تتسارع وتيرة الإجراءات التقشفية في عدة دول حول العالم لمواجهة اضطرابات حادة في إمدادات الطاقة ناتجة عن الصراع الدائر في منطقة الخليج. وتهدف هذه القرارات الصعبة إلى ضمان استمرارية تزويد القطاعات الحيوية والمنازل بالكهرباء والغاز في ظل قفزات غير مسبوقة في التكاليف. وتعيد هذه الأجواء إلى الأذهان القيود الصارمة التي فُرضت إبان جائحة كورونا، حيث بدأت الحكومات في تقليص ساعات العمل والإنتاج لتفادي انهيار المنظومات الطاقية.
وتشير تقديرات أممية أولية إلى أن الخسائر الإقليمية الناجمة عن النزاع في الشرق الأوسط بلغت نحو 63 مليار دولار خلال أول أسبوعين فقط من اندلاع المواجهات. وحذرت الأمم المتحدة من أن استمرار الصراع لمدة شهر قد يرفع فاتورة الخسائر إلى 150 مليار دولار، ما يمثل نحو 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة. وتعكس هذه الأرقام حجم الشلل الاقتصادي الذي أصاب قطاعات التجارة والصناعة نتيجة التوترات العسكرية المتصاعدة.
وفيما يخص حركة الملاحة، أكدت مصادر دولية تدني نسبة الشحن عبر مضيق هرمز بنحو 97%، وهو ما تسبب في خسائر يومية في شحن البضائع تقدر بـ 2.4 مليار دولار. وبلغت الخسائر التجارية التراكمية نحو 30 مليار دولار خلال أسبوعين، بالتزامن مع شلل في قطاع الطيران العالمي. حيث تم إلغاء نحو 19 ألف رحلة جوية في مطارات رئيسية، مما كبد شركات الطيران خسائر في الإيرادات تجاوزت 1.9 مليار دولار حتى منتصف مارس الجاري.
من جانبها، وصفت الوكالة الدولية للطاقة الأزمة الحالية بأنها قد تكون الأعنف في التاريخ، مرجحة أن تستغرق استعادة تدفقات النفط والغاز من الخليج ستة أشهر على الأقل. ويأتي هذا التشاؤم نتيجة إغلاق مضيق هرمز، الذي يعد الشريان الحيوي لنحو 20% من الإنتاج العالمي للنفط. ويمر عبر هذا المضيق يومياً نحو 15 مليون برميل من النفط الخام، بالإضافة إلى خمسة ملايين برميل من المشتقات النفطية التي باتت عالقة الآن.
وصرح فاتح بيرول، رئيس الوكالة الدولية للطاقة، بأن الأسواق والسياسيين يقللون من حجم الكارثة الحالية رغم أن خُمس إمدادات الطاقة العالمية متوقف فعلياً. وأوضح بيرول أن كميات الغاز المفقودة بسبب القتال تعادل ضعف ما خسره السوق الأوروبي من الإمدادات الروسية في عام 2022. كما أشار إلى أن نقص النفط الحالي يفوق الصدمات الاقتصادية التي حدثت في السبعينيات وأدت حينها إلى ركود عالمي طويل الأمد.
واستجابة لهذه الأزمة، دعت وكالة الطاقة الدولية الحكومات إلى تبني حزمة إجراءات طارئة تشمل تعزيز العمل عن بُعد وخفض حدود السرعة على الطرق السريعة. كما شجعت الوكالة على الانتقال إلى وسائل النقل العام وفرض قيود على استخدام السيارات الخاصة في المدن الكبرى لتقليل الطلب على الوقود. وتأتي هذه التوصيات في محاولة لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية لمواجهة الهزات الاقتصادية العنيفة التي ضربت الأسواق العالمية.
ومنذ اندلاع الحرب في الخليج في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، قفزت أسعار النفط لتتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل الواحد. ويتوقع محللون اقتصاديون أن يواصل السعر صعوده ليصل إلى 200 دولار للبرميل في حال غياب أي بوادر لخفض التصعيد العسكري. وأكدت التقارير أن إعادة فتح مضيق هرمز هو الإجراء الوحيد الكفيل بتهدئة الأسواق وضمان عودة تدفقات الطاقة إلى مستوياتها الطبيعية.
