وعربية.

ولم تكتفِ قوات الاحتلال بالغارات الجوية، بل وسعت دائرة عدوانها لتشمل القصف البحري والمدفعي، حيث فتحت الزوارق الحربية نيران أسلحتها الثقيلة تجاه ساحل مدينة غزة بشكل عشوائي. كما استهدفت المدفعية الإسرائيلية بقذائفها المناطق الشمالية لبلدة بيت لاهيا والأطراف الشرقية لمدينة غزة، مما أدى إلى تضرر ممتلكات المواطنين وزيادة معاناة النازحين في تلك المناطق.

وفي وسط وجنوب القطاع، شهدت مدينتا دير البلح وخانيونس عمليات إطلاق نار مكثفة نفذتها طائرات مسيرة من نوع 'كواد كوبتر' بالتزامن مع تحركات للآليات العسكرية قرب السياج الأمني. وذكرت مصادر طبية أن خمسة مواطنين أصيبوا بجروح متفاوتة جراء استهداف طائرات المسيرة لخيام النازحين في منطقة المواصي غرب خانيونس، وهي المنطقة التي يزعم الاحتلال تصنيفها كـ 'مناطق آمنة'.

ويرى مراقبون أن هذا التصعيد الميداني الشامل يهدف إلى تقويض كافة الجهود الدبلوماسية الرامية لتثبيت التهدئة وإنهاء حرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها قطاع غزة. وتستمر هذه الانتهاكات في ظل صمت دولي تجاه الخروقات الإسرائيلية المتكررة، والتي تعيد للأذهان تاريخاً طويلاً من الحروب والاعتداءات التي شهدتها المنطقة منذ نكبة عام 1948 وحتى يومنا هذا.

تحليل

السّبت 09 مايو 2026 1:53 صباحًا - بتوقيت القدس

الحرب حين تغادر الجبهة: كيف يتحول النفط والتوترات الدولية إلى عبء في ميزانية الأسرة؟

لا تنتهي آثار الحروب عند حدود الجبهات المشتعلة أو خلف أعمدة الدخان المتصاعد، بل تتسلل بهدوء لتصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. إنها تتحول من بيانات عسكرية ودبلوماسية إلى أرقام تضغط على ميزانيات البيوت، مما يجعل الاقتصاد البنية التحتية الحقيقية التي يشعر من خلالها المواطن بوطأة الاضطراب العالمي.

في هذا السياق، يبرز النفط ليس كسلعة تجارية فحسب، بل كشريان حيوي يربط الجغرافيا السياسية بلقمة العيش. فحين تضطرب الممرات المائية الحساسة أو تتعرض منشآت الطاقة للتهديد، تنتقل الأزمة فوراً من خرائط النزاع إلى رفوف المتاجر ومحطات الوقود، معلنةً بداية مرحلة جديدة من الضغوط المعيشية.

ويعد مضيق هرمز مثالاً حياً على هذا الارتباط الوثيق، حيث إن أي اهتزاز في هذا الممر لا يمس إقليماً بعينه، بل يزلزل نظام الطاقة العالمي بأسره. وتنعكس هذه الاضطرابات مباشرة على كلفة الشحن البحري وعقود التأمين، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى موجات تضخم تضرب أسواقاً بعيدة عن موقع الحدث.

إن الاستجابة الأولى للأزمات لا تُسجل عادةً في السجلات الإنسانية، بل في شاشات البورصات والأسواق المالية التي لا تنتظر اكتمال المأساة لتتحرك. فالأسواق تحسب المخاطر مسبقاً، مما يجعل ارتفاع أسعار الوقود إشارة مبكرة لغلاء يطال النقل والأسمدة وصولاً إلى السعر النهائي للغذاء.

ومع تصاعد لغة الاقتصاد على حساب اللغة العسكرية، تبدأ حلقات مترابطة بالتحرك بشكل متسارع يؤثر على مجمل دورة المعيشة. فكل زيادة في مخاطر العبور البحري ترفع فاتورة الوصول، لتنتهي هذه السلسلة المعقدة داخل مطابخ الأسر التي تجد نفسها مضطرة لمواجهة واقع اقتصادي جديد وقاسٍ.

بيد أن الحقيقة المرة تكمن في أن أعباء هذه التوترات لا تتوزع بالتساوي بين دول العالم، بل تتباين النتائج حسب قوة الاقتصاد. فبينما تمتلك الدول الكبرى احتياطيات وأدوات تحوط تمكنها من امتصاص الصدمات، تظل الاقتصادات الناشئة والمستوردة للطاقة مكشوفة تماماً أمام رياح التضخم العاتية.

وتبرز باكستان كنموذج صارخ لهذا الاختلال، حيث يتحول ارتفاع كلفة الطاقة إلى ضغط مباشر ينهك ميزان التجارة والقدرة الشرائية للمواطنين. وفي مثل هذه البيئات، لا يقتصر أثر غلاء الوقود على قطاع النقل، بل يمتد ليعطل سلاسل الإمداد الغذائي والخدمات الأساسية كالكهرباء والتعليم.

هذا الواقع يكشف عن مفارقة عميقة بين الحضور الدبلوماسي للدولة وهشاشتها الاقتصادية الداخلية في لحظات الأزمات الكبرى. فقد تلعب الدولة دور الوسيط الإقليمي وتحظى بمكانة سياسية مرموقة، لكن ذلك لا يحمي مواطنيها تلقائياً من دفع فاتورة الغلاء الناتجة عن النزاعات التي تحاول حلها.

وعلى المستوى الاجتماعي، تظهر الحرب كقضية طبقية بامتياز، حيث تختلف قدرة الأفراد على الصمود أمام تقلبات الأسعار والاضطرابات الجيوسياسية. فبينما يستطيع أصحاب رؤوس الأموال إعادة توزيع مخاطرهم وحماية أصولهم، يجد أصحاب الدخل المحدود أنفسهم بلا أي دروع واقية أمام تسونامي الغلاء.

بالنسبة للموظف الصغير أو العامل، تصبح خيارات التحوط محدودة جداً وتتمثل غالباً في سياسات التقشف القسري وخفض الإنفاق الضروري. ويضطر هؤلاء لتأجيل العلاج أو تقليص الاحتياجات الأساسية، مما يحول الصراعات الدولية الكبرى إلى معركة يومية من أجل الحفاظ على كرامة العيش.

