خيم الحزن على الأوساط الفنية والثقافية في العالم العربي، اليوم الأحد، مع إعلان وفاة الفنان القدير هاني شاكر، الملقب بـ'أمير الغناء العربي'، عن عمر يناهز 74 عاماً. وجاء رحيل شاكر في أحد مستشفيات العاصمة الفرنسية باريس، حيث كان يقضي فترة نقاهة وعلاج طبيعي لاستعادة قدراته الحركية بعد رحلة علاجية طويلة.
وأفادت مصادر مقربة من عائلة الراحل بأن الوفاة نتجت عن انتكاسة صحية غير مبررة طبياً أدت إلى فشل تنفسي كامل، وذلك بعد أسابيع من خضوعه لجراحة ناجحة في مصر لاستئصال القولون. وقد قضى الفنان الراحل أيامه الأخيرة تحت أجهزة التنفس الاصطناعي، محاطاً بزوجته السيدة نهلة توفيق ونجله شريف وأفراد عائلته.
بدأت مسيرة هاني شاكر الفنية منذ الطفولة، لكن انطلاقته الحقيقية كانت في عام 1972 عندما قدم أغنية 'حلوة يا دنيا' من ألحان محمد الموجي. وقد أحدث صوته حينها حالة من الجدل الفني نظراً للتشابه الكبير في الأداء مع العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، مما جعله يعتبر امتداداً طبيعياً لمدرسة الرومانسية الكلاسيكية.
على مدار أكثر من نصف قرن، نجح شاكر في الحفاظ على مكانته كحارس لتراث الغناء العربي الرصين، رافضاً الانجراف وراء الموجات الموسيقية العابرة. وقدم خلال مشواره ما يزيد على 500 أغنية و30 ألبوماً، تعاون فيها مع كبار الملحنين والشعراء، لتصبح أعماله أيقونات في ذاكرة المستمع العربي.
لم تقتصر إسهامات هاني شاكر على الغناء فقط، بل خاض غمار العمل النقابي بانتخابه نقيباً للمهن الموسيقية في مصر لدورتين متتاليتين بدءاً من عام 2015. وشهدت فترة رئاسته للنقابة معارك حادة دفاعاً عن هوية الغناء المصري، قبل أن يقرر الاستقالة في صيف 2022 ليتفرغ لنشاطه الفني الذي لم ينقطع.
عاش الفنان الراحل تجربة إنسانية مريرة بعد وفاة ابنته الكبرى دينا في عام 2011 إثر صراع مع مرض السرطان، وهي الفاجعة التي تركت أثراً عميقاً في وجدانه. ورغم تفكيره في الاعتزال آنذاك، إلا أنه استمر في الغناء تنفيذاً لوصية ابنته الراحلة، مستمداً قوته من رعاية حفيديه التوأم.
رحل هاني شاكر تاركاً خلفه إرثاً موسيقياً شكل وجدان أجيال متعاقبة، ليبقى صوته همزة وصل لا تنقطع بين زمن الطرب الأصيل والحاضر.
تميزت شخصية هاني شاكر بالدماثة والرقي في التعامل، وكان يحرص دائماً على الابتسامة في وجه جمهوره وزملائه، مما جعله من أكثر الفنانين تقديراً ومجاملة. كما عرف بحسه الفكاهي في لقاءاته التلفزيونية، وقدرته على التنوع الفني الذي شمل تقديم أغنيات شعبية و'ديوهات' مع جيل الشباب مثل الفنان أحمد سعد.
ارتبط اسم الراحل بالقضايا الوطنية والاحتفالات القومية، حيث كان صوتاً حاضراً في كل المناسبات الكبرى، ونال تكريمات رفيعة من عدة دول عربية تقديراً لمسيرته. ومن أبرز تلك التكريمات ما حظي به في فلسطين وتونس والمغرب، حيث كان يُعامل كرمز فني يمثل القوة الناعمة لمصر.
في فبراير الماضي، احتفل شاكر بعيد الحب في باريس وسط حضور جماهيري غفير، ورغم علامات التعب التي بدت على ملامحه، إلا أن صوته ظل محتفظاً بعذوبته وشجنه المعهود. وكان يستعد لإطلاق أعمال جديدة باللهجة اللبنانية، إلا أن القدر لم يمهله لاستكمال مشاريعه الفنية التي كانت تزدحم بها أجندته.
تنتظر الجماهير حالياً وصول جثمان الفقيد من باريس ليوارى الثرى في مسقط رأسه بمصر، وسط توقعات بجنازة رسمية وشعبية تليق بمكانته. وقد نعاه نجله شريف بكلمات مؤثرة، واصفاً إياه بـ'سند الوطن العربي' والأب والصديق الذي ترك فراغاً لا يمكن تعويضه في قلوب محبيه.
ترك هاني شاكر خلفه مكتبة غنائية ثرية تضم روائع مثل 'نسيانك صعب أكيد'، 'لو بتحب'، و'علي الضحكاية'، وهي الأغنيات التي ستظل شاهدة على موهبة استثنائية. وبوفاته، تطوى صفحة مشرقة من تاريخ الطرب العربي، حيث فقدت الساحة الفنية واحداً من آخر عمالقة الزمن الجميل الذين جمعوا بين الموهبة والأخلاق.
سيظل إرث هاني شاكر الفني مدرسة للأجيال القادمة في كيفية الحفاظ على رقي الكلمة وعذوبة اللحن، بعيداً عن صخب التغييرات الاستهلاكية. إن رحيله اليوم ليس مجرد غياب لفنان، بل هو خسارة لجزء من الذاكرة الوجدانية العربية التي تشكلت على وقع صوته الرقيق وأحاسيسه الصادقة.





شارك برأيك
رحيل 'أمير الغناء العربي'.. هاني شاكر يغادر عالمنا في باريس بعد صراع مع المرض