بقلم: أليكس كول- هاملتون، عضو البرلمان الإسكتلندي وزعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي الإسكتلندي
خلال العام الماضي، اعترفت بريطانيا بالدولة الفلسطينية، وفرضت عقوبات على مستوطنين متطرفين ووزراء متشددين في حكومة نتنياهو، كما التزمت بتقديم 10 ملايين جنيه إسترليني لدعم الخدمات الأساسية التي تقدمها السلطة الفلسطينية للمواطنين.
ومع ذلك، لفتت انتباهي جملة واحدة في البيان الأخير لوزيرة الخارجية إيفيت كوبر. ففي معرض حديثها عن إدارة الحكم الفلسطيني، قالت ببساطة: "يجب أن تُدار فلسطين على يد الفلسطينيين." هي محقة في ذلك، لكن المشكلة تكمن في أن بريطانيا أمضت ثلاثة عقود تعمل على الحيلولة دون تحقق ذلك. وعندما سيطرت بريطانيا على فلسطين بين عامي 1917 و1948، لم تكن حقوق الفلسطينيين قد أُهملت عن طريق الخطأ، بل أُزيحت جانباً بشكل متعمد. ولم تعترف بريطانيا قط بتلك المعاناة، ولا حتى بالدور الذي لعبته أساليب السيطرة والإكراه التي انتهجتها في ترسيخ كثير من الممارسات التي نشهدها اليوم.
وهذا هو السؤال المحوري الذي طرحته حملة "Britain Owes Palestine" أمام الحكومة في عريضة قانونية مكونة من 400 صفحة، أعدّها عدد من كبار المحامين والمؤرخين.
تستعرض العريضة تاريخًا مقلقًا غاب إلى حد كبير عن الوعي العام. ففي عام 1917، التزمت بريطانيا من خلال وعد بلفور بدعم إقامة وطن قومي لليهود في أرض كان أكثر من 90% من سكانها من العرب، وذلك دون الحصول على موافقة أصحاب الأرض الذين كانوا يعيشون فيها. وخلال العقود التي تلت ذلك، حرمت بريطانيا الأغلبية الفلسطينية من أي مشاركة ديمقراطية حقيقية وفاعلة. وعندما طُرح تشكيل مجلس تشريعي يتمتع فيه العرب بالأغلبية، صوّت البرلمان البريطاني على رفض المقترح.
إن فشل المملكة المتحدة في تهيئة الظروف اللازمة للوصول إلى حل الدولتين قبل انتهاء فترة الانتداب، أسّس لحقبة طويلة من العنف والصراع.
واليوم، إذا كنا جادين في البحث عن حل طويل الأمد يعيش فيه العرب واليهود جنبًا إلى جنب بسلام، فعلينا أن نكون واضحين وحازمين في دعم إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية حرة ونزيهة في جميع الأراضي المحتلة، وهي الانتخابات التي أكد الرئيس محمود عباس إجراءها في نوفمبر/تشرين الثاني 2026 وبداية عام 2027. وتمثل هذه الانتخابات فرصة لاستعادة السيطرة على قطاع غزة من حركة حماس، وفتح الطريق أمام تحقيق السلام والأمن لكلا الجانبين.
كما يتعين علينا تمكين القوى المعتدلة في المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني، وسحب النفوذ من التيارات المتطرفة، بما في ذلك من خلال دفع الخطط متعددة الأطراف لنزع سلاح حركة حماس، وضمان فرض العقوبات وتطبيقها على بنيامين نتنياهو والوزراء المتطرفين في حكومته.
وينبغي أيضًا أن تحظر بريطانيا جميع أشكال التجارة في السلع والخدمات مع المستوطنات غير القانونية في الأراضي المحتلة، إدراكًا منها بأن هذه المستوطنات تمثل أحد أكبر العوائق أمام تحقيق حل الدولتين. فما دام المستوطنون الإسرائيليون قادرين على الاستيلاء على المزيد من الأراضي والسيطرة عليها، بدعم من القوة العسكرية للجيش الإسرائيلي، فلن يكون هناك سلام حقيقي في المنطقة. كما أن ذلك يجعل قيام دولة فلسطينية مستقرة أمرًا أكثر صعوبة، من خلال حرمانها من موارد المياه والأراضي الزراعية.
لكن أي حل قابل للحياة يتطلب أيضًا أن تواجه بريطانيا إخفاقاتها التاريخية.
فعندما اندلعت الثورة العربية الفلسطينية بين عامي 1936 و1939، ردّت بريطانيا بسياسات العقاب الجماعي، والمحاكم العسكرية، وأساليب اعترف وزير المستعمرات البريطاني سرًا أمام مجلس الوزراء بأنها تضمنت "فظائع" ارتكبتها الشرطة وجرى إخفاؤها عمدًا عن البرلمان. وقد قُتل ما لا يقل عن 5,000 فلسطيني وأصيب 15,000 آخرون خلال تلك الفترة.