وفي مناطق النزاع المباشر، يتجاوز دور النفط كونه محركاً للتضخم ليصبح عنصراً حاسماً في صراع البقاء والوجود. فنقص الوقود هناك يعني توقف المستشفيات عن العمل، وتعطل إمدادات المياه الصالحة للشرب، وإرباك كافة عمليات الإغاثة الإنسانية والمطابخ المجتمعية التي تعيل المنكوبين.

من وسط هذا المشهد المعقد، تبرز حقيقة أخلاقية مفادها أن أرباح الأزمات غالباً ما تصعد للأعلى بينما تنزل أوجاعها إلى الأسفل. فهناك دائماً جهات تستفيد من حالة عدم اليقين، بينما يمتص المواطن العادي الصدمة من خلال فاتورة الكهرباء وأجرة النقل التي تلتهم مدخراته.

لذلك، لا يمكن قراءة الحروب المعاصرة بمعزل عن عدالة توزيع الأعباء الاقتصادية والمسؤولية الأخلاقية للدول تجاه شعوبها. إن السؤال الجوهري اليوم لا يتعلق فقط بكيفية إدارة المعارك، بل بكيفية حماية الفئات الأكثر ضعفاً من التبعات الاقتصادية المدمرة لتلك المعارك.

في الختام، تظل الحرب ظاهرة عابرة للحدود والقطاعات، تبدأ بالرصاص وتنتهي في المسافة الفاصلة بين الراتب والحاجة الأساسية. وإذا كانت الأسواق والنفط عالمية الطابع، فإن كلفة استقرارها أو اضطرابها تظل تسقط في نهاية المطاف على كاهل الإنسان البسيط في حياته اليومية.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 1:53 صباحًا - بتوقيت القدس

لغة الأنوثة في ميزان الفلسفة: صراع الجوهر والنمط المجتمعي

تنطلق المعالجة الفلسفية لمفهوم الأنوثة من فكرة الجوهر الأصيل، حيث يبرز تباين حاد في الفهم بين الذكر والأنثى؛ فالرجل غالباً ما يقرأ مصطلح 'الأنوثة' بلغة مادية، بينما تراه المرأة السوية حالة لا تنفصل عن كيانها الإنساني. إن النمط السائد في الذاكرة المجتمعية يحاول دائماً تحجيم المرأة وتجاهل لغتها المشفرة التي قد لا تُقرأ بوضوح حتى من قبل بعض النساء أنفسهن.

يرى الباحثون في علم الاجتماع أن التعامل مع المرأة يتطلب تواضعاً وصبراً طويلاً لفك طلاسم استجابتها العاطفية، فهي لا تتفاعل بالضرورة مع كلمات الإطراء المجردة إذا لم تتطابق مع 'مصفوفتها' الداخلية. الأنوثة إذن ليست معادلة رياضية منطقية، بل هي خوارزمية خاصة قد تجعل المرأة تستجيب لرجل لا يمتلك مواصفات مثالية بنظر الآخرين، لكنه حقق 'الاصطفاف المقبول' في وعيها.

تتأسس لغة الأنثى على ثلاث ركائز جوهرية هي الأمان، والاحترام، والفهم، وهي لغة لا تُدرك بالحواس البدائية بل بالوعي الإنساني الراقي. هذه الثلاثية هي التي تحدد بقاء المرأة في 'ظل' الرجل أو مغادرته بحثاً عن الشمس، حيث تتفانى الأنثى غالباً من أجل الظل الحقيقي الذي يوفر لها الحماية النفسية والتقدير الذاتي.

عندما نتحدث عن الأنوثة كلغة، فنحن نشير إلى نظام تواصل 'عاطفي-ذهني' متكامل، يتجاوز مجرد الكلمات إلى دلالات أعمق. الأمان هنا ليس مجرد غياب الخطر الجسدي، بل هو توفير 'الرحم النفسي' الذي يسمح للمرأة بأن تظهر دون أقنعة، مما يفجر بداخلها ينابيع الإبداع والاحتواء والقدرة على البناء المستمر.

يبرز 'الفهم' كأكبر التحديات في العلاقة بين الجنسين، إذ يتطلب من الرجل التخلي عن أدواته الذكورية الجافة ليتمكن من قراءة ما بين السطور وسماع الصمت. إن تقلبات المرأة في كثير من الأحيان ليست إلا محاولة لاختبار الوجوه الصالحة التي يمكن أن تثق بها، وهو ما يستدعي رقيّاً في الإدراك يتجاوز السطحية المعتادة.

من أكبر السقطات الفكرية في المجتمعات البشرية هو اختزال الأنوثة في الجانب الجنسي فقط، وهو نتاج رؤية ذكورية ضيقة ترى في المرأة موضوعاً للإشباع لا ذاتاً للتحاور. الفلسفة تفرق بوضوح بين 'الذكر' الذي يقف عند حدود الغريزة ويرى الأنوثة شكلاً، وبين 'الرجل' الذي يدركها كنصف متمم لإنسانيته وكيانه.

إن الاختزال الجنسي للأنثى يؤدي حتماً إلى إسقاط عنصر الأمان، لأنه يتجاهل المعنى الجوهري للأنثى كطاقة خلق وبناء في السلالة البشرية. الجانب الجسدي في هذا السياق ليس إلا غلافاً خارجياً لسر أعظم يتجاوز الغريزة إلى الاندماج الكامل في العطاء الإنساني والحضاري الذي يميز الكائن البشري.

لحماية هذه اللغة النقية، تبرز الحاجة إلى 'الحدود الصحية' التي لا تمثل جدراناً للعزل بل حصوناً لحماية قدسية الجوهر الأنثوي. وضع هذه الحدود هو فعل فلسفي تعلن من خلاله الأنثى استقلاليتها وكرامتها، مؤكدة للعالم أنها كائن يجب أن يُحترم ويُفهم، وليست مساحة مستباحة للغرائز العابرة.

تبدأ هذه الحدود من الرفض الواعي لكل ما يمس الكرامة، وتنتهي بفرض نمط تعامل يجبر المحيطين على الارتقاء بلغتهم وسلوكهم. عندما تضع الأنثى هذه الضوابط، فهي تساعد الرجل عملياً على اكتشاف إنسانيته، وتدفعه للتعامل معها كشريك مكافئ في القيمة والوجود، بعيداً عن مفاهيم التبعية العمياء.

