واشنطن - سعيد عريقات-22/3/2026
صدر حديثًا تقرير المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، فرانشيسكا ألبانيزي، تحت عنوان "التعذيب والإبادة الجماعية"، ليقدم قراءة حادة ومفصلة لما يصفه التقرير بأنه نمط ممنهج من الانتهاكات الجسيمة بحق الفلسطينيين، في سياق ما تعتبره المقررة “إبادة جماعية استعمارية استيطانية مستمرة”.
ويحمل التقرير، الصادر في 19 آذار 2026 تحت الرمز A/HRC/61/71، اتهامات خطيرة تتعلق باستخدام التعذيب الجسدي والنفسي كأداة مركزية في إدارة الصراع، ليس فقط داخل مراكز الاحتجاز، بل أيضًا في الحياة اليومية للفلسطينيين في الأراضي المحتلة. ويذهب إلى أن هذه الممارسات تشكل جزءًا من "بيئة تعذيبية شاملة" تهدف إلى إنهاك السكان الفلسطينيين ودفعهم إلى الرحيل القسري عن أرضهم.
التعذيب كسياسة ممنهجة
يستعرض التقرير أنماطًا متعددة من التعذيب وسوء المعاملة، تشمل الاعتقال التعسفي، والعنف الجسدي، والإذلال النفسي، والحرمان من الحقوق الأساسية. ويشير إلى أن هذه الانتهاكات لا تقتصر على السجون ومراكز التحقيق، بل تمتد إلى الحواجز العسكرية، والمداهمات الليلية، والقيود المفروضة على الحركة، ما يجعل الحياة اليومية للفلسطينيين، بحسب التقرير، محاطة بعناصر ضغط وإكراه مستمرة.
وتؤكد المقررة الخاصة أن هذا الاستخدام الواسع للتعذيب لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق السياسي الأوسع، معتبرة أنه يشكل “ركيزة بنيوية” في نظام السيطرة، وليس مجرد تجاوزات فردية أو استثناءات.
"بيئة تعذيبية": تتجاوز أماكن الاحتجاز
ومن أبرز ما يطرحه التقرير مفهوم "البيئة التعذيبية"، حيث لا يقتصر التعذيب على ممارسات مباشرة داخل أماكن الاحتجاز، بل يتجلى أيضًا في سياسات وإجراءات تفرض معاناة مستمرة على السكان المدنيين. وتشمل هذه البيئة، بحسب التقرير، القيود على التنقل، وهدم المنازل، والتوسع الاستيطاني، واستخدام القوة المفرطة، ما يخلق حالة دائمة من الخوف وعدم الاستقرار.
ويرى التقرير أن هذا النمط من الممارسات يسهم في "تفكيك النسيج الاجتماعي الفلسطيني"، ويهدف إلى تقويض القدرة على الصمود والبقاء، بما يخدم، وفقًا لتحليله، مشروعًا أوسع لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي على الأرض.
بين التعذيب والإبادة الجماعية
يربط التقرير بشكل مباشر بين ممارسات التعذيب وبين ما يصفه بالإبادة الجماعية، معتبرًا أن التعذيب لا يُستخدم فقط كوسيلة عقابية أو استخبارية، بل كأداة لإلحاق أذى جماعي منظم بالسكان. ويشير إلى أن هذا الربط يستند إلى تعريفات القانون الدولي، التي تأخذ في الاعتبار الأفعال المرتكبة بنية تدمير جماعة معينة كليًا أو جزئيًا.
وفي هذا السياق، يؤكد التقرير أن ما يجري يتجاوز الانتهاكات الفردية ليصل إلى مستوى "سياسات دولة"، تُنفذ بشكل متكرر ومنهجي، وهو ما يثير، بحسبه، تساؤلات قانونية جدية حول المسؤولية الدولية.
عرض التقرير في جنيف
ومن المقرر أن يتم عرض التقرير رسميًا خلال فعالية تُعقد في مقر الأمم المتحدة في جنيف يوم الاثنين 23 آذار، عند الساعة 4:30 مساءً بتوقيت وسط أوروبا، على أن يعقب ذلك مؤتمر صحفي في اليوم التالي، الثلاثاء 24 آذار، عند الساعة 9:30 صباحًا.
وتأتي هذه الفعاليات في إطار جهود تسليط الضوء على نتائج التقرير وإتاحة المجال أمام النقاش الدولي بشأن ما ورد فيه من استنتاجات وتوصيات.
تقارير سابقة وسياق متراكم
ولا يأتي هذا التقرير بمعزل عن سلسلة من التقارير السابقة التي أعدتها المقررة الخاصة، والتي تناولت تطور ما وصفته بـ"اقتصاد الإبادة" و"الإبادة كطمس استعماري". ومن بين هذه التقارير تقرير بعنوان "غزة: جريمة جماعية"، وآخر حول التحول من "اقتصاد الاحتلال" إلى "اقتصاد الإبادة"، حيث ترسم جميعها، بحسب ألبانيزي، صورة متكاملة لنمط متصاعد من الانتهاكات.
جدل دولي متوقع
ومن المتوقع أن يثير التقرير جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والقانونية الدولية، نظرًا لخطورة توصيفاته، خصوصًا فيما يتعلق باستخدام مصطلح "الإبادة الجماعية" وما يحمله من تبعات قانونية وسياسية.
وفي حين يُنتظر أن تعتمد جهات دولية وحقوقية على التقرير كمرجع لتقييم الوضع في الأراضي الفلسطينية، يُرجح أن تواجه استنتاجاته رفضًا من الجانب الإسرائيلي، الذي دأب على رفض مثل هذه الاتهامات واعتبارها منحازة.
ويتجاوز التقرير طبيعته التوثيقية ليطرح إشكالية جوهرية تتعلق بفعالية النظام الدولي في التعامل مع الانتهاكات الممتدة زمنيًا. فبينما تتراكم التقارير الأممية وتزداد حدتها في التوصيف، يظل الأثر العملي محدودًا، ما يعكس فجوة واضحة بين التوصيف القانوني وآليات التنفيذ. هذه الفجوة تطرح تساؤلات حول مدى قدرة المؤسسات الدولية على فرض المساءلة، خاصة في النزاعات التي تتداخل فيها اعتبارات سياسية وإستراتيجية مع مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.
كما يعكس التقرير تحولًا ملحوظًا في الخطاب الحقوقي الدولي، حيث لم يعد يقتصر على توصيف الانتهاكات، بل بات يميل إلى تأطيرها ضمن مفاهيم كبرى مثل الاستعمار الاستيطاني والإبادة الجماعية. هذا التحول يحمل دلالات سياسية وقانونية عميقة، إذ يرفع سقف النقاش الدولي ويزيد من حدة الاستقطاب، لكنه في الوقت ذاته قد يسهم في إعادة تشكيل أولويات المجتمع الدولي، ويدفع نحو مراجعة أطر التعامل التقليدية مع الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.