تحليل

الجمعة 08 مايو 2026 5:42 مساءً - بتوقيت القدس

واشنطن تستضيف جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية ــ الإسرائيلية وسط تصاعد القصف والضغوط الأميركية


واشنطن – سعيد عريقات-8/5/2026

بينما تسعى واشنطن إلى تسويق جولة جديدة من المفاوضات بين إسرائيل ولبنان بوصفها خطوة نحو "الاستقرار"، تكشف الوقائع الميدانية أن هذه المحادثات تجري تحت وقع القصف والضغوط والاختلال الصارخ في موازين القوة. فقد أعلن مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، أن الولايات المتحدة ستستضيف يومي 14 و15 أيار الجاري الجولة الثالثة من المحادثات بين ممثلين عن إسرائيل ولبنان على مستوى السفراء، بمشاركة غير مسبوقة لممثلين عسكريين من الجانبين.


وبحسب الإعلام الإسرائيلي، فإن الاجتماعات لن تقتصر على بحث الترتيبات الأمنية التقليدية، بل ستتناول بصورة مباشرة "إجراءات ملموسة" لنزع سلاح "حزب الله"، في مؤشر واضح إلى أن واشنطن وتل أبيب تحاولان فرض أجندة سياسية ــ أمنية تتجاوز مجرد تثبيت وقف إطلاق النار، وصولاً إلى إعادة صياغة التوازن الداخلي اللبناني بما يخدم المصالح الإسرائيلية.


ورغم الرغبة الأميركية في إظهار هذه الاجتماعات كمدخل لتطبيع سياسي مستقبلي، رفضت بيروت الانصياع الكامل للضغوط الأميركية الرامية إلى عقد لقاء مباشر بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وأكد عون، الاثنين، أن أي لقاء من هذا النوع يبقى غير وارد ما دامت إسرائيل تواصل غاراتها داخل الأراضي اللبنانية وتحتفظ بقواتها في الجنوب اللبناني.


هذا الموقف اللبناني يعكس إدراكاً بأن أي انخراط سياسي مباشر مع إسرائيل في ظل استمرار العمليات العسكرية سيُنظر إليه داخلياً باعتباره رضوخاً للإملاءات الأميركية والإسرائيلية، خصوصاً أن الجنوب اللبناني ما يزال يعيش تحت القصف اليومي، فيما تتوسع المنطقة العازلة التي أقامها الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية.


وخلال الجولتين السابقتين، اللتين عُقدتا الشهر الماضي للمرة الأولى منذ عقود، ناقش الطرفان إطاراً عاماً لاتفاق محتمل يشمل انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، مقابل التزام لبناني بنزع سلاح "حزب الله" وتعزيز سلطة الدولة، وصولاً إلى تطبيع العلاقات بين بيروت وتل أبيب. غير أن هذا الطرح بدا، بالنسبة لكثير من اللبنانيين، أقرب إلى محاولة فرض شروط المنتصر بالقوة العسكرية، لا إلى عملية تفاوض متوازنة بين دولتين.


وقد وافقت بيروت على الانخراط في هذه الاجتماعات أملاً في وقف الضربات الإسرائيلية المتواصلة، لكن الوقائع الميدانية سرعان ما نسفت هذه التوقعات. فبعد يومين فقط من الجولة الأولى، عُقد اجتماع ثانٍ في 23 نيسان بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حيث أعلنت واشنطن تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع إضافية. إلا أن الجنوب اللبناني لم يشهد أي تهدئة فعلية، بل استمرت الغارات الإسرائيلية بصورة شبه يومية، بذريعة استهداف مواقع وعناصر تابعة لـ "حزب الله".


وفي المقابل، واصل "حزب الله" استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي داخل "المنطقة العازلة"، إلى جانب إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه شمال إسرائيل، في مشهد يؤكد هشاشة أي اتفاق لا يعالج جذور الصراع، بل يكتفي بإدارته أمنياً بما يضمن التفوق الإسرائيلي.


وتكشف السياسة الأميركية تجاه لبنان تناقضاً صارخاً؛ فمن جهة، تمنح واشنطن إسرائيل غطاءً سياسياً وعسكرياً لمواصلة ضرباتها داخل لبنان تحت شعار "الدفاع عن النفس"، ومن جهة أخرى، تدّعي رعاية مسار تفاوضي يفترض أنه يهدف إلى التهدئة. هذا التناقض حوّل الوساطة الأميركية إلى أداة ضغط أكثر منها وساطة نزيهة، خصوصاً مع إصرار واشنطن على ربط أي استقرار لبناني بمسألة نزع سلاح “حزب الله”، دون أي حديث جدي عن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي أو وقف الانتهاكات المتكررة للسيادة اللبنانية.


كما حاولت الإدارة الأميركية فصل الملف اللبناني عن مفاوضاتها الجارية مع إيران، في وقت سعت فيه طهران إلى استخدام نفوذها في بيروت كورقة ضغط ضمن التفاوض الإقليمي الأوسع. وبينما نفت واشنطن وجود أي رابط مباشر بين وقف إطلاق النار في لبنان والتفاهمات مع إيران، فإن الضغوط الأميركية اللاحقة على إسرائيل لتمديد التهدئة كشفت حجم الترابط بين المسارين، وأن لبنان ما يزال يُستخدم كساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية.