تظل أفهام المجتمع في صراع مع هذه الحدود، حيث يميل العقل الجمعي أحياناً إلى التقليل من قيمة خصوصية المرأة وانتهاك دائرة أمنها. إن خروج المرأة عن هذه الأنماط التقليدية قد يُفهم خطأً، لكنه في الحقيقة محاولة لاستعادة التوازن المفقود في مجتمعات لا تزال تهيمن عليها النزعة الذكورية المقللة من شأن الأنثى.

يُقاس رقي أي فكر حضاري أو مجتمع مدني بمدى الأمان الذي تشعر به الأنثى فيه، وبمدى احترام لغتها الخاصة بعيداً عن الخطب الرنانة. المجتمع المتصالح مع قيم اللين والرحمة والاحتواء هو المجتمع الذي يحترم الأنوثة، أما الضغط عليها بحجة العفة أو تسليعها كآلة للشهوات فهما وجهان لعملة واحدة تفتقد للفهم.

إن دعوة الفكر المعاصر يجب أن تتركز على إعادة تعريف الأنثى كمفهوم مجتمعي يخرج من غرف الغرائز الضيقة إلى فضاءات الفكر الرحبة. يجب إحاطة هذا المفهوم بالقيم العليا والابتعاد عن القناعات الموروثة التي تخالف جوهر الدين وتكرس هيمنة الهوى والسلطة الذكورية على حساب الحقائق الإنسانية.

تكمن مشكلة المجتمعات اليوم في 'الفهم' السطحي والانطباعات التي تستند إلى الهوى، سواء كان هوى الهيمنة أو هوى التمرد غير المدروس. إن إصرار المرأة على إثبات وجودها يجب أن يقترن بالبحث عن المعرفة الحقيقية والنجاة في الدارين، بحيث يكون رضا الله هو المعيار الأسمى فوق كل اعتبار مجتمعي.

في الختام، تظل الأنوثة لغة مقدسة تتطلب من الطرف الآخر ارتقاءً روحياً وذهنياً لاستيعابها، وهي ليست مجرد حالة بيولوجية بل هي فعل حضاري. إن تحقيق التوازن بين الرجل والمرأة يبدأ من الاعتراف بهذه اللغة الخاصة وتوفير البيئة الآمنة التي تسمح لكل طرف بأن يرتصف للاعتدال ويحقق ذاته في إطار من الاحترام المتبادل.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 1:53 صباحًا - بتوقيت القدس

إصابات في قصف إسرائيلي دمر منزلاً بمخيم الشاطئ وتصاعد الخروقات في غزة

أفادت مصادر ميدانية بإصابة تسعة مواطنين فلسطينيين، من بينهم طفل، جراء غارة جوية نفذتها مقاتلات الاحتلال الإسرائيلي مساء الجمعة، استهدفت منزلاً سكنياً في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة. وجاء الهجوم بعد وقت قصير من توجيه تهديدات للسكان وإجبارهم على إخلاء المربع السكني المحيط بالمنزل المستهدف، في خطوة تعكس استمرار السياسة الإسرائيلية في ترويع المدنيين وتدمير ممتلكاتهم.

وأكد جهاز الدفاع المدني في غزة أن طائرات الاحتلال أطلقت صاروخاً حربياً واحداً على الأقل تجاه منزل مكون من طابق أرضي يعود لعائلة 'الأضم'. وأوضح البيان أن القصف أسفر عن تدمير المنزل بشكل كلي، بالإضافة إلى وقوع أضرار جسيمة في عشرات المنازل والمباني المجاورة، واندلاع حرائق في عدد منها، مما فاقم من معاناة العائلات التي باتت بلا مأوى.

وتأتي هذه الغارة في سياق سلسلة من الخروقات الإسرائيلية المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر تشرين الأول لعام 2025. ورغم التهدئة المعلنة، إلا أن العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تتوقف، حيث تواصل القوات استهداف الأحياء السكنية والمنشآت المدنية في مختلف مناطق القطاع بشكل منهجي.

وفي جنوب القطاع، ذكرت مصادر محلية أن دبابات الاحتلال المتمركزة في المناطق الحدودية أطلقت نيران رشاشاتها الثقيلة وقذائفها بشكل مكثف شرقي مدينة خانيونس. وتزامن هذا القصف مع استهداف مدفعي طال مناطق أخرى داخل المدينة، مما أثار حالة من الذعر بين النازحين الذين يحاولون العودة إلى حياتهم الطبيعية في ظل ظروف إنسانية قاسية.

ولم يقتصر التصعيد على البر، بل امتد ليشمل السواحل الفلسطينية، حيث أطلقت الزوارق الحربية التابعة للاحتلال نيران رشاشاتها الثقيلة بكثافة تجاه شواطئ مدينة غزة. هذا الاستهداف البحري يهدف إلى تضييق الخناق على الصيادين والمدنيين المتواجدين في المناطق الغربية التي تكتظ بمئات آلاف النازحين الفارين من العمليات العسكرية في شرق القطاع.

وفي وسط القطاع، قصفت مدفعية الاحتلال محيط جسر وادي غزة، وهي المنطقة الواقعة شمال شرق مخيمي النصيرات والبريج. هذا القصف المدفعي المتكرر يعيق حركة التنقل بين محافظات القطاع ويزيد من خطورة الأوضاع الأمنية في المناطق التي تعتبر ممرات حيوية للمواطنين والفرق الإغاثية.

وكانت مدينة غزة قد شهدت يوم الخميس جريمة أخرى تمثلت في استشهاد ثلاثة من أفراد الشرطة الفلسطينية وإصابة آخرين. ووقع الحادث عندما استهدفت طائرات الاحتلال نقطة حراسة تابعة لمقر أمني في المنطقة الغربية للمدينة، في إطار محاولات الاحتلال المستمرة لتقويض المنظومة الأمنية والمدنية في غزة.

