GENERAL

الأحد 17 مايو 2026 11:07 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة 'وقف المنان' تشعل الجدل في مصر: تجميد المعاملات على 420 ألف فدان بـ 3 محافظات

فجرت مصلحة الشهر العقاري والتوثيق في مصر أزمة قانونية واجتماعية واسعة النطاق، عقب إصدارها قراراً يقضي بوقف كافة المعاملات والتصرفات العقارية على الأراضي التابعة لـ 'وقف الأمير العثماني مصطفى عبد المنان'. ويشمل هذا القرار مساحات شاسعة تتوزع على ثلاث محافظات حيوية في دلتا مصر، مما أدى إلى حالة من الارتباك بين الملاك والمستثمرين.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن مساحة الوقف المتنازع عليه تصل إلى نحو 420 ألف فدان، وهو ما يمثل قرابة 7% من إجمالي مساحة محافظات كفر الشيخ والدقهلية ودمياط. وتستحوذ محافظة كفر الشيخ على النصيب الأكبر بواقع 256 ألف فدان، تليها دمياط بـ 89 ألف فدان، ثم الدقهلية بنحو 74 ألف فدان من الأراضي الزراعية والعمرانية.

تعود جذور هذه القضية إلى العصر العثماني، حيث أوقف الأمير مصطفى بن قاسم عبد المنان، الذي ولد بدمشق عام 1617 وانتقل للقاهرة، هذه المساحات الشاسعة للأعمال الخيرية والإنفاق على الفقراء. وبحسب السجلات التاريخية، كان المنان يشغل رتبة عسكرية رفيعة كـ 'أمير اللواء السلطاني'، وامتلك ثروة طائلة جعلت وقفه واحداً من أقدم وأكبر الأوقاف في تاريخ مصر.

وشهدت العقود الأخيرة نزاعات قضائية مستمرة بين وزارة الأوقاف المصرية والمواطنين المقيمين على هذه الأراضي، حيث تتمسك الوزارة بحقها في الإشراف والنظارة على الوقف. وتعتبر الأوقاف أن أي تصرفات بيع أو شراء قام بها الأهالي خلال السنوات الماضية باطلة قانوناً، طالما لم تمر عبر قنوات الهيئة الرسمية بصفتها الناظر الشرعي.

وتجددت الأزمة مؤخراً مع إعلان محافظة دمياط عن مزاد علني لبيع وحدات سكنية، وهو ما واجهته وزارة الأوقاف بالرفض القاطع واللجوء للقضاء المستعجل. ونجحت الوزارة في استصدار حكم بوقف المزاد، مستندة إلى مكاتبات رسمية تؤكد تبعية هذه الوحدات لنطاق الوقف التاريخي للأمير عبد المنان، مما فتح الباب أمام إجراءات حصر شاملة.

ويرتبط هذا التحرك الحكومي بتوجهات عليا صدرت في مايو 2025 من رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، بضرورة إجراء حصر دقيق لكافة أملاك هيئة الأوقاف وتعظيم استثماراتها. وتهدف الدولة من خلال هذه اللجنة إلى استرداد الأراضي التي تقع تحت يد المواطنين أو الجهات الحكومية دون سند قانوني يتوافق مع حجج الوقف القديمة.

من جانبه، تدخل البرلمان المصري على خط الأزمة، حيث تقدم النائب ضياء الدين داود ببيان عاجل للحكومة، حذر فيه من التداعيات الخطيرة للمنشور الفني رقم 8 لسنة 2026 الصادر عن الشهر العقاري. وأكد النائب أن القرار تسبب في حالة غضب عارمة، كونه يعطل مصالح آلاف الأسر التي تمتلك عقوداً مستقرة منذ عقود طويلة.

وأوضح داود أن القرار أدى إلى شلل تام في سوق العقارات بمحافظة دمياط، حيث توقفت إجراءات التسجيل وخدمات المرافق للعقارات الجديدة. كما أشار إلى أن أكثر من 50 ألف طلب تصالح في مخالفات البناء باتت معلقة، بالإضافة إلى توقف مشروعات استثمارية كبرى كانت تعتزم المحافظة طرحها في مناطق حيوية مثل مدينة رأس البر.

ولفت النائب إلى وجود تقارير فنية وقانونية سابقة، تعود لعام 2001، كانت قد حسمت الكثير من نقاط النزاع لصالح استقرار الملكيات القائمة. وانتقد العودة لفتح ملفات تاريخية بطريقة تؤدي إلى زعزعة الثقة في العقود المسجلة والأحكام القضائية النهائية التي صدرت لصالح المواطنين على مدار الثلاثين عاماً الماضية.

وفي سياق التصعيد القانوني، استقبلت محكمة القضاء الإداري طعناً يطالب بوقف تنفيذ وإلغاء قرار مصلحة الشهر العقاري وما يترتب عليه من آثار. واعتبر الطعن أن القرار يمثل التفافاً على أحكام قضائية سابقة أكدت عدم ثبوت الحجة المنسوبة لهذا الوقف على كامل المساحات المدعى بها من قبل وزارة الأوقاف.

وذكرت الدعوى القضائية أن أهالي مناطق مثل 'رأس البر' و'السنانية' عاشوا لعقود في ملكيات مستقرة، وصدرت لهم عقود مسجلة من جهات الدولة الرسمية. واعتبر المحامون الموكلون في القضية أن مفاجأة الناس بقرارات تجميد الملكية تحت مسمى 'الحصر' يضر بالأمن القانوني والسلم المجتمعي في المحافظات الثلاث.

وتختصم الدعوى القضائية وزيري العدل والأوقاف بصفتهما، مطالبة بضرورة احترام الملكيات الخاصة التي استقرت بوضع اليد القانوني أو الشراء من المحافظات. ويرى قانونيون أن النزاع يتجاوز مجرد إجراء إداري، ليصل إلى صراع حول تفسير الوثائق التاريخية ومدى انطباقها على الخرائط المساحية الحديثة للزمام الزراعي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، حذر خبراء من أن استمرار وقف التعاملات سيؤدي إلى تراجع الاستثمارات العقارية في محافظات الدلتا، خاصة في ظل توجه الدولة لتشجيع القطاع الخاص. فالمشروعات الكبرى مثل تطوير 'اللسان' بدمياط أصبحت مهددة بالتوقف نتيجة عدم وضوح الرؤية القانونية بشأن ملكية الأرض التي تقام عليها تلك المشروعات.

وتترقب الأوساط الشعبية والقانونية في مصر ما ستسفر عنه اجتماعات اللجنة الحكومية المكلفة بحصر الأراضي، وسط آمال بالوصول إلى تسوية تضمن حقوق الدولة دون المساس باستقرار المواطنين. وتظل قضية 'وقف المنان' نموذجاً معقداً لتشابك التاريخ العثماني مع القوانين العقارية الحديثة في غرف المحاكم المصرية.

دلالات

شارك برأيك

أزمة 'وقف المنان' تشعل الجدل في مصر: تجميد المعاملات على 420 ألف فدان بـ 3 محافظات

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.