ورغم أن حكومة عون تُعتبر الأقل قرباً من “حزب الله” منذ سنوات طويلة، إلا أنها تدرك هشاشة الوضع الداخلي اللبناني، وخطورة دفع البلاد نحو صدام أهلي جديد. لذلك تتحرك بيروت بحذر شديد، محاولة تجنب انفجار داخلي مع الطائفة الشيعية التي تشكل قاعدة شعبية واسعة للحزب، خصوصاً في ظل الانهيار الاقتصادي والمؤسساتي الذي يعيشه لبنان.


في المقابل، تواصل إسرائيل سياسة الأرض المحروقة في القرى الحدودية الجنوبية، حيث دمرت مئات المنازل والبنى التحتية بذريعة استخدامها من قبل "حزب الله". وقد أثارت مشاهد الدمار، التي أعادت إلى الأذهان ما جرى في قطاع غزة، موجة استنكار دولية متصاعدة، فيما بدا المجتمع الدولي عاجزاً مرة أخرى عن فرض أي التزام فعلي على إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية.


وتقول إسرائيل إن المنطقة العازلة ضرورية لحماية مستوطناتها الشمالية، لكن منتقدين يرون أن هذه السياسة لا تؤدي إلا إلى تعزيز سردية “حزب الله” القائمة على مقاومة الاحتلال والدفاع عن السيادة اللبنانية، بما يمنح الحزب مبررات إضافية للحفاظ على سلاحه وتعزيز نفوذه الشعبي.


ووفق وزارة الصحة اللبنانية، أسفرت الضربات الإسرائيلية عن مقتل نحو 2700 شخص منذ اندلاع المواجهة الأخيرة، بينهم عشرات القتلى بعد بدء وقف إطلاق النار. أما الجيش الإسرائيلي، فيقول إنه قتل أكثر من 1900 من عناصر “حزب الله”، بينهم مئات من قوات “الرضوان” النخبوية. وبين هذه الأرقام المتضاربة، يبقى المدنيون اللبنانيون هم الخاسر الأكبر في حرب تُدار باسم الأمن، لكنها تُنتج مزيداً من الخراب والانقسام وعدم الاستقرار.


وتكشف المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل حجم الاختلال البنيوي في الدور الأميركي بالمنطقة، إذ لم تعد واشنطن وسيطاً سياسياً بقدر ما أصبحت شريكاً مباشراً في فرض الرؤية الإسرائيلية بالقوة. فالإدارة الأميركية تتحدث عن الاستقرار والسلام، بينما تمنح إسرائيل غطاءً مفتوحاً لمواصلة القصف والتوغل وفرض الوقائع الميدانية. هذا النموذج من “الدبلوماسية المسلحة” لا يصنع سلاماً حقيقياً، بل ينتج ترتيبات قسرية هشة سرعان ما تنهار مع أول تصعيد. كما أن تجاهل جذور الصراع، وعلى رأسها الاحتلال والانتهاكات الإسرائيلية، يجعل أي حديث عن نزع سلاح "حزب الله" يبدو انتقائياً ومفصولاً عن السياق السياسي والأمني الأوسع.


وتحاول إسرائيل استثمار اللحظة الإقليمية الراهنة لإعادة تشكيل لبنان أمنياً وسياسياً، مستفيدة من الانهيار الاقتصادي اللبناني ومن الغطاء الأميركي غير المحدود. لكن الرهان على فرض معادلة "الأمن مقابل السيادة" يحمل مخاطر هائلة، لأنه يدفع شريحة واسعة من اللبنانيين إلى الاعتقاد بأن الدولة تُجبر على التنازل تحت التهديد العسكري. وفي بلد قائم على التوازنات الطائفية الدقيقة، فإن أي محاولة لكسر معادلة القوة الداخلية بالقوة الخارجية قد تعيد إنتاج الحرب الأهلية بأشكال جديدة. لذلك تبدو الضغوط الأميركية لنزع سلاح "حزب الله" دون معالجة الاحتلال الإسرائيلي وصفة لتفجير لبنان، لا لإنقاذه.


اللافت في المشهد الحالي أن لبنان بات مرة أخرى ساحة لتقاطع المشاريع الإقليمية والدولية، بينما يغيب الصوت اللبناني المستقل القادر على فرض أولويات الناس الحقيقية. فالمواطن اللبناني المنهك اقتصادياً لا يعنيه كثيراً صراع النفوذ بين واشنطن وطهران بقدر ما يعنيه وقف القصف واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة. لكن القوى الكبرى لا تنظر إلى لبنان إلا من زاوية مصالحها الأمنية والاستراتيجية. وبين الحسابات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية، يتحول البلد إلى ورقة تفاوض مفتوحة، فيما يُترك المدنيون وحدهم لدفع ثمن الحروب والصفقات والتوازنات الإقليمية الهشة.

دلالات

شارك برأيك

واشنطن تستضيف جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية ــ الإسرائيلية وسط تصاعد القصف والضغوط الأميركية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.