كشفت تقارير صحفية دولية عن اعتماد البيت الأبيض في عهد الرئيس دونالد ترامب أسلوباً غير تقليدي لتسويق العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، مستخدماً رموزاً من الثقافة الشعبية والرسوم المتحركة. وتبرز شخصية 'سبونج بوب سكوير بانتس' كأحدث الأدوات المستخدمة في مقاطع فيديو دعائية تهدف لمخاطبة الرأي العام الأمريكي الذي يظهر تشككاً متزايداً تجاه الجدوى من الانخراط في صراعات عسكرية جديدة.
ونشرت حسابات رسمية تابعة للإدارة الأمريكية مقاطع فيديو تمزج بين لقطات كرتونية ومشاهد حقيقية لصواريخ تستهدف شاحنات وطائرات إيرانية، مع تعليقات تؤكد المضي قدماً حتى تحقيق الأهداف دون اعتذار. ويرى مراقبون أن هذه الحملة تعتمد بشكل أساسي على محاكاة ألعاب الفيديو وأفلام الأكشن لتصوير القوة العسكرية الأمريكية في قالب ترفيهي يبتعد عن الخطاب السياسي التقليدي الرصين.
ووصف أكاديميون ومؤرخون في مجال الدعاية هذا التوجه بأنه محاولة لتحويل الحرب إلى مادة للسخرية والتسلية، مما يساهم في إخفاء الحقائق المروعة للصراعات المسلحة وآثارها الإنسانية. وأشار نك كول، المؤرخ في جامعة جنوب كاليفورنيا، إلى أن هذا الأسلوب يمثل تراجعاً عن الخطاب الأخلاقي الذي كان يركز تاريخياً على ضرورة الحرب لتحقيق الديمقراطية أو النظام العالمي.
وعلى صعيد الأرقام، أظهر استطلاع حديث أجراه معهد 'إيبسوس' أن الاستراتيجية الدعائية لم تنجح حتى الآن في كسب أغلبية شعبية، حيث بلغت نسبة تأييد الضربات العسكرية 29% فقط. وفي المقابل، يعارض نحو 43% من الأمريكيين هذه العمليات، مما يشير إلى فجوة بين الطموحات الاتصالية للإدارة وتوجهات الشارع الذي يخشى التورط في حرب طويلة الأمد.
وتتضمن الفيديوهات المنشورة محاكاة لألعاب شهيرة مثل 'Wii Sports'، حيث تظهر لقطات للاعب غولف كرتوني يحقق ضربات مباشرة بالتزامن مع انفجارات حقيقية لمواقع إيرانية. ويهدف هذا الربط، بحسب خبراء الاتصال، إلى حشد قاعدة أنصار ترامب من الشباب واللاعبين عبر تقديم نسخة 'مثيرة وسهلة الفهم' من الصراع العسكري المعقد.
ولم تقتصر الدعاية على الألعاب، بل شملت اقتباسات من أفلام شهيرة مثل 'توب غان' و'بريفهارت' ومسلسل 'بريكينغ باد'، بالإضافة إلى استخدام موسيقى ومصطلحات من لعبة 'مورتال كومبات'. وقد أثار هذا الاستخدام غضب صناع السينما في هوليوود، حيث طالب الممثل بن ستيلر بحذف مقاطع من أفلامه، مؤكداً أن الحرب ليست فيلماً سينمائياً ولا ينبغي استغلال الفن في آلة الدعاية.
من جانبه، يدافع البيت الأبيض عن هذا النهج، حيث صرحت المتحدثة باسمه آنا كيلي بأن الهدف هو تسليط الضوء على 'النجاح الباهر' للجيش الأمريكي في تدمير البنية التحتية الإيرانية. وترى الإدارة أن وسائل الإعلام التقليدية تحاول التقليل من شأن هذه الإنجازات، بينما يسعى البيت الأبيض لعرضها بشكل مباشر وتفاعلي يتناسب مع العصر الرقمي الحالي.
هذا تحويل للحرب إلى مادة للسخرية والتسلية، إنها طريقة مروعة لتصوير الصراع وتشتيت الانتباه عن الدمار البشري.
وتأتي هذه الحملة في وقت حددت فيه واشنطن خمسة أهداف استراتيجية لعملياتها، تشمل منع إيران من امتلاك سلاح نووي وتدمير قوتها البحرية ومنظومات الصواريخ الباليستية. كما أضيفت حماية الحلفاء الإقليميين، وعلى رأسهم إسرائيل والسعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت، كركيزة أساسية للتحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة في المنطقة.
وفي سياق متصل، حدد وزير الدفاع بيت هيغسيث الهدف النهائي بتدمير البنية التحتية الأمنية الإيرانية بشكل كامل لضمان عدم قدرتها على تهديد المصالح الأمريكية. ورغم المطالبات السابقة بالاستسلام غير المشروط، ألمح الرئيس ترامب مؤخراً إلى إمكانية إنهاء العمليات دون اتفاق رسمي، مما يعكس حالة من التذبذب في الجدول الزمني للعملية العسكرية.
ويبرز دور مسؤولي الاتصالات في البيت الأبيض، مثل كايلان دور وستيفن تشيونغ، في تبني لغة 'جيل زد' ومصطلحات مجتمعات اللاعبين عبر منصات التواصل الاجتماعي. ويستخدم هؤلاء المسؤولون تعبيرات مثل 'النصر في الدردشة' وكلمات دارجة لوصف القرارات العسكرية الجريئة، في محاولة لتعزيز صورة الإدارة كقوة غير نادمة على خياراتها الصعبة.
وقد استلهمت هذه الاستراتيجية نجاحات سابقة لمقاطع فيديو نشرتها وزارة الأمن الداخلي، والتي صورت عمليات اعتقال المهاجرين على أنغام مسلسل 'بوكيمون'. وحققت تلك المقاطع عشرات الملايين من المشاهدات، مما شجع الإدارة على نقل ذات النموذج إلى ملفات السياسة الخارجية والأمن القومي الأكثر حساسية.
ويرى بيتر لوج، مدير كلية الإعلام بجامعة جورج واشنطن أن أسلوب التواصل الحالي يشبه عروض 'مصارعة المحترفين' التي تعتمد على الإثارة البصرية وجذب الانتباه. وحذر لوج من أن هذا الدعم الشعبي المبني على 'العرض' قد ينهار بسرعة بمجرد ظهور التكاليف البشرية والاقتصادية الحقيقية للحرب على أرض الواقع.
وعلى الرغم من الانتقادات العنيفة من عسكريين سابقين اعتبروا تصوير الحرب كـ 'لعبة فيديو' استهتاراً بأرواح الجنود، إلا أن البيت الأبيض يواصل عرض لقطات تدمير مصانع الصواريخ الإيرانية. وتصر الإدارة على أن هذا النهج هو الطريقة الوحيدة للوصول إلى الأجيال الجديدة التي لم تعد تتابع الخطابات السياسية التقليدية عبر شاشات التلفاز.
ويبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة هذه 'الدعاية الكرتونية' على الصمود أمام تعقيدات الصراع في الشرق الأوسط، خاصة مع تضارب التقديرات حول مدة العملية العسكرية. وبينما يروج البيت الأبيض لنصر ساحق وسريع، تشير الوقائع الميدانية والتحذيرات الدولية إلى احتمالية انزلاق المنطقة في مواجهة شاملة لا يمكن اختزالها في مقطع فيديو قصير.





شارك برأيك
الحرب كـ 'لعبة فيديو'.. كيف يسوق البيت الأبيض الصراع مع إيران عبر 'سبونج بوب' والثقافة الشعبية؟