تتسارع الخطى في الجزائر نحو تعزيز سياسة الرقمنة كخيار استراتيجي لحماية التراث المكتوب والوثائق التاريخية من الاندثار، حيث أعلنت وزارة الثقافة والفنون عن رقمنة ما يقارب 40 ألف مخطوط حتى الآن. وتأتي هذه الخطوة في إطار خطة طموحة تهدف إلى بلوغ نسبة 80 في المئة من المخطوطات المتبقية خلال العامين المقبلين، لضمان إتاحتها للباحثين دون تعريض النسخ الأصلية للتلف.
ولم تقتصر الجهود الرسمية على الجوانب التقنية المكتبية، بل امتدت لتشمل شراكة نوعية مع مديرية الصناعات العسكرية التابعة للجيش، أسفرت عن تجهيز شاحنات متنقلة تعمل كمخابر ميدانية متخصصة. وتتولى هذه الوحدات مهام حصر المخطوطات وتوثيقها وفحص حالتها الفنية في مختلف مناطق البلاد، خاصة في المناطق النائية التي تضم خزانات عائلية وتقليدية عريقة.
وأكدت مصادر رسمية أن المخطوطات تعد ركيزة أساسية للهوية الوطنية وجسراً للتواصل الحضاري، مشيرة إلى أن الملتقى الدولي للتراث المخطوط 'طرق الحبر في الجزائر' شدد على ضرورة توسيع آليات الحماية. ويهدف هذا التوجه إلى خلق بيئة آمنة تضمن صون الذاكرة الجماعية من عوامل الرطوبة والحرارة التي تهدد سلامة الورق والحبر القديم.
وفي سياق الإحصاءات الرسمية، كشف مدير المكتبة الوطنية أن عمليات الجرد الشاملة سجلت وجود أكثر من 46 ألف مخطوط على المستوى الوطني، تحتفظ المكتبة الوطنية بحصة كبيرة منها. كما نجحت الجزائر في إدراج أربعة مخطوطات نادرة ضمن برنامج 'ذاكرة العالم' التابع لمنظمة اليونسكو، مما يعزز القيمة الدولية لهذا الإرث الإنساني.
وتشير التقارير إلى أن البعثات الميدانية نجحت خلال السنوات الثلاث الأخيرة في اكتشاف وجرد أزيد من 34 ألف مخطوط جديد كانت بحوزة عائلات جزائرية. وتعد هذه المكتشفات كنزاً معرفياً نادراً، حيث تضم مؤلفات لم يسبق تحقيقها أو تسجيلها في الفهارس الوطنية، مما يفتح آفاقاً جديدة للدراسات التاريخية والعلمية.
وعلى رغم التطور التقني، يواجه مشروع الرقمنة تحديات لوجستية ومالية مرتبطة بكلفة المعدات المتطورة والبرمجيات المتخصصة، فضلاً عن الحاجة لصيانة البيانات الرقمية وحمايتها. ويؤكد خبراء في التكنولوجيا أن ضمان استمرارية هذه الملفات يتطلب بنية تحتية قوية وأنظمة حماية متقدمة ضد القرصنة أو الضياع المفاجئ للبيانات.
وتبرز الحاجة الملحة لهذه الإجراءات بعد سلسلة من الحوادث المؤلمة التي أدت لفقدان أجزاء من الذاكرة الوطنية، كان آخرها حرائق شهدتها مدينتا أدرار وعين صالح في الجنوب. وتسببت تلك الحرائق في إتلاف آلاف المخطوطات والوثائق النادرة التي كانت محفوظة في خزانات عائلية تفتقر لوسائل الحماية الحديثة من الكوارث الطبيعية.
المخطوطات تمثل أحد أهم مكونات الهوية الوطنية ووسيلة للتواصل الحضاري بين الشعوب، وجهودنا تستهدف رقمنة 80% من هذا الإرث خلال عامين.
وتمثل ظاهرة سرقة وتهريب المخطوطات نحو الخارج تحدياً أمنياً وثقافياً كبيراً، حيث تسعى شبكات دولية للمتاجرة بهذه الكنوز في المزادات العالمية. وحذرت مصادر من أن فقدان هذه الوثائق يؤدي إلى تشويه التاريخ الوطني واستخدامه من قبل جهات معادية لإثارة النعرات أو تزوير الحقائق التاريخية المرتبطة بالسيادة.
وتستحضر الذاكرة الجزائرية بمرارة الجرائم الثقافية التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي، ومن أبرزها حرق مكتبة جامعة الجزائر قبيل الاستقلال بأيام قليلة في يونيو 1962. ذلك الحريق المتعمد الذي نفذته المنظمة المسلحة السرية أدى إلى تفحم نحو 400 ألف كتاب ومخطوط، في محاولة لطمس الهوية العلمية للبلاد.
وتشير وثائق تاريخية وتقارير صحافية فرنسية تعود لتلك الحقبة إلى أن السلطات الاستعمارية قامت بتهريب حاويات ضخمة تضم أنفس المخطوطات والكتب قبل إضرام النار في المكتبة. ولا تزال قضية استرجاع هذا التراث المنهوب تشكل محوراً أساسياً في ملف الذاكرة بين الجزائر وباريس، خاصة مع ظهور بعض تلك المخطوطات في مزادات فرنسية مؤخراً.
وفي إطار العناية بالقائمين على هذا التراث، تم تسليط الضوء على دور 'خزاني المخطوطات' الذين يديرون أكثر من 587 خزانة عبر التراب الوطني. وتعمل وزارة الثقافة على تقديم برامج تكوينية متخصصة لهؤلاء لتمكينهم من تقنيات الترميم اليدوي والحفظ الوقائي، بما يضمن بقاء المخطوط في بيئته الأصلية مع حمايته.
وتتطلع المكتبة الوطنية الجزائرية مستقبلاً لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات الفهرسة والتحليل المعرفي للمخطوطات القديمة. وستسمح هذه التقنيات باستخراج المعلومات والروابط التاريخية بدقة وسرعة فائقة، مما يسهل على الباحثين الوصول إلى محتويات المخطوطات دون الحاجة للملامسة الفيزيائية المتكررة.
إن التوجه نحو 'توطين' المخطوطات في مؤسسات متخصصة يهدف إلى وضع ضوابط صارمة تمنع تنقل هذه المواد الحساسة إلا تحت إشراف مباشر. وتعتبر السلطات أن الرقمنة هي 'الحصانة' الوحيدة التي ستجعل التراث الجزائري عصياً على الضياع أو التزوير، مهما كانت الظروف الميدانية أو التحديات الأمنية.
ختاماً، يمثل مشروع رقمنة التراث المخطوط في الجزائر معركة وعي وطني لاستعادة وحماية الذاكرة، حيث تتضافر الجهود التقنية والعسكرية والعلمية لتحقيق هذا الهدف. ومع استكمال رقمنة 80% من الرصيد الوطني، ستكون الجزائر قد وضعت حجر الأساس لحماية إرثها الحضاري من الضياع والنسيان للأجيال القادمة.





شارك برأيك
الجزائر تحصن ذاكرتها المكتوبة: رقمنة آلاف المخطوطات وشراكة عسكرية لحمايتها ميدانياً