أعلنت وزارة الداخلية السورية، في بيان رسمي صدر يوم الجمعة، عن إلقاء القبض على العميد الركن المتقاعد خردل أحمد ديوب، الذي شغل سابقاً منصب رئيس فرع المخابرات الجوية في محافظة درعا. وتأتي هذه الخطوة ضمن تحركات السلطات الجديدة لملاحقة رموز النظام السابق المتورطين في جرائم ضد الإنسانية وانتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري خلال العقد الماضي.
ووجهت الوزارة اتهامات مباشرة لديوب بالضلوع في الهجمات الكيميائية التي استهدفت الغوطة الشرقية بريف دمشق في عام 2013، حيث كان يخدم حينها في فرع المنطقة بدمشق. وأشارت المصادر إلى أن المعتقل أشرف ميدانياً على عمليات قمعية واسعة، وساهم في التنسيق اللوجستي لإطلاق القذائف المحملة بالمواد السامة المحرمة دولياً على المناطق السكنية.
وإلى جانب ملف الأسلحة الكيميائية، كشفت التحقيقات الأولية عن دور ديوب في إدارة ما عُرف بـ 'لجنة الاغتيالات' في محافظة درعا، وهي وحدة أمنية كانت مسؤولة عن تصفية المعارضين والناشطين ميدانياً. كما اتهمته السلطات بتجنيد عناصر محلية لتنفيذ عمليات قتل خارج إطار القانون تحت غطاء أمني رسمي وفره له منصبه الرفيع في المخابرات الجوية.
وتضمنت لائحة الاتهام أيضاً إقامة علاقات تنسيقية وثيقة مع أجهزة المخابرات الإيرانية وقيادات من ميليشيا حزب الله اللبناني، وتسهيل تحركات عناصر أجنبية مسلحة داخل الأراضي السورية. وبحسب بيان الداخلية، فإن ديوب وفر الحماية الأمنية واللوجستية لهذه المجموعات، مما ساهم في تعزيز نفوذ القوى الخارجية وتدخلها في الشأن السوري الداخلي خلال فترة النزاع.
وتعيد هذه التوقيفات إلى الأذهان مأساة مجزرة الغوطة في أغسطس 2013، التي راح ضحيتها أكثر من 1400 مدني نتيجة استنشاق غاز السارين السام. وكانت تقارير استخباراتية دولية ومنظمات حقوقية قد أكدت مسؤولية قوات النظام في ذلك الوقت عن الهجوم، رغم محاولات الإنكار المستمرة التي انتهت بتسليم مخزون السلاح الكيميائي لتفادي ضربة عسكرية أمريكية.
ووثقت تسجيلات الفيديو التي نشرها الناجون والناشطون في ذلك الوقت مشاهد مروعة لجثث مكدسة، كان أغلبها من الأطفال والنساء الذين قضوا اختناقاً في أسرتهم. وأظهرت اللقطات التي هزت الضمير العالمي أطباء يحاولون يائسين إنقاذ المصابين بوسائل بدائية، في ظل نقص حاد في الأدوية والمعدات الطبية اللازمة لمواجهة الغازات السامة.
ديوب متورط بشكل مباشر في ارتكاب انتهاكات ممنهجة بحق المدنيين، وأشرف على التنسيق اللوجستي لقصف الغوطة الشرقية بالسلاح الكيميائي المحرم دولياً.
وكانت الأمم المتحدة قد أصدرت تقارير لاحقة أكدت وجود أدلة دامغة على استخدام غاز الأعصاب في الهجوم، مما دفع المجتمع الدولي للضغط على دمشق للانضمام إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. ورغم تدمير جزء كبير من الترسانة المعلنة، إلا أن المنظمة الدولية عادت واتهمت دمشق بشن هجمات إضافية في سنوات لاحقة، مما عزز المطالب بضرورة المحاسبة.
وتأتي عملية اعتقال ديوب في سياق سلسلة من التوقيفات التي طالت مسؤولين أمنيين وعسكريين بارزين منذ سقوط العاصمة دمشق في ديسمبر 2024. ويهدف هذا المسار، بحسب تصريحات المسؤولين الحاليين، إلى تفكيك الشبكات الأمنية التي مارست القمع الممنهج وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب في إطار مشروع العدالة الانتقالية.
وكان وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، قد أعلن في وقت سابق من الشهر الماضي عن توقيف ضابط رفيع آخر مرتبط بملف الكيماوي، مؤكداً أن القضاء السوري لن يتهاون في فتح كافة الملفات الشائكة. وتعهد خطاب بأن تكون المحاكمات علنية ووفق المعايير الدولية لضمان حقوق الضحايا وكشف الحقائق التي طُمست لسنوات طويلة تحت وطأة الحرب.
وفي سياق متصل، بدأت المحاكم السورية بالفعل جلسات غيابية لمحاكمة رئيس النظام السابق بشار الأسد وعدد من أركان حكمه الذين فروا إلى الخارج، وتحديداً إلى روسيا. ويسعى القضاء السوري من خلال هذه الإجراءات إلى توثيق الجرائم قانونياً وإصدار مذكرات توقيف دولية بحق الفارين، لضمان ملاحقتهم في أي مكان حول العالم.
ويرى ناشطون حقوقيون أن توقيف شخصيات مثل خردل ديوب يمثل خطوة جوهرية نحو تحقيق المصالحة الوطنية المبنية على العدالة وليس على النسيان. ويؤكد المجتمع الدولي على أهمية هذه الخطوات في بناء دولة القانون في سوريا الجديدة، بعد عقود من الحكم الشمولي الذي انتهى بانهيار النظام في أواخر عام 2024 بعد سيطرة فصائل المعارضة على مفاصل الدولة.





شارك برأيك
سوريا: توقيف العميد خردل ديوب المتهم بالمسؤولية عن مجزرة الكيماوي في الغوطة