وعندما انسحبت بريطانيا من فلسطين، تعرّض نحو 750 ألف فلسطيني للتهجير خلال الحرب التي اندلعت لاحقًا، وهو ما تصفه العريضة بأنه كان أمرًا متوقعًا وبالإمكان تجنبه، ومرتبطًا بتخلي بريطانيا عن مسؤولياتها. بعد ذلك، أقر البرلمان البريطاني تشريعًا منح بأثر رجعي الحصانة لجميع المسؤولين البريطانيين من الملاحقة القانونية عن الأفعال التي ارتكبوها خلال فترة الانتداب.
إن بريطانيا تتحمل مسؤولية ما فعلته، كما تتحمل مسؤولية آثار تلك الأفعال التي ما زالت حاضرة حتى اليوم. انظروا إلى فلسطين اليوم، وستجدون أن استخدام المحاكم العسكرية، والعقاب الجماعي، وهدم الممتلكات، هي ممارسات كانت من سمات فترة الانتداب البريطاني، وما زالت تُستخدم من قبل السلطات الإسرائيلية. فالدولة التي تدّعي اليوم الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، بينما ترفض في الوقت ذاته التعامل مع عريضة قانونية تتعلق بأفعال القمع التي مارستها هي نفسها، لا تطبق مبادئها بصورة متسقة. فلا يمكن لأي طرف أن يكون وسيطًا نزيهًا في قضية ساهم في تدميرها دون أن يعترف أولًا بما ارتكبه.
في سبتمبر/أيلول الماضي، وقفت في قاعة البرلمان الإسكتلندي في هوليرود وقلت إن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يمثل خطوة أساسية نحو السلام، وإن الحزب الليبرالي الديمقراطي لا يساوره شك في أن أفعال الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي تشكل انتهاكًا للقانون الدولي، وأن على الحكومة البريطانية اتخاذ خطوات إضافية من خلال فرض حظر شامل على تصدير الأسلحة وفرض عقوبات محددة على حكومة نتنياهو. وقد صوّت البرلمان الإسكتلندي بأغلبية 65 صوتًا مقابل 24 لصالح ذلك الموقف. لقد عبّرت إسكتلندا عن موقفها تجاه الأزمة الراهنة، لكن مساءلة البرلمان البريطاني يجب أن تشمل أيضًا مواجهة السؤال التاريخي.
إن البرلمان الإسكتلندي لا يستطيع إلزام البرلمان البريطاني في القضايا التي تندرج ضمن اختصاصه، إلا أن إسكتلندا كانت دائماً مستعدة لاستخدام صوتها للتحدث عن قضايا تتجاوز صلاحياتها المحلية. إن التوافق العابر للأحزاب في البرلمان الإسكتلندي بشأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، والقيود على تصدير الأسلحة، واحترام القانون الدولي يعكس توجهًا واسعًا في المجتمع الإسكتلندي. وينبغي لهذا التوافق الآن أن يدفع نحو خطوة إضافية: مطالبة بريطانيا بمواجهة تاريخها بصدق، بوصفه تاريخًا أسهم في خلق الظروف التي نحاول اليوم معالجتها.
وعلى الرغم من مرور تسعة أشهر على تسليم العريضة إلى الحكومة البريطانية، وقيام مجموعة برلمانية تضم 45 نائبًا وعضوًا في مجلس اللوردات من مختلف الأحزاب بمراسلة رئيس الوزراء للمطالبة برد، لم يصدر أي رد حتى الآن. ولا يزال مقدم العريضة الرئيسي، منيب المصري، الذي أُصيب برصاص جنود بريطانيين عندما كان مراهقًا، إلى جانب ثلاثة عشر فلسطينيًا آخرين تأثرت عائلاتهم بشكل مباشر بسياسات فترة الانتداب البريطاني، ينتظرون الإجابة.
لا ينبغي لبريطانيا أن تكتفي بطرح سؤال حول ما يمكنها فعله اليوم لتحقيق المزيد من السلام والعدالة للفلسطينيين والإسرائيليين، بل عليها أيضًا أن تسأل نفسها عن دورها في صناعة الأزمة الحالية.
ولهذا، أدعو أعضاء البرلمان الإسكتلندي، من مختلف الأحزاب، إلى الانضمام إليّ في مطالبة الحكومة البريطانية بالرد أخيرًا على هذه العريضة. كما أدعوها إلى مواجهة سجلها خلال فترة الانتداب بصدق، وأن تدرك أن السلام المبني على ذاكرة انتقائية ليس سلامًا قادرًا على الصمود.





شارك برأيك
"ينبغي أن تُدار فلسطين على يد الفلسطينيين" ... فلماذا ترفض بريطانيا مواجهة إرثها؟