وتشير إحصائيات وزارة الصحة إلى أن حجم الخروقات الإسرائيلية منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار قد أدى إلى ارتقاء 846 شهيداً وإصابة 2418 آخرين. هذه الأرقام تعكس عدم التزام الاحتلال بالاتفاقيات الدولية واستمراره في استخدام القوة المفرطة ضد السكان العزل في قطاع غزة المحاصر.

وناشد الدفاع المدني المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان والوسطاء ضرورة التدخل العاجل والفاعل لحماية المدنيين. وشدد البيان على أهمية ممارسة ضغوط حقيقية على سلطات الاحتلال لوقف استهداف الأحياء السكنية والمنشآت المدنية التي باتت هدفاً دائماً للآلة العسكرية الإسرائيلية رغم التفاهمات القائمة.

يُذكر أن قطاع غزة يعيش كارثة إنسانية غير مسبوقة منذ بدء حرب الإبادة الجماعية في أكتوبر 2023، والتي خلفت أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد عن 172 ألف جريح. وتتواصل هذه المعاناة في ظل سيطرة الجيش الإسرائيلي على مساحات واسعة من القطاع، مما أجبر السكان على التكدس في مناطق ضيقة تفتقر لأدنى مقومات الحياة.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 1:09 صباحًا - بتوقيت القدس

تونس بين مطرقة الاستقرار الرئاسوي وسندان الديمقراطية الصورية

تعيش تونس اليوم في قلب تحولات إقليمية ودولية عميقة، حيث تجد نفسها متأثرة بتداعيات جيو-سياسية كبرى رغم عدم تموضعها المباشر في عين العاصفة. ويأتي هذا الواقع في ظل غياب مقومات السيادة الاقتصادية والاجتماعية التي تحمي القرار الوطني من التدخلات الخارجية والهندسة الفوقية للمجتمع.

تشير القراءات السياسية إلى أن الديمقراطية الموجهة لم تعد أولوية لمراكز القرار الدولي كما كانت بعد 'الربيع العربي'. فقد عادت الأولوية لمفهوم الاستقرار، مما يعني أن القوى العالمية باتت تهتم بقدرة الأنظمة على الهيمنة الداخلية ومنع التوترات التي قد تهدد المصالح الحيوية للغرب ووكلائهم المحليين.

إن الدعم الغربي المشروط للديمقراطية في تونس لم يكن في جوهره إلا بحثاً عن شكل جديد من 'الكيانات الوظيفية'. هذا الشكل كان يراد له ضمان المصالح الغربية تحت غطاء قيمي حضاري، بعيداً عن الصورة النمطية للغرب كداعم تاريخي للأنظمة الاستبدادية في المنطقة العربية.

تستخدم القوى الدولية ملفات الحريات والحقوق كأدوات للابتزاز السياسي وتحقيق مكاسب مادية ورمزية. فالدعوات الإعلامية للانفتاح الديمقراطي غالباً ما تكون موجهة للاستهلاك أمام الرأي العام الغربي، بينما تظل الحقيقة مرتبطة بمدى استجابة هذه الأنظمة للإملاءات الخارجية.

عندما أعلن الرئيس قيس سعيد تفعيل الفصل 80 من الدستور في يوليو 2021، اعتبر الكثيرون ذلك استجابة لانتظارات شعبية واسعة. ورغم انخراط نخب 'حداثية' في دعم هذه السردية، إلا أن الهدف كان يتجاوز مجرد إصلاح المسار نحو بناء منظومة سياسية بديلة بالكامل.

راهنت بعض القوى السياسية على أن 'تصحيح المسار' سيعيد إنتاج نموذج الاستقرار السلطوي الذي يمنحها أدواراً هامشية كما كان في العهود السابقة. لكن المشروع الجديد أثبت أنه لا يعمل بنظام 'المناولة'، بل يسعى لإنهاء دور الأجسام الوسيطة في الديمقراطية التمثيلية لصالح رؤية قاعدية.

جاء المرسوم الرئاسي عدد 117 ليؤكد أن التغيير ليس مجرد إجراء مؤقت لمواجهة 'خطر داهم'. بل هو تأسيس لجمهورية جديدة تعتبر الأحزاب والمنظمات التقليدية عائقاً أمام 'حرب التحرير الوطني' التي يبشر بها النظام الحالي في خطاباته الرسمية.

يعاني النظام التونسي اليوم من 'استقرار هش' يفتقر إلى قاعدة توافقية مع القوى السياسية والمدنية. فقد أصبحت السلطة في صدام مفتوح مع الجميع، بما في ذلك الأطراف التي ساندتها في البداية، مما يضعف الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات المتزايدة.

تطرح التساؤلات حول قدرة النظام على الصمود في ظل غياب 'مشروعية الإنجاز' الاقتصادي والاجتماعي. فالأرقام والواقع المعيشي للمواطن التونسي يظهران فجوة كبيرة بين الخطابات السياسية والنتائج الملموسة على أرض الواقع، خاصة في المناطق المهمشة.

بدأ المواطن التونسي يشعر بالحنين إلى آليات الديمقراطية التمثيلية رغم عيوبها السابقة، وذلك نتيجة غياب ثمار حقيقية لـ 'حرب التحرير'. فالتحرر من القوى المالية الدولية يظل شعاراً خطابياً طالما أن الاقتراض الداخلي حل محل الخارجي دون رؤية اقتصادية شاملة.

إن الشركات الأهلية التي يتم الترويج لها كبديل اقتصادي، قد تتحول إلى عبء على دافعي الضرائب إذا لم تقترن بتشريعات تكسر الاحتكار الريعي. فغياب نخب ثورية بديلة يجعل من مقاومة الفساد الإداري مجرد حديث مرسل يفتقر إلى آليات التنفيذ الفعالة.

يبرز أمام المحلل السياسي احتمالان لمستقبل النظام في تونس؛ الأول يتمثل في خطة إنقاذ دولية تفتح باب الاقتراض مقابل تنازلات سياسية. هذا السيناريو يفترض أن النظام لا يشكل خطراً حقيقياً على المصالح الغربية رغم نبرته الخطابية الحادة أحياناً.

أما الاحتمال الثاني، فهو ممارسة ضغوط دولية مكثفة لدفع النظام نحو قبول الشراكة مع المعارضة والأجسام الوسيطة. هذا التوجه يهدف إلى إجراء إصلاحات سياسية تضمن بقاء تونس ضمن المنظومة الدولية دون العودة الكاملة لمربعات الصراع السابقة.