حجم الغاز الذي انقطع بسبب القتال يُعادل ضعف ما خسرته أوروبا من روسيا عام 2022، والعالم يواجه أعنف أزمة طاقة في التاريخ.
وفي محاولة للسيطرة على الاستهلاك، بدأت بعض الدول بالفعل في تطبيق سياسات تقنين صارمة، حيث شهدت أستراليا نفاد الإمدادات في عشرات محطات الوقود. ودفعت هذه الحالة الموردين إلى فرض حد أقصى للمبيعات لكل زبون لتجنب النفاذ الكامل للمخزونات. وفي المملكة المتحدة، طالبت منظمات السائقين المواطنين بتجنب الرحلات غير الضرورية وتغيير أساليب القيادة لتوفير كل قطرة وقود ممكنة في ظل الأزمة الراهنة.
وتشير البيانات إلى أن قطاع النقل البري يستهلك نحو 45% من الطلب العالمي على النفط، مما يجعله الهدف الأول لخطط الترشيد الحكومية. وتوصي الوكالة الدولية للطاقة بتقليص رحلات الأعمال الجوية بنسبة 40%، مؤكدة أن هذا الإجراء وحده قد يخفض الطلب على وقود الطائرات بنسبة تصل إلى 15%. وتعتبر هذه الخطوات ضرورية لتقليل الضغط على الاحتياطيات الاستراتيجية التي بدأت تتناقص في العديد من الدول المستوردة.
وعلى الصعيد العربي، أعلنت الحكومة المصرية عن غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً لمدة شهر كامل لخفض استهلاك الكهرباء. وتهدف هذه الخطة إلى تخفيف الضغط على الشبكة القومية للطاقة في ساعات الذروة لمواجهة الارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج. وتعكس هذه الخطوة مدى تأثر الاقتصادات الناشئة بالاضطرابات الجيوسياسية في منطقة الخليج وتداعياتها على سلاسل الإمداد.
وفي دول آسيوية مثل الفلبين وفيتنام، تم التوسع في نظام العمل عن بُعد وتقليص أيام العمل في القطاع العام لتقليل استهلاك الطاقة في المكاتب. كما لجأت بنغلاديش إلى إغلاق الجامعات مبكراً وتقديم عطلة عيد الفطر لتوفير الوقود المستخدم في النقل والازدحامات المرورية. واتخذت باكستان إجراءات أكثر حدة بإغلاق المدارس لمدة أسبوعين والتحول الكامل نحو التعليم الافتراضي لتوفير موارد الطاقة المحدودة.
أما في تايلاند، فقد أصدرت السلطات تعليمات لموظفي الدولة تشمل استخدام السلالم بدلاً من المصاعد الكهربائية لترشيد الكهرباء. كما شملت التوجيهات ضبط أجهزة التكييف عند 27 درجة مئوية، والسماح بارتداء ملابس صيفية خفيفة بدلاً من الزي الرسمي لتخفيف الحاجة للتبريد. وتظهر هذه الإجراءات البسيطة في ظاهرها مدى الجدية التي تتعامل بها الحكومات مع احتمالات انقطاع الطاقة الطويل.
وحذر خبراء اقتصاد في منظمات دولية من أن استمرار الصراع لأسابيع إضافية سيؤدي إلى انهيار في إمدادات السلع الأولية على مستوى العالم. وأشار الخبراء إلى أن عدداً قليلاً جداً من الدول يمتلك القدرة المالية واللوجستية على الصمود أمام هذه الهزة العنيفة لفترة طويلة. ويبقى الرهان العالمي حالياً على الجهود الدبلوماسية لفتح الممرات المائية وتجنب كارثة اقتصادية قد تفوق في آثارها تداعيات الجائحة الصحية.
ختاماً، يراقب العالم بقلق مسار التصعيد في منطقة الخليج وتأثيره المباشر على أمن الطاقة العالمي الذي بات مهدداً بشكل غير مسبوق. ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز، تظل خيارات الدول محدودة بين فرض المزيد من إجراءات التقشف أو مواجهة انهيارات اقتصادية شاملة. وتؤكد هذه الأزمة مرة أخرى مدى ارتباط الاستقرار الاقتصادي العالمي بسلامة الممرات المائية في منطقة الشرق الأوسط.





شارك برأيك
أزمة الطاقة العالمية: دول تفرض إجراءات تقشفية قاسية لمواجهة تداعيات حرب الخليج