نشرت الجريدة الرسمية في مصر قرار وزير العدل، محمود الشريف، رقم 896 لسنة 2026، والذي يفرض قيوداً مشددة على المحكوم عليهم في قضايا النفقة. يقضي القرار بتعليق استفادة هؤلاء الأفراد من 34 خدمة حكومية ومهنية متنوعة، ويظل هذا الإجراء سارياً حتى يتم سداد المستحقات المالية أو تقديم ما يثبت براءة الذمة من دين النفقة.
تشمل قائمة الخدمات المعلقة قطاعات حيوية تمس الحياة اليومية للمواطنين، أبرزها إصدار وتجديد البطاقات التموينية وخدمات ضم المواليد. كما يمتد الحظر ليشمل تركيب عدادات الكهرباء، وإصدار رخص القيادة المهنية، وتراخيص تشغيل المحال العامة، بالإضافة إلى وقف إجراءات التصالح وتخصيص الأراضي وتراخيص البناء.
ولم يقتصر القرار على الخدمات المدنية العامة، بل طال القطاع الزراعي والمهني، حيث سيتم وقف صرف الأسمدة الزراعية وخدمات كارت الفلاح. كما تضمن القرار إيقاف إصدار بطاقات الخدمات المتكاملة لذوي الإعاقة، ورخص مزاولة مهنة التخليص الجمركي، وتصاريح الحفر الخاصة بمد كابلات الكهرباء للممتنعين عن السداد.
من جانبها، أعربت وزيرة التضامن الاجتماعي، مايا مرسي، عن دعمها الكامل لهذا القرار، مؤكدة أنه يمثل ترجمة عملية للتنسيق بين وزارتي العدل والتضامن. وأوضحت أن الهدف هو تعزيز الموقف المالي لـ 'صندوق نظام تأمين الأسرة' التابع لبنك ناصر الاجتماعي، لضمان استدامة صرف النفقات للمستحقين من الزوجات والأبناء.
في المقابل، انتقد مراقبون وحقوقيون هذه الخطوة، واصفين إياها بـ 'غير الإنسانية' وتهدد حياة ملايين المصريين. واعتبر البعض أن هذه القرارات تمثل امتداداً لفلسفة عقابية جديدة تهدف إلى جباية الأموال وتخفيف الأعباء عن كاهل الدولة على حساب الحقوق الأساسية للمواطنين، مما قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
وأشار سياسيون إلى أن حرمان المواطن من رخصته المهنية أو خدماته التجارية يعد تعمداً للإفقار وزيادة معدلات البطالة، مما يعجزه عن الوفاء بالتزاماته المالية أصلاً. وحذروا من أن ربط الخدمات العامة بالسلوك الشخصي أو المديونيات القضائية يمثل تحولاً خطيراً في العلاقة بين الدولة والمواطن وتصنيفاً غير عادل للمجتمع.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه مصر أزمة مجتمعية متصاعدة مع ارتفاع نسب الطلاق بنسبة 35% خلال العقد الأخير. وبحسب الإحصاءات الرسمية، بلغت حالات الطلاق نحو 274 ألف حالة في عام 2024، مما وضع البلاد في المرتبة الخامسة عشرة عالمياً في معدلات الانفصال الزوجي.
القرار يمثل إعداماً مدنياً وحصاراً اقتصادياً يسد أبواب الرزق أمام المواطنين، والعدل الحقيقي هو التقويم وليس الانتقام.
ويرجع خبراء اجتماع هذا الارتفاع الملحوظ إلى الضغوط الاقتصادية القاسية وصعوبة الأحوال المعيشية وتراجع القوة الشرائية للجنيه. ويرى مختصون أن القرارات الإدارية الأخيرة قد تزيد من حدة النزاعات الأسرية بدلاً من حلها، حيث تتحول النفقة إلى أداة للانتقام المتبادل بين الأزواج السابقين.
وعلى صعيد متصل، شهدت القاهرة وقفات احتجاجية لعدد من الآباء أمام مقر مجلس الدولة، للمطالبة بتعديل قانون الأحوال الشخصية. ويطالب المحتجون بتطبيق نظام 'الاستضافة' بدلاً من 'الرؤية' المحدودة، وتغيير ترتيب حضانة الأطفال ليكون الأب في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم.
وأكد قانونيون أن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما تتحول وسيلة تنفيذ حق النفقة إلى آلية عقابية ممتدة تتجاوز الغرض الأساسي وهو استيفاء الحقوق. وأوضحوا أن التوسع في الحرمان من الخدمات قد يعوق قدرة الشخص على الكسب والسداد، مما يدخل الأسرة في حلقة مفرغة من الفقر والتقاضي.
كما لفت حقوقيون إلى أن هذه السياسة تشبه إلى حد بعيد الإجراءات المتبعة في قانون الكيانات الإرهابية، من حيث مصادرة الحقوق المدنية والمالية. وشددوا على ضرورة التمييز بين الضغط المشروع لتنفيذ الأحكام القضائية وبين العقوبات الجماعية التي تمس احتياجات المعيشة الأساسية.
وفي شهادات لمتضررين، أكد بعض الآباء أنهم يواجهون عشرات القضايا الكيدية التي تمنعهم من رؤية أبنائهم رغم التزامهم بالدفع. وأشاروا إلى أن القانون الحالي يمنح ثغرات تتيح التحايل على حقوق الأب في الحضانة والرؤية، بينما تلاحقه الدولة بقرارات إدارية تزيد من تهميشه اقتصادياً واجتماعياً.
وتشير البيانات القضائية إلى أن عدد قضايا الأسرة في مصر وصل إلى قرابة 7 ملايين قضية خلال السنوات العشر الماضية، منها 3 ملايين قضية تتعلق بالنفقة وحدها. هذا الحجم الهائل من النزاعات يعكس عمق الأزمة الهيكلية في القوانين المنظمة للعلاقات الأسرية في البلاد.
ختاماً، يبقى الجدل قائماً حول مدى فاعلية هذه الإجراءات في تحقيق العدالة الناجزة، وسط مخاوف من أن تتحول إلى وسيلة لتعميق الفجوة الاجتماعية. ويطالب مختصون بضرورة تبني رؤية شاملة للإصلاح الأسري تعتمد على التقويم والدعم النفسي والاجتماعي بدلاً من الاعتماد الكلي على المقاربات الأمنية والإدارية العقابية.





شارك برأيك
مصر تقيد وصول المتعثرين في قضايا النفقة إلى 34 خدمة حكومية أساسية