في نهاية المطاف، يبدو أن تغيير النظام من خارج الأطر الدستورية والقانونية يظل خياراً مستبعداً في الاستراتيجيات الغربية الحالية. فالمجتمع الدولي يفضل التعامل مع الواقع القائم مع محاولة تدجينه، بعيداً عن المغامرات التي قد تؤدي إلى انفجار الأوضاع بشكل غير محكوم.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 1:09 صباحًا - بتوقيت القدس

سوريا: توقيف العميد خردل ديوب المتهم بالمسؤولية عن مجزرة الكيماوي في الغوطة

أعلنت وزارة الداخلية السورية، في بيان رسمي صدر يوم الجمعة، عن إلقاء القبض على العميد الركن المتقاعد خردل أحمد ديوب، الذي شغل سابقاً منصب رئيس فرع المخابرات الجوية في محافظة درعا. وتأتي هذه الخطوة ضمن تحركات السلطات الجديدة لملاحقة رموز النظام السابق المتورطين في جرائم ضد الإنسانية وانتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري خلال العقد الماضي.

ووجهت الوزارة اتهامات مباشرة لديوب بالضلوع في الهجمات الكيميائية التي استهدفت الغوطة الشرقية بريف دمشق في عام 2013، حيث كان يخدم حينها في فرع المنطقة بدمشق. وأشارت المصادر إلى أن المعتقل أشرف ميدانياً على عمليات قمعية واسعة، وساهم في التنسيق اللوجستي لإطلاق القذائف المحملة بالمواد السامة المحرمة دولياً على المناطق السكنية.

وإلى جانب ملف الأسلحة الكيميائية، كشفت التحقيقات الأولية عن دور ديوب في إدارة ما عُرف بـ 'لجنة الاغتيالات' في محافظة درعا، وهي وحدة أمنية كانت مسؤولة عن تصفية المعارضين والناشطين ميدانياً. كما اتهمته السلطات بتجنيد عناصر محلية لتنفيذ عمليات قتل خارج إطار القانون تحت غطاء أمني رسمي وفره له منصبه الرفيع في المخابرات الجوية.

وتضمنت لائحة الاتهام أيضاً إقامة علاقات تنسيقية وثيقة مع أجهزة المخابرات الإيرانية وقيادات من ميليشيا حزب الله اللبناني، وتسهيل تحركات عناصر أجنبية مسلحة داخل الأراضي السورية. وبحسب بيان الداخلية، فإن ديوب وفر الحماية الأمنية واللوجستية لهذه المجموعات، مما ساهم في تعزيز نفوذ القوى الخارجية وتدخلها في الشأن السوري الداخلي خلال فترة النزاع.

وتعيد هذه التوقيفات إلى الأذهان مأساة مجزرة الغوطة في أغسطس 2013، التي راح ضحيتها أكثر من 1400 مدني نتيجة استنشاق غاز السارين السام. وكانت تقارير استخباراتية دولية ومنظمات حقوقية قد أكدت مسؤولية قوات النظام في ذلك الوقت عن الهجوم، رغم محاولات الإنكار المستمرة التي انتهت بتسليم مخزون السلاح الكيميائي لتفادي ضربة عسكرية أمريكية.

ووثقت تسجيلات الفيديو التي نشرها الناجون والناشطون في ذلك الوقت مشاهد مروعة لجثث مكدسة، كان أغلبها من الأطفال والنساء الذين قضوا اختناقاً في أسرتهم. وأظهرت اللقطات التي هزت الضمير العالمي أطباء يحاولون يائسين إنقاذ المصابين بوسائل بدائية، في ظل نقص حاد في الأدوية والمعدات الطبية اللازمة لمواجهة الغازات السامة.

وكانت الأمم المتحدة قد أصدرت تقارير لاحقة أكدت وجود أدلة دامغة على استخدام غاز الأعصاب في الهجوم، مما دفع المجتمع الدولي للضغط على دمشق للانضمام إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. ورغم تدمير جزء كبير من الترسانة المعلنة، إلا أن المنظمة الدولية عادت واتهمت دمشق بشن هجمات إضافية في سنوات لاحقة، مما عزز المطالب بضرورة المحاسبة.

وتأتي عملية اعتقال ديوب في سياق سلسلة من التوقيفات التي طالت مسؤولين أمنيين وعسكريين بارزين منذ سقوط العاصمة دمشق في ديسمبر 2024. ويهدف هذا المسار، بحسب تصريحات المسؤولين الحاليين، إلى تفكيك الشبكات الأمنية التي مارست القمع الممنهج وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب في إطار مشروع العدالة الانتقالية.

وكان وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، قد أعلن في وقت سابق من الشهر الماضي عن توقيف ضابط رفيع آخر مرتبط بملف الكيماوي، مؤكداً أن القضاء السوري لن يتهاون في فتح كافة الملفات الشائكة. وتعهد خطاب بأن تكون المحاكمات علنية ووفق المعايير الدولية لضمان حقوق الضحايا وكشف الحقائق التي طُمست لسنوات طويلة تحت وطأة الحرب.

وفي سياق متصل، بدأت المحاكم السورية بالفعل جلسات غيابية لمحاكمة رئيس النظام السابق بشار الأسد وعدد من أركان حكمه الذين فروا إلى الخارج، وتحديداً إلى روسيا. ويسعى القضاء السوري من خلال هذه الإجراءات إلى توثيق الجرائم قانونياً وإصدار مذكرات توقيف دولية بحق الفارين، لضمان ملاحقتهم في أي مكان حول العالم.

