تحليل

الثّلاثاء 23 يونيو 2026 11:16 صباحًا - بتوقيت القدس

تعثر النهضة والجهاد الأفغاني: قراءة في التحولات من الغزو السوفيتي إلى عودة طالبان

شكل تاريخ الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1979 منعطفاً حاسماً في تاريخ المنطقة، حين دخلت قوات الاتحاد السوفيتي إلى أفغانستان بطلب من حفيظ الله أمين. كان الهدف المعلن هو حماية النظام من الانهيار ومنع وصول التيارات الإسلامية للسلطة، خاصة مع تصاعد المد الثوري في الجارة إيران حينها.

واجه السوفيت مقاومة شرسة من فصائل المجاهدين التي توزعت ولاءاتها بين قادة بارزين مثل حكمتيار ومسعود وسياف وحقاني. اعتمدت هذه الفصائل استراتيجية حرب العصابات والكمائن في المناطق الجبلية والريفية، مما جعل السيطرة السوفيتية مقتصرة فعلياً على المدن الكبرى ومراكز الإمداد.

دخلت الولايات المتحدة على خط المواجهة بقوة، حيث رأت في الساحة الأفغانية فرصة للانتقام من هزيمتها السابقة في فيتنام. جرى تنسيق رفيع المستوى بين واشنطن والرياض لتمويل المقاومة، وتم تأسيس صندوق بمليار دولار لدعم المجاهدين الأفغان والعرب بالسلاح والعتاد اللازم.

لعبت صواريخ 'ستينجر' الأمريكية المحمولة على الكتف دوراً محورياً في تغيير مسار المعارك منذ عام 1986. مكنت هذه التقنية المجاهدين من تحييد سلاح الجو السوفيتي وإسقاط المروحيات، مما عجل بقرار الزعيم السوفيتي غورباتشوف بالانسحاب الكامل في عام 1989.

لم تكن المملكة العربية السعودية مجرد ممول مالي، بل قدمت غطاءً دينياً ولوجستياً واسعاً لمقاتلة ما وصفته بـ'المد الشيوعي'. ودعمت الرياض تأسيس مكتب الخدمات عام 1984 الذي أشرف عليه أسامة بن لادن لتنظيم تدفق المتطوعين العرب إلى الجبهات الأفغانية.

باكستان من جهتها كانت الرئة التي يتنفس منها الجهاد الأفغاني، حيث وفرت العمق الاستراتيجي والملاذات الآمنة للمجاهدين. وبالتعاون مع الاستخبارات الأمريكية والسعودية، تحولت الأراضي الباكستانية إلى مراكز تدريب وانطلاق للعمليات العسكرية داخل العمق الأفغاني.

بعد سقوط نظام نجيب الله الشيوعي في كابل عام 1992، دخلت البلاد في نفق مظلم من الحروب الأهلية بين فصائل المجاهدين السابقة. تحولت أفغانستان إلى مقاطعات متناحرة يحكمها 'أمراء حرب'، مما أدى إلى تدهور أمني واقتصادي دفع الشعب للبحث عن بديل ينقذه من الفوضى.

في ظل هذا الانقسام، برزت حركة طالبان بقيادة الملا عمر كقوة تنظيمية تهدف إلى إنهاء الحرب الأهلية وتطبيق الشريعة. استطاعت الحركة كسب تعاطف السكان والتجار من خلال إزالة الحواجز العسكرية وتأمين الطرق، مما مكنها من دخول كابل والسيطرة على البلاد عام 1995.

يعزو المحللون انتصار طالبان السريع على فصائل المجاهدين إلى وحدتها التنظيمية الصارمة وتجاوزها للانقسامات العرقية التي فتتت خصومها. بينما غرق القادة التقليديون في صراعات السلطة، قدمت طالبان نموذجاً أمنياً صارماً أعاد الاستقرار المفقود للمناطق التي سيطرت عليها.

فشلت الحركات الجهادية التقليدية في بناء دولة إسلامية مستقرة بسبب طغيان الولاءات القبلية (البشتون، الطاجيك، الأوزبك) على الولاء السياسي. كما أن التدخلات الخارجية المتضاربة ساهمت في إذكاء الصراعات الداخلية كلما لاحت في الأفق بوادر اتفاق وطني شامل.

اعتبر المقال أن تصادم طالبان مع الولايات المتحدة عام 2001 كان خطأً استراتيجياً لدولة ناشئة لم تكتمل مقومات بنائها بعد. وحملت القراءة التحليلية تنظيم القاعدة مسؤولية هذا التصادم الذي أدى لغزو أمريكي أطاح بحكم الحركة لمدة عقدين من الزمن.

رغم القوة العسكرية الأمريكية الهائلة، لم ينجح الاحتلال في تأسيس قاعدة شعبية أو نظام سياسي مستدام في أفغانستان. استمرت طالبان في خوض حرب استنزاف طويلة من الجبال والأرياف، مستفيدة من فشل الإدارات المتعاقبة في كابل في تحقيق التنمية.

انتهى الوجود الأمريكي في عام 2021 بانسحاب دراماتيكي مهد الطريق لعودة طالبان إلى السلطة مرة أخرى. هذه العودة تضع الحركة أمام تحديات جسيمة تتطلب مراجعات عميقة لتجربتها السابقة لتجنب العزلة الدولية وبناء دولة قادرة على البقاء.

يتطلع الشارع الأفغاني اليوم إلى أن تستفيد طالبان من دروس الماضي من خلال تعميق صلاتها بالشعب والخروج من العزلة السياسية. إن بناء اقتصاد قوي وتطوير علاقات متوازنة مع القوى الإسلامية والعالمية هو السبيل الوحيد لتمكين الدولة الوليدة من مواجهة أزماتها.

دلالات

شارك برأيك

تعثر النهضة والجهاد الأفغاني: قراءة في التحولات من الغزو السوفيتي إلى عودة طالبان

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.