ويرى ناشطون حقوقيون أن توقيف شخصيات مثل خردل ديوب يمثل خطوة جوهرية نحو تحقيق المصالحة الوطنية المبنية على العدالة وليس على النسيان. ويؤكد المجتمع الدولي على أهمية هذه الخطوات في بناء دولة القانون في سوريا الجديدة، بعد عقود من الحكم الشمولي الذي انتهى بانهيار النظام في أواخر عام 2024 بعد سيطرة فصائل المعارضة على مفاصل الدولة.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 12:38 صباحًا - بتوقيت القدس

فيصل القاسم يهاجم 'شجاعة' المثقفين المتأخرة: صمتكم كان تواطؤاً مع الجلاد

شن الإعلامي السوري د. فيصل القاسم هجوماً حاداً على فئة واسعة من المثقفين السوريين، واصفاً مواقفهم خلال السنوات الأربع عشرة الماضية بالسقوط المدوي في أبسط الاختبارات الإنسانية. وأكد القاسم أن الصمت الذي التزم به هؤلاء لم يكن تعقلاً أو حرصاً على الدولة، بل كان تعبيراً عن جبن صافٍ أو بحث عن مصالح شخصية وطائفية تغلفت بشعارات ثقافية رخيصة، مشدداً على أن الحياد في معركة بين جلاد وضحية هو انحياز كامل للمجرم.

وأوضح القاسم في مقالته أن الادعاء بجهل ما كان يحدث من قتل وتعذيب وتهجير قسري هو إهانة للعقل البشري، خاصة وأن التقارير الدولية وشهادات المنظمات الحقوقية كانت تملأ الآفاق. وبينما كان العالم يهتز لصور الضحايا، اختار هؤلاء المثقفون الكتابة عن الشعر أو الحديث عن 'تعقيدات المشهد'، واللوذ بصمت وصفه بأنه 'متعفن أخلاقياً'، في وقت كانت فيه الشجاعة هي المطلب الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جسد الوطن المثخن بالجراح.

وانتقد الكاتب التوقيت الذي اختاره هؤلاء لإطلاق حناجرهم بالنقد، معتبراً أن ولادة المعارضة فقط عندما تتغير هوية الحاكم وتصبح الحرية متاحة هو 'نقد انتقائي' مكسور الأخلاق. وأشار إلى أن التواطؤ الناعم الذي مارسه البعض عبر تبرير الجرائم بحجة الحفاظ على 'استقرار الدولة' جعل منهم شركاء فكريين في الجريمة، خاصة أولئك الذين روجوا لفكرة أن النظام سيئ لكن البديل أسوأ، مستخدمين الخوف كسلاح لتدجين العقول وتبرير سفك الدماء.

كما فرق القاسم بين المثقف الذي واجه النظام ودفع أثماناً باهظة من حريته ونفيه، وبين من عاش في كنف السلطة وقرر اليوم ممارسة دور الثائر لتبييض ماضيه الأسود. واعتبر أن الهجوم الحالي على العهد الجديد من قبل هؤلاء لا ينطلق من مبادئ ثابتة، بل من قلق طائفي أو خسارة لامتيازات قديمة كانت توفرها لهم السلطة السابقة، مما يكشف أن ثقافتهم لم تكن سوى قشرة خارجية تخفي عقولاً قبلية ضيقة لا تؤمن بالمواطنة الحقيقية.

وفي ختام رؤيته، دعا القاسم هؤلاء المثقفين إلى البدء بالاعتراف بأخطائهم وخذلانهم للناس بدلاً من توجيه الاتهامات، مؤكداً أن سوريا في مرحلة ما بعد الخراب تحتاج إلى ضمائر حية لا تصمت عندما يكون الكلام واجباً. وشدد على أن الثورات لا تُهزم بالرصاص فقط بل بالخيانة الفكرية، وأن نهضة المجتمع السوري تتطلب تطهير المجال العام من النفاق الثقافي الذي جعل من النخب عبئاً على تطلعات الشعب نحو الحرية والكرامة.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 12:38 صباحًا - بتوقيت القدس

زلزال سياسي في بريطانيا: خسائر مدوية لحزب العمال وصعود قياسي لليمين بقيادة فاراج

كشفت النتائج الأولية للانتخابات المحلية في المملكة المتحدة عن تحول دراماتيكي في المشهد السياسي، حيث تكبد حزب العمال الحاكم خسائر فادحة في معاقله التقليدية. وتأتي هذه النتائج بعد مرور أقل من عامين على تولي كير ستارمر رئاسة الوزراء، مما يعكس حالة من عدم الرضا الشعبي تجاه سياسات الحكومة الحالية.

وفي المقابل، حقق حزب الإصلاح اليميني، الذي يتزعمه نايجل فاراج، اختراقاً تاريخياً بانتزاعه أكثر من 400 مقعد في المجالس البلدية بمختلف أنحاء إنجلترا. واعتبر مراقبون أن هذا الصعود يمثل تهديداً مباشراً لهيمنة الحزبين الكبيرين، العمال والمحافظين، اللذين تقاسما السلطة لعقود طويلة.

من جانبه، خرج رئيس الوزراء كير ستارمر في تصريحات صحفية ليقر بمسؤوليته الكاملة عن هذه النتائج المخيبة للآمال، مؤكداً أنه لن يحاول تجميل الواقع المرير. وشدد ستارمر على أنه استوعب رسالة الناخبين القاسية، لكنه قطع الطريق أمام المطالبين برحيله مؤكداً استمراره في منصبه لتجنب دخول البلاد في دوامة من الفوضى.

وتشير البيانات الواردة من مراكز الفرز إلى أن حزب العمال فقد أكثر من 260 مقعداً حتى منتصف نهار الجمعة، مع توقعات بارتفاع هذا الرقم بشكل حاد. ويرى محللون أن الحزب يواجه نزيفاً حاداً في الأصوات لصالح قوى اليمين واليسار على حد سواء، مما يضعف قبضته على المجالس المحلية.

ووصف نايجل فاراج، الحليف الوثيق للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، نتائج حزبه بأنها لحظة تاريخية تعيد رسم الخارطة السياسية البريطانية من جديد. وأكد فاراج أن حزبه بات القوة الحقيقية الممثلة لليمين، متعهداً بمواصلة الضغط على الحكومة في ملفات الهجرة والسيادة الوطنية.

ولم تقتصر خسائر العمال على حزب الإصلاح، بل امتدت لتشمل مكاسب حققها حزب الخضر والديمقراطيون الأحرار، الذين نجحوا في جذب الناخبين المحبطين من أداء الحكومة. وسجل الخضر زيادة بـ 26 مقعداً، بينما أضاف الديمقراطيون الأحرار 35 مقعداً جديداً إلى رصيدهم في المجالس البلدية.

وتتجه الأنظار حالياً نحو ويلز، حيث يواجه حزب العمال خطر فقدان سيطرته التاريخية المستمرة منذ عام 1922 لصالح أحزاب قومية ويمينية. وتعد هذه المنطقة اختباراً حقيقياً لمدى تآكل شعبية الحزب في أقاليم المملكة المتحدة التي كانت تعد حصوناً منيعة له.

وتواجه قيادة ستارمر انتقادات لاذعة من داخل وخارج الحزب بسبب التراجع عن وعود انتخابية تتعلق بالضرائب والرعاية الاجتماعية ونظام الهجرة. كما أثار تعيين شخصيات مثيرة للجدل في مناصب دبلوماسية حساسة موجة من الغضب زادت من عزلة الحزب عن قاعدته الشعبية.

وفي اسكتلندا، يواصل الحزب الوطني الاسكتلندي مساعيه للحفاظ على تفوقه في البرلمان المحلي، مستنداً إلى أجندة الاستقلال عن التاج البريطاني. وتزيد هذه التجاذبات الإقليمية من تعقيد المشهد أمام حكومة لندن التي تبدو عاجزة عن احتواء التشرذم الحزبي المتصاعد.

ومع استمرار عمليات الفرز لنحو خمسة آلاف مقعد متنافس عليه، تتزايد التوقعات بأن تكون هذه الانتخابات نقطة تحول كبرى في التاريخ السياسي المعاصر لبريطانيا. ويبدو أن الناخب البريطاني بدأ بالبحث عن بدائل خارج إطار الثنائية الحزبية التقليدية التي حكمت البلاد لسنوات طويلة.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 12:38 صباحًا - بتوقيت القدس

الاحتلال يجبر عائلة في جنين على نبش قبر نجلها ونقله تحت تهديد السلاح

أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، مساء الجمعة، على ارتكاب انتهاك جديد بحق الفلسطينيين في محافظة جنين شمال الضفة الغربية، حيث أجبرت عائلة على نبش قبر نجلها الذي ووري الثرى في وقت سابق من اليوم. وجاء هذا الإجراء التعسفي تحت ذريعة قرب المقبرة من مستوطنة إسرائيلية مقامة على أراضي المواطنين، مما أثار حالة من الغضب والاستنكار الواسع في الأوساط المحلية.

وأفادت مصادر محلية بأن مجموعة من المستوطنين المتطرفين شرعوا في البداية بحفر القبر داخل مقبرة قرية العصاعصة، في محاولة لإخراج الجثمان بالقوة. وعقب ذلك، تدخلت قوات الجيش لتوفير الحماية للمستوطنين، وأمرت العائلة بشكل مباشر بضرورة نقل الجثمان ودفنه في موقع بديل بعيداً عن حدود مستوطنة 'ترسلة/صانور'.

وتأتي هذه الحادثة في ظل تصعيد استيطاني محموم، حيث أعادت السلطات الإسرائيلية المستوطنين إلى مستوطنة 'صانور' في أبريل الماضي، بعد نحو عقدين من إخلائها ضمن خطة 'فك الارتباط' عام 2005. ومنذ العودة، تزايدت وتيرة الاقتحامات والاعتداءات على بلدتي جبع وسيلة الظهر، مما حول حياة السكان إلى معاناة يومية مستمرة.

وفي سياق متصل، لم تتوقف الانتهاكات عند نبش القبور، بل شملت تهديد المنشآت الاقتصادية للفلسطينيين، حيث أخطرت سلطات الاحتلال عدة محال تجارية بالهدم على شارع جنين-نابلس. وتعود ملكية هذه المحال لسكان بلدة جبع، وتدعي سلطات الاحتلال أنها تشكل عائقاً أمنياً بسبب قربها من المستوطنة التي تم إحياؤها مؤخراً.

وعلى صعيد التوسع الاستيطاني، كانت الحكومة الإسرائيلية قد صادقت في نهاية أبريل الماضي على بناء 126 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنة 'صانور'. ويعكس هذا القرار التوجه الإسرائيلي لترسيخ الوجود الاستيطاني في عمق الضفة الغربية، ضاربة بعرض الحائط كافة القوانين الدولية التي تعتبر الاستيطان غير شرعي.

وفي جنوب الضفة الغربية، وتحديداً في محافظة الخليل، أصيب المواطن مراد البطاط وطفله بجروح وصفت بالمتوسطة إثر اعتداء وحشي نفذه مستوطنون في قرية شويكة. واستخدم المهاجمون الآلات الحادة في اعتداء استهدف الرأس بشكل مباشر، مما استدعى نقل المصابين على وجه السرعة إلى المستشفى لتلقي العلاج اللازم.

ولم يكتفِ المستوطنون بالاعتداء الجسدي، بل قاموا بتحطيم زجاج مركبة المواطن البطاط وإلحاق أضرار جسيمة بها قبل انسحابهم من المنطقة. وتندرج هذه الهجمات ضمن سياسة ترهيب المزارعين الفلسطينيين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، وهي سياسة تتبعها جماعات المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال.

وفي محافظة نابلس، أفادت مصادر من مجلس قروي اللبن الشرقية بأن مستوطنين أضرموا النار في منزل المواطن محمد الخليل الواقع على الطريق الواصل بين نابلس ورام الله. وأدى الهجوم المتعمد إلى اشتعال النيران في أجزاء واسعة من المنزل، قبل أن تتمكن طواقم الدفاع المدني من السيطرة على الحريق ومنع وقوع كارثة بشرية.

وتشير الإحصائيات الرسمية الفلسطينية إلى أن الضفة الغربية والقدس المحتلة تعيشان حالة من الغليان منذ أكتوبر 2023، حيث أسفرت اعتداءات الجيش والمستوطنين عن استشهاد 1155 فلسطينياً. كما سجلت الطواقم الطبية إصابة نحو 11 ألفاً و750 آخرين، في حين تجاوزت أعداد المعتقلين حاجز 22 ألف مواطن في حملات مداهمة لا تتوقف.

ويرى مراقبون أن هذه الاعتداءات الممنهجة تهدف إلى دفع الفلسطينيين للهجرة القسرية من أراضيهم لتسهيل تنفيذ مشاريع استيطانية كبرى. وتتزامن هذه التحركات مع تصريحات لمسؤولين إسرائيليين تروج لمشاريع توسعية تتجاوز حدود فلسطين التاريخية، مما يهدد الاستقرار الإقليمي في منطقة غرب آسيا بشكل عام.

إن استهداف المقابر وحرمة الموتى يمثل ذروة الانحطاط الأخلاقي في التعامل مع السكان الأصليين، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية. وتستمر المقاومة الشعبية في الضفة الغربية في مواجهة هذه المخططات، رغم الاستخدام المفرط للقوة العسكرية والسياسات القمعية التي تنتهجها حكومة الاحتلال اليمينية.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 12:08 صباحًا - بتوقيت القدس

مأساة إنسانية في النيل الأزرق: آلاف النازحين يواجهون الجوع والمرض مع تمدد حرب السودان

تعيش ولاية النيل الأزرق بجنوب شرق السودان فصلاً جديداً من فصول المعاناة الإنسانية، حيث يواجه آلاف النازحين ظروفاً معيشية قاسية في ظل غياب شبه تام للغذاء والدواء. ومع اتساع نطاق المواجهات المسلحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، باتت المخيمات المكتظة تفتقر لأبسط مقومات الصمود البشري.

في مخيم 'كرامة 3' بمدينة الدمازين، تروي مصادر محلية قصصاً مأساوية عن عائلات فرت من جحيم القتال لتجد نفسها في مواجهة الجوع. وتؤكد شهادات من داخل المخيم أن النازحين لا يحصلون إلا على وجبة واحدة يومياً، في حين تنتشر الأمراض مثل الملاريا بين الأطفال دون توفر أي رعاية طبية أو أدوية أساسية.

لقد تحول إقليم النيل الأزرق، الواقع عند الحدود مع إثيوبيا ودولة جنوب السودان، إلى ساحة مركزية للمعارك بعد أن كان جبهة هامشية في بداية النزاع. وتشير التقارير الميدانية إلى أن القتال امتد للولاية عقب سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من إقليم دارفور أواخر العام الماضي.

وتشهد الولاية صراعاً معقداً تشارك فيه أطراف متعددة، حيث يخوض الجيش معارك ضد قوات الدعم السريع وحليفتها المحلية 'الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال'. هذا التعدد في جبهات القتال أدى إلى سقوط مئات الضحايا المدنيين وتدمير البنية التحتية المتهالكة أصلاً في المنطقة الغنية بالموارد.

وتشير بيانات مراقبة النزاعات المسلحة إلى مقتل ما لا يقل عن 450 شخصاً في الولاية خلال الربع الأول من العام الجاري فقط. وتعتبر هذه الحصيلة هي الأعلى منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، مما يعكس تحول النيل الأزرق إلى منطقة استراتيجية يسعى كل طرف للسيطرة عليها.

ويرى محللون أن السيطرة على ولاية النيل الأزرق تمثل مفتاحاً للتحكم في وسط السودان وربط المناطق الشرقية والغربية. وفي حال سقوط الولاية، فإن ذلك سيؤدي إلى حصار مناطق واسعة في كردفان، مما يزيد من تعقيد المشهد العسكري والإنساني على حد سواء.

وعلى الصعيد الإنساني، تسببت الحرب في تشريد الملايين وخلق أزمة جوع وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأكبر عالمياً في الوقت الراهن. وفي النيل الأزرق وحدها، اضطر آلاف المدنيين للسير لأيام طويلة تحت وطأة الخوف والجوع للوصول إلى مناطق آمنة نسبياً قرب الحدود الدولية.

مخيم 'كرامة 3' الذي كان مخصصاً في الأصل للعائدين من دول الجوار، استقبل وحده نحو 30 ألف نازح جديد منذ بداية العام الحالي. وتؤكد إحصاءات أممية أن أكثر من 11 ألف مدني فروا من منطقة الكرمك وحدها نتيجة اقتراب خطوط المواجهة من منازلهم ومزارعهم.

وتشير التقديرات المحلية إلى أن إجمالي عدد النازحين في أنحاء ولاية النيل الأزرق تجاوز 150 ألف شخص منذ أبريل 2023. وتستضيف مدينة الدمازين، عاصمة الولاية، الكتلة الأكبر من هؤلاء الفارين، حيث يقيم نحو 100 ألف شخص في مراكز إيواء مؤقتة ومخيمات عشوائية.

ومع حلول موسم الأمطار، تتصاعد المخاوف من كارثة صحية وبيئية داخل المخيمات التي تتكون غالبيتها من أغطية بلاستيكية وقش. ويخشى النازحون من غرق خيامهم البدائية، مما قد يؤدي إلى تفشي الأوبئة المنقولة عبر المياه في ظل انعدام الخدمات الصحية والصرف الصحي.

وتواجه وكالات الإغاثة الدولية صعوبات بالغة في مواكبة الاحتياجات المتزايدة بسبب نقص التمويل والقيود الأمنية المفروضة على الحركة. وأفادت مصادر إغاثية بأن الأعداد تتزايد بشكل يومي، مما يجعل أي تقييم للاحتياجات غير دقيق بحلول موعد وصول الإمدادات المحدودة.

وزاد من تفاقم الأزمة قرار السلطات الأمنية بإغلاق 'غرف الطوارئ' المحلية، وهي مبادرات طوعية كانت تلعب دوراً حيوياً في توفير الغذاء. واعتبرت منظمات حقوقية أن هذا الإجراء يضيق الخناق على المدنيين ويحرمهم من آخر شريان للحياة في ظل غياب المنظمات الدولية.

ميدانياً، لا تزال الاتهامات المتبادلة تسيطر على المشهد السياسي، حيث يتهم الجيش السوداني أطرافاً إقليمية بدعم قوات الدعم السريع عبر الحدود. وتحدثت تقارير عن هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مواقع في الولاية، وهو ما نفته الدول المعنية جملة وتفصيلاً في بيانات رسمية.

ويبقى المدنيون في النيل الأزرق هم الضحية الأكبر لهذا الصراع المستمر، حيث تنهار خدمات الصحة والأمومة بشكل كامل في المناطق المتضررة. ومع استمرار المعارك، يظل مصير آلاف العائلات معلقاً بين مطرقة القتال وسندان الجوع والمرض في انتظار حل سياسي ينهي